حين يكون الحل في الحوار والاعتراف بالآخر

  د. يحيى عمر ريشاوي

الحوار مع الآخر خصلة إنسانية، وجزءٌ لا يتجزأ من كنه العَلاقة البشـريّة وطبيعتها؛ منذ بدء الخليقة، وهو جزءٌ من التواصُل الإنساني، وبناء العَلاقات بين بني البشـر، وقد حظي (الحوار) بمكانة واسعة في الكتب السماوية كلّها، وفي الخطاب القرآني والسيرة النبوية على وجه الخصوص. ولأهميّته الكبرى؛ فقد تمعّن العلماء والفلاسفة والكتاب والأكاديميون وغيرهم في ماهيّة هذا المصطلح، وتحليل الفلسفة الكامنة وراءه، وكذلك المبادئ والأسس التي تبنى عليه، وتمخّضت هذه الرؤى والتصوّرات عن تراث معرفي زاخر في فلسفة الحوار وأدبه، ومجالاته المتعدِّدة.

إذاً؛ فالحوار فنٌّ وأسلوبٌ حضاري، حيث يبدي كل شخص قناعاته ورؤاه للآخر، من دون فرض وجهة نظره، أو طمس الآخر، فالحوار أساسه الاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر، ففي العملية الحواريّة؛ تتوضّح أوجه التشابه والاختلاف في أيّ موضوع بين شخصين أو مجموعتين من الناس، ومن المفترض أنْ يبني الحوار جسوراً من التفاهم بين أصحاب الآراء المختلفة، سعياً إلى تحويل العَلاقات الإنسانية القائمة – الّتي ربما تكون قائمة على الجهل والتعصُّب – إلى حالة أعمق من الفهم والاحترام المتبادل.

وتوجد مساحة واسعة للتخاطب والحوار في ثنايا القرآن الكريم، وكذلك في السيرة النبوية، وقد بدأ الله باستخلاف الإنسان في الأرض بحوار مع الملائكة، وكذلك الحوار مع آدم عليه السّلام، وحين تتمعّن في القَصص القرآنية؛ فإنّك تجد العديد من قصص الحوار الدّائرة بين الأنبياء وأقوامهم، منها ما دار بين إبراهيم – عليه السّلام – وبين الرجل الذي آتاه الله الملك، وقصة موسى إذ طلب من ربّه أنْ يسمح له برؤيته، وقصّة أصحاب الجنّتين، وقصّة قارون مع قومه، وقصّة داود مع الخصمين، وقصّة نوح مع قومه، وقصّة ابني آدم، وقصّة موسى مع العبد الصالح، وغيرها كثير.

وهناك العديد من معوّقات الحوار، مثل التعصُّب للرّأي، وعدم الاعتراف بالآخر، وكذلك التركيز على الأخطاء، والمختلف حوله، وأيضاً عدم التزام آداب الحوار، وعدم الوضوح في العرض، وغياب الأدلّة والبراهين، والغضب والانفعال أثناء الحديث، وغيرها كثير.

فنحن نحتاج جميعاً إلى نشـر ثقافة الحوار وتنميتها، وجعلها سلوكاً في العائلة والمدرسة، في الجامع والجامعة، في السوق والزقاق، وقبل هذا وذاك نحتاج إلى حوارٍ حقيقي بين القوى السياسيّة التي تحت إمرتها أمور البلاد والعباد؛ حوار أساسه الاعتراف بالآخر، والبعد عن الكراهية، والتعصّب، ومحو الآخر.. ومن غير ذلك، فإنّنا سنظلّ قابعين في مكاننا، ولن نصلَ إلى استقرارٍ مجتمعيّ يُبشّر بالأمان.

العدد ١٩٤ ǀ ربيع ٢٠٢٥ ǀ السنة الثالثة والعشرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى