جلال الدين الرومي: حقيقة عقيدته، وما نُسب إليه، والردّ على تهمة الزندقة

المهندسة: هاوين أنور عبد الله – بنت الكورد

على مدى قرون طويلة ظلّ اسم جلال الدين الرومي (ت 672هـ) يتردد شاعرًا وعارفًا وصوفيًا، تتنازعه القراءات بين مُعظِّمٍ يراه منارات الروحانية، ومُنكرٍ يراه صاحب تأويلات فاسدة، أو عقائد منحرفة.

وبسبب قلّة الاطلاع على المصادر الأصلية، تضيع الحقيقة بين المبالغات؛ خاصة عند الحديث عن (وحدة الوجود)، وعلاقته بـ(نصر الدين خوجة) ([1])، وغيرها من الاتهامات.

هنا نقدم صورة متوازنة تجمع بين بيان ما قـاله، ونقد ما أُخذ عليه، وتفنيد ما لم يثبت من تُهم وادعاءات.

أولًا: عقيدة الرومي كما تظهر في كتبه:

١.⁠ وُلِد الرومي في بيت علم وفقه وتصوّف سنّي، وكان أبوه (بهاء الدين) فقيهًا معروفًا. وعُرف عنه الالتزام بالعِلم الشرعي، ومجالسة العلماء، وأداء الصلاة، والصوم، والذكر.

٢. تصوّفه قائم على الحب الإلهي، لا على الفلسفة..

الناظر في (المثنوي) و(ديوان شمس) يجد أن أكثر عباراته نُظِمت على لسان شاعر يصف حالة وجدانية، لا على لسان فيلسوف يضع عقيدة.. فجلال الدين الرومي يركز على:

         •محبة الله.

         •تزكية النفس.

         •جهاد الهوى.

         •رؤية العالم كآية من آيات الله.

         •الحثّ على الأخلاق والتهذيب.

٣. لغة الرومي الرمزية – سبب سوء الفهم:

يستخدم الرومي ألفاظاً مثل: (الاتحاد)، (السكر)، (الفناء)، و(العشق)، وهي لغة رمزية صوفية، لا يُقصد بها حلول أو اتحاد ذاتي بالله، بل فناء إرادة العبد في طاعة ربه، وذهاب تعلّقه بالدنيا.

هذا النمط من الكتابة سبّب الخلط الكبير لدى القراء المتأخرين، خصوصًا بعد ترجمة شعره إلى لغات غير العربية، وتحريفه عن السياق الإسلامي.

ثانيًا: الأخطاء العقدية المنسوبة إليه:

١. القول بوحدة الوجود:

وحدة الوجود عند بعض الفلاسفة والمتصوّفة المتطرّفين تعني: «لا وجود إلا وجود الله، وأن الخلق تجلّيات».

لم يكتب الرومي كتابًا لشـرح وحدة الوجود، ولم يتبنَّ منهج ابن عربي الفلسفي، ولم يصرّح بأن الوجود واحد.

عبارات مثل «أنا أنت… وأنت أنا» هي شعرية، ومرادها «محبّة العبد لربّه، وغلبة حضور الله على قلبه»، لا مذهب فلسفي كفري.

 وما يشهد على ذلك، هو النظر في أشعاره، حيث يكثر فيها: الاستشهاد بالقرآن.. الدعوة إلى الالتزام بالإسلام.. ذمّ النفس، والشيطان، والهوى، ولذّات الدنيا.

إذن، الرومي لم يكن من أصحاب وحدة الوجود الفلسفية، بل شاعر استعار لغتهم – أحيانًا – دون التزام بمذهبهم.

٢. اتّهامه بالبدعة:

الرومي كان من متصوّفة الذوق، أي الذين يكثرون من الكلام عن تجاربهم الروحية والوجدانية، وهذا قد يحتوي على مجازفات شعرية، خصوصًا في (ديوان شمس).. مع ذلك، لا تتضمن أقواله كفرًا صريحًا، ولم يكفّره علماء عصره، ولم يُعرف عنه خروج عن الإسلام.

٣. علاقة الرومي بنصر الدين خوجة: الحقيقة مقابل الأسطورة:

تنتشـر بعض الروايات الشعبية التي تربط الرومي بنصـر الدين خوجة، وتصوّر بينهما خصومة أو صـراعًا عنيفًا. لكن عند مراجعة المصادر التاريخية:

         • لا توجد أيّ وثائق أو سجلات تاريخية موثوقة تشير إلى أن الرومي كان طرفًا في أيّ نزاع مع (خوجة)، أو شارك في قتله.

         • شخصية (نصـر الدين خوجة) غالبًا ما تُصوَّر في الأدب الشعبي والفلكلوري، أي إن كثيرًا من القصص التي تتعلق به ظهرت بعد عدة قرون من وفاة الرومي، أي إنها متأخرة عن زمنه الفعلي.

         • الهدف الرمزي للقصص: هذه الروايات لم تُكتب لتوثيق أحداث فعلية، بل استُخدمت لاحقًا لتقديم دروس أخلاقية أو رمزية، مثل الصـراع بين الروحانية والحكمة، من جهة، والجهل أو السلطة، من جهة أخرى. لا يعني هذا أن الرومي وخوجة دخلا صراعًا تاريخيًا حقيقيًا، بل إن الحكايات وظفت رمزيًا لتوضيح أفكار أو قيم معينة.

الخلاصة:

لا دليل علميًا على وجود عداء أو صـراع بين الرومي وخوجة، ولا على تورّط الرومي بأيّ فعل عنفٍ تجاهه.. وكل هذه الروايات تبقى ضمن دائرة الأسطورة الشعبية، وليست حقائق تاريخية يمكن توثيقها.

ثالثًا: دحض تهمة الزندقة:

   ١.الزنديق هو من يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر.

والرومي يقدّم: تعظيم القرآن، ومدح النبيّ (صلى الله غليه وسلم)، والحثّ على العبادة، وذمّ الشرك والأهواء.

   ٢.لو كان زنديقًا، لشهد عليه علماء عصـره: وقد عاش الرومي في (قونية)، وهي مدينة مليئة بالفقهاء والمدرّسين والقضاة، ولم يُكفّره أحد، ولم يُحاكم، ولم يُنفَ، واستمرت طريقته المولوية في الأناضول والعالم الإسلامي.

   ٣. التأويل الصوفي ليس دليلاً على الكفر: التجربة الصوفية ذوقية، وليست عقيدة منظمة مثل كتب الكلام. ولغة الرومي الرمزية تعكس مشاعر روحية، وليس نصوصًا عقدية.

  ٤. الزندقة لا تُخفي سلوك المرء: الرومي عاش ملتزمًا بالشـريعة، معلّمًا للعبادة، مرشدًا للصلوات، مجاهدًا لنفسه في مواجهة الهوى، ومحبًّا للقرآن، وهو ما يتعارض تمامًا مع أيّ وصف بالزندقة.

         ٥. منهجه التربوي والروحي إصلاحي:

كان يرفض الظلم والغفلة والرياء والقلوب القاسية، ويدعو إلى التوبة، تزكية النفس، محبة الله، واتّباع النبي..

من كوّة الروميات خاتمة:

  ١. الرومي مسلم صوفي سنّي، مع نزعة ذوقية ورمزية، وربما بعض التجاوزات الشعرية.

  ٢.  لم يعتنق وحدة الوجود الفلسفية، بل عبّر عن الوجد الروحي بأسلوب مجازي.

  ٣. اتهامه بالزندقة لا دليل عليه، وهو كلام متأخر غير مؤسس على التاريخ.

  ٤.  ما عنده من أخطاء هي من جنس الأخطاء الصوفية في التعبير، يمكن نقدها دون        الحكم عليه بالكفر أو الزندقة.


[1]– نصر الدين خوجة (Nasreddin Hoca) شخصية فلكلورية مشهورة في الأناضول وآسيا الوسطى والعالم الإسلامي. هو حكيمٌ ظريف (جحا التركي)، عاش – على الأرجح – في القرن الثالث عشر الميلادي في مدينة (آق شهر) أو (سيوري حصار) في الأناضول. تُنسب إليه آلاف النوادر والطرف، ذات الحكمة والسخرية. دوره فلكلوري وأدبي أكثر منه تاريخيًّا. المصادر التاريخية المباشرة عنه قليلة جدًا، وبعض الباحثين يشكّون في وجوده كشخص واحد محدد. ولا توجد أيّ رواية موثقة – لا في كتب المثنوي، ولا في مناقب العارفين، ولا في مؤلفات تلامذة الرومي – تشير إلى أيّ علاقة بين الرومي ونصر الدين خوجة، فضلًا عن اتهامٍ بالقتل.

العدد ١٩٤ ǀ ربيع ٢٠٢٥ ǀ السنة الثالثة والعشرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى