ربانية قيادة الطائفة الظاهرة على الدين، موائد الرحمن من كنوز قلائد الجمان
صالح شيخو الهسنياني

الربانية لغة:
الرَّبُّ: ربب: ربّ كل شيء: مالكه. والربُّ: هو الله عز وجل، هو ربّ كل شيء أيْ مالكه، وله الربوبية على جميع الخلق، لا شريك له، وهو ربّ الأرباب، ومالك الملوك والأملاك. ولا يقال الربّ في غير الله، إلا بالإضافة. قال: ويقال الربّ، بالألف واللام، لغير الله؛ وقد قالوه في الجاهلية للملك. ورَبَبْتُ القوم: سُسْتُهُمْ، أي كُنْتُ فوقهم ([1]).
وقيل: الرَّبُّ: المالك. ورب كل شيء: مالكه. يقال: رَبُّ الدارِ، ورَبُّ المالِ.
وقيل: الرَّبُّ: السيد، والمربي، والقيم، والمنعم، والمالك، والمصلح للشـيء، والمدبر، ومنه قوله تعالى: [ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلأَحبَارُ] سُمُّوا ربانيين لقيامهم بتدبير أمور الناس. والمرأة: رَبَّهُ البيت، لأنها تدبِّرهُ ([2]).
قال ابن الأثير: ربّاني: منسوب إلى الربّ، بزيادة الألف والنون للمبالغة. قال وقيل: هو من الربّ، بمعنى التربية؛ كانوا يربّون المتعلمين بصغار العلوم، قبل كبارها. والرباني: العالم الراسخ في العلم والدين، أو الذي يطلب بعلمه وجه الله. وقيل: العالم، العامل، المعلم ([3]).
وفي التفسير:
فأما الرّبّانيّون عند المفسرين، فهم:
روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: هم الذين يغذّون الناس بالحكمة، ويربّونهم عليها.
وقال ابن عباس، وابن جبير: هم الفقهاء المعلِّمون.
وقال قتادة، وعطاء: هم الفقهاء العلماء الحكماء.
وقال ابن قتيبة: واحدهم ربّاني، وهم العلماء المعلّمون.
وقال أبو عبيد: وإنما عرفها الفقهاء، وأهل العلم، قال: وسمعت رجلاً عالماً بالكتب يقول: هم العلماء بالحلال والحرام، والأمر والنهي.
وحكى ابن الأنباري عن بعض اللغويين: الربّاني: منسوب إلى الربّ، لأن العلم: ممّا يطاع الله به، فدخلت الألف والنون في النسبة للمبالغة، كما قالوا: رجل لحيانيّ: إذا بالغوا في وصفه بكبر اللحية.
وقيل هو: الحكيم العالم، أو: الفقيه العالم الحليم، قاله علي، وابن عباس، والحسن، ومجاهد.
أو: الحكيم الفقيه، قاله ابن عباس.
أو: والي الأمر يربيهم ويصلحهم، قاله ابن زيد.
أو: الحكيم التقي، قاله ابن جبير. أو: المعلّم، قاله الزجاج.
أو: الشديد التمسك بدين الله وطاعته، قاله الزمخشري.
أو: العالم الحكيم الناصح لله في خلقه، قاله عطاء.
أو: العالم العامل بعلمه، قاله ابن جبير ([4]).
قال تعالى: [مَا كَانَ لِبَشـَرٍ أَن يُؤتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلكِتَٰبَ وَٱلحُكمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـنَ بِمَا كُنتُم تُعَلِّمُونَ ٱلكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُم تَدرُسُونَ][آل عمران: 79]، الربّانية هي القيادة بهدف الإصلاح، تدبّر في الآية حرف الباء في [بِمَا] فإنه يدلّ على أن طريق الربانية هي الدراسة عموماً، وتعليم الناس الكتاب، أي الكتاب المنزّل، فهو تعب وعطاء يجعلهم قادة بأهليتهم وعطائهم الفكري والعلمي، وإن لم يكن لهم منصب رسمي، وكذلك صلاحيتهم للاقتداء بهم، والمقصود هنا أنه أخذ القيادة غير الرسمية بصورة تلقائية([5]).
قال الطبري: “وأولى الأقوال عندي بالصواب في (الرَّبانيِّين): أنهم جمع (رَبّاني)، وأن (الرَّبّاني): المنسوب إلى (الرَّبَّان) الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، و(ويربُّها)، ويقوم بها… ثم قال: يقال منه: “رَبَّ أمري فلان، فهو يُربُّه رَبًّا، وهو رَابُّه”. فإذا أريد به المبالغة في مدحه، قيل: هو ربّان”… ثم تابع قائلاً جامعًا بين الأقوال المختلفة: “فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا وكان (الربَّان) ما ذكرنا، و(الربّاني) هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفتُ، وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين يَرُبّ أمورَ الناس، بتعليمه إياهم الخيرَ، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم، وكان كذلك الحكيمُ التقيُّ لله، والوالي الذي يلي أمورَ الناس على المنهاج الذي وَليَهُ المقسطون من المصلحين أمورَ الخلق، بالقيام فيهم بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم، وعائدةُ النفع عليهم في دينهم”([6]).
وقال الإمام أبو زهرة في قوله تعالى: [كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـنَ] والربّانيون، نسبة إلى الربّ سبحانه وتعالى، وقويت النسبة بزيادة الألف والنون. ومعنى هذه النسبة إلى الله تعالى يتضمن أنواراً يتخلّق بها المؤمن.
أوّلها: ألّا يعبد إلا الله وحده، فيكون بعقله وقلبه وأحاسيسه خالصاً لله سبحانه وتعالى، ولا يشرك فيها أحداً سواه.
وثانيها: ألّا يعرف حقيقة الشّـرع إلّا عن الله، فلا يوسّط في تعرّفها عباداً لهم أهواء وشهوات، يحرّفون الكلم عن مواضعه، إلا أن يكونوا ذوي فهم في كتاب الله تعالى قد حرم هو منه، فيستعين بهم على فهم كتابه سبحانه، لَا أن يأخذ أقوالهم على أنها دين الله.
ثالثها: ألّا ينفّذ من الأحكام إلا أحكام الرب سبحانه وتعالى.
رابعها: أن تكون كل أعماله خالصة لوجه الله، فلا يماري ولا ينافق.
خامسها: أن يخضع للحقّ لذات الحقّ، وقد بيّن سبحانه – حكاية عما ينبغي أن يقوله الرسل وقد قالوه – كيف تتربّى الربّانيّة في نفس المؤمن، فذكر أنها علم الكتاب المنزّل، والعكوف على دراسته، فقال: [بِمَا كُنتُم تُعَلِّمُونَ ٱلكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُم تَدرُسُونَ]. أي: أن الذي يربّي الربّانية هو الاستمرار والدؤوب على أمرين اثنين:
أوّلهما: دراسة الكتاب المنزّل الذي بيّنه الرسول، فهو يدرسه مع شارحه، ويقطع كل الحجزات التي تحول بينه وبين هذه الدراسة، فلا يأخذ دين الله عن غير كتاب الله الذي بيّنه رسول الله تعالى.
ثانيهما: استيعاب علم الكتاب، وتعليمه من البعض، ليتمكّن الدارسون من أن يعرفوا حقيقة كتاب الله، والاهتداء بهديه.. وقُدِّم تعليم علم الكتاب على دراسته لأمرين:
أوّلهما: الإشارة إلى جرم أهل الكتاب الذين اتجهوا إلى تعليم الناس أهواءهم، بدل أن يعلموهم كتاب الله.
وثانيهما: أنّ بيان الدِّراسة من غير تعليم وتدريس، خبط عشواء، وسير في ظلماء ([7]).
وقال العمري: “ويؤيد أن الربّانية هي القيادة، سواء كانت رسمية أو غير رسمية، أن الربّاني يمكن أن يكون مذموماً بسبب تقصيره في واجبات القيادة، كما ينبّه إليه قوله تعالى: [لَولَا يَنهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلأَحبَارُ عَن قَولِهِمُ ٱلإِثمَ وَأَكلِهِمُ ٱلسُّحتَ لَبِئسَ مَا كَانُواْ يَصنَعُونَ] [المائدة: 63]، فلو كان الربّاني منسوباً إلى الربّ بسبب تقواه والتزامه، لفقد هذا الاسم حين فقدَ التزامه([8])، فالصحيح – إن شاء الله تعالى – أن الربّاني منسوب إلى الربّان بمعنى القائد([9])؛ فالربّانية على ذلك ليست مجرد إعداد محاضرة، أو إلقاء درس، ولكنها صلة متينة بأحوال الناس لإعداد ما يصلح أمورهم وينفعهم في دراسة للحال والمؤثرات، ومن تعليم لما يناسب من العلم الشـرعي، وكذلك تربية عملية على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، سواء كان ذلك بالتواصل الكلامي، أم المشاركة العملية في المجتمع، أم في مؤسسة تعليمية دعوية أو سلوكية أو سياسية أو غيرها، فهي قيادة بسلطة رسمية أو بغيرها، وهي من أهم أبواب فقه العمل.
وواضح أن قوله تبارك وتعالى: [ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـنَ بِمَا كُنتُم تُعَلِّمُونَ ٱلكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُم تَدرُسُونَ]، هو أمر للناس عموماً بالربّانية.. وعلى ذلك، فإن من فوائد الآية الكريمة ثلاثة أمور في غاية الأهمية:
الأوّل: الأمر بالربّانية يوجب تعلم فنّ القيادة، وإعداد النفس لذلك.
الأمر الثاني: من تعلّم نصيباً من فقه القيادة، فعليه أن يعلّمه للآخرين.
الأمر الثالث: هو أن التفكير جزء مهم من طريق الربّانية، لأن الأصل في معنى الدَّرس هو بقاء أثر ما انتهى أو زال. يقال: ما بقي في الدار إلا دَرسُ نُؤيٍ ورسمٌ، وتركت به دروساً أيْ آثاراً. والدرس: الطريق الخفي.
وأضاف العمري، وقال: تدبّر قوله تعالى: [تُعَلِّمُونَ] صحّت القراءة فيه بتشديد اللام (من التعليم)، وكذلك بتخفيف اللام المفتوحة (من التعلّم). وأمّا قوله تبارك وتعالى: [تَدرُسُونَ] القراءات المشهورة متفقة على فتح التاء وضمّ الراء، أيْ من الدرس والدراسة وليس من التدريس ([10]). ولعلّ السبب هو أن العالم يستطيع أن ينقل علمه إلى تلميذه، ويصير تلميذه عالماً بذلك، ولكنه لا يستطيع أن يجعل تلميذه دارساً ما لم يقرّر التلميذ نفسه أن يمارس التفكير بمنهج ثابت، والله تعالى أعلم” ([11]).
صناعة وتجارة باسم الدين:
قوله تعالى: [لَولَا يَنهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلأَحبَارُ عَن قَولِهِمُ ٱلإِثمَ وَأَكلِهِمُ ٱلسُّحتَ لَبِئسَ مَا كَانُواْ يَصنَعُونَ] [المائدة: 63].
قال الشيخ الشعراوي: “الربانيون هم الذين يُنسبون إلى الرب في كلّ تصـرّفاتهم، وكذلك الأحبار الذين يعرفون الـدين، ولا هؤلاء ولا أولئك ينهون هؤلاء الناس من أهل الكتاب عن ارتكابهم الإثم وأكلهم السحت، فكيف يُنَصَّبُ هؤلاء الربّانيون والأحبار أنفسَهم قادةً للضمير الديني دون أن يقوموا بواجبهم بوعظ الناس؟ وفي هذا تأكيد على أن الربّانيين والأحبار إنما يريدون فقط سلطة الهيمنة على الناس.
والربانيون هم رؤساء النصارى، والأحبار هم رؤساء اليهود. وكان من بين اليهود والنصارى من تتملّكه شهوات أكل السحت والظلم وقول الإثم، فلماذا لم يتحرّك المنسوبون إلى الله للنهي عن ذلك، وهم الذين أخذوا حظّهم في الدنيا من أنهم منسوبون إلى حماية منهج الله من انحرافات البشـر؟ ألم يكن من واجبهم نهي الظالمين والآثمين عن الظلم والإثم؟
إنّ الذي يظلم، له شهوة في أن ينتفع من الظلم، أمّا أنتم أيّها الربّانيّون والأحبار فلماذا لا تتحرّكون لوقف ذلك؟ لا شكّ أنهم قد امتلأوا سروراً من هذا الإثم وذلك العدوان وأكل السحت، ومبعث سرورهم أن الواحد من هؤلاء – لو كان سليماً في تصرفاته وأحكامه – لغار على المنهج، لكنّه يقبل الانحراف؛ لأن من مصلحته أن ينحرف غيره حتى لا يلومه أحد. وجاء الحق بـــ[لَولَا] في أوّل هذه الآية تحضيضيّة، أي يقصد بها الحثُّ على الفعل، أيْ كان يجب أن ينهاهم الربانيّون والأحبار عن أكل السحت وقول الإثم والعدوان! وقال عن الربانيين والأحبار: [لَبِئسَ مَا كَانُواْ يَصنَعُونَ] لإيضاح الفرق بين من يعمل، ومن يصنع… وكان الربانيّون والأحبار قد اتّخذوا أمر الدين والكهنوت صناعةً بتجويد كبير. وذلك هو الذي جعل السلطة التقنينية في العالم كلّه تنتقل من منهج السماء إلى منهج الأرض. وحينما نرجع إلى تاريخ القانون نجد أن الأصل في التقنين كان من الكهنة الذين كانوا منسوبين إلى الله وخبر السماء، وهم الذين كانوا يحكمون بين الناس، لكنهم أفسدوا، ورأى المجتمع أنهم يحكمون في قضية بحكم، ثم في قضية مشابهة يحكمون بنقيض الحكم السابق، وأنهم ارتشوا في سبيل ذلك، ومايزوا بين الناس، وعرف الناس أن الكهنة غير مأمونين على العدالة؛ لذلك تركوا الكهنة وبدأوا يضعون قوانين خاصة بهم بعيدة عن حكم الكهنة. وهكذا انتقلت المسألة من تقنينات وحكم الكهنة إلى المجتمع، الذي لم يعد يتمسّك بالدين، بسبب انحرافات أحكام الكهنة عن العدل، ولأنهم باعوا الأحكام لصالح من يدفع أكثر، أو يحكمون لصاحب النفوذ. وهكذا صارت المسألة صناعةً لهم. وبئست تلك الصناعة”([12]).
([1]) الصحاح: (1/130)؛ لسان العرب: (1/399).
([2]) شمس العلوم: (4/2334)؛ لسان العرب: (1/399).
([4]) ينظر هذه الأقوال وغيرها: زاد المسير: (1/298)؛ البحر المحيط: (3/232).
([5]) نخبة المسار في فقه القيادة والإدارة: (ص81).
([7]) زهرة التفاسير: (3/1290-1291).
([8]) قال أبو زهرة: الربانيّون هنا هم العلماء الذين يحاولون أن يكون علمهم لله، ويتصلون بربهم حتى ينسبوا إليه، ولا يكون لهم وصف إلا نسبتهم إليه سبحانه، يزعمون ذلك في أقوالهم، ويظهرونه في أْعمالهم. والأحبار هم الفقهاء أو العلماء الذين يفسـّرون أحكام الكتاب، ويعرفون الناس بشؤون دينهم، وقد يكون من يجمع بين الوصفين، ولكن لكل وصف جانب من العمل. زهرة التفاسير: (5/2273).
([9]) قال ابن عاشور في قوله تعالى: [كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـنَ]؛ أي كونوا منسوبين للرب، وهو الله تعالى، لأن النسب إلى الشيء إنما يكون لمزيد اختصاص المنسوب بالمنسوب إليه. ومعنى ذلك أن يكونوا مخلصين لله دون غيره. والربانيّ نسبة إلى الربّ على غير قياس، كما يقال: اللحياني لعظيم اللحية، والشعراني لكثير الشعر. التحرير والتنوير: (3/295).
([10]) [تَدرُسُونَ] قال ابن عاشور: معناه تقرؤون، أيْ قراءة بإعادة وتكرير: لأن مادة درس في كلام العرب تحوم حول معاني التأثّر من تكرّر عمل يعمل في أمثاله. فمنه قولهم: درست الريح رسم الدار، إذا عفته وأبلته، فهو دارس. يقال منزل دارس، والطريق الدارس العافي، الذي لا يتبين. وثوب دارس: خلق. وقالوا: درس الكتاب إذا قرأه بتمهل لحفظه، أو للتدبر. التحرير والتنوير: (3/295).
([11]) نخبة المسار في فقه القيادة والإدارة: (ص81).
([12]) خواطر الشعراوي: (6/3259-3261).
العدد ١٩٤ ǀ ربيع ٢٠٢٥ ǀ السنة الثالثة والعشرون