الإيمان بالغيب عند مولانا جلال الدين الرومي
بدر الدين يوسف إسماعيل

١. المقدّمة: العالم ذو الطبقتين
يعيش الإنسان اليوم في عالمٍ يكاد يكون كلُّ شيءٍ فيه قابلاً للقياس: رقم، مخطَّط، صورة، معطيات. ولكن في أعماق نفسه سؤالٌ هادئٌ مُلِحٌّ: هل حقّاً كلّ الحقيقة هي هذه الأشياء التي أراها وألمسها؟
حين يريد القرآن الكريم أن يعرِّف أهل الهداية، لا يبدأ – على خلاف ما نتوقّعه من ظاهر الدِّين – من اللّباس والطعام والمظهر الخارجيّ للسلوك؛ بل يبدأ من موضعٍ كاد الإنسانُ الحديث أن ينساه:
[ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ] (البقره: ۲–۳)
في هذه الآية قُدِّم «الإيمان بالغيب» على الصلاة، وعلى الإنفاق؛ أي إنّه بمنزلة الجذر الذي يُعطي العبادةَ معناها، وكذلك الأخلاقَ والإيثار؛ وأعظمُ ثماره في حياة الإنسان هو ذلك الشيء الذي سمّاه القرآن «التوكُّل».
٢. الغيب في القرآن: الطبقةُ الخفيّة من هذا العالم نفسه:
«الغيب» في القرآن يعني كلَّ ما هو خارجٌ عن متناول العين والأذن والحواسّ الظاهرة؛ لا الخيال والوهم، بل هو واقعٌ مستورٌ عنّا الآن: ذاتُ الله؛ عالمُ الملائكة؛ البرزخُ والقيامة؛ كتابةُ الأعمال، والحسابُ والكتاب، والمقادير؛ الإلهامات، والأرزاقُ الخفيّة، وتفريجُ الكُرُبات التي تبدو ظاهراً «مصادفةً».
يقول القرآن:
[وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ] (الحجر: ۲۱).
أي: لیس هناك ظاهرة هي «حادثةٌ عمياء»؛ فخلفَ كلّ قطرةِ مطر، وكلِّ حبّةِ قمح، وكلِّ فرصةِ عمل، وكلِّ تعارفٍ وفراق، خزينةٌ غيبيّةٌ وتدبيرٌ إلهيّ حاضر؛ وما نراه في عالم الشهادة (العالَم المحسوس) إنّما هو نسخةٌ منزَّلةٌ محدودةٌ من واقعٍ أوسع.
ومن هنا يكون الإيمان بالغيب هو قبول هذه الحقيقة: أنّ هذا العالم ليس إلاّ الوجهَ الظاهرَ والسطحيَّ لحقيقةٍ أعمق؛ له ظاهرٌ نراه، وباطنٌ مستورٌ الآن.
٣. عالمُ الشهادة وعالمُ الغيب في نظرِ مولانا:
يُحيي مولانا هذه الحقيقةَ القرآنيّة بلغة الشِّعر. ففي نظره: لكلِّ شيءٍ وجهان: وجهُ «الشهادة» (ما يَقَع في الحواسّ: الشكل، اللون، السعر، العدد)، ووجهُ «الغيب» (الباطن، المعنى، نسبةُ الشيء إلى الله، ودوره في سير الأرواح).
قيمةُ كلِّ شيءٍ واعتبارُه ینبع من بُعدِه الغيبيّ، لا من ظاهرِه؛ وقيمةُ الإنسان في عقلِه وروحِه وقلبِه، لا في طولِه ولباسِه ورصيدِه في المصـرف، وقيمةُ النعمة بقدر ما تُقرِّبُنا إلى الله، لا بمقدار ما تمنحنا من لذّةٍ أكثر.
ولشـرح علاقةِ الغيب بالشهادة يستعين مولانا بمَثَل المطر، فيقول: إنّ هذا المطر الظاهر ليس من هذا السحابِ الذي تراه أمام عينيك:
نیست آن باران ز این ابر شما هست ابری دیگر و دیگر سما
(ليس ذاك المطر من هذا السحاب الذي لكم.. ثمّة سحابٌ آخر، وسماءٌ أخرى)
أي إنّ وراء هذا السحاب المحسوس سماء أخرى وسحاب آخر؛ فهو يعبِّر بالشعر عن عين ما تقوله الآية: [وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ..].
٤. الجماداتُ ولغتُها الخفيّة:
في نظر مولانا حتى الجماداتُ ليست محرومةً من الغيب؛ فالحجرُ والجبلُ والحديد، هي في باطنها حيّةٌ، تُسبِّح وتسمع أمرَ الله، وإن كنّا نحن لا نسمع.
٤.١ الاستدلالُ القرآني:
يقول القرآن بوضوحٍ شديد: [تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا] (الإسراء: 44).
فإنّ: [وَإِن مِّن شَىْءٍ…]: لم يَستثنِ شيئاً؛ كلُّ ذرّةٍ لها ذِكرٌ وتسبيح؛ المشكلة في آذاننا نحن، إذْ [لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ]؛ لا تفهمون، لا أنّه لا وجود له.
وفي يوم القيامة تتكلّم الأرض أيضاً: [يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا] (الزلزال: 4)، يومئذٍ تُحدِّث الأرضُ أخبارَها. وعن الجلود وأعضاء الجسد يقول:
[وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوٓا أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] (فصّلت: ۲۱).
فيقولون لجلودهم: لِمَ شهدتُّم علينا؟ فتقول: أنطقنا اللهُ الذي أنطق كلَّ شيء، أي إنّ الحجرَ والخشبَ والجسدَ والأرض، في منظور القرآن، لها قابليّةُ السماعِ والكلامِ والشهادة؛ لكنَّ المستوى من وجودها الذي تُسبِّح به مستورٌ عن العين والأذن العاديّتَين.
٤. ۲ نارُ إبراهيم وعصا موسى والشجرةُ الحنّانة:
يُجسِّد القرآنُ علاقةَ الغيب بالشهادة في مشاهدَ عدّةٍ جميلةٍ جدّاً: نارُ إبراهيم عليه السلام، لمّا ألقَوا إبراهيمَ في النار، كان ظاهرُ النار الإحراق؛ لكن صدر أمرٌ من عالم الغيب:
[قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ] (الأنبياء: 69)، لم تُغَيِّر النارُ «طبيعتَها»؛ ولكنْ بأمر الله تغيّر باطنُ النار في حقِّ إبراهيم: فهي تحرقُ غيرَه، وتكون «برداً» و«سلاماً» على خليلِ الله!
ومن هذه الآية يَفهمُ مولانا أنّ: النارَ ليست مجرّدَ تفاعلٍ كيميائيٍّ أعمى؛ ففي باطنها أُذنٌ سامعةٌ مستسلمةٌ لأمر الله؛ وهذا هو البعدُ الغيبيُّ للنار.
عصا موسى – عليه السلام -، وعن العصا يقول القرآن: [فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ] (الأعراف: 107)، العصا اليابسة في عالم الشهادة – في نظرنا – خشبٌ فحسب؛ لكن في خزائن الغيب لها قابليّةُ أن تصيرَ ثعباناً؛ فإذا جاء الأمر من ذلك الجانب تغيَّرت الصورةُ الظاهرة، وظهر الباطنُ المكنون.
الشجرةُ الحنّانة: جاء في الروايات أنّ النبيَّ الأكرم – صلّى الله عليه وآله – كان يتّكئ على جذعِ شجرةٍ حين الخُطبة، فلمّا صُنِع له مِنبرٌ، وابتعد عن ذلك الجذع، ناحَتِ الشجرةُ، وأخرجت صوتاً كصوت بكاءِ الناقة، حتى سمعه الصحابة. فنزل النبيّ، واحتضن الشجرةَ حتى سكنت.
وعلى أساس هذا الحديث يقول مولانا: إنّ الخشبَ اليابس له قلب؛ قلبٌ اعتاد حضورَ النبيّ، فهو الآن ينوح لفراقه؛ وهذا هو البعدُ الغيبيُّ للجمادات؛ شيءٌ لا يسمعه إلاّ أذنُ وقلبُ الأنبياء والأولياء.
وهناك أيضاً حديثٌ مشهورٌ عن حجرٍ كان يُسلِّم على النبيّ قبل البعثة.
في نظر مولانا، ليست هذه «أساطيرَ عجيبة»؛ بل هي تجلٍّ لتلك الحقيقة القرآنيّة نفسها: [وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ].
٣.٤ القلبُ السَّمْع: لِمَ لا نسمع؟
صرّح القرآن: [وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ]؛ أنتم لا تفقهون تسبيحَهم، لا أنّه غيرُ موجود.. يركّز مولانا على هذه النقطة: لِسماع هذا التسبيح، ونحيبِ الشجرة، وكلامِ التراب، لا بدّ من قلبٍ طاهرٍ ولسانٍ منوَّر، كقلوبِ الأنبياء والأولياء؛ وكلّما قلَّ حجابُ النفس والأنانيّة والغفلة، سمعُ القلب هذه الهمساتِ أكثر.. فحين نقول: «إنّ الجمادات أيضاً ذاتُ بُعدٍ غيبيّ»، فهذا الكلام له سندٌ قرآنيٌّ وعرفانيّ؛ والإيمانُ بالغيب يعني أن نؤمن بأنّ: خلفَ هذا الحجرِ والترابِ والحديد، عالماً من الذِّكرِ والطاعةِ والحياة موجودٌ الآن، ولكنه مستورٌ عن أعيننا.
٥. لماذا الغيبُ في السِّتار؟ قيمةُ الإيمان مع عدمِ الرؤية:
وهنا سؤالٌ مهمّ: إذا كان عالمُ الغيب بهذه الدرجة من الواقعيّة والأهمّيّة، فلماذا لا يُظهِرُه اللهُ كاملاً كي يراه الجميعُ فيؤمنوا؟ يقول القرآن عن خلق السماوات: [ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ طِبَاقًا، مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ، ثُمَّ ٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ ٱلْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ] (الملك: 3-4).
هذا يعني أنّ: النظامَ والحكمةَ حاضران في كلّ مكان؛ ولكنّ هذا النظامَ متخفٍّ في لباس «العاديّ»؛ وعليك أن تفتِّش عن الآيات في هذا الظلامِ والعاديّة؛ وهذا هو «الإيمان بالغيب».
لو أنّ سماواتِ الغيب انشقّت هنا، ورأينا الجنّةَ والنارَ والملائكةَ بأعيننا، لَما بقي الإيمانُ اختياراً، بل كان يكونُ إكراهاً؛ ولم تكن العبادةُ حبّاً، بل استجابةً فطريّةً تلقائيّة؛ ولم يَعُد لِـ«الامتحان» و«الاختيار» معنًى.. قيمةُ الإيمان بالغيب بالضبط في أنّ: الإنسانَ يَثِقُ بالخبرِ الصادقِ، بنورِ القلب، دون أن يرى بعين البصر!
٦. قصّةُ زيدٍ وكشفُ الأسرار: لِمَ يجب السكوت؟
نصل هنا إلى قصّةِ زيدٍ، التي وردت في المثنوي:
این سخن پایان ندارد، خیز زید بر بُراق ناطقه، بر بند قید
(هذا الكلام لا نهاية له، فانهض يا زيد.. واركب بُراقَ النُّطق، وأحكِم إيثاقَ القيود)
خلاصةُ القصّة في المثنوي على هذا النحو: في يومٍ من الأيّام كشف النبيُّ الأكرم – صلّى الله عليه وآله – لزيدٍ، في خلوة، بعضَ أسرار القضاء والقدر؛ فاندفع زيدٌ من شدّة الشوق والدهشة يريد أن يُخبرَ الناسَ بهذه الأسرار؛ ويشعر أنّ الناسَ لو علموا ما يجري وراء ستارِ الحوادث لَسَكَنوا؛ ولكن النبيَّ يوقِفُه.
ينقل مولانا هذا الحوار بلغة الشِّعر، ومضمونُه أنّ: زيداً يريد أن يتكلّم عمّا رأى: عن أنّ كلَّ شيءٍ في قبضةِ الحكمة الإلهيّة؛ فيقول له النبيّ: الآن ليس وقتَ هذه الأقوال؛ هذا العالمُ الترابيُّ ليس موضعَ كشفِ جميعِ الأسرار؛ لو أنّ الجميعَ عَلِموا بدقّةٍ عاقبةَ أعمالهم، وأيَّ مصيرٍ ينتظرهم، لترك كثيرٌ من اليائسين العبادةَ، وصار بعضُهم أهلَ تذرُّعٍ يبرّرون التهاونَ والجَبْريّة.
ناطقه چون فاضح آمد عیب را *** میدراند پردههای غیب را
(لمّا صارت الناطقةُ فاضحةً للعيب مزّقتْ سُتورَ الغيب)
غیب مطلوبِ حق آمد چند گاه *** این دُهُلزن را بران، بر بند راه
(الغيبُ مطلوبُ الحقِّ في هذه المدّة؛ فاطردْ هذا الضاربَ على الطَّبل، وأغلقْ له الطريق)
أي: إذا كشَف اللسانُ جميعَ العيوبِ والأسرار، مزّق حجابَ الامتحان؛ الله يريد للغيب أن يبقى مستوراً مدّةً من الزمن؛ فليس هذا موضعَ أن نُخرِج الناسَ من ميدان العبادة، بطبلِ كشفِ جميعِ الحقائق.
ثم يذكر السبب:
حق همی خواهد که نومیدانِ او زین عبادت هم نگردانند رو
(إنّ الحقَّ يريد ألّا يُعرِض الذين يئسوا منه.. عن هذه العبادة أيضاً، ولا يولّوا وجوههم عنها)
الله يريد حتّى لليائسين أن لا يُديروا ظهورَهم للعبادة؛ فلعلَّ هذه العبادةَ الناقصةَ نفسَها تُوصِلُهم شيئاً فشيئاً إلى الرجاءِ الحقيقيّ.. لذلك يقول النبيُّ لزيد: الآن وقتُ السكون؛ فالحقائقُ لا بُدّ أن تُقالَ بقدرِ سَعَةِ القلوب؛ وما رأيتَه لا يطيقه كثيرون؛ فإن عَلِموا بدقّةٍ ما كُتِب في الغيب، أعرض كثيرون عن العبادة، أو فرّوا من المسؤوليّة.. وهذه القصّةُ عينُ ما نحن فيه من بحث: فالغيبُ حاضرٌ حقّاً في مجرى الأمور؛ ويرى بعضُ الأولياء والأنبياء شيئاً منه؛ لكنهم مكلَّفون ألّا يكشفوا كلَّ شيء، ليبقى ميدانُ الإيمانِ والتوكّلِ والسعي مفتوحاً.
٧. العبوديّة في الغيبة: حارسُ القلعة على الحدود:
بعد قصّة زيد، ينتقل مولانا إلى مَثَلٍ آخر كنّا قد ألمحنا إليه: هناك ملك؛ ولَـه قلعةٌ على حدودِ البلادِ البعيدة؛ وحارسُ قلعةٍ لا يرى الملكَ، يحمي القلعةَ ليلاً ونهاراً من العدوّ بعيداً عن عينِه، ولا يبيعها بمالٍ وفير، ويقول: إنّ هذا الحارسَ، لكونه أميناً في غيبةِ الملك، أعزُّ عند الملكِ من كثيرٍ من الخَدَمِ الحاضرين في البلاط.. ويُلخِّصُ ذلك في هذه الأبيات:
بندگی در غیب آید خوب و کش حفظِ غیب آید در استعباد خوش
(العبوديّة في الغَيْب تكون جميلةً جذّابة.. وحفظُ الغيب في الاستعباد أمرٌ محبوب)
طاعت و ایمان کنون محمود شد بعدِ مرگ، اندر عیان، مردود شد
(الطاعةُ والإيمانُ الآن محمودان.. أمّا بعد الموت، في العيان، فهما مردودان – أي: لا يبقى لهما قيمة)
أي إنّ: العبوديّةَ في زمنِ عدمِ الرؤية جميلةٌ ومحمودة؛ وإنّ الطاعةَ والإيمانَ الآن، ما دامت الأستارُ مسدلةً، والغيبُ مستوراً، لهما القيمةُ الحقيقية؛ فإذا قامت القيامةُ وانكشف كلُّ شيء، رأى حتى الكافرون الحقائقَ، لكنّ ذلك «الإيمان» لم يَعُد إيماناً.
٨. شُهَّادُ الغيب: شهادةُ الله والملائكةِ وأهلِ العلم:
للقرآن الكريم آيةٌ عميقةٌ جدّاً هي أساسُ بحث «الشهادة على توحيد الحقّ»: [شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُولُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًا بِٱلْقِسْطِ، لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ] (آلعمران: 18).
شَهِد اللهُ أنّه لا إله إلاّ هو، والملائكةُ وأولو العلم أيضاً، وهو قائِمٌ بالقِسْط.. يفهم مولانا هذه الآية على النحو الآتي:
١. أوّلاً، يُشهد اللهُ نفسُه:
كشمسٍ هي خيرُ شاهدٍ على وجودها. فإذا قال: «أنا واحدٌ لا شريك لي»، فمن حيث الحقيقة لا حاجةَ بعدُ إلى أيّ شاهد؛ فكلُّ شاهدٍ آخر مخلوقٌ لهذا الإلهِ نفسِه الذي يشهد.
٢. فلمَ ذُكِرَت الملائكةُ وأهلُ العلم أيضاً في الآية؟
يقول مولانا: هذا من باب «الكرم»؛ كمِلكٍ من باب اللُّطف يسمح لعباده أن يوقِّعوا إلى جانب توقيعه على مرسومٍ كبير؛ مع أنّ الجميع يعلمون أنّ التوقيعَ الحقيقيَّ الوحيد هو توقيعُه، أشرَكَ اللهُ الملائكةَ وأهلَ العلم في هذه الشهادة لكي: يرفعَ قدرَ الملائكةِ والعلماءِ الربّانيّين؛ يُفهِمَنا أنّ الطريقَ المستقيم هو الذي يسير فيه الملائكةُ والعلماءُ الحقيقيّون؛ ويُظهِرَ أنّ العالمَ لم يُترَك من غير شهودٍ وأدلّة.
ويقول القرآن في موضعٍ آخر عن الملائكة: [ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُولِىٓ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ، يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ] (فاطر: 1).
الملائكةُ رُسُلُ الغيب؛ لكلٍّ منهم أجنحةٌ؛ أي مراتبُ وقابليّاتٌ مختلفةٌ لحمل نور الله، وعن النبيِّ الأكرم – صلّى الله عليه وآله – يقول: [قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشـَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ، فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦ أَحَدًا] (الکهف: 110).
قُل: إنّما أنا بشـرٌ مثلكم، يُوحى إليّ أنّما إلهكم إلهٌ واحد، فالرسولُ في الظاهر من جنس الناس؛ لكنّه في الباطن مرآةٌ صافيةٌ للغيب؛ يتجلّى نورُ الشهادة الإلهيّة في قلبه، ويجري على لسانه.
ويُصوِّر مولانا ذلك هكذا: اللهُ شمس؛ والأنبياءُ أقمارٌ تنقل إلينا ضوءَ الشمسِ بلُطف؛ والأولياءُ والعلماءُ الربّانيّون نجومٌ تدلّنا في ليلِ الظلمة على الطريق.. وحين يشهد هو نفسُه أنّ «لا إله إلاّ هو»، فلا حاجةَ في الحقيقة إلى شهادةٍ أخرى؛ ولكن من كرمِه أشرك الملائكةَ وأهلَ العلم في هذه الشهادة، كي يُعظِّمَ قلوبَهم؛ ويُضـيءَ لنا الطريقَ أكثر؛ ويُفهِمنا أنّ مَن أراد أن يكون في صفِّ شُهّادِ الحقّ، فليكن في صفّ الملائكةِ وأهلِ العلم، لا في صفّ الغفلةِ والاستكبار.
٩. الطبيعة: مدرسةُ الإيمان بالغيب:
يَعُدّ القرآنُ الطبيعةَ «كتاباً مفتوحاً» للغيب؛ فالربيعُ والخريفُ والمطرُ والجفافُ كلُّها آيات، فحين يقول: [فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا] (الشرح: 4 -5).
إنّ مع كلِّ عُسـرٍ يُسراً؛ مع كلِّ عسرٍ يُسْراً، ليس هذا شعاراً نفسيّاً فحسب؛ بل هو القانونُ الخفيُّ نفسُه الذي تراه في دوران الفصول: خلفَ كلِّ شتاءٍ ربيعٌ مستور؛ وخلفَ كلِّ يبسٍ مطرٌ مدَّخر.. فعندما يقول النبيّ: انتفعوا ببردِ الربيع، لا يراها مولانا مجرّدَ وصيّةٍ جسديّة؛ بل يقول: إنّ هذا «بردَ الربيع» إشارةٌ إلى بَرْدِ العقلِ والإيمان المُحيي للنفس، الذي يُزهِرُ شجرةَ الرّوح، وفي المقابل، يمثِّل الخريفُ هجومَ النفسِ والهوى الذي يُيبِّسُ بستانَ القلب.
إذن: الربيعُ علامةُ وعدِ البعث؛ والخريفُ مذكِّرٌ بالموتِ ونهايةِ الظواهر؛ والمطرُ رمزٌ للرزق المادّيِّ والرزقِ المعنويّ (الرحمة، الهداية، التوبة)؛ والشمسُ رمزٌ لنور الحقّ، الإيمانُ بالغيب يعني قراءةَ هذه الرموزِ في الطبيعة؛ وأنّ العالم ليس مجرّدَ ساحةِ فيزياء وكيمياء؛ بل دفترُ آياتِ الله.
١٠. مراتبُ الإيمان بالغيب:
الإيمانُ بالغيب لا يبلغ ذروتَه دفعةً واحدةً في الإنسان؛ بل نستطيع أن نلحظَ له مراتبَ عدّة:
١٠.١. الإيمانُ التقليديّ:
يتعلّم الإنسانُ من الأسرةِ والبيئةِ أنّ: هناك إلهاً؛ وهناك ملائكةً؛ وهناك قيامة، ويقبَلُ هذه الأمورَ كما هي، من غير سؤالٍ ولا تفكيرٍ جدّيّ.. هذا الإيمان بدايةٌ طيّبة؛ لكنّه يضطرب سريعاً أمام شبهةٍ قويّةٍ، أو حادثةٍ مُزلزِلة.
١٠.٢. الإيمانُ الاستدلاليّ:
في هذه المرحلة يفكّر الإنسانُ بعقلِه في وجود الله، واحتياجِ العالم إلى مبدأ وضرورةِ المعاد، وإمكانِ الوحي؛ يطلُب البرهانَ والحجّةَ فيجدُهما.. هذا الإيمانُ أرسخُ أمام الشكوكِ والأسئلة؛ ولكنّه لا يزال أقربَ إلى «الفهم» منه إلى «الذَّوْق».
١٠.٣. الإيمانُ الذَّوْقيُّ والشهوديّ:
هنا يتحوّل الغيبُ من خبرٍ ذهنيٍّ إلى شيءٍ يتذّوقُه الإنسان: في الدعاء يشعر في قلبه بحضور «مستمعٍ رحيم»؛ وفي تفريج الكُرُبات غير المتوقَّعة يرى أثرَ لطفٍ غيرِ مرئيّ؛ وفي العبادة تأتيه أحياناً سكينةٌ عجيبة لا تنسجم مع الحسابات المادّيّة.
ومن أجل هذا يروي مولانا قصّةَ «الشيخِ صاحبِ العود» (پیر چنگی)، حيث تسافر روحُ ذلك الشيخ في النوم إلى عالم الغيب:
در جهان ساده و صحرای جان بیپر و بیپا سفر میکند؛
(يسير في العالمِ البسيطِ وصحراءِ الرّوح.. يسافر من غير جَناحٍ ولا قدم)
بیلب و دندان، شکر میخورد؛ بیچشم ظاهر، گلهای لالهزار غیب را میچیند.
(من غير شَفَةٍ ولا أسنانٍ يتذوّق السُّكَّر؛ ومن غير عينٍ ظاهرةٍ يقطِفُ أزهارَ مروجِ الغيب)
وعندما يعود، يتمنّى أن يبقى قلبُه هناك؛ لكنّ النداء يأتيه: ليس وقتَ البقاء بعد؛ ما دامت أشواكُ التعلّقاتِ الدنيويّة لم تُنزع من قَدَمِك، فإنّ مهمّتَك في هذا العالم مستمرّة.
في مثل هذه المرتبة يصير القلبُ عرشاً لائقاً بحضور الله؛ يقول القرآن: [ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ] (طه: 5). ويقول مولانا:
إذا تطهّر القلبُ من الهوى وحبِّ الذات،
قام عرشُ الرحمن في قلب الإنسان؛
وانعكس أمرُ الحقِّ في قلبه بأقلِّ وسائط؛
وهذا ما يُسمِّيه «العِلمَ اللَّدُنّي».
١١. بحرُ عسلِ الغيب: أيّوب وغُسْلُ الآلام:
يقول القرآن عن النبيّ أيّوب – عليه السلام -، الذي لبث سنواتٍ في البلاء والعناء: [ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ] (ص: 42)، (قيل له:) اضربْ برجلك الأرض؛ هذا ماءُ اغتسالٍ بارد وشراب، فانبجسَ ينبوعٌ من تحت قدمِه؛ فاغتسل به جسدُه، وشرب منه، وتحرّر من الآلام.
يرى مولانا هذه الصورةَ كأنّها «بحرُ عسلٍ» من الغيب؛ حيث تكون الروحُ كطائرٍ مائيٍّ يسبح في بحرِ الرحمةِ الحُلو؛ حيثُ: لا حاجةَ للرِّجل في السفر؛ ولا حاجةَ للفمِ والأسنان في اللذّة؛ ولا حاجةَ إلى هذه العينِ الظاهرةِ في الإبصار.
لو كان طريقُ هذا العالم مكشوفاً مفتوحاً للجميع، لَما بقي أحدٌ في هذه الدنيا؛ ولكنّ الله بحكمته لا يفتح الطريقَ إلاّ بقدرٍ: تستمدُّ منه القلوبُ الرجاء؛ ويَبقى في الوقت نفسِه ميدانُ الامتحانِ والعبوديّة.
١٢. التوكُّل: ثمرةُ الإيمانِ الناضجةُ بالغيب:
نبلغُ الآن إلى أصلٍ مهمّ: علاقةُ الإيمان بالغيب بالتوكُّل.. لا يُطرَح التوكُّل في القرآن أبداً منفصلاً عن الإيمان؛ بل يأتي دائماً إمّا في سياق الإيمان، وإمّا شرطاً له.
١٢.١. التوكُّل علامةُ الإيمان الحيّ:
يقول القرآن: [إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا، وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ] (الأنفال: 2).
أي إنّه: إذا كان الإيمانُ حيّاً، كان القلبُ حيّاً حسّاساً لذِكر الله؛ وهذا الإيمانُ الحيّ يتجلّى في التوكُّل.
١٢.٢. التوكُّل شرطُ الإيمان:
وفي موضعٍ آخر يقول: [قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ] (التوبه: 51).
وفي آيةٍ أخرى: [ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ] (التغابن: 13)..
وكذلك: [… وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (المائده: 23)، أي إنْ أردتم أن تعرفوا هل إيمانُكم حقيقيّ أم لا، فانظروا إلى التوكُّل؛ فالتوكُّل مختبرُ الإيمان.
١٢.٣. التوكُّل، والرِّزق، وتفريجُ الكُرُبات:
وفي الآيةِ المشهورة من سورةِ الطلاق نقرأ: [… وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥ، إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِۦ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا] (الطلاق: 3).
أي إنّ: الرِّزقَ وتفريجَ الكُرُبات ليسا بيدِ الأسبابِ الظاهرة وحدَها؛ فمن سلّم أمرَه لله في قلبه، كَفاه اللهُ بقدر حكمتِه.
ومن هنا نستطيع أن نجلّي العلاقة: فالإيمانُ بالغيب يعني الإيمانَ بأنّ: خزائنَ كلِّ شيءٍ عند الله؛ ولا حادثةَ تخرج عن علمِه وقدرتِه ورحمتِه؛ وعواقب الأمور في قبضةِ تدبيرِه.
والتوكُّل هو الترجمةُ العمليّةُ لهذا الإيمان في الحياة: فالإنسانُ على مستوى الظاهر يبذل كلَّ جهدٍ وحسابٍ وتخطيط؛ لكنّه في عُمق قلبه لا يرى النتيجةَ والسكينةَ والاعتمادَ إلاّ على الله؛ لا في المال، ولا في العلاقات، ولا في حِذاقته الشخصيّة.
فمن يقول:
«أنا أؤمن بالغيب»، لكن: ينهار تماماً مع مجرّدِ تقلّبٍ في السوق؛ ويستبيحُ الكذبَ والرشوةَ والظلمَ من أجل ربحٍ يسيرٍ أكبر؛ وفي الشدائد لا يفكّر إلاّ في الواسطةِ والحسابِ البنكيِّ والأيدي الظاهرة؛ فمثل هذا في الحقيقة لم يَبلُغ إيمانُه بالغيب بعدُ إلى ثمرةِ التوكُّل؛ كشجرةٍ لها أوراقٌ ولم تُثمر.. وهذا ما يقوله مولانا بلغته: الإيمانُ بالغيب أصلٌ وجذر؛ والتوكُّلُ ثمرةُ هذا الجذرِ الناضجة.
١٣. الثمارُ العمليّةُ للإيمان بالغيب والتوكُّل في الحياة اليوميّة:
كلُّ هذا الكلام إن بقي في حدودِ المفهوم فحسب، فثمرتُه قليلة، فماذا يصنع في حياتنا الواقعيّة؟
١٣.١. السَّكينةُ في وسط العاصفة:
من يؤمن بالغيب، ويتوكّل على الله، إذا وقع في أزماتٍ اقتصاديّةٍ أو عائليّةٍ أو اجتماعيّة، يستطيع صادقاً أن يقول: [قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ] (التوبه: 51)، لا بمعنى: «لن أفعل شيئاً»؛ بل بمعنى: أنا أؤدّي واجبي؛ أبحثُ، وأستشير، وأزرع، وأسعى؛ لكنّي أعلم أنّ السيطرةَ النهائيّة ليست بيدي، بل بيد مولاي الرؤوف.. هذا اليقينُ يُنقِذ الإنسانَ من القلقِ المشلول.
١٣.٢. الأمانةُ في الخلوة:
حارسُ القلعةِ على الحدود صورةُ إنسانٍ لا يخونُ، ولو في غيبةِ الملك.. والإيمانُ بالغيب والتوكُّل في حياتنا يعنيان أنّ: عندما لا يَرَى أحدٌ، لا آكُلُ حقَّه مع ذلك؛ وعندما لا يوجد حسابٌ ظاهريّ، لا أُقلِّلُ الكيلَ، ولا أكذبُ، ولا أظلم؛ لأنّي أعلم أنّ: [يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا] (الزلزال: 4)، الأرضَ يوماً ما ستحدِّث أخبارَها؛ وكلَّ ذرّةٍ شاهدةٌ عليّ.
١٣.٣. التحرّرُ من أسرِ الظواهر:
من لا يرى إلاّ عالمَ الشهادة، يكون أسيرَ: نظَرِ الناس؛ المدحِ والثناء؛ حُبِّ الظهور؛ النجاحاتِ الظاهرة؛ والهزائمِ الاقتصاديّةِ والاجتماعيّة.. الإيمانُ بالغيب، والتوكُّلُ، يُرخِيان هذه القيودَ رويداً رويداً.
فيدرك الإنسانُ أنّ: الحُكمَ الأساسيَّ هو حكمُ الله لا حكمُ الخلق؛ هزيمةَ اليوم قد تكون تمهيداً لفتحٍ أكبر؛ وقطعَ علاقةٍ ما قد يكون فتحاً لبابِ علاقةٍ أعمق بالله وبالناسِ الآخرين.
١٤. الخلاصة: حياةٌ على حافّةِ الغيب:
في نظر مولانا – انطلاقاً من القرآن –، يعيش الإنسانُ المؤمنُ على الحدّ الفاصل بين الغيبِ والشهادة: بيدِه يعمل في العالَم المحسوس؛ وبقلبِه يتّكئ على عالم الغيب؛ وبعقلِه يتأمّل في آياتِ الآفاقِ والأنفس؛ وبقلبِه يذوق حضورَ الرحمةِ واللُّطف.
وخلاصةُ ذلك كلّه كما يلي:
١. للعالَم طبقتان: ظاهرٌ وباطن؛ شهادةٌ وغيب.
٢. قيمةُ كلِّ شيءٍ من بُعدِه الغيبيّ، لا من ظاهرِه فحسب.
٣. الجماداتُ في باطنها حيّةٌ مُسبِّحة؛ ونارُ إبراهيم، وعصا موسى، والشجرةُ الحنّانة، وكلامُ الأرض، كلُّها شواهدُ على هذه الحقيقة.
٤. الغيبُ في السِّتار، لكي يبقى ميدانُ الإيمانِ والاختيارِ والحبّ مفتوحاً؛ فلو انكشف كلُّ شيءٍ لكان الإيمانُ إكراهاً.
٥. العبوديّةُ في الغيبة أسمى العبوديّات؛ (طاعت و ایمان کنون محمود شد، الطاعةُ والإيمانُ الآن محمودان).
٦. اللهُ نفسُه شاهدٌ على وحدانيّتِه؛ لا يحتاج إلى شهادةِ مَلَكٍ ولا إنسان، لكنّه أشركهم في هذه الشهادة؛ كرماً منه وتفضلاً.
٧. الطبيعةُ مدرسةُ الإيمان بالغيب؛ كلُّ فصلٍ، وكلُّ مطرٍ، آيةٌ لحقيقةٍ مستورة.
٨. للإيمان بالغيب مراتبُ؛ في قمّتها يصير القلبُ عرشَ الرحمن، وينعم بالعِلم اللَّدُنّي.
٩. ثمرةُ الإيمانِ الناضجةُ بالغيب هي التوكُّل؛ أيْ في العمل: نزعُ الاعتمادِ عن غير الله، وجَعْلُه عليه وحدَه، مع الاستفادةِ الكاملة من الأسباب.
وفي الختام، إن أردنا أن نجمع هذا الفصلَ كلَّه في جملةٍ قرآنيّةٍ واحدة، لربّما كانت هذه الآية: [وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِۦۚ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا] (الطلاق: 3).
العدد ١٩٤ ǀ ربيع ٢٠٢٥ ǀ السنة الثالثة والعشرون