الدولة المختطفة

سرهد أحمد

 الدّولة في التصوّر الإسلامي مؤسسةٌ خادِمة للأمّة، ومعبِّرة عن إرادتها، وحارسة لقيمها وحقوقها، وليست كياناً منفصلاً عنها، أو متسلّطاً عليها.. غير أنّ واقع كثير من الدُّول في العالم الإسلامي؛ يكشف مفارقةً عميقة بين الفكرة والممارسة؛ فبدل أن تكون الدَّولةُ تجسيداً لسيادة الأمة، ومرجعاً للعدل والحرية، أصبحت – في عددٍ من التَّجارِب – دولة (مختطفة) لا تعبِّر عن إرادة شعوبها، بل تخضع لسطوة شبكاتٍ ضيّقة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية.

   تبدو مظاهر الاختطاف واضحةً في تغييب الإرادة الشعبية عن مراكز صنع القرار، حيث تُدار الدّولة عبر منظومات مغلقة لا تسمح بمشاركة حقيقية، ولا تعترف إلّا بالمصالح الّتي تضمن بقاءها، كما يصادر حقّ المجتمع في اختيار قياداته، أو مراقبة مؤسساته، فتفرّغ الانتخابات من مضمونها، وتتحوّل وسائل الإعلام إلى أدواتِ دعاية، وتُخْتزل المواطنة في الخضوع بدل المشاركة، ومع الوقت، يُصْبح الجهاز الإداري للدّولة مجرّد أداةٍ لفرض إرادة الفئة الحاكمة، لا لتحقيق الصّالح العام.

   إنّ خطورة (اختطاف الدولة) لا تكمُن فقط في تعطيل التّنمية، وإضعاف الاقتصاد، بل في تمزيق العقد الاجتماعي الّذي يربط الدولة بالأمّة، فعندما تَفْقِد الدّولة شرعيتها الشعبية، تصاب المؤسّسات بالوهن، وتفقد القوانين احترامها، ويغيب الشعور بالانتماء، وتتّسع الهُوّة بين الحاكم والمحكوم. ومع هذا التفكّك؛ تتراجع قيم العدالة والشفافيّة، وتختفي فُرص الإبداع والمبادرة؛ لأنّ البيئة السياسية والاجتماعية؛ لا تسمح بظهور طاقاتٍ جديدة تنافس الأطر القائمة.

   إنّ تحرير الدّولة من هذا الاختطاف؛ يتطلّب وعياً مجتمعياً واسِعاً، وإرادة سياسية صادقة، لإعادة بناء العَلاقة بين الدولة والأمّة على أُسس المشاركة والعدل والمسؤولية.

كما يتطلّب إصلاحاً مؤسسياً يعيد فتح المجال العام، ويصون استقلال القضاء، ويُخضع موارد الدّولة للرقابة والمساءلة.. ولا يمكن لهذا المسار أنْ ينجح إلّا بوجود ثقافة سياسيّة تؤمن بأنّ الدّولة ملك للجميع، وأنّ السلطة وظيفة لا امتياز، وأنّ الأمّة هي مصدر الشرعيّة. وهكذا، فإنّ (الدّولة المختطفة) ليست قدراً محتوماً، بل حالة يمكن تجاوزها حين تعود الدّولة إلى أصلها؛ مؤسسةً تعبِّر عن إرادة الأمّة، وتحمل رسالتها، وتفتح آفاقها نحو مستقبلٍ أكثر عدلا ًوكرامة.

العدد ١٩٤ ǀ ربيع ٢٠٢٥ ǀ السنة الثالثة والعشرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى