حين تُصادَر العقول… ويُعاد تشكيل الإنسان على مقاس الإعلام

هاوين الكردية - بنت أربيل

إنّنا نرى الإعلامُ في أيامنا هذه ، ليس مجرّد ناقلٍ للخبر،
بل صانعًا للعقول،
ومهندسًا للوعي،
ومعيدَ تشكيلٍ للإنسان من الداخل؛
غدت جزئياتُ العقول فريسةً سهلةً لطلاسم الصورة، وضجيج العناوين، وإيقاع التكرار الماكر.

وحين تُسلَّم العقول للإعلام بلا رويةٍ ناقدة،
يتحوّل الإنسان — من حيث لا يشعر — إلى كائنٍ مستلب،
يتلقّى ولا يُمحِّص،
ويرى ولا يُبصر،
ويُساير الانتهاكات وكأنها اعتيادٌ مشروع،
حتى تُستباح المحارم، وتُجمَّل الفواحش،
ويُعاد تعريف القبح على أنه حرية،
والانحلال على أنه تحضّر.

لم تعد وظيفة الإعلام المأزوم اليوم التنوير،
بل نشر وباء الجهل في ثوب المعرفة،
وبثّ جراثيم الوهن باسم الواقعية،
وزرع فيروسات الجمود الفكري تحت لافتة «الانفتاح»،
وتفجير مكامن الفواحش بتسويقها حقوقًا مكتسبة،
حتى بات الكذب صناعةً،
والدجل خطابًا عالي النبرة،
تُدار مفرداته بعنايةٍ لا تقل عن عناية المختبرات بالتعامل مع الفيروسات.

وأمام هذا السيل الجارف،
لا خلاص للعقل إلا بإعادة تشكيل منابته؛
لا من منصّات الإعلام،
بل من منابع القرآن،
حيث الصفاء،
وحيث الميزان،
وحيث تُعاد الأشياء إلى أسمائها الحقيقية.

ولا نجاة للروح إلا بالارتواء من نواضر السيرة،
سيرةٍ تصنع الإنسان الحرّ،
وتربط الوعي بالأخلاق،
وتجعل من الصراط المستقيم منهجَ حياة، لا شعارًا عابرًا.

فالصراط الحقّ السويّ لا يقبل أنصاف المواقف؛
إمّا طريق الخلود والحياة،
وإمّا الانزلاق في متاهات الزيف،
حيث يُختطف الوعي،
ويُختزل الإنسان إلى وحدةٍ مُستهلكة
في سوقٍ إعلاميّ لا يرى فيه سوى الأثر والربح.

لذلك،
ليس الهجر هجرَ أدوات،
بل هجرُ انقيادٍ أعمى،
وهجرُ استسلامٍ للفكرة الجاهزة،
وهجرُ إعلامٍ يُصادر الإنسان
قبل أن يُصادر الحقيقة.

فلنهجر دجل الإعلام الأعمى ما أحيينا،
ولنستعد عقولنا قبل أن تُستلب أرواحنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى