المثقف الأصيل

صلاح سعيد أمين

 المثقّف هو ذلك الإنسان الّذي ينتصـر للحقيقة، ويسعى لترسيخ العدالة، ويقود حركة التغيير في مجتمعه نحو الأفضل.

ونعني بـ”الأصيل “هنا؛ المثقّف الّذي لا يُقصـي المختلفين معه فكرياً حين يدافع عن الحقيقة، ولا يَجورُ على مَنْ خالفه الرأي وهو يُطالب بالعدالة، ولا يَغمض عينيه عن تنوّع المجتمع حين ينادي بالتغيير. فالمثقف الأصيل يرى في اختلاف الناس ثراءً، وفي تعدّد الآراء مصدر قوّة لا سبب نزاع.      
وإذا كان المثقّف هو المحرِّك الأساس لأيِّ نهضةٍ اجتماعيّة أو فكريّة، فإنّه لا يستطيع أداء دوره المرجو إذا امتلأ قلبه كراهية تجاه الآخرين، أو تحوّلت قناعاته إلى سلاح لطعنِ المخالفين، ولا سيّما السياسيين منهم. ومن بديهيّات الثقافة ألّا يسعى صاحبها إلى إسقاط وجهات نظر الآخرين أو تشويههم، بل إلى محاورتهم. وقد لخّص فولتير، أحد أعلام التنوير، هذا المعنى بقوله الشهير: “قد أختلف معك في الرأي، لكنّني مستعدٌّ للدِّفاع حتَّى الموت عن حقّك في أنْ تقولَ رأيك.”

ومِمّا يؤسف له أنْ نجدَ من يُحْسَبون على “المثقفين”، وهم يطلقون العبارات البذيئة، ويجرحون مشاعر المخالفين، ويهاجمون كلَّ من لا يصطف في صفِّهم. فالسلوك القبيح لا يتلاءم مع شخصيّة المثقف، مهما بلغَ من علمٍ أو ثقافة.

ولا جرمَ أنّ المثقفَ الأصيل يبدأ بنفسه، فلا يضع نفسَه فوقَ الجميع، ولا يطلب امتيازاتٍ خاصّة، ولا يبرِّر لنفسه ما يرفضه لغيره، بل يحبّ للناس الخيرَ ما يحبّ لنفسه، ويعي أنّ احترام القانون والكرامة الإنسانيّة من أولى صفات الوعي الرّشيد.

وخلاصة القول: إنّ الشهادةَ العلميَّةَ ليستْ معياراً للثقافة، ولا تمنح صاحبها لقب “المثقف الأصيل”. والدّليل أنّنا نجد بين بعض الأكاديميين من يتفوه بألفاظ لا تليق بمقامه ولا بمهنته. فالثقافة موقفٌ وأخلاقٌ قبلَ أنْ تكونَ مجرَّدَ معلوماتٍ أو شهادات.

العدد ١٩٤ ǀ ربيع ٢٠٢٥ ǀ السنة الثالثة والعشرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى