حاجي قادر كويي، العالم والأديب والمفكر الإصلاحي (القسم الأول)
بقلم: عمر إسماعيل - نقله إلى العربية: سرهد أحمد

(مقدمة الكتاب)
يُعدّ (حاجي قادر كويي) واحداً من الشخصيات البارزة في تاريخ الفكر والأدب الكوردي، فهو شاعر رفيع المكانة، ثاقب الفكر، واسع الأفق، ومرهف الخيال.
كان عالماً فقيهاً، ومفكراً إصلاحياً، ومسلماً شجاعاً ومخلصاً لدينه، ووطنياً كوردياً صادقاً، يحمل هموم شعبه بقلب مفعم بالصدق والإيمان.
كما كان إنساناً عظيماً نقيّ السريرة، وناقداً خبيراً دقيق الملاحظة، وفي الوقت ذاته شجاعاً لا يهاب، ومناضلاً لا يعرف الكلل.
إنّ مسيرة حياته، ومواقفه، وأشعاره، وآراءه، خير شاهد على هذه الحقائق آنفة الذكر، وهي تثبت أن رؤيتنا هذه تجاه (حاجي) ليست مجرد مدح وثناء أو إطراء، بل إنها تقدّم لنا صورة دقيقة ومتكاملة عنه.
لقد استطاع (حاجي) أن يرتقي بالشعر والشاعرية إلى المستوى الرساليّ، بأن يحمل الشعر على عاتقه واجبًا دينيًا واجتماعيًا وسياسيًا، يخرج به من كونه غايةً في ذاته، ليغدو وسيلةً لغايةٍ أسمى.
لقد سعى (حاجي) من خلال الشعر إلى الإصلاح وإنتاج الفكر، وجعله أداة لتحفيز الجماهير وتوجيههم نحو هدف محدّد، ودعم مشـروع فكري وسياسي. وبهذا؛ تجاوز الأطر الكلاسيكية التقليدية لأغراض الشعر، وأخرجه من دائرة مجالس النخبة وكبار المثقفين الضيقة، ليطرحه في أوساط المجتمع عامة، فلم يعدّ الشعر عنده مقتصـراً على الغزل والغراميات، ولا مجرد وسيلة لهجاء الخصوم، أو التعبير عن المشاعر الذاتية للشاعر، فحسب، بل أصبح أداة لإيصال الرسائل السياسية والإصلاح الديني والاجتماعي.
فالشاعر هو حامل لواء مشـروع وحركة إصلاحية شعبية، ورائد وقائد للجماهير وللشعب الساخط على الأوضاع، وناقد ولسان حال يعبّر عن النواقص والعلل الاجتماعية، ومدافع عن الحرية والحقوق، وحامٍ لكرامة الإنسان وهيبته، والمُطالب بسيادة الشـريعة والقانون، وصانع للخطاب السياسي وناقل للمطالب.
إنّ (حاجي قادر كويي) واحد من أولئك العلماء والمثقفين العظام في الشعب الكوردي الذين كان ينبغي أن يُكتب عنهم الكثير، وأن يُبذل جهد كبير لتقصـي محطات حياته وتفاصيلها الدقيقة، وللكشف عن تراثه وميراثه الفكري والأدبي. ولكن مع الأسف؛ فإنه – كحال الكثير من الشعراء الآخرين – قد نالته يد الإهمال واللامبالاة، ولم يتبق من تراثه بعد رحيله سوى القليل مما نجا من الضياع في تلك المدن التي عاش فيها.
نحن على يقين أن مثقفاً وعالماً كبيراً بحجم (حاجي قادر)، الذي كان معروفاً على مستوى كبار المسؤولين في الخلافة العثمانية، وبين نخبة العلماء والمفكرين والمثقفين الكبار، وكان متواصلاً معهم؛ حتى وإن لم يكن هو من أشعل فتيل الثورة بنفسه، فإن أفكاره وآراءه كانت بمثابة وقود للثورة، وخطاباً محركاً للجماهير وتعبئتهم حول قيادة الثورة.
وفضلاً عن الكتاب المحليين، فقد كتب عنه العديد من المستشـرقين والمؤلفين الأجانب في شأن سيرته، ومنهم: (إدموندز، توماس بوا، جويس بلو، حسين علي شانوف – كورد أوغلي، دانا شميدت، سون، فاسيلي نيكيتين، كوردوييف، لوسي بول مارغريت، مينورسكي).
كما أن (لوسي بول مارغريت) وبمساعدة عالم وشاعر كوردي؛ قامت بتأليف كتيب عن سيرة (حاجي قادر كويي) وقصيدته الشهيرة (بهاريه)، وتُرجم العمل إلى اللغة الفرنسية.
إننا لواثقون أن كتابات ونشاطات عالم وشاعر بهذه المكانة والشخصية، كانت أكبر بكثير من المستوى الفكري لذلك العصـر في (إسطنبول)، وأن ما وصلنا ليس سوى النزر اليسير، وإنما هو جزء بسيط مما نجا، مع الأسف.. ولو أن شخصاً مخلصاً كان قد سعى لجمع آثاره في وقت مبكر (أقرب لعهده)، لكانت بين أيدينا اليوم مصادر أغنى وأكثر مما نحوز الآن، بما يكفي لإجراء بحوث حول فكر وشخصية وأدب (حاجي) ولكن للأسف، وبسبب الأوضاع السياسية العامة للشعب الكوردي، وعدم وجود مؤسسة وطنية تتولى مسؤولية جمع الثقافة والتاريخ الكوردي، وإلى جانب لا مبالاة كتاب ومثقفي تلك الحقبة وما قبلها، وصمتهم وعجزهم من الناحية المالية، فضلاً عن بعض العوائق السياسية؛ فإن كل ذلك أدى إلى ضياع جزء كبير من تراثنا العلمي والفكري والأدبي.
وحتى ما تم إنجازه حتى الآن بشأن تحقيق وشرح شعر وأدب (حاجي)، يُعد شيئاً يسيراً ولا يرقى إلى مستوى منزلة (حاجي)، كما أن معظمه جاء لأغراض أيديولوجية، أو لسياسات كانت تقف خلف تلك البحوث، حيث لم تخدم (حاجي) بقدر ما كانت تهدف إلى خدمةِ غاياتٍ سياسية، أو فئاتٍ اجتماعية معينة.
ولكن – برأينا – فإن أكبر خطأ وظلم ارتُكب بحق (حاجي قادر)، هو قراءة تراثه وتفسير نتاجاته ضمن سياق حركة النهضة والفلسفة القومية.
نعتقد أن هذا خطأ تاريخي وفكري، وظلم لـ(حاجي)، وتقزيم له، وسيؤدي في النهاية إلى نتائج غير صحيحة، وضيّقة الأفق.
بالنسبة لنا، صحيح أن (حاجي) كان يحمل هموم شعبه بشكل قلّ نظيره، إذ طالب بتأسيس كيان كوردي، لكن اعتبار هذه الأمور أساساً للفلسفة والفكر القومي، وحشـره في خانة الفلسفة القومية، وجعله رائد الأيديولوجيا القومية؛ هو أمر سنوضحه لاحقاً؛ لأنه كان ينطلق من قاعدة وعقلية أوسع بكثير من مجرد الفكر القومي المحدود.
كان ينبغي قراءة (حاجي قادر) ضمن سياق وإطار تلك الحركة الإصلاحية الدينية والسياسية التي شملت العالم الإسلامي في ذلك العصـر، والتي كان يقودها مفكرون عظام مثل (جمال الدين الأفغاني).
كان (حاجي قادر) عالماً كبيراً، وقارئاً موسوعياً، ونتيجة لقراءاته الكثيرة، واختلاطه بطبقة النخبة والساسة والحكام، ودراسته في الحجرات (الكتاتيب الدينية) الكبرى والمشهورة في كوردستان، استطاع أن يلمّ بجميع مجالات العلم والمعرفة والتنوير؛ ليجمع ثروة علمية وفكرية واسعة، ويوظفها في نظم الشعر وتوضيح وإيصال رسائله.
ولهذا، فإن قصائد (حاجي قادر كويي) – وخلافاً لمعظم الشعراء الآخرين – تُعدّ نتاجاً زاخراً بالمعلومات في شتى مجالات العلم والمعرفة؛ فقد احتوى ديوانه على كمّ هائل من المفردات والمصطلحات والعبارات المتنوعة من علوم شتى، لدرجة أنه يحتاج إلى قاموس مستقل لتفسيرها، وفك رموزها.
لقد اشتغل (حاجي) بروح ثورية على العديد من القضايا، مثل توجيه نقد لاذع لـ (أدعياء الدين) الذين جعلوا من الدين تجارة، فقد تصدّى عبر شعره لأولئك الذين كانوا مصدراً لمآسي الناس عامة، والشعب الكوردي خاصة.
كما انتقد (حاجي) الفساد، وظلم المسؤولين والحكام في ذلك الزمان، وهاجم الشعراء الذين كانوا منشغلين دوماً بنظم الشعر في العشق والغزل والمواضيع المشابهة. وتناول – أيضاً – مسألة شعور الشعوب الإسلامية عامة، والكورد خاصة، بالدونية تجاه الأجانب، والانهيار والهزيمة النفسية، والرضا بالتبعية، والعديد من الظواهر القبيحة الأخرى.
كان (حاجي قادر كويي) يمتلك معرفة واسعة وعميقة بالتاريخ بشكل عام، وبتاريخ المسلمين والفرس والكورد، بشكل خاص، وقد استفاد كثيراً من أحداث ذلك التاريخ في سياق التعبير عن رؤاه وأفكاره، واعتمد عليها أحياناً كأدلة لإثبات وجهات نظره الإصلاحية، وفي المقارنة بين الظواهر الاجتماعية والسياسية.
كما استنبط من الجوانب المشـرقة والمساهمات الوضاءة للشعب الكوردي في الحضارة والمكتسبات والرموز التاريخية؛ علاجاً للهزيمة النفسية والشعور بالدونية لدى الكورد تجاه الآخرين، واستخلص الكثير من الآراء الأخرى من وقائع التاريخ واستنتاجاته.
إضافة إلى ذلك – وكما سنفصل في أقسام هذا الكتاب – كان (حاجي قادر كويي) مثقفاً واعياً ودقيقاً، وبعيد النظر؛ يمتلك اطلاعاً ومعرفة عميقة بالسياسات الدولية، ولا سيما سياسات واستراتيجيات الدول العظمى ومؤامراتها ضد المسلمين عامة، وضد الشعب الكوردي والمنطقة بشكل خاص. وقد قدم تحليلات وتفسيرات لسياسات ومواقف تلك القوى، وطرح أحياناً تنبؤاته الخاصة، وقد تحققت الأمور لاحقاً تماماً كما توقعها (حاجي).
كما كان لمتابعاته وتقصّيه للتقدم العلمي والصناعي في ذلك العصـر، ولا سيما الخطوات العلمية والتكنولوجية الأوروبية ومنجزاتهم العلمية؛ انعكاس واضح في أشعاره، حيث أشار إلى العديد من اختراعاتهم، كالتلغراف والقطار وأنواع الأسلحة… إلخ.
وكما أشرنا آنفاً، فقد كُتب الكثير حول حياة (حاجي قادر كويي)، وتحليل نتاجاته الشعرية، إلا أن معظم تلك الكتابات كانت تستند إلى رؤية وفلسفة قومية بحتة، وقد أُجريت تلك الدراسات بمنهج انتقائي. ولـذا، فإلى جانب التكرار الكثير فيها، فقد تمّ انتزاع (حاجي) من سياقه التاريخي الحقيقي.
لقد قام معظم الباحثين بتفسير أشعار (حاجي) استناداً إلى رؤى وأحكام مسبقة نابعة من الواقع الفكري والسياسي لعصـرنا الحالي، وفي ضوء المقولات والمصطلحات الفلسفية والسياسية المعاصرة، ومن الجليّ أن هذا النمط من البحوث لا يظهر الحقائق كما هي أبداً.
لم يكن نظم الشعر غاية بحدّ ذاته عند أديبنا، بل كان يرى أن الشعر يجب أن يكون في خدمة هدف معين، وحاملاً لرسالة، ووعاءً لفلسفة ورؤية كونية خاصة. وعليه؛ فقد وجّه نقداً لاذعاً لأولئك الشعراء الذين تنحصـر موضوعات قصائدهم دائماً في وصف (الجدائل الطويلة) و (العيون الناعسة)، وصنّفهم في مصافّ الشيوخ المحتالين وأنصاف الملالي المضللين. فنراه يقول في هذا الصدد:
الشاعر والشيخ والخواجة ضائعون
يُفنون أعمارهم في كلام لا طائل منه
فحديثهم عن الجدائل الطويلة والعيون الناعسة
لم ينقطع.. بل أصبح لغواً بلا نهاية
وبعد تلك الرحلات التي قام بها (حاجي قادر) إلى منطقة (بالك)، وشرق كوردستان – إيران – وكما سنتطرق إليها لاحقاً بشـيء من الإسهاب – حدث تحوّل في فكره ووعيه. وكان هذا التحوّل سبباً في تغيير مسار الشعر لديه من التقليد والاهتمام بالشكل والجماليات والبلاغة، إلى الموضوعات الفكرية والفلسفية، والتركيز على المضمون ورسالة الشاعر.
باختصار، أصبح الاهتمام بالمحتوى مقدّماً على القالب والشكل الشعري، حتى وإن لُوحظ نوع من الضعف في البنية الشكلية لقصائد (حاجي) بعد هذا التحوّل.
ويتميّز (حاجي قادر) عن غيره من الشعراء الكلاسيكيين بأنـّه أحدث تغييراً جذرياً في الشعر الكوردي. يقول (مسعود محمد) في هذا الصدد: “في الحقيقة، كان الشعراء الكورد قبل العصـر الحديث، أي شعراء القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، منهمكين في الغالب بهموم القلب والمشاعر الذاتية. كان مضمون دواوينهم عبارة عن حديث في العشق والشكوى، والتلاعب بالألفاظ، وتكديس المحسنّات والبدائع وفنون الأدب… لم يكن يبرز اسم لشاعر يتفاعل مع العالم الخارجي خارج ذاته”.
ومن هنا، يمكننا اعتبار (حاجي قادر) أوّل مثقف ومفكر كوردي يُسخّر قلمه ولغة الشعر بأسلوب واسع وممنهج لأهداف سياسية وللإصلاح الاجتماعي والديني، أو بهدف إيقاظ الوعي القومي وتحريك المشاعر الوطنية، أو بكلّ بساطة أن يصبح سلاح الشعر موجّهاً لمحاربة الفساد والظلم، والوقوف في وجه أولئك الذين يتّخذون الدين وسيلة لمصالحهم، مثل بعض الشيوخ والملالي، أو حتى الحكام وكبار المسؤولين.
إن كلّ من يقرأ قصائد (حاجي قادر) بتمعن، سيدرك أن الأحداث التاريخية، والاهتمام بتفسيرها واستخلاص العبر منها، وكذلك قراءة الواقع الحالي، واستشـراف المستقبل، في ظلّ تلك الأحداث، تشغل حيّزاً كبيراً من شعر (حاجي). حيث كان يلجأ إلى تلك الوقائع وتفسيراتها لإثبات وتأكيد الكثير من آرائه ووجهات نظره، وهذا يُعدّ منهجاً قرآنياً.
ومن هنا كان اهتمام (حاجي) بالتاريخ نابـعاً من هذا المنطلق، وليس لأنه قد اطلع على فلسفات التاريخ الغربية.
ويمكننا إيجاز تلك المقاصد والأهداف التي تتجلى وتظهر بوضوح في شعر (حاجي) في النقاط الآتية:
- الإيمان بضرورة الوحدة ورصّ الصفوف.
2- النضال من أجل الحرية والكرامة الإنسانية.
3- التعلم ونشر المعرفة والبحث عن العلوم الحديثة.
4- توعية المجتمع.
5- نقد الظواهر الاجتماعية والدينية المعيبة (أو السلبية) داخل المجتمع.
6- الإصلاح والثورة الاجتماعية.
7- الإصلاح الديني ونقد ظاهرة تحويل الدين إلى سلعة.
8- الإصلاح السياسي والاقتصادي.
9- إبراز المفاخر التاريخية والثقافية للشعب الكوردي.
وفي هذه المقدمة، ورغم أننا لا نرغب في الخوض تفصيلياً في تقييم الكتابات التي أُنجزت حتى الآن حول (حاجي)، إلا أننا نرى من الضروري الإشارة إلى نقطتين:
أولا:ً فيما يتعلّق بكتابنا هذا، نطمئن القارئ العزيز أننا، وقبل الشـروع في هذا العمل، قمنا بجمع وقراءة كل ما كُتب عن (حاجي)؛ بدءاً من الأجزاء الثلاثة للأستاذ (مسعود محمد)، وصولا ًإلى أصغر المدوّنات (تلك الصفحتين اللتين كُتبتا عنه). وذلك حتّى يتسنّى لنا – إنْ لم نستطعْ تقديم معلومات ووثائق جديدة للقارئ عن أديبنا – أن نقدم على الأقل تفسيراً ورؤية جديدة وتحليلا ًمغايراً لما طُرح سابقاً. آملين أن نكون قد وفّقنا في ذلك إلى مستوى جيد، وليس شرطاً أن يتّفق القارئ الكريم معنا، ولكننا قلنا وقدمنا شيئاً قد يكون محل ترحيب وتقدير لدى البعض، ومصدر انزعاج وقلق لدى البعض الآخر، ومثار ملاحظات ونقاشات كثيرة أخرى. كما أننا نمنح الحق للقارئ بشكل عام، وللباحثين بشكل خاص، الرد على ذلك النقد الذي وجهناه إلى ذلك التحيّز النابع من الروح الأيديولوجية، التي تناول بها بعض الباحثين حياة (حاجي) وأشعاره.. ولكننا نناشدهم تحكيم ضمائرهم؛ في انتقاد أي رأي طرحناه، أو بيتٍ فسـّرناه، بما لا يحتمل الدليل.
ثانياً: في البداية، وبناء على مقترح أخي المحترم (إسماعيل طه)، كنت أودّ أن أُعدّ بيبليوغرافيا (قائمة مصادر) ملحقة بهذا الكتاب، ولكني خشية أن يطول الكتاب، وخوفاً من ألا يكون العمل مكتملاً، عدلت عن تلك الفكرة.. ولكني سأحاول هنا تقديم تقييم موجز لأهم تلك الأعمال التي أُنجزت حول (حاجي) وتراثه حتى الآن.
برأينا؛ إن أفضل وأهم ما كُتب عن (حاجي) حتى الآن هو الكتاب المكون من ثلاثة أجزاء للأستاذ (مسعود محمد).. فبالإضافة إلى التحليل والمقارنة الدقيقة جداً لحياته، ولتلك الأحداث التاريخية التي عاصرها (خاصة في كويسنجق)، وتحديداً ما يتعلق بأسرة (حاجي) نفسها، فقد توصل المؤلف إلى بعض الملاحظات والآراء الخاصة بشأن مراحل حياة (حاجي) الشعرية والفكرية والسياسية، وقد استفدنا منها كثيراً.
ولكن -وفي الوقت نفسه – فقد تولدت لدينا بعض الملاحظات حول هذا الكتاب لا يمكننا تجاوزها، ومنها:
1- نظراً لغزارة علم الأستاذ (مسعود محمد) وموسوعيته، فقد ألبس (حاجي) ثوباً فضفاضاً جداً؛ حيث يجد القارئ أحياناً أن الكتاب يخرج عن كونه كتاباً عن (حاجي قادر كويي).
2- الكتاب يفتقر إلى التبويب، وتقسيم المواضيع إلى فصول ومباحث، وهذا ما يرهق القارئ كثيراً.
3- افتقار الكتاب إلى فهرس للمواضيع.
4- في مواضع كثيرة، يثير موضوعاً أو فكرة ويخوض فيها، ثم يقول سأعود إليها لاحقاً، ويعطي الموضوع حقّه في مكان آخر، ثم يعود إليه في النهاية؛ أي يتطلب الأمر من القارئ أن يتذكر أين توقف.
5- مع طلب الصفح من الأستاذ (مسعود محمد)، ولكنه – في نظرنا – كانت لديه غاية أخرى من الكتابة عن (حاجي)، وهي اتخاذه وسيلة لتعظيم شأن أسرته، وتسليط الضوء أكثر على عائلتي (الغفوري) و(الحويزي)، والـدِّفاع عنهما. ومن ناحيتنا لا نعلم إن كانت عائلة (الجليزادة) بحاجة إلى هذا التعظيم والمديح والإطراء أم لا، لأن الناس في كوردستان، قبل تأليف الكتاب المشار إليه، قد عرفوا المكانة الرفيعة لتلك الأسرة، كما أنّ عائلتي (الغفوري) و(الحويزي)؛ لم تكونا بحاجة إلى هذا الدفاع، أقلّه في العصـر الذي عاش فيه (حاجي).
إن ما ذكرنا بخصوص غاية الأستاذ (مسعود محمد) قد جعل من آرائه وتفسيراته أحياناً سبباً في تحجيم مكانة (حاجي)، وقد أشرنا إلى بعض تلك المواضع في حينها.
وكردّ فعل على تفسيرات الأستاذ (مسعود)، قام (خالد دلير) بتأليف كتاب بعنوان (ظلم حاجي قادر كويي جريرة)، كما ألّف (عبد الستار طاهر شريف) كتاباً بعنوان (حاجي قادر، الشاعر الثوري والتقدمي والديمقراطي للأمّة الكوردية)، وكذلك ألّف (جلال دبّاغ) كتاباً بعنوان (حاجي قادر كويي). ولكن هؤلاء وباستثناء بعض الرؤى ووجهات النظر الأيديولوجية والعداء لـ (مسعود محمد)، لم يقدموا أيّ إضافات تذكر.
أمّا (محمد ملا كريم)، فإلى جانب تحقيقه لديوان (حاجي قادر كويي)، فقد نشـر كتاباً بعنوان (موضوعان حول فكر وشعر حاجي قادر كويي). ورغم أننا لا نتفق مع كافة آرائه، إلا أنه قدم العديد من الملاحظات البديعة والقيمة، وصحّح العديد من المفاهيم الخاطئة حول قصائد (حاجي). بل إنه تحلّى بالجرأة في مواضع عدة لمراجعة مفاهيمه السابقة، معلناً أن فهمه السابق لتلك الأمور كان خاطئاً.
كما كتب علَمان بارزان من أعلام الأدب الكوردي؛ وهما الأستاذ (علاء الدين سجادي)، والدكتور (مارف خزندار)، ضمن مؤلفاتهما، وخاصة في تاريخ الأدب الكوردي، وبأسلوب أكاديمي؛ عن حياة (حاجي قادر كويي) ونتاجاته الأدبية ومقاصده الشعرية.
وكذلك ألّف الأستاذ (شاكر فتاح) كتيباً صغيراً حول حياة وفكر وشعر (حاجي)، مسلّطاً فيه الضوء على بعض الحقائق المهمة، مثل التزام (حاجي) بالدين الإسلامي، لذلك جاءت رؤاه وأفكاره تجسيداً لالتزامه بالدين والشريعة.
بالطبع هناك آخرون كتبوا عن (حاجي قادر كويي) في سياق تدوينهم لتاريخ الأدب الكوردي، مثل الأستاذ (رفيق حلمي)، ولكن وبالرغم من أهمية ما دوّنه، فقد تناول الموضوعات باختصار شديد، ولم يستوعب أشعار (حاجي) بشكل شامل، وكان تناوله أشبه بالعموميات أو العبور السريع.
وهناك أيضاً (صديق بورةكيي)، لكننا لم نتمكن من الحصول على مؤلّفه، ولا نعلم كيف وماذا كتب عن (حاجي).
كما ألّف (قدري يلدرم) باللهجة الكورمانجية، وبالحروف اللاتينية، كتاباً بعنوان (حاجي قادر كويي: خاني الثاني)، وكذلك ألّف (ريبوار سيويلي) كتاباً بعنوان (حاجي قادر كويي: قراءة فلسفية للتجربة الشعرية)، وكما يقول المؤلّف نفسه: “هي قراءة فلسفية لقصائد حاجي قادر”. ومن جانبنا لم نقم بتقييم ما ذهب إليه (ريبوار)، لأننا لسنا مختصين في هذا المجال، ولكن ما هو محلّ نقد عندنا، وسنتحدث عنه مطولاً لاحقاً، هي تلك المقولة: “إن حاجي قد تجاوز الدين والثقافة، وإنه لم يكن إنساناً متديناً”.
كما نشـر كاتب من (كوردستان – إيران)، وهو (إسماعيل محمودي)، كحلقة أولى ضمن سلسلة بعنوان (المثقفون الكورد في إسطنبول)، كتاباً بعنوان: (حاجي قادر كويي وخطاب الحداثة الكوردية).. وبرأينا فإن (محمودي) قد تناول الفكر القومي لدى (حاجي) بشكل أوضح وأكثر منهجية ممن سبقوه، وقام بتفسير بعض المفاهيم والمصطلحات التي استخدمها (حاجي)، إلا أنه فيما يخص فكر (حاجي)، لم يخرج عن الفهم السائد، ولم يقدّم شيئاً مختلفاً جوهرياً فيما يطرحه، سوى ما ذكرناه.
ومؤخراً، خصّص الأستاذ (تحسين حمه غريب)، ضمن سلسلة كتيبات تحت عنوان (الأدب كمنقذ)، الحلقة الخامسة لشعر وفكر (حاجي قادر كويي)، وقد قدم فيها تحليلاً جيداً لقصائد (حاجي).. ورغم أننا كنّا قد أنهينا معظم كتابنا هذا؛ حين صدر كتاب الأستاذ (تحسين)، إلا أننا حين قرأناه وجدنا أنفسنا متّفقين مع معظم آرائه وتحليلاته، حيث قام بتصحيح جزء من المفاهيم المغلوطة.
كما كتب (نوشيروان مصطفى) مقالاً عن (حاجي)، يبدو أقرب ما يكون إلى مخطط لبحث موسّع، لم يسعفه الوقت لكتابته، ولذا فهو أشبه ما يكون بـرؤوس أقلام، والكثير منها لم يخرج حتى الآن عن ذلك الإطار الذي رُسمت فيه صورة (حاجي).
وكتب (رشيد فندي) كتاباً باللغة العربية بعنوان (الفكر القومي الكوردي بين خاني وحاجي قادر كويي)، وقد خصّص جزءاً كبيراً منه عن حياة (حاجي)، ولكن نظراً لأنه نقل معظم آراء (مسعود محمد)، و(محمد ملا كريم)، وغيرهما، فقد اكتفى هو أيضاً بقراءة (حاجي قادر)، ضمن الإطار الفكري القومي فقط.
وفضلاً عن هؤلاء، كُتبت العديد من الدراسات الأخرى التي اختصّت بجانب معيّن من مجالات فكر (حاجي)، مثل موضوع الدولة الكوردية، والنقد الاجتماعي، والإصلاح والتجديد، ككتاب (الدولة القومية الكوردية من منظور حاجي قادر كويي) للدكتور كمال معروف.. وكتاب (النقد الاجتماعي في شعر حاجي قادر كويي) لـ(كوران عبد الجبار أحمد).
وأنوّه إلى أن للدكتور (آراس محمد صالح) موضوعاً بديعاً ومهماً حول الفكر الإصلاحي لـ(حاجي قادر كويي)، نُشر ضمن كتاب تحت عنوان: (علماء الإصلاح والتجديد الديني في كوردستان).
وهناك رسالة ماجستير بعنوان (غزل وقصائد حاجي قادر كويي) لـ(آري صبحي أحمد)، وأطروحة دكتوراه (الجوانب البلاغية في الشعر الكلاسيكي الكوردي، حاجي قادر كويي أنموذجاً) لـ(إدريس عبد الله مصطفى)، وأطروحة دكتوراه (لغة شعر حاجي قادر كويي والشيخ رضا طالباني) لـ(خانزاد علي قادر).
وإلى جانب وجود عدّة دراسات أكاديمية حول تحليل وتقييم قصائد (حاجي قادر) من الناحية البلاغية والفنية الشعرية، فقد نظّمت (جامعة كويه)، في عام 2016، مؤتمراً دولياً خاصاً بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد (حاجي قادر)، حيث جرى فيه تقديم 18 بحثاً مختلفاً حول حياته وشعره، وطُبعت أعمال المؤتمر لاحقاً في مجلدين يضمان أكثر من 500 صفحة. وقد طرح الباحثون العديد من الآراء القيّمة حول شعر (حاجي) وفكره، وهي جديرة بالبحث والدراسة أكثر.
وقبل أن نختتم هذه المقدمة، وكواجب ووفاء، نود أن نتقدم بجزيل الشكر لكل أولئك الأساتذة والأعزاء الذين كان لتعاونهم ودعمهم أثر في إنجاز هذا العمل، على وجه الخصوص الأستاذ (فرهاد شاكةلي)، الذي قام بمراجعة الكتاب من الناحية اللغوية والمنهجية. وكذلك الأساتذة الأفاضل (سالم الحاج، إسماعيل طه، هيوا حامد إسماعيل)، الذين قاموا بتمحيص مسودة الكتاب، وتأشيرهم جملة من الملاحظات القيمة. ختاماً، نأمل أن نكون قد وفّقنا من خلال هذه الصفحات؛ في خدمة الأدب والفكر الكوردي عموماً، وتراث أديب شعبنا البارز (حاجي قادر كويي) خصوصاً.
العدد ١٩٤ ǀ ربيع ٢٠٢٥ ǀ السنة الثالثة والعشرون