جانب من آراء العلامة ناصر سبحاني الاقتصادية (الحلقة 27)

د. عمر عبد العزيز

تقديم

   هذه الحلقة مخصّصة لعرض آراء العلامة ناصر سبحاني – رحمه الله تعالى – ورؤاه حول الاقتصاد الإسلامي، تعريفه وخصائصه ومزاياه، مع إبراز مساوئ النظام الرأسمالي، وإبداء رأي الإسلام في الملكيّة الفردية، وتوضيح تجاذب الحاجة والمتاع، وتنوّع الاستعدادات الإنسانية، وحقّ ملكية أجيال الأمّة للمعادن والثروات الطبيعية.. مع توضيح طرق كسب المال الشـرعي وغير الشـرعي، وذكر مكوّنات بيت المال، ثمّ رأيه حول كل من الفيء والأنفال والغنائم..

أولاً/ الاقتصاد الإسلامي، وأهم خصائصه، في نظر العلامة سبحاني:

1- تعريف الاقتصاد الإسلامي:

هناك تعريفات عديدة للاقتصاد الإسلامي، وفق اجتهادات معيّنة ([1])، لا أرى ضرورة عرضها هنا، ولكن العلامة سبحاني حاول أن يعرّف نظام الاقتصاد الإسلامي تعريفاً جامعاً مانعاً، يُبرز فيه أسسه ومبرراته ووسائله وخصائصه، فقال: “هو نظام أخلاقي، وقانون يتم من خلاله تلبية حاجات الإنسان الأساسية، في الجنس والغذاء والملبس والمسكن، وذلك عن طريق فكر الإنسان وإرادته الحرة، ووفق مبادئ أخلاقية وقوانين إجرائية”([2]).

ويرى سبحاني أنّ نظام الاقتصاد الإسلامي يختلف عن الأنظمة الأخرى الرأسمالية والاشتراكية، في كونه لا يجبر الإنسان على أن يعمل بكل وسعه للكسب والعمل، كما يرى ذلك الاشتراكيون، باعتبار أنّ للإنسان مهاماً ووظائف أخرى أخلاقية، بعكس المنهج الاشتراكي الوضعي الذي لا يُبقي مجالاً لتفكير الإنسان والتمتع بإرادته الحرة، وبعكس المنهج الرأسمالي الذي يسيّر الكادحين والعاملين بحيث تصبّ نتاجات جهودهم في مصالح أصحاب رؤوس الأموال، فيُؤخذ من الفقراء والطبقات الوسطى جهودهم، ويسلب منهم حريتهم وإرادتهم إلى حد كبير. بينما أمر الله سبحانه المسلمين أنْ يكونوا قوّامين بالقسط مطلقاً وفي كل شيء، قال تعالى: [يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ] النساء/135. والقسط يتمثل في إعطاء كل ذي حقّ حقّه من كل جانب، وحفظ التوازن بين الجانب المادي والمعنوي في الإنسان، ويتحقّق بإشباع غرائزه الحيوانية، وحاجاته الإنسانية؛ من ناحية الفكر والإرادة الحرة.. وبما أنّ للإنسان وظائف أخرى، عدا إشباع الرغبات المادية، فلا يكلّف في الإسلام أن يعمل أكثر من اللازم، بل لا بدّ أن يكون عمله متوازناً، يتناسب مع حركته في إشباع رغباته الأخرى الإنسانية والروحية ([3]).

2- الملكيّة الفردية:

   ومن جانب آخر، يؤكّد سبحاني أنّ نظام الاقتصاد الإسلامي يؤمن بالملكيّة الفردية، في كلّ ما اكتسبه الإنسان عن طريق العمل، ولكن لا على الطريقة الرأسمالية التي رفعت كل القيود والشـروط فيها، ولا على الطريقة الشيوعية التي تنفيها بإطلاق. فالقرآن أقرّ بوجود رؤوس الأموال لأفراد المجتمع، قال الله تعالى: [يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ] البقرة/ 278 – 279.

وهناك آياتٌ عديدةٌ أخرى تنسب الأموال إلى الأفراد؛ كقوله سبحانه: [وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ] سبأ/ 37، وقوله: [وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا] النساء/ 5، وغيرها. إلّا أنّ الملكية بالمفهوم القرآني تختلف عنها في غيره، فالإنسان مستخلف على ما ملكّه الله، وأجازه أن يتصـرّف فيما آتاه الله، وفق شـروط وضوابط أمر الله برعايتها، لكون المالك الحقيقي هو الله سبحانه ([4]).

وبينما يحافظ الإسلام، في نظامه الاقتصادي، على التوازن بين الإنسان – بشقّيه المادي والمعنوي –، وبين السلع والمال والمتاع، نرى أن مفكري الغرب وفلاسفتهم يركّزون على الإنسان فقط، بل على بعده المادي فقط. فعلم الاقتصاد عند (آدم سميث)([5])؛ هو: “علم الثروة، أو علم دراسة وسائل اغتناء الأمم، مع التركيز على الأسباب المادية لرفاهية الإنسان”. وهو عند (مارشال) ([6]): العلم الذي يتعلّق بدراسة تصـرّفات الفرد في نطاق أعمال حياته اليومية المتعلّقة بدخله”. ويكفي هذا كإشارة إلى فقدان المنهجية المتوازنة التي تميّز بها النظام الإسلامي، في تلك المناهج البشرية الوضعية، التي صوّرت الاقتصاد من زوايا مادية بحتة.

3- القسط أساس الاقتصاد الإسلامي:

يرى سبحاني أن القسط هو أسّ الأسس في الاقتصاد الإسلامي، ومن أجله ولمواجهة البغي والفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، فرض الله أمرين، هما: المبادئ الأخلاقية، بجانب قوانين إجرائية، ومن خلالهما سعى الإسلام لقطع دابر العلاقة الاستبدادية والمحاولة الاستغلالية بين الأثرياء والمتمكّنين مالياً، وبين الفقراء والطبقات الوسطى. ومن هنا هدّد الله المطفّفين في الاكتيال والميزان، وكذلك الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ونهى عن البغي والظلم والاعتداء، والربا، والإسـراف، والترف والتبذير، والتقتير، والكنز، والاحتكار، والشحّ والبخل، وغير ذلك من الصفات السيئة. كما منع تسليم الأموال للسفهاء، وتداولها بين الأغنياء، أو ضمّها وجمعها وعدّها.. ومقابل كل ذلك أمر بالعدل، والإحسان، والكرم، وإخراج الزكاة ([7])، والإنفاق، والصدقات، والإيثار، ووضع أنظمة وقواعد لواردات الفيء والغنائم والأنفال، وشـرع المواريث والوصية والتجارة ([8]). كل هذه وغيرها من المسائل المتعلقة بالمال والتجارة، لها ضوابط وقواعد مفصّلة، اعتنى بها فقهاء المسلمين، وهي تعدّ من أروع ما دُوّن في مجال الاقتصاد.

4- سهم عمّال الدولة، ومفهوم ذوي القربى:

وفي سياق عرض خصائص الاقتصاد الإسلامي، يرى سبحاني أن المسؤولين التنفيذيين في الدولة الإسلامية، مستثنون من أخذ الزكاة والصدقات في كل زمان ومكان.. وهذا ما شاع بين الناس من أن أبناء أهل البيت لا تشملهم الصدقات. وهذا خطأ فاحش، ووهم أصاب أبناء الأمّة في بعض العصور.. حقيقة الأمر هي أنه كان للرسول – صلوات الله عليه – سهم، فكان ينفق منه على ذويه، وإلا فإن أيّاً منهم – بعد عهده، وحرمانهم من السهم الخاص بهم – لو دخل ضمن الأصناف الثمانية المعروفين المستحقين للزكاة، فإنّ الزكاة تشمله؛ وإنّ سهمَ الرّسولِ وذوي القربى في الغنيمةِ؛ يعودان إلى الخليفة من بعده، ولهذا قيل بأنّ الزكاة لا تشملهم([9]). وهذا محلّ خلاف بين الفقهاء، فلقد روى القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة – رحمهما الله – في كتابه (الخراج)، بسنده عن محمد ابن الحنفية ([10])؛ أنه قال: “اختلف الناس بعد وفاة رسول الله (صلى الله غليه وسلم) في هذين السهمين: سهم الرسول، وسهم ذوي القربى، فقال قوم: سهم الرسول للخليفة من بعده. وقال آخرون: سهم ذوي القربى لقرابة الرسول. وقالت طائفة: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة من بعده”([11]).

ولقد سمعت شخصياً أكثر من مرّة، من الشهيد سبحاني أنه أيّد هذا الرأي، مستدلاً بأن القرآن الكريم هو منهج الله لكل عصـر ومكان، فليس من الحكمة أن يحدّد الله سهم الرسول، وذوي قرباه، إلى قيام الساعة، بينما عَلِم الله وقضـى أن يكون دينه خاتم الأديان، ورسوله خاتم الرسل (عليه وعليهم السلام جميعاً)، وأن يكون رحمة للعالمين في طول الزمان وعرض المعمورة، بينما يترك أمراً مهماً كمصير سهم الأنفال والفيء – وهما من أهمّ موارد الدولة الإسلامية في الموازنة المالية – دون تشـريع. ولذا، كان العلامة سبحاني يرى أنه ما دام الخليفة، أو رئيس الدولة، ينوب مناب النبي (صلى الله غليه وسلم)، وذووه كذوي قربى النبي، فإن تلك الأسهم تنتقل إليهم في ظل النظام الإسلامي الذي يطبّق مع ذلك نظام الزكاة بحقّ الأصناف الثمانية الأخرى، ممّا يحقّق العدل، ويحول دون الاستبداد والتمييز والنهب، ولا شك أن ذلك ينظّم بقانون مخصّص في عصـرنا.

5- مساوئ النظام الرأسمالي:

وإذا استحوذت الدعوة إلى النموذج (الليبرالي) على تفكير كثير ممن يسمّون بالمتنوّرين – حتى في البلاد التي تحرّرت من الشيوعية، التي أشغلت أذهان العالم لقرون – فإنّ التّجارِب الرأسماليّة مهدّدة بالفشل أيضاً بسبب: “التوسّع للثروة والإنتاج الأقصى، وحرية الأفراد دون عائق، وتشجيع المبادرات الفردية دون حدود، وسلب أي دور للحكومة في كسب الثروة”([12])، وغيرها من الخصائص التي عرف بها النظام الرأسمالي.

وهكذا، يرى سبحاني أن الاقتصاد الرأسمالي يزرع روح الأنانية لدى الفرد، ويبيد النزعة الجماعية، ويوسّع دائرة الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال، بينما يكثر الفقراء، وينتشـر الربا والفوائد (الجمركية)، ولا تعود الجهود والاستعدادات الفردية بالنفع العام والمصلحة العامة، ويسيّر كبار التجار السوق، وتُهضم حقوق الطبقات الوسطى، وتنزع المنافسة الطاغية روحَ التعاون، ولا يتمكن النوابغ في المستويات الأدنى من أيّ مشاركة فاعلة ومؤثرة([13]).

6- دور عنصـر الإنسان في الاقتصاد الإسلامي:

أمّا نظام الاقتصاد الإسلامي، فيركّز على عنصـر الإنسان قبل تركيزه على العناصـر الأخرى: السوق، والمال، والمتاع، والتجارة.. فإصلاح الإنسان خطوة جوهريّة في بناء نظام اقتصادي متوازن. وأساس الاقتصاد الإسلامي يرتكز على حقيقة أنّ الإنسان مخلوق مأمور مستخلف في هذه الأرض مكلّف بإعمارها، مزوّد بما سخّره الله له فيها، ممّا تقتضيه عملية الاستخلاف تلك.

وهكذا، فما دام أنه مكلّف بذلك، فإن ذلك يزرع في عمقه النزعة الإنسانية، بحيث يفكّر أنّه جزء من عائلة كبيرة، كُلّفت بإعمار الأرض. ومن جانب آخر، فلكونه مستخلفاً في الأرض، فإن وجود النعم والأموال، وكلّ ما تحت يديه – سواء بالقوّة أم بالفعل – فهي أمانة مودَعة عنده، فهي من الله تعالى، وهو سبحانه مالكها الحقيقي. وهكذا، فإن هذه المعاني تنزع في الماهية الإنسانية روح الأنانية والاستبداد، والتفكير في الاحتكار، والكنز، والشح، والبخل، والطغيان، والظلم، وغير ذلك مما يضـرّ بالآخرين، وتزرع فيه روح التعاون، والإيثار، والرحمة، والشفقة، والإنفاق، وغيرها..

ومن جانب آخر، فإن كون الإنسان حرّاً في إرادته، متصـرّفاً في شؤونه، فإن استعداداته ستكون متنامية مزكّاة غير مدسيّة، وطاقاته ستكون موظفة غير معطّلة، ليس أمامه خط أحمر سوى حدود الله، التي هي الأخرى تعود عليه وعلى بني جنسه بالنفع والفائدة، لما روعي فيها من المصلحة العليا.

ثانيا/ حاجات الإنسان مع النعم والمتاع، هما عمدتا الاقتصاد:

1- الحاجة والمتاع يتجاذبان:

يرى العلامة سبحاني بأن الله لمّا خلق الإنسان أودع فيه جملة غرائز وحاجيات، يعبّر قسم منها عن الجانب المادّي الجسدي للإنسان. كما وجهّزه باستعدادات تلبّي – من خلالها – تلك الحاجيّات. هذا من جانب ذات الإنسان، ومن جانب آخر سخّر الله في الكون ما يشبع تلك الحاجيات الغريزية من أنواع النّعم والمتاع، ففي داخل الإنسان وكيانه الحاجة، وفي خارجه المتاع. إذاً، فالحاجة والمتاع واقعان متقابلان، يتجاذبان فيما بينهما.

ويرى سبحاني أن الحاجات الأساسية الغريزية أشير إليها في (سورة طه)، وهي: الغذاء، واللباس، والسّكن، حيث لما خاطب الله آدم – أبا البشـر – في الجنّة، طمأنه قائلاً: [إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى] طه/ ١١8، وهذه هي أسس الحاجات الإنسانية المادية، إذا استثنينا الحاجة الروحيّة الّتي يُلبِّيها الهدي الإلهي، وهو خارج عن موضوعنا. والحاجات الأساسية أعلاه هي إطار نظام الاقتصاد في جميع المناهج والأنظمة العالمية، كلّ وفق منظوره ([14]). قال تعالى: [اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ في الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ] إبراهيم/ ٣٢.

2- التنوّع في الاستعدادات الإنسانية:

   ويستنبط الشهيد من بعض الآيات القرآنية حقيقة حكمة التنوّع في الاستعدادات الإنسانية، فيشير إلى أن الله سبحانه قد شاء أن تكون الاستعدادات بين أفراد البشـر متنوّعة ومتفاوتة في آن واحد، وشاء ألّا يسدّ حاجات الناس فرداً فرداً، وذلك لمواجهة الطغيان، والحيلولة دون حصول الاستبداد. وهذا بيّنٌ في قوله سبحانه: [وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ] الشورى/ ٢٧، [ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا] الزخرف/ ٣٢،  ولهذا نهى الله سبحانه أن يتمنّى المؤمن ما فضّل الله به غيره عليه، فقال: [وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ] النساء/ ٣٢([15]).

   وأشار الأستاذ سبحاني إلى أن ميزان اكتساب المال، وتمتّع أفراد البشر بنعم الله، يتفاوت من شخص لآخر، لأن سنّة الأسباب والمسبّبات تحكم العَلاقة بين جميع الموجودات، ولهذا على كل فرد أن يسعى وفق استعداداته، لكسب ما يمكن اكتسابه ([16]).

3- المعادن والثروات الطبيعية حقّ الأجيال:

ويؤكّد العلامة سبحاني، من جانب آخر، أن على الدولة ألّا تستخرج المعادن، ولا تستخدم الموارد الطبيعية، إلا بقدر حاجة كل مرحلة زمنية، فالإسـراف في استخراج ما فيها خروج عن القسط المأمور به، وتجاوز على حقّ الأجيال القادمة ([17]).

4- سعادة الإنسان في الإيمان، ثم في سدّ الحاجيات:

ورغم هذه المفاهيم، يردّ الشهيد سبحاني على مزاعم الماركسيين في أن فلسفة الحياة مبنيّة على الاقتصاد والمال وإشباع البطن فقط، ظنّاً منهم أن سعادة الإنسان مرتبطة بها وحدها. فهو يؤكّد على أن التصوّر القرآني يختلف تماماً في هذا، ويرى أن الإيمان والتقوى هما منشأ السعادة للإنسان، وهما عاملان لفتح بركات الله على الإنسان في الأرض والسماء. قال تعالى: [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَٰى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] الأعراف/ ٩٦، ويحلّل لهذا بقوله: “إن الإيمان هو الرادع للإنسان أن يظلم، ويحتكر، ويكنز، ويأخذ الربا، فالتقوى تراقب نواياه فضلاً عن حركاته، وتحفّزه على العدل والإحسان والعطف والشفقة. وبالعكس فإن الكفر هو الذي يجلب الجوع والخوف، وفق قوله تعالى: [وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] النحل/١١٢([18]).

ثالثا/ الطرق المشروعة وغير المشروعة للكسب الفردي، ومكوّنات بيت المال:

1- طرق كسب المال الشرعي وغير الشرعي:

    في تفصيل حديثه عن خصائص الاقتصاد الإسلامي، يتناول العلامة سبحاني موضوع طرق الكسب للمال، بنوعيها المشـروع وغير المشـروع، فيعدّ الطرق غير المشـروعة للكسب والثروة، فيما يلي: الربا، والمَيْسـِر، والسـرقة، والاغتصاب، واستغلال المواقع الحكومية للكسب، والاحتكار، والتلاعب بالأسعار، وصنع المنتجات غير النافعة، والإيجار الحرام، واستغلال أموال اليتامى، والغش والخداع، واستغلال حاجات الناس، وبيع ما ليس ملكا، والرشوة.

أمّا الطرق المشـروعة، فأهمّها هي: إحياء الموات (إحياء أراض مهجورة)، والكسب عن طريق المهارات، والكسب عن طريق التعامل (التجارة)، (وهذه من النوع الذي يكتسب بالعمل). أمّا طرق الكسب المشـروعة دون عمل، فأهمّها هي: موارد الإرث، والوصيّة، والزكاة، والصدقة، والإنفاق، والهدايا ([19]). وبهذا تبرز حقيقة ما نقلناه عن الشهيد سبحاني من أن الإسلام وضع مبادئ أخلاقية بجانب قوانين إجرائية، لكي تتشكّل صورة النظام الاقتصادي الإسلامي الذي أسلفنا أهم ميّزاته وخصائصه.

2- مكوّنات بيت المال:

وينوّه سبحاني إلى تشكيلة بيت المال في الحكومة الإسلاميّة ([20])، فيرى أنّ لبيت المال دوائر ثلاثاً، لحفظ ثلاثة موارد، تشكل جزءاً أساسياً من ميزانية الدولة؛ وهي:

أ- بيت مال الصدقات والزكاة، ويُجمَع فيه أموال الزكاة. والمستفيدون من هذا الصندوق هم الأصناف الثمانية المذكورون في القرآن الكريم ([21]).

ب- بيت مال الفيء وخمس الغنيمة. والفيء ما يدفعه المحاربون مقابل إنهاء القتال، بناءً على اتفاق مع المسلمين ([22]). أمّا الغنيمة، فهي ما تؤخذ في الحرب من الأموال. والغنيمة هذه موزّعة في القرآن إلى خمسة أسهم، أربعة أخماسها للمقاتلين، وخُمْسها الآخر يودع في صندوق بيت مال الفيء وخمس الغنيمة ([23]).

ج- بيت مال الأنفال:

الأنفال هي غير الغنائم والفيء، بـل هي – كما يرى العلامة سبحاني – المصادر الطبيعية والثروات العامة، كالمعادن والكنوز والرّكاز والمنابع التي لا تقبل أيّ ملكية فردية، بل هي للرعيّة. ولقد كان الفقهاء يذكرون الماء والنار والكلأ فقط كأمثلة لها، فلم يكن حينها النفط والحديد والفحم، وأشباهها، بالصورة التي تستخرج الآن، ولذا لم يعتنوا بها. وهي على كل حال أموال عامة تودع في صندوق مخصّص، وتصـرف على المصالح العامة ([24]).

واستنبط الفقهاء من الآيات والأحاديث وأعمال الرسول (صلى الله غليه وسلم)، أن جزءاً من ميزانية بيت المال يصـرف في رواتب الولاة، والعاملين على جمع الزكاة، ومصارف الجند، وتجهيز الجيوش، وسدّ حاجات المرضى والمسجونين والغرباء وأبناء السبيل، وإقامة المشاريع العامة، وادّخار بعضه للنوائب والطوارئ. ولقد اعتمد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) نظام الديوان في عهده، نظراً لتطوّر موارد الدخل العام، وسعة الدولة، وكثرة المصاريف ([25]).

3- رأي العلامة سبحاني في الفيء والأنفال والغنائم:

   تحدّث الفقهاء والمفسّرون عن الفيء والأنفال والغنائم بتفصيل، موضّحين الفرق بينها، والأحكام المتعلّقة بها، فقالوا: “الغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب. والفيء: ما أُخِذ من المحاربين بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها، أو يتوفّون عنها، ولا وارث لهم”([26]). قال ابن كثير: “وهذا مذهب الشافعي، في طائفة من علماء السلف والخلف. ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة، والغنيمة على الفيء أيضاً. ولهذا ذهب قتادة إلى أن آية الأنفال ناسخة لآية الحشـر، أيْ قوله تعالى: [مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] الحشـر/ ٧([27]). ولكن الطبري ردّ على هذا الزعم؛ قائلاً: “أمّا قول من قال: الآية التي في سورة الأنفال ناسخة للآية التي في سورة الحشـر، فلا معنى له، إذ كان لا معنى في إحدى الآيتين ينفي حكم الأخرى”([28]).

الأنفال ليست الغنيمة:

ينتقد العلامة سبحاني أسلوب تناول موضوع الأنفال والغنيمة، والخلط الذي حصل للفقهاء بينهما، ويحلّل سبب هذا الخلط عندهم، قائلاً: “في جميع المذاهب المدوّنة حَصَل خطأ في فهم معنى الأنفال والغنيمة، لمّا ساووا بينهما. وسبب هذا الخطأ أمران: الأوّل أن موضوع الغنيمة ذكر في سورة الأنفال، وأن سورة الأنفال قد نزلت في غزوة بدر ([29])، أثناء تقسيم الغنائم الحربية. والثاني أن المجتهدين لم يعتنوا بالأنفال آنذاك”. ويختتم كلامه هذا بتعريف الأنفال فيقول: “يُقصَد بالأنفال المنابع والمعادن الطبيعية الجامدة والمائعة الغازية، وكذلك الماء والكلأ والمراعي العامة، وكل مال لم يكن لكسبه والحصول عليه للأفراد دور”. أمّا الغنيمة، فهي: “الأموال المنقولة التي يحصل عليها المسلمون في الحروب”([30]).

   إذاً، يرى سبحاني أن الأنفال تختلف عن الغنائم، فالأنفال هي الأموال الزائدة، والموارد التي تصل إلى الحكومة الإسلامية عن غير طرق الغنيمة والفيء.. ولهذا يرى أن الأنفال لله والرسول، مشيراً إلى أن الرسول معطوف على لفظ الجلالة دون إلحاق اللام به، لأن الله وَكَّلَ رسوله التصـرّف فيها في المصالح العامة. ولكن الشهيد يرى أن التصـرّف في الأنفال بعد وفاة رسول الله(صلى الله غليه وسلم) من حقّ شورى أولي أمر المسلمين، التي يرأسها الخليفة ([31]). ولهذا يُخَصَّص صندوق مركزي عام لإيداع موارد الأنفال فيه، كأحد مكوّنات بيت مال المسلمين المركزية، كما ذكرنا في فقرة سابقة.

 أمّا الفيء، فهو الأموال التي يحصل عليها المسلمون دون وقوع الحروب، ولكن عن طرق المصالحة والهدنة بين المسلمين والمحاربين ([32]).   وإلى مقال قادم، وعرض رؤى أُخرى متفرّقة للعلامة الأستاذ ناصر سبحاني، بإذن الله.


1- قيل مثلاً: “الاقتصاد الإسلامي هو: الأسس والمبادئ التي تعمل على الاستخدام الأكفأ للموارد الطبيعية المتاحة للإنتاج”، (د.نعمت عبد اللطيف، الزكاة، بيروت، 1993م، المؤسسة الجامعية للدراسات، ص: 92).

2- ناصر سبحاني، الاقتصاد الإسلامي، ص: 8.

3- المصدر نفسه، ص: 95، 102.

4- انظر: ناصـر سبحاني، نظرة حول المفردات، ص: 101

5- آدم سميث هو: فيلسوف وباحث اقتصادي (اسكوتلندي)، ألّف كتابه (ثروة الأمم)، الذي هو مصدر أفكار (الليبراليين). توّفى عام 1790م. كان أستاذ الفلسفة الأخلاقية في (اسكوتلندا). (انظر: موقع الموسوعة الحرة).

6- مارشال هو: جورج مارشال، ضابط أمريكي، صاحب مشروع (مارشال) الشهير الذي وضعه لمقاومة التوغل الشيوعي في أوروبا، توفي عام1959. (المصدر نفسه). نقلا عن د.عادل عامر، مفهوم الاقتصاد الإسلامي، موقع عالم القانون. www.alexalaw.com

7- تحدثنا عن رأي الشهيد سبحاني في الزكاة، في المبحث الأول من هذا الفصل، فليراجع.

8- انظر: ناصر سبحاني، الاقتصاد الإسلامي، ص: 228.

9- انظر: ناصر سبحاني، نظرة حول المفاهيم القرآنية، ص: 105.

10- محمد ابن الحنفية، ابن علي، بن أبي طالب، من زوجته الحنفية، وهي من بني حنيفة، تزوجها بعد وفاة فاطمة الزهراء.

11- أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم، كتاب الخراج، تحقيق: طه عبد الرؤف، وسعد حسن، القاهرة، 1420ه/1999، ص: 31. 

12- انظر: د. محمد عمر شابرا، الإسلام والتحدي الاقتصادي، عمان، 1416ه/1996، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ص: 44.

13- انظر: ناصر سبحاني، نظرة حول المفردات والمفاهيم، ص: 208.

14- انظر: ناصر سبحاني، الاقتصاد الإسلامي، ص: 12-19.

15- انظر: ناصر سبحاني، الاقتصاد الإسلامي، ص: 215.

16- انظر: ناصر سبحاني، نظرة حول المفردات القرآنية، ص: 103.

17- ناصر سبحاني، الاقتصاد الإسلامي، ص: 109.

18- انظر: ناصر سبحاني، دروس في الاقتصاد الإسلامي.

19- ناصر سبحاني، الاقتصاد الإسلامي، ص: 122-132 (باختصار).

20- بيت المال: هو مؤسسة اخترعت في الإسلام لجمع الموارد المالية العامة، لتنظيمها، وتقسيمها في أوجه النفقات المختلفة، وفق أسس وقواعد أشار إليها القرآن والسنة، وفصّل الفقهاء الحديث عنها.

21- هم المذكورون في الآية 60 من سورة التوبة.

22- بناء على الآية (7) من سورة الحشر.

23- بناء على الآية 41 من سورة الأنفال.

24- انظر: ناصر سبحاني، دروس حول الزكاة، (كرماشان)، 1986.

25- انظر للتفاصيل: القاضي أبو يوسف، الخراج، والماوردي، الأحكام السلطانية، فقد أطالا الحديث عن الموضوع.

26- ابن كثير، إسماعيل، بن عمر الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، 1422ه/ 2002م، 4/59، وانظر: البغوي، حسين بن مسعود، دار طيبة، د. ن، 3/357.

27- تفسير ابن كثير، 4/59.

28- الطبري، جامع البيان، 13/547.

29- ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس، قوله: (سورة الأنفال نزلت في بدر). انظر: صحيح البخاري، كتاب التفسير (65)، باب (4)، حديث رقم (4645).

30- ناصر سبحاني، نظرة حول المفردات والمفاهيم القرآنية، ص: 103.

31- انظر: المصدر نفسه، ص: 215.

32- ناصر سبحاني، الاقتصاد الإسلامي، ص: 368. وناصر سبحاني، أسئلة وأجوبة حول الاقتصاد الإسلامي، (في خمس ساعات).

العدد ١٩٤ ǀ ربيع ٢٠٢٥ ǀ السنة الثالثة والعشرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى