مؤازرة أهل العراق للنبيّ في رحلة الطائف

دحام إبراهيم الهسنياني

كثر إيذاء كفّار قريش لرسول الله (صلى الله غليه وسلم) بعد موت عمّه أبي طـالب، وموت زوجته خديجة رضي الله عنها، وتستغلّ قريش غياب أبي طالب فتزيد من إيذائها للنبي (صلى الله غليه وسلم)، وتضيَّق عليه، حتى أسرفت في إيذائه إسرافًا كبيراً بعيدًا عن الكرامة والإنسانية، فسمّي ذلك العام بعام الحزن.

وضاقت مكة على رسول الله (صلى الله غليه وسلم)، واشتدّ به الحال، حتى فكّر في أن يتخذ أسلوباً آخر في دعوته بتغيير المكان، علَّه أن يجد قبولاً، وعزم – عليه الصلاة والسلام – على أن ينتقل إلى بلد غير بلده، وقوم غير قومه، يعرض عليهم دعوته، ويلتمس منهم نصـرتهم، رجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله، فاختار الخروج إلى (الطائف)، التي كانت تمثل مركزاً مهماً لسادات قريش وأهلها، ومكاناً استراتيجياً لهم، حيث كانوا يملكون فيها الأراضي والدور، وكانت راحة لهم في فصول الصيف.

قرَّر النبِيُّ (صلى الله غليه وسلم) أن يَخرج بالدَّعوة من مكة إلى الطائف، حَيْثُ تَقْطُنُ ثَقِيفٌ، يَلْتَمِسُ نُصـْرَتَهُمْ، والمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ. راجياً ومؤمّلاً أن تكون أحسن حالاً من مكة، وأن يجد من أهلها نصـرة، ولعلَّه يجد بينهم من يؤمن بهذه الرِّسالة الخالدة.. فخرج وهو يطلب النُّصـرة والعونَ من أهلها.. ويَرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عندِ الله (عزَّ وجلَّ).

وأنا أقرأ عن رحلة النبي (صلى الله غليه وسلم) إلى الطائف، وما لاقى من الأذى.. رأيت عجباً!

فقد اجتمع في رحلة النبي (صلى الله غليه وسلم) إلى الطائف مؤازرة ومواساة أشخاص من أهل العراق للنبي (صلى الله غليه وسلم) حصـراً، حيث كان يصحبه زيد بن حارثة t، وهو من أهل العراق، ومن قبيلة كلب العراقية، وأما (عدّاس) ومؤازرته ومواساته للنبيّ فمعروفة، وهو من أهل الموصل في العراق أيضاً.. وفي أثناء المحنة والكآبة، يتذكر الرسول (صلى الله غليه وسلم) أخاه النبي يونس (عليه السلام)، حيث يشعر بالمواساة والراحة النفسية بذكره في حواره الإيماني مع عدّاس.. والنبي يونس (عليه السلام) هو من أهل العراق أيضاً، وبعث نبياً إلى أهل نينوى.. وفي مساء ذلك اليوم القاسي في الطائف، أقبل للإيمان بدعوة النبي (صلى الله غليه وسلم) وفد من جنّ العراق، من أهل (نصيبين)، المدينة التابعة لمدينة الموصل، فكان في إسلامهم مواساة عظيمة ومؤازرة للنبي (صلى الله غليه وسلم).

والعراق بلد الأنبياء والصالحين، وبلد الصحابة والتابعين، وبلد الفقهاء والمحدثين، وبلد الحضارات، وبلد العلماء والأولياء، له تاريخ عريق في الماضي، ذكره المؤرخون في مصنفاتهم.. والمعروف أن العراق لم يفتح إلاّ في عهد الخليفتين أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب (رضي الله عنهما)، ولكن كان لأهل العراق حضور فعليّ في عصـر الرسالة، فقد كانوا يمدّون صاحب الرسالة في أخطر الظروف بالمؤازرة والمساندة والمواساة.

وهذا ما سأبيّنه في المباحث الآتية:

1- زيد بن حارثة الكلبي العراقي:

زيد بن حارثة هو من أهل العراق، وكان له دور كبير في مصاحبة النبي (صلى الله غليه وسلم) بكل إخلاصٍ وتفانٍ، وكان أقرب الناس إلى رسول الله (صلى الله غليه وسلم)، وأحبّهم إلى قلبه.. وكان زيد يرافق النبي – عليه الصلاة والسلام – في رحلة الطائف، وكان يقيه بنفسه، بل روحه دون رسول الله، حتى شجّ في رأسه شجاج، ونال كثيراً من الأذى.

هو زَيْدُ بن حَارِثَةَ بن شُرَحْبِيلَ بن كعب الكلبي العراقي، أبو أسامة، وهُوَ أوَّلُ مَنْ أسْلَمَ مِنَ المَوَالِي، ويُقَالُ لَهُ حِبُّ النبيِّ (صلى الله غليه وسلم)، وهُوَ الذِي آثَرَ رسُولَ اللَّهِ عَلَى وَالِدِهِ وأهْلِهِ.

وقد روى أهل السير والتاريخ كيفية مجيء زيد من العراق إلى مكة، فهو ينتمي إلى قبيلة كلب العربية العراقية، والتي كانت تسكن في منطقة الجزيرة في العراق.

لقد ذكرت الروايات أن أمّ زيد بن حارثة هي سعدى بنت ثعلبة بْن عبد عامر بْن أفلت من بنى معن من طيِّئ، كانت قد خرجت يوماً من العراق، ومعها زيد، لتزور قومها في بلاد الشام، وبينما كانا يغذّان المسير، يذرعان الطريق بلهفة المشوق المستهام للقاء الأهل والأحباب بعد طول الغياب.. إذ دهمتهم فجأة، وأحصـرتهم بغتة، خيل لبني “الْقَيْنِ بْنِ جَسـْرٍ”، في الجاهلية، فمرّوا على أبيات معن، رهط أمّ زيد، فاحتملوا زيداً معهم من ضمن السبي، وهو يومئذٍ غلام صغير في الثامنة من العمر ([1]).

وكسـر في ذرع سعدى بنت ثعلبة، ورأت الموت رأي العين، بلغت بها المأساة ذروتها عندما انتزعوا منها فلذّة كبدها، وتركوها تسير مجروحة كليمة الفؤاد كليلة العزيمة خائرة القوى، تهيم على وجهها هيماناً من الوجد والأسى، ولوعة الفراق لابنها الصبي الصغير..

وسَبَبُ وُجُودِهِ عِنْدَ النبيِّ (صلى الله غليه وسلم) ما رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ، وَحَسَّنَهُ، وابْنُ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ([2]) قَدِمَ مِنَ الشَّامِ بِرَقِيقٍ، فِيهِمْ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ t، فدَخَلَتْ عليهِ خدِيجَةُ بنتُ خُوَيْلِدَ، فَقَالَ لهَا: اخْتَارِي أيَّ هَؤُلَاءِ الغِلْمَانِ شِئْتِ، فهُوَ لَكِ، فاختارَتْ زَيْدًا، فأخَذَتْهُ بــ(700) درهم. فلمَّا رآهُ النبيُّ (صلى الله غليه وسلم) أعْجَبَهُ، فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهَا، فَوَهَبَتْهُ لَهُ، فأعْتَقَهُ رسُولُ اللَّهِ (صلى الله غليه وسلم) وتَبَنَّاهُ، فَكَانَ يُدْعَى (زَيْدَ بنَ مُحَمَّدٍ)، وذلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ.

وَكَانَ أبُوهُ حَارِثَةُ قَدْ جَزِعَ عليهِ جَزَعًا شَدِيدًا – وكان في العراق -، وبكَى عليهِ حِينَ فَقَدَهُ… واهتم همّاً لا مزيد عليه… ثم خرج هو وأخوه كعب يذرعان البطون والشعاب، ويجدّون في البحث والتنقيب عن مفقودهم المخطوف.. حتى سمعوا أنه في مكة عند محمد بن عبد الله، فهرولا إليه ملهوفين لِيَفْدِيَاهُ، فدَخَلَ حَارِثَةُ وَأخُوهُ عَلَى النبيِّ (صلى الله غليه وسلم). فَقَالَ: يا ابنَ عبدِ اللَّهِ! يا ابنَ سَيِّدِ قَوْمِه! أنْتُمْ أَهْلُ الحَرَمِ، وجِيرَانُهُ وعِنْدَ بَيْتِهِ، تَفُكُّونَ العَانِي، وتُطْعِمُونَ الأسِيرَ، جِئْنَاكَ فِي ابْنِنَا عِنْدَكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا، وَأحْسِنْ إلَيْنَا في فِدَائِهِ، فإنَّا سَنَرْفَعُ لَكَ فِي الفِدَاءِ. فَقَالَ رسولُ اللَّهِ (صلى الله غليه وسلم): “مَنْ هُوَ”؟ قَالَا: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَدَعَى رسولُ اللَّهِ (صلى الله غليه وسلم) زَيْدًا. فَقَالَ لَهُ: “إنْ شِئْتَ فَأقِمْ عِنْدِي، وإنْ شِئْتَ فَانْطَلِقْ مَعَ أبِيكَ”.

فَقَالَ زَيْدٌ: بَلْ أُقِيمُ عِنْدَكَ، ومَا أنَا بِالذِي أَخْتَارُ عَلَيْكَ أحَدًا، أَنْتَ مِنِّي بِمَكَانِ الأبِ وَالأمِّ.

انطلقت كلمة الحقّ الذي لا تخالجه مصانعة، والصدق الذي لا تخامره مداهنة، واليقين الثابت الذي لا يخالطه تردّد أو تقاعس.. انطلقت على لسان زيد من غير مواربة، ومن غير احتراس ولا اكتراث، وهو يعلم أن أباه وعمّه لقيا الأمرّين من أهوال البحث والتنقيب عنه، ويدرك جيداّ مدى الهمّ والغمّ والعنت الذي لحق بأهله من جرّائه وبسببه، لكنه يصدع بما في طويّته ودخيلته فيختار سيّده محمداً بن عبد الله (صلى الله غليه وسلم).

فقَالَا: وَيْحَكَ يَا زَيْدُ، أتَخْتَارُ العُبُودِيَّةَ عَلَى الحُرِّيَّةِ، وعَلَى أبِيكَ وعَمِّكَ وأَهْلِ بَيْتِكَ؟

وأراد الله تعالى الخير لزيد الخير.

ولم تنفع ضراعة أبيه وعمّه بين يديه، ولا نفعت توسلات أبيه إليه، وتذكيره بوالديه وقومه ومسقط رأسه.

قَالَ زيد: نَعَمْ، إنِّي قَدْ رَأيْتُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا، ما أنَا بِالذي أَخْتَارُ عَلَيْهِ أحَدًا أبَدًا.

ولم يتردد زيد لحظة واحدة، ولم يبد غير التصميم والإصرار والثبات على الأمر، من غير وجل أو تردّد أو تقاعس، فلم يتحوّل عن موقفه، ولم يعدل عنه، رغم كل هذا الإلحاح والتوسل.

إنّه لأمر أعجب من العجب.. مثير للدهشة والاستغراب، وهو إيثار واختيار العبودية على الطلاقة والحرية.. وما كان رسول الله إلا أن يزداد تمسّكاً بزيد، واحتضاناً له، وتكريماً لشأنه، كفاء هذا الموقف الندب الذي خلعه عليه (صلى الله غليه وسلم)، إذ إن هذا التصـرّف من زيد تكريم أيّ تكريم لرسول الله، وهو أن يكون الرقّ والتمليك له شرفاً وفخراً ومجداً فوق النسب والحسب، والأهل والعشيرة، وكل الأحباب والخلان.. وعاد أبوه وعمه مخذولان يضربان أصدريهما، قافلين بخفي حنين ([3]).

أخذ رسول الله (صلى الله غليه وسلم) زيداً، وأمسك بيده على رؤوس الأشهاد، وقام به إلى الملأ من قريش، فأشهدهم أنّ زيداً ابنه؛ وارثاً ومورثاً.. فَلَمْ يَزَلْ زَيْدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله غليه وسلم) حتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَصَدَّقَهُ، وأسْلَمَ، وصَلَّى مَعَهُ، فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: )ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّه( (الأحزاب: 5)، قَالَ: أنَا زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ ([4]).

وأمّا زوجته، فهيَ أمُّ أيمنَ الحَبَشِيَّةُ ([5])، حاضِنَةُ رسول اللَّه (صلى الله غليه وسلم). أسلَمَتْ قديمًا، وهاجرتْ إلى الحبشةِ، وإلى المدينة.. زوَّجها رسول اللَّه (صلى الله غليه وسلم) زيد بن حارثة t، فرُزِقَتْ منه ابنها أسامة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وتوفيت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا في خلافة عثمان بن عفان t([6]).

وهاجرَ زيد، وشَهِدَ بَدْرًا، وما بَعْدَها، إلى أن بَعَثَهُ رسول اللَّه (صلى الله غليه وسلم) عامَ ثمانٍ للهجرةِ أمِيرًا على جيش مُؤْتَةَ، فلقُوا الروم هنالك في جَمْعٍ عَظِيمٍ في معركة مُؤْتَةَ، فقُتلَ هنالكَ t، وعُمْرُه خمس وخمسُونَ سنة ([7]).

وفيما كان يفعله زيد بن حارثة t، من وقاية للرسول (صلى الله غليه وسلم) بنفسه، من حجارة السفهاء، حتى إنه شجّ في رأسه عدّة شجاج، نموذج لما ينبغي أن يكون عليه حال المسلم بالنسبة لقائد الدعوة، من حمايته له بنفسه، ودفاعه عنه، وإن اقتضـى ذلك التضحية بحياته.

هكذا كانت حال الصحابة y بالنسبة لرسول الله (صلى الله غليه وسلم). ولئن كان رسول الله (صلى الله غليه وسلم) غير موجود اليوم بيننا، فلا يتصوّر الدفاع عنه على النحو الذي كان يفعله أصحابه y، فإن ذلك يتحقق على نحو آخر؛ هو ألّا نضنّ على أنفسنا بالمحن والعذاب في سبيل الدعوة الإسلامية، وأن نسهم بشـيء من تحمّل الجهد والمشاق التي تحملها النبي عليه الصلاة والسلام.

على أنه ينبغي أن يكون هنالك قادة للدعوة الإسلامية في كل عصـر وزمن، يخلفون قيادة النبي (صلى الله غليه وسلم)في الدعوة، فعلى المسلمين كلهم أن يكونوا من حولهم جنوداً مخلصين لهم، يفدونهم بالمهج والأموال، كما كان شأن المسلمين مع رسول الله (صلى الله غليه وسلم) ([8]).

واختيار الرسول زيدًا كي يرافقه في رحلته، فيه جوانب أمنية، فزيد هو ابن رسول الله بالتبنّي، فإذا رآه معه أحد، لا يثير ذلك أيّ نوع من الشكّ، لقوّة الصلة بينهما، كما أنه (صلى الله غليه وسلم) عرف زيدًا عن قرب، فعلم فيه الإخلاص والأمانة والصدق، فهو إذن مأمون الجانب، لا يفشـي سـرَّا، ويعتمد عليه في الصحبة، وهذا ما ظهر عندما كان يقي النبي (صلى الله غليه وسلم) الحجارة بنفسه، حتى أصيب بشجاج في رأسه.

2 – عداس بن متى الموصلي:

وأمّا مؤازرة ومواساة عداس للنبي (صلى الله غليه وسلم)، فمعروفة.. وهو من أهل الموصل في العراق أيضاً، والذي قال كلمة الحقّ في أخطر الظروف، وذلك عندما قال لسيّده أحد أبناء ربيعة: (يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلاّ نبي) ([9])، مواسياً رسول الله (صلى الله غليه وسلم) مواساةً عظيمة، ومخفّفاً عنه ما جرى له.. وهذا الموقف لفتى الموصل سيبقى مرتسماً في أذهان المسلمين والناس جميعاً إلى يوم القيامة.

فعندما وصل النبي (صلى الله غليه وسلم) إلى الطائف اتّجه مباشرة إلى مركز السلطة وموضع القرار السياسي، حيث كان بنو مالك والأحلاف الذين تنتهي إليهم قيادة الطائف، بالإضافة إلى الزعامة السياسية العامة والعلاقات الخارجية والنفوذ الاقتصادي، إلاّ أنهم لم يكونوا مع ذلك في وضع يمكنهم من الـدفاع عن منطقة الطائف، التي كانت أخصب بلاد العرب وأكثرها جذباً للأنظار والأطماع، فكانوا يخافون قبيلة هوازن، ويخافون قريشاً، حيث إنها كانت قبائل قوية وقادرة على الانقضاض والاستلاب، ولذلك اعتمد زعماء الطائف على سياسة المهادنة وحفظ الاستقرار السياسي عن طريق المعاهدات والموازنات([10]).

فجلس رسول الله (صلى الله غليه وسلم) إلى الأخوة الثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير. ومسعود بن عمرو بن عمير.. وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف.. فدعاهم إلى الله.. وكلّمهم بما جاءهم له من نصـرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه.. فقال له أحدهم: هو يمرط ([11]) ثياب الكعبة، إن كان الله أرسلك.. وقال الآخر: أمَا وجدَ اللهُ أحداً يرسله غيرك.. وقال الثالث: والله لا أكلّمك أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أردّ عليك الكلام. ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلّمك..

فقام رسول الله (صلى الله غليه وسلم) من عندهم وقد يئس من خير ثقيف.. وقال لهم‏‏:‏‏ إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني.. وكره رسول الله (صلى الله غليه وسلم) أن يبلغَ قومَه عنه.. فيُذْئِرهم ([12]) ذلك عليه.

وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم.. يسبّونه ويصيحون به.. حتى اجتمع عليه الناس.. وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة.. وهما فيه.. فَلَمَّا دَخَلَ الحَائِطَ رَجَعَ عَنْهُ مَنْ كَانَ يَتْبَعُهُ مِنْ سُفَهَاءَ ثَقِيفٍ، وعَمَدَ إلى ظِلِّ شَجَرَةٍ مِنْ عِنَبٍ، فَجَلَسَ فِيهِ هُوَ وزَيْدُ بنُ حَارِثَةَ t([13]).

وعاد الهدوء إلى نفس رسول الله (صلى الله غليه وسلم) بعد الدعاء الذي استسلم فيه إلى قضاء الله، وأسلم نفسه لله.

وجلس رسول الله (صلى الله غليه وسلم) بجوار حائط ليستريح قليلاً بعد تلك المعاناة الرهيبة، التي أعقبها بدعاء يهتزّ له القلب، وتتفجر له العاطفة الإنسانية.

قال ابن إسحاق: “فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة، وما لقي، تحرّكت له رحمهما.. فدعوا غلاماً لهما نصـرانياً.. يقال له عدّاس.. فقالا له: خذ قطفاً من هذا العنب.. فضعه في هذا الطبق.. ثم اذهب به إلى ذلك الرجل..”.

قال: “فأتاه غلام موصلي اسمه: (عدّاس) بقطف من العنب، وقال له: كلْ، فلما وضع رسول الله (صلى الله غليه وسلم)فيه يده قال: (بسم الله)، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له رسول الله: (ومن أي البلاد أنت يا عداس([14])؟ وما دينك؟) ([15]). قال: أنا نصـراني، وأنا رجل من أهل نينوى.

فقال رسول الله (صلى الله غليه وسلم): (من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟). فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟

فقال رسول الله: (ذاك أخي، كان نبياً، وأنا نبي)، فأكبّ عدّاس على رسول الله (صلى الله غليه وسلم) يقبّل رأسه ويديه وقدميه”([16]).

فلما رأى ابنا ربيعة ما حدث، قال أحدهما لصاحبه: أمّا غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عدّاس، قالا له: ويلك يا عدّاس: ما لك تقبّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميـه؟ قال: (يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلاّ نبي)، قالا له: ويحك يا عدّاس، لا يصرفنّك عن دينك، فإن دينك خير من دينه ([17]).

فحاول الرجلان توهين أمر محمد (صلى الله غليه وسلم)، وحمل عدّاس على التمسّك بدينه القديم، كأنّما عزّ عليهما أن يخرج محمد (صلى الله غليه وسلم) من الطائف بأيّ كسب.

هكذا نلاحظ أن وافد أهل العراق وقف إلى جانب النبي (صلى الله غليه وسلم)، وقال كلمته بأنه ما في الأرض خير من رسول اللّٰه (صلى الله غليه وسلم). هذا الموقف وقفه عدّاس من النبي (صلى الله غليه وسلم)في الوقت الذي لم يكن للنبي غير اللّٰه (عزَّ وجلَّ) يدافع عنه.. لـذا، فإن هذا لموقف سيبقى مرتسماً في أذهان المسلمين والناس جميعاً إلى يوم القيامة.

وفي قول عداس: (والله ما على الأرض خير من هذا)، مواساة عظيمة، فلئن آذاه قومه، فهذا وافد من شمال العراق، من نينوى، من بلد نبي الله يونس (عليه السلام)، يكبُّ على يديه ورجليه ويقبلهما، ويشهد له بالرسالة، وإن هذا لقدر ربّاني، يسوق من نينوى من يؤمن بالله ورسوله، حيث كان الصدّ من أقرب الناس إليه ([18]).

كان نصـر الله مع رسوله في هذه الشدة، فاستجاب له الدعاء، فآمن به “عداس”، ولما اتّجه إلى مكة أجاره “المطعم بن عدي”، فدخل مكة في جواره.

إن الانتقال بالفكرة برهان على أهميتها، واهتمام صاحبها بها، وهذا في حد ذاته يدفع العقلاء إلى الاستماع والمعرفة والفهم.

وهكذا استعمل رسول الله (صلى الله غليه وسلم) وسيلة الانتقال من أجل الدعوة، وتبليغ الرسالة، لما لها من أهمية في مباشرة التوجيه، ومعرفة موقف المدعوين، والرد على تساؤلاتهم واستفساراتهم. وكان النبي لا يفرق بين قوم وقوم، ولا بين مكان ومكان، بل كان يتّجه كلما أمكنه ذلك.. ولعلّ ذهابه إلى الطائف سيراً على قدمه، ذهاباً ورجوعاً، دليل على ذلك، وعلى مدى ما تحمّله الرسول للدعوة بهذه الوسيلة.

وأيّ مواساة أعظم من هذه المواساة.. فلئن آذاه قومه، فهذا وافد العراق، وافد نينوى، الذي جاب الأرض، يكبّ على يديه ورجليه ويقبّلهما، ويشهد له بالرسالة.

إنها الاستجابة الربانية بالتو واللحظة.. أن يسوق من شمال العراق، من نينوى – بلد الأنبياء – من يؤمن بالله ورسوله، حين كان الصدّ من أقرب النّاس إليه.

وهو أوّل دليل يجبر الخاطر الكسير للرسول عليه الصلاة والسلام، أنه ليس في غضب الله وفي سخطه، إنه في رضوانه، وفي حبّه؛ فإذا كان الصدّ قد وقع، فهذا الإيمان قد وقع كذلك ([19]).

كان عداس الغلام النصـراني من أهل نينوى، وبما أنه نصراني فإن عنده علماً بطرف من قصة يونس بن متى (عليه السلام)، ولذلك فوجئَ بمعرفة رسول الله (صلى الله غليه وسلم) قصة يونس (عليه السلام)، وعلم أنه نبي مثله، فأسلم.

وكان قطف العنب من “عَدَّاس”، في هذه الرحلة، رمزًا لهذا العنقود الإسلامي العظيم الذي امتلأ حَبًّا، كُلُّ حَبَّةٍ فيه مملكة.

إن أوّل رجل أسلم من خارج الجزيرة العربية من العراق، ومن نينوى تحديداً، تلك الشخصية التي لم يعرفها الكثيرين، وغابت عن أقلام الباحثين، إنه الصحابي (عدّاس)، الغلام الذي استعبد بعد أن كان حرّاً، وأصبح يباع ويشترى بدنانير معدودة، فاشتراه عتبة وشيبة ابنا ربيعة ليقوم على بستانهم زراعة وحراسة.. ويستأنس النبي (صلى الله غليه وسلم) بعدّاس، ويجري بينهما الحوار الإيماني في النبوة، وفي بلد الأنبياء والعلماء والأولياء – الموصل، حرسها الله -، وينسى بعض همومه.

3 ـ الاستئناس بذكر نبي الله يونس (عليه السلام) المبعوث إلى مدينة نينوى العراقية:

وفي أثناء المحنة والكآبة يتذكر الرسول (صلى الله غليه وسلم) أخاه النبي يونس (عليه السلام)، حيث يشعر بالمواساة والراحة النفسية بذكره في حواره الإيماني مع عداس. والنبي يونس (عليه السلام) هو من أهل العراق أيضاً، وبعث نبيّاً إلى أهل نينوى ([20]).

وهذا يردّ على من قال أنّه وُلد في فلسطين. وهل كان أهل نينوى زمن يونس (عليه السلام) آشوريين أم كانوا إسرائيليّين؟ أم كانوا خليطاً من الآشوريّين والإسرائيليّين؟ فكلّ هذه الاحتمالات ممكنة، وهذه الحادثة تدلّ على عمق الرابطة الموثقة بين الأنبياء، وأنّ النبيّ (صلى الله غليه وسلم) كان يعلم ممّا علّمه الله كثيراً من أخبار الأمم بعامّة والأنبياء – عليهم السّلام – بخاصّة؛ ومن هذا القبيل معرفته لنسب يونس (عليه السلام) وبلده، ويشهد قوله (صلى الله غليه وسلم): (أُوتيتُ القرآنَ ومثلُه معه) ([21]).

ومن الـدروس الواضحة الجلية أن الأنبياء إخوةٌ، دينهم واحد، ومنهجهم واحد، وكلّهم دعوا إلى توحيد الله (عزَّ وجلَّ) وعبادته، وجميعهم أمروا بمكارم الأخلاق، ونهوا عن فاحشها وسيّئها، وأن تصديق واحد منهم هو تصديق للجميع، وتكذيب واحد منهم هو تكذيب للجميع، ولا يقبل إيمان مسلم إلاّ بالإيمان بهم جميعاً، قال رسول الله (صلى الله غليه وسلم): (الأنبياء أخوة لعلات؛ أمهاتهم شتّى ودينهم واحد) ([22]).

قال الجوهري: “بنو العلات هم أولاد الرجل من نسوة شتّى، سمّيت بذلك لأن الذي تزوّجها على أولى كانت قبلها، ثم علّ من الثانية العلل. الشـرب الثاني يقال له علل بعد نهل، وعلّه يعلّه إذا سقاه السقية الثانية”([23]).

قول النبي (صلى الله غليه وسلم): (ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى) ([24]).

قال الحافظ ابن حجر: “إنما قال (صلى الله غليه وسلم) ذلك تواضعًا، إن كان قاله بعد أن أعلم أنه أفضل الخلق، وإن كان قاله قبل علمه بذلك فلا إشكال. وقيل: خصّ يونس بالذكر، لما يخشـى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيصٌ له، فبالغ في ذكر فضله، لسدّ هذه الذريعة”([25]).

فالمعنى: لا ينبغي لعبد أن يقول عن نفسه: أنا خير من يونس بن متى؛ لكون يونس (عليه السلام) ضجر وخرج من قومه مغاضباً، وذلك لأن يونس (عليه السلام) نبي كريم، وقد اجتباه ربه فجعله من الصالحين، ومنَّ عليه بإرساله إلى مائة ألف أو يزيدون، فآمنوا، فله أجر هؤلاء.

إنّ أخوّة الأنبياء تقتضـي تساوي الحقوق الواجبة علينا تجاههم، وأوّل ذلك بلا شك: الإيمان بهم جميعاً دون تفريق، ولذلك عاب الله على من فرّق بينهم من جهة الإقرار والإيمان، قال (عزَّ وجلَّ): ]إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا[ (النساء: 150-151). فهنا شهد الله (عزَّ وجلَّ) بأن قوماً يؤمنون ببعض الرسل، ويكفرون ببعض، فلم يَجُزْ مع ذلك أن يُطلق عليهم اسم الإيمان أصلاً، بل أوجب لهم اسم الكفر، بنصِّ القرآن.

قال الطيبي: “وإنما خَصّ يونس (عليه السلام) بالذِّكر من بين الرسل؛ لِمَا قصّ الله عليه في كتابه من أمْر يونس، وتولّيه عن قومه، وضجره عند تثبّطهم في الإجابة، وقلّة الاحتمال، والاحتفال بهم حين أرادوا التنصّل، فقال (عزَّ وجلَّ): ]وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ[ (القلم: 48)، وقال: ]وَهُوَ مُلِيمٌ[ (الصافات: 142)، فلم يأمَن (صلى الله غليه وسلم)أن يُخامر بواطن الضعفاء من أمته ما يعود إلى نقيصة في حقّه، فنبّههم أن ذلك ليس بقادح فيما آتاه الله من فضله، وأنه مع ما كان من شأنه كسائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين”([26]).

وما أجمل الإشارة والربط بين قصة يونس عليه الصلاة والسلام، والتي تُقرر أن باب الهداية مفتوح وكل الاحتمالات قائمة، وبين قصة النبي (صلى الله غليه وسلم) مع أهل الطائف، الذين آذوه وضربوه ورفضوا دعوته! التي لقي فيها “عداسًا”، والذي هو مِن أحفاد قوم يونس عليه الصّلاة والسّلام.

فالهداية غيبٌ لا يعلمه إلاّ الله (عزَّ وجلَّ)؛ ولذلك كان يونس عليه الصّلاة والسّلام ملامًا عندما ظنّ أنّ أمر قومه انتهى، وأنّ العذابَ سيهلكهم، لكن الأمور جرت على غير ظنِّه، فقد أدرك القوم أنفسهم وتابوا لربهم فتاب عليهم.. ولذلك علينا أخذ العبرة بعدم تحجير الهداية والتوبة ومنعها عن الناس، فنحن لا ندري ماذا سيحدث في الغيب وما هو مستقبل الخلق؟!

4ـ إسلام وفد الجن من الموصل العراقية:

وفي مساء ذلك اليوم القاسي في (الطائف)، أقبل للإيمان بدعوة النبي (صلى الله غليه وسلم)، وفد من جنّ العراق، من أهل نصيبين، المدينة التابعة لمدينة الموصل، فكان في إسلامهم مواساة ومؤازرة للنبي (صلى الله غليه وسلم).

إن رسالة النبي – عليه الصّلاة والسّلام – رحمة للخلق جميعهم، وهذه الرحمة مظهرها الأول أن المستجيبين لها مرحومون في الدنيا والآخرة، وبرحمتهم وبتطبيقهم لشـريعة الله يرحم الخلق، وترحم أنفسهم، فتعطى طمأنينة قلب، واستقامة سلوك. والمكلّفون من الخلق هم من يملكون إدراكاً يستطيعون به فهم الخطاب، وهم مبتلون بالشـر والخير، ولهم إرادة يختارون بها طريق الخير من الشر، وهذا ينطبق على الإنسان والجن.

وكان النبي (صلى الله غليه وسلم) حفيّاً بأن يتّبع الناس دعوة الحق، ويؤمنوا بالله ورسوله، ويتركوا عبادة الأوثان، وكما قال الله (عزَّ وجلَّ) مخاطباً نبيه الكريم: )لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ( (الشعراء: 3)، ولقد شكا أن قومه لا يتّبعونه، وأن غيرهم كمثلهم، فبيّن الله (عزَّ وجلَّ) أنه إذا كان الذين اتّبعوه من قومه عدداً قليلاً، فإن لـه أتباعاً من الجنّ، فبيّن الله (عزَّ وجلَّ) أن بعض الجنّ قد استمعوا، واستجابوا، ولم يكفروا، فقال (عزَّ وجلَّ) مخبراً عن سماعهم.

والحادث وقع عقب عودة الرسول (صلى الله غليه وسلم)من الطائف، مكسور الخاطر من التصـرّف اللئيم العنيد الذي واجهه به كبراء ثقيف، وبعد ذلك الدعاء الكسير الودود لربه ومولاه.. وإنه ليكون عجيباً حقاً، من هذا الجانب، أن يصـرف الله إليه ذلك النفر من الجنّ، وأن يبلّغه ما فعلوا، وما قالوا لقومهم، وفيه من الدلالات اللطيفة الموحية ما فيه.. وهو أمر – ولا شك – عظيم.

قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله (صلى الله غليه وسلم) انصـرف من الطائف راجعاً إلى مكة، حين يئس من خبر ثقيف، حتى إذا كان بنخلة ([27])، قام من جوف اللّيل يُصلّي، فمرّ به النّفر من الجنّ الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، وهم – فيما ذكر لي – سبعة نفر من جنّ أهل نصيبين، فاستمعوا له، فلمّا فرغ من صلاته ولّوْا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا، وأجابوا إلى ما سمعوا، فقصّ الله خبرهم عليه (صلى الله غليه وسلم)، قال الله U: )وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ( إلى قوله (عزَّ وجلَّ): )ويُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(! (الأحقاف).

وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال: هبطوا، يعني: الجنّ، على النبي (صلى الله غليه وسلم) وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة، فأنزل الله: )وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ( إلى قوله: )ضَلالٍ مُّبِينٍ(!([28]).

وأخرج أحمد وغيره عن الزبير: )وَإِذ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَستَمِعونَ الْقُرآنَ( قال: بنخلة، ورسول الله (صلى الله غليه وسلم)يصلّي العشاء: )كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا(! (الجن) ([29]).

ويروي الشيخان، وغيرهما، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: انطلق النبي  في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عُكاظ، وقد حِيلَ بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسِلَت عليهم الشُّهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: مَا لكمْ؟ فقالوا: حيلَ بيننا وبين خبر السماء، وأُرسِلَتْ علينا الشُّهب! قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إِلاّ شيءٌ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومَغَارِبها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء! فانصـرف أولئك الذين توجَّهوا نحو تِهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بنخلَةَ، عَامدينَ إلى سوق عُكَاظ، وهو يُصَلِّي بأَصْحَابِهِ صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله! الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، وقالوا: يا قومنا )إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا(! فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: )قُلْ أُوحِيَ إِليَّ(! وإِنما أوحي إِليه قول الجن! ([30]).

ويروي مسلم وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي (صلى الله غليه وسلم)من الأنصار، أنهم بينما هم جلوسٌ ليلةً مع رسول الله (صلى الله غليه وسلم)رُمِيَ بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله (صلى الله غليه وسلم): (ماذا كنتم تقولون في الجاهليّة إِذا رُمِيَ بمثل هذا؟)! قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: وُلِدَ الليلة رجل عظيمٌ، ومات رجل عظيمٌ.

فقال رسول الله (صلى الله غليه وسلم): (فإِنها لا يُرْمَى بها لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكنْ ربُّنا تبارك وتعالى اسمه، إِذا قضـَى أمْراً سَبَّحَ حَملةُ الْعَرْش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونَهُمْ، حتى يَبْلُغَ التّسْبيح أهل هذه السماء الدنيا).

ثم قال: (الذين يلُونَ حَمَلَة العَرْش لحملة العَرْش: ماذا قال ربّكم؟ فيخبرونهم ماذا قال؟ قال: فَيَسْتَخْبرُ بعض أهل السّماوات بَعْضاً، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدُّنْيا، فَتَخْطَفُ الجِنُّ السّمْعَ، فيقذفون إلى أوليائهم، ويرْمُون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حقٌّ، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدُون)! ([31]).

وروي أن هؤلاء الجن الذين أسلموا هم من جنّ الموصل، في العراق، روى عن قتادة في قوله (عزَّ وجلَّ): )وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ( قال: “ذكر لنا أنهم صرفُوا إليه من نِينَوَى ([32]).

وفي رواية أن الجن الذين أتوا مكة جن نصيبين، والذين أتوه بنخلة جن نينوى ([33]).

وقيل: كانوا من ملوك جن نينوى بالموصل ([34]). وفي قول آخر: وكَانُوا سَبْعَةَ قُرَّاءٍ، قَالَ: ثَلَاثَةٌ مِنْ نَصِيبِينَ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْ نِينَوَى ([35]).

ويروي أحمد وغيره بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان الجن يسمعون الوحي، فيستمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشـراً، فيكون ما سمعوا حقًّا، وما زادوه باطلاً. وكانت النجوم لا يُرمى بها قبل ذلك، فلما بُعث النبيُّ (صلى الله غليه وسلم) كان أحدُهم لا يأتي مَقْعَدَه إِلاّ رُمِيَ بشهاب يُحرق ما أصاب، فَشَكَوْا ذلك إلى إِبليس، فقال: ما هذا إِلاّ من أمر قدْ حدثَ، فبثَّ جنوده، فإذا هم بالنبي (صلى الله غليه وسلم) يصلِّي بين جَبَلَيْ نَخْلَة، فأتَوهُ فأخبروه، فقال: هذا الحدثُ الذي حدثَ في الأرض! ([36]).

ولا شكّ أنّ في هذا قَدْراً كبيراً من التنفيس عن رسول الله (صلى الله غليه وسلم)، والتطييب لخاطره، بعد تلك التجربة القاسية التي مرّت به في الطائف.. وإنه لزاد يتزوّد به الرسول (صلى الله غليه وسلم)، ويجد منه القوة على مواصلة السّير في طريقه إلى قومه، وفى مواجهة تحدّيهم له، وعنادهم، وتأبّيهم عليه! وعلى هذا العزم، ومع تلك القوة، مضى الرسول (صلى الله غليه وسلم)إلى مكة! ([37]).

الخاتمة:

وكان لقاءُ الرسولِ (صلى الله غليه وسلم) بأهلِ الطائف نصـرًا في ذاته؛ فليس على الداعية أن يرى أثر دعوته فورًا، إذ قد تأتي الهداية من حيث لا يتوقع الإنسان. وربما لا يُوفَّق الداعية إلى التأثير المباشر فيمن يدعوهم، لكنّ الله يسخّر من عباده من يكون سببًا لهداية القلوب. ويُعدّ (عدّاس) مثالًا جليًا على تلك الثمار غير المتوقّعة للدعوة.

إن ما كان يلاقيه النبي (صلى الله غليه وسلم) من مختلف ألوان المحنة، لا سيّما هذا الذي رآه في ذهابه إلى الطائف، إنما كان من جملة أعماله التبليغية للناس، وإن المتأمّل في هجرة النبي للطائف، وما لاقاه من أذى السفهاء، لعظة وعبرة للدعاة الذين يتأسّون بسيرته (صلى الله غليه وسلم). فإذا كان الرسول (صلى الله غليه وسلم) لقي ما لقي من المشاق في سبيل إقامة هذا الدين، فمن باب أولى أن يلقى الدعاة مثل ذلك أو أشد ([38]).

إذا تأملت في مشاهد سيرته (صلى الله غليه وسلم) مع قومه، وجدت أن ما كان يجده (صلى الله غليه وسلم) من الأذى في هذه المشاهد قد يكون قاسياً شديداً، بيد أنك واجد في كل مشهد منها ما يعتبر رداً إلهياً على ذلك الإيذاء، وما يهدف إليه أربابه. كي يكون في ذلك مواساة للرسول – عليه الصلاة والسلام -، وكي لا يتجمع في النفس من عوامل التألم والضجر ما يدخل إليها اليأس.

فرحلة دعوة النبي (صلى الله غليه وسلم) في الطائف، بالرغم ممّا كان فيها من صعوبات، إنما كانت بوادر الفرج، فكان اليُسـر بعد العُسـر، والعطية بعد البلية، والنصـر لدين الله رب العالمين.

ولقد كان لمواساة ومؤازرة أشخاص من أهل العراق للنبي (صلى الله غليه وسلم) في رحلته للطائف، دوراً معنوياً للوقوف إلى جانب النبي (صلى الله غليه وسلم)منذ أن خرج من الطائف، حتّى صمّم على العودة إلى مكة، والقيام باستئناف خطته الأولى في عرض الإسلام، وإبلاغ رسالة الله الخالدة، بنشاط جديد وجد وحماس.

وهكذا شاءت الحكمة الإلهية أن يكون الأشخاص الذين وقفوا إلى جانب النبي (صلى الله غليه وسلم)، وخفّفوا عنه ما جرى له، ومواساته ومساندته ومؤازرته، من أهل العراق. وصلّى الله وسلّم وبارك على صاحب الرِّسالة سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.


([1]) الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 2/543.

([2]) حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، صحابي جليل، وكان من أشراف قريش، وعقلائها، ونبلائها، وهو ابن أخي خديجة أم المؤمنين. شهد حرب الفجار، وكان صديقا مقرباً للنبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها، أسلم يوم فتح مكة، وحسن إسلامه، وغزا حنيناً والطائف. له في كتب الحديث 40 حديثاً. توفي بالمدينة المنورة سنة 54هــ. (انظر أسد الغابة: 2/44).

([3]) تقول العرب: رجع يضرب أصدريه، وتقول أيضاً: قفل أو رجع بخفَّيْ حنين، وهما مثلان مضروبان لمن لم يبلغ وطره، ولم يحصل على نجعته ومقصوده.

([4]) رواه الترمذي في جامعه، كتاب المناقب، باب مناقب زيد بن حارثة t رقم الحديث (4149)، وابن إسحاق في السيرة (1/ 284)، وابن أبي شيبة في المصنف: 7/341.

([5]) السيدة أم أيمن (بركة بنت ثعلبة الحبشية)، احتضنت النبي (صلى الله عليه وسلم) منذ أوّل عمره، ورعته رعاية الأب والأمّ، وعوضته عن حنانهما بعد وفاة والدته. أعتقتها خديجة، وزوّجها عبيد بن زيد. ثم انتقلت مع زوجها إلى يثرب، وهناك مات زوجها بعد أن ولدت منه أيمن، فصارت بعد ذلك تكنى بأم أيمن. وقد استشهد ابنها أيمن يوم حُنين.. تزوجها زيد بن حارثة، وولدت منه أسامة، وهاجرت الهجرتين مع المسلمين، وكانت مجاهدة عظيمة، تخرج مع جيوش المسلمين، تمرّض جرحاهم ومرضاهم. وفي (أُحد) أبدت شجاعة منقطعة النظير، بعد أن أشيع خبر وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فكانت تنثر التراب في وجوه الفارين، وتقول: أعطوني سيوفكم.. وكان رسول الله يقول عنها: (هذه بقية أهل بيتي، وإنها أمي بعد أمي).. وقد توفيت في أوائل خلافة سيدنا عثمان بن عفان t، وصلى عليها، ودفنت في البقيع – رضي الله عنها-. (سير أعلام النبلاء: 2/224، الاستيعاب: 2/546).

([6]) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة: 8/358.

([7]) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة: 8/359.

([8]) فقه السيرة النبوية، محمد سعيد رمضان البوطي: 104.

([9]) أُسد الغابة: 7/758، سيرة ابن هشام: 2/70-72. ورواه الإمام أحمد في المسند: 4/335.

([10]) السيرة النبوية، د. علي محمد الصلابي: 178.

([11]) أي: يمزّق ثياب الكعبة، إن كان ما يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) هو الحق!

([12]) فيذئرهم عليه: يثيرهم عليه، ويجرؤهم.

([13]) سيرة ابن هشام: 1/419.

([14]) كأن النبي (صلى الله عليه وسلم) يعرف اسم عدّاس من قبل، حيث يناديه باسمه.

([15]) قال الشيخ علي الطنطاوي: وهنا مَوْقِفٌ عَجَبٌ من العَجَبِ، الرسول (صلى الله عليه وسلم) في هذه الحالِ من الشدَّة، وفي هذا الموقف الذِي يُقنطُ أجْلد الأبطَالِ، رأى بادِرَةَ قبولٍ للدعوَةِ عندَ عبدٍ ضَعِيفٍ يُقال له: عَدَّاسٌ، فلم يمنعْهُ كلُّ ما لَقِيَ من أن يُبَلِّغَهُ دعوةَ اللَّه (عزَّ وجلَّ)، وينصَرِفَ إليه، ويَنْسَى ألَمَهُ وتعَبَهُ (صلى الله عليه وسلم) حتَّى أسلم عَدَّاس، هذا موقفٌ صَغِيرٌ بالنسبةِ للرسول (صلى الله عليه وسلم)، ولكنَّه عَظِيمٌ عَظِيم بالنسبةِ إلى دُعَاة البَشَرِ في كل تَوَاريخِهم، ولا يستطيعُ باحِثٌ أن يلقى في الإخلاص للدعوَةِ، ونسيانِ الذَّات في سَبِيلها، مَوقِفًا مثلَهُ لِرَجل آخرَ غير الرسول (صلى الله عليه وسلم). (رجال من التاريخ: 27).

([16]) اسد الغابة: 7/758، سيرة ابن هشام: 2/70-72. ورواه الإمام أحمد في المسند: 4/335.

([17]) السيرة النبوية لابن هشام: 1/421. البداية والنهاية: 3/147، شرح المواهب: 2/50، طبقات ابن سعد: 1/102، زاد المعاد: 3/28.

([18]) السيرة النبوية، الدكتور علي محمد الصلابي: 165.

([19]) فقه السيرة النبوية، الأستاذ منير محمد الغضبان: 1/258 ـ 261.

([20]) القصص القرآني: 4/38.

([21]) رواه أبو داود في سننه، كتاب السنة: باب في لزوم السنة، ح (4604)، والإمام أحمد في المسند: 2/243، رقم (17174)، والترمذي، وقال: حسن غريب. وعلق شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح. قال الخطابي: قوله: (أوتيت الكتاب ومثله معه)، يحتمل وجهين من التأويل، أحدهما: أن يكون معناه أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو، مثل ما أُعطي من الظاهر المتلو.. ويحتمل أن يكون معناه: أنه أوتي الكتاب وحياً يُتلى، وأوتي من البيان، أي: أُذِنَ له أن يبيّن ما في الكتاب، ويَعُمَّ ويخُصَّ، وأن يزيد عليه، فيشرع ما ليس له في الكتاب ذكر، فيكون ذلك في وجوب الحكم، ولزوم العمل به، كالظاهر المتلو من القرآن. (معالم السنن، وهو شرح سنن أبي داود: 4/298).

([22]) رواه الإمام أحمد في المسند: 2/319، والبخاري (3443) في كتاب الأنبياء، باب قول الله (عزَّ وجلَّ): ]وَاذْكُرْ في الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا[، ومسلم (2365) (145) في الفضائل: باب فضائل عيسى u. قال الإمام البغوي: يقال لإخوة بني أب وأمّ: بنو الأعيان، فإن كانوا لأمَّهات شتَّى، فهم بنو العَلات، فإن كانوا لآباء شتَّى، فهم أخياف. يريد أن أصل دين الأنبياء واحد، وإن كانت شرائعهم مختلفة، كما أن أولاد العلات أبوهم واحد، وإن كانت أمهاتهم شتَّى.

([23]) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: 5/1773.

([24]) رواه البخاري حديث رقم (3413) كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله (عزَّ وجلَّ): ]وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى(، ومسلم حديث رقم (2377) كتاب الفضائل، باب في ذكر يونس u.

([25]) فتح الباري شرح صحيح البخاري: 6/521.

([26]) الكاشف عن حقائق السُّنن: 11/3609.

([27]) نخلة: موضع بالحجاز قريب من مكة، فيه نخل وزرع. (معجم البلدان: 8/381).

([28]) رواه الحاكم في المستدرك: 2/456، وصححه ووافقه الذهبي، وأبو نعيم في الدلائل: 304، والبيهقي في الدلائل: 2/228.

([29]) رواه الإمام أحمد في المسند: 1/167، قال الهيثمي: المجمع: 7/132 ورجاله رجال الصحيح، وابن جرير: 26/22، عن عكرمة عن ابن عباس، وإسناده معقّد كما قال أحمد شاكر: انظر: أحمد: 3/46، مؤسسة الرسالة.

([30]) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر، رقم الحديث (773)، وأخرجه في كتاب التفسير، باب قال ابن عباس، لِبَدًا أعوانًا، رقم الحديث (4921)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح، والقراءة على الجن، رقم الحديث (449).

([31]) رواه البخاري في صحيحه، كتاب خلق أفعال العباد، رقم (469)، ومسلم في صحيحه، في كتاب السلام، رقم (2229)، وانظر: السيرة النبوية، ابن هشام: 1/265.

([32]) تفسير الطبري: 22/136.

([33]) تفسير القرطبي: 19/3.

([34]) تفسير روح البيان: 8/487.

([35]) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصفهاني: 7/395.

([36]) رواه الإمام أحمد في المسند: 1/274،323، والترمذي (3324)، والنسائي في الكبرى (11626)، والتفسير (646)، وأبو يعلى (2502)، والطحاوي في شرح المشكل (2331)، والطبراني في الكبير (12431)، والبيهقي في الدلائل: 2/239.

([37]) التفسير القرآني للقرآن: 8/420.

([38]) التربية القيادية، منير الغضبان: 1/438.

العدد ١٩٤ ǀ ربيع ٢٠٢٥ ǀ السنة الثالثة والعشرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى