القرآن الكريم، جمعه وهيمنته واقتباساته
لا شكَّ أنَّ القرآن الكريم قد جُمِعَ وحُفِظَ في عهدِ رسول الله ﷺ، فالكتابُ مقطوعٌ بثبوتِه إجمالًا وتفصيلًا، لوصولِه إلينا بالتواتر، ولم تختلف الأمة – بجميع طوائفها – عليه.
وما يُقال إنّ القرآن الكريم لم يُجمع في عهدِ النبي ﷺ ، قولٌ بعيدٌ غاية البُعد؛ لأنّ المهمّة الوحيدة الّتي بُعث بها الرّسول – عليه الصّلاة والسّلام – هي تبليغ الرسالة، فجميع شؤون الحياة والإدارة والحكم كانت تابعةً لهذه المهمة ومُتمّمةً لها، كما قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين] (المائدة: 67)، [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ](آل عمران: 144).
ويَتَضِحُ من هذه الآياتِ – وغيرها – أنَّ المُهِمَّةَ الرَّئيسَةَ والأساسَ للنَّبيِّ محمَّدٍ ﷺ كانت تَبليغَ الرِّسالَةِ على أكمَلِ وَجهٍ.
وأرَى أنَّ ما جاءَ عن أميرِ المُؤمنينَ عمرَ بنِ الخطَّابِ – رضيَ اللهُ عنه – بعد أنِ اسْتَحَرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ في المَواطِنِ، إنَّما كانَ تَأكيدًا على المُصْحَفِ الَّذي كانَ مَحفوظًا في بَيتِ السَّيِّدةِ حَفصَةَ – رضيَ اللهُ عنها –، وذلك خَشْيَةَ ما قد يُصيبُه مِن تآكُلٍ بِفِعلِ الزَّمَنِ، أو تَلَفٍ بِسَبَبِ الرُّطوبَةِ والغُبارِ، ولا سِيَّما في تِلكَ البِيئَةِ الصَّحرَاوِيَّةِ القاسِيَةِ الَّتي يَصعُبُ فيها حِفظُ المُقتنَياتِ.
وما كانَ حِرصُ عمرَ – رضيَ اللهُ عنه – وبَقِيَّةِ الصَّحابَةِ الكِرامِ على جَمعِ القُرآنِ في مُصْحَفٍ واحِدٍ، إلَّا حِرصًا على تَأكيدِ الحِفظِ، وصِيانَةِ الكِتابِ مِنَ الضَّياعِ أوِ التَّحريفِ.. وحِمايةُ هذه النُّسخِة التي جَمَعَها النبيُّ – عليهِ أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ – في بيتِ السَّيِّدةِ حَفصَةَ – رضيَ اللهُ عنها –، إنَّما تَنبُعُ من عِنايةِ النبيِّ بالقرآنِ الكريمِ، فقدِ اعتنى – صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ – بِكتابَتِه في مكَّةَ قبلَ الهِجرةِ، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ؛ لأنَّ مَهَمَّتَهُ الأساسيَّةَ هي الرِّسالةُ.. وقد كانت عِنايتُهُ بالقرآنِ في مكَّةَ مُقدِّمةً لعِنايتِهِ بهِ ﷺ في المدينةِ، من حيثُ حِفظُهُ في الصُّحُفِ والصُّدورِ.
وفي هذا الصَّددِ يقولُ الأستاذُ عمرُ عبدُ الرَّحمنِ سِبيندارِي: “ومِمَّا يَجعلُ الباحثَ يَعتقِدُ، بل يَجزِمُ، أنَّ هذهِ الأدواتِ لا تُمثِّلُ إلَّا جُزءًا يَسيرًا من الأدواتِ التي كُتِبَ عليها القُرآنُ، ما أخرَجَهُ الحاكِمُ عن زيدِ بنِ ثابتٍ نفسِهِ، ووَصَفَهُ بأنَّهُ بسَندٍ صَحيحٍ على شَـرطِ الشَّيخَين، وهو في مجالِ كتابةِ وتأليفِ القرآنِ الكريمِ في العَهدِ النبوي، جاءَ فيهِ: «كنَّا عندَ رسولِ اللهِ نُؤلِّفُ القرآنَ من الرِّقاعِ»([1]).
وقد علقَ البيهقيُّ على ذلك، كما جاء في الإتقان؛ بقوله: “يَشبَهُ أن يكونَ المقصودَ تأليفَ ما نزلَ من الآياتِ المفرَّقةِ في سورِها، وجمعَها فيها بإشارةِ النبيِّ، أو جمعَ آياتِ السُّورةِ الواحدةِ، أو ترتيبَ السُّورِ في المصحفِ. وقد أسندَ البيهقيُّ هذا القولَ في كتابيهِ “المدخل”([2]) و “الدّلائل”([3])، عن زيد بن ثابت: كنّا حول رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – نؤلف القرآن.”
ويجوز أنْ يُستفاد من هذا الحديث أنّ الوحي كان يُدوَّن على رقاع منفصلة، ثمّ تُجْمَع هذه الرقاع في صحف مُعدّة كسجلّات، تُرتّب فصولها، وتتبع بعضها بعضاً، بحسب ما كان النبي – صلّى الله عليه وسلّم – يُشير ويوجّه إليه.
وهذا القول هو الفصل في مسألة تأليف القرآن وكتابته، إذ ورد هذا الحديث تحديدًا في سياق الجمع والكتابة.
وأمّا قول زيد بن ثابت: “فتتبّعت القرآن أجمعه من الأعشاب…” وغيرُهُ، فهو دليلٌ على الاجتهاد في جمع ما كُتب على موادّ متعدِّدة ومختلفة.
لذلك، كان النبي ﷺ حين ينزل عليه الوحي ويقرأه على الحاضـرين، يُمليه فورًا على كتبة الوحي ليُدوِّنوه على أيّ مادّة كانت متاحة، سواء أكانت أوراقًا أو خشبًا أو قطع جلد أو صفائح حجر أو حتّى كسر الأكتاف… وغيرها من الوسائط([4]).
ترتيبُ الآيات في سورِها توقيفيٌّ ثابتٌ بالوحي، وبأمرِ النبي – صلّى الله عليه وسلّم -، وبما عَلِمَه من تلاوته للقرآن في حضورِ مجموعةٍ من الصّحابة. وعلى كونه توقيفيًا دلّتِ النصوصُ، وانعقد الإجماعُ على ذلك.
قال السيوطيُّ في بحث ترتيب الآيات: “الإجماعُ والنصوصُ المترادفةُ على أنّ ترتيبَ الآيات توقيفيٌّ لا شبهةَ في ذلك، أمّا الإجماعُ، فنقله غير واحد منهم؛ الزركشـي في (البرهان)، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته؛ وعبارته: ترتيبُ الآيات في سورها واقعٌ بتوقيفه وأمرِهِ ﷺ، من غير خلافٍ في هذا بين المسلمين”.
وهذه النصوصُ الّتي استند إليها السيوطيُّ لإثباتِ أنّ ترتيبَ الآيات توقيفيٌّ: فما قاله زيدُ بن ثابتٍ، كما ورد في رواية البيهقيِّ والحاكم: “كنّا عند النبيِّ – صلّى الله عليه وسلّم – نُؤلِّف القرآنَ من الرقاع.”
وَجَاءَ أَنَّ رَافِعًا بْنَ مَالِكٍ الزُّرَقِيَّ أَحَدُ السَّبْعِينَ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ العَقَبَةِ، وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَـرَ، وَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ فِي مَكَّةَ، لِيَنْقُلَهُ إِلَى المَدِينَةِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِلَّا مَكْتُوبًا، وَخَصَّهُ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ كَاتِبًا.
فِي قِصَّةِ نَقْلِ رَافِعٍ لِلرِّقَاعِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ كُتِبَ فِي مَكَّةَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ حَرِيصًا عَلَى المُحَافَظَةِ عَلَى الرِّقَاعِ الَّتِي كُتِبَ فِيهَا القُرْآنُ، فَقَامَ بِتَسْلِيمِهَا لَيْلَةَ العَقَبَةِ إِلَى رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ لِيَنْقُلَهَا إِلَى المَدِينَةِ.
كَانَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَتَعَاهَدُ الرِّقَاعَ الَّتِي كُتِبَ فِيهَا القُرْآنُ وَهُوَ فِي المَدِينَةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ –: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نُؤَلِّفُ القُرْآنَ مِنَ الرِّقَاعِ» (أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ)، وَلَعَلَّ الرِّقَاعَ الَّتِي نَقَلَهَا رَافِعٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ كَانَتْ مِنْ ضِمْنِهَا، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ أَيْضًا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ حِينَ جَمَعَ القُرْآنَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -.
وَهَذَا الِاهْتِمَامُ مِنْ جَانِبِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالقُرْآنِ هُوَ لُبُّ الرِّسَالَةِ، وَالوَظِيفَةُ الرَّئِيسَةُ لِحَامِلِ الرِّسَالَةِ ﷺ وَالَّذِي يُؤَكِّدُ لَنَا أَنَّ مَا حَدَثَ فِي زَمَنِ الخَلِيفَةِ أَبِي بَكْرٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – لَمْ يَكُنْ إِلَّا عَمَلِيَّةَ تأكِيدٍ عَلَى حِفْظِ صَحِيفَةِ النَّبِيِّ المَحْفُوظَةِ فِي بَيْتِ السَّيِّدَةِ حَفْصَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهَا –؛ وَإِذَا مَا وَجَدُوا تَآكُلًا أَوْ أَيَّ شَيْءٍ طَبِيعِيٍّ مِنْ هَذَا القَبِيلِ، يَقُومُونَ بِاسْتِدْرَاكِهِ وَتَوْثِيقِهِ مِنْ جَدِيدٍ، لِلْأَسْبَابِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا آنِفًا.
فَمَنْ يَقْتَاتُ عَلَى هَامِشِ عُلُومِ القُرْآنِ، يَحُسُّ أَنَّ الرَّسُولَ تَرَكَ حِفْظَ القُرْآنِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِحَقِيقَةِ مَهَامِّ الرَّسُولِ، وَالتَّأْكِيدَاتِ القُرْآنِيَّةِ عَلَى حِفْظِ هَذَا القُرْآنِ.
يُمْكِنُنَا القَوْلُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ جَمَعَ القُرْآنَ الكَرِيمَ كَامِلًا، وَوَضَعَهُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهَا –، وَبَعْدَ وُقُوعِ حُرُوبِ الرِّدَّةِ، حَرَصَ الخَلِيفَةُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَلَى التَّأَكُّدِ مِنْ سَلَامَةِ هَذَا المُصْحَفِ – بِاقْتِرَاحٍ مِنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -، وَمَا إِذَا كَانَتْ بَعْضُ حُرُوفِهِ قَدْ تَعَرَّضَتْ لِلتَّشْوِيهِ أَوِ التَّلَفِ نَتِيجَةَ عَوَامِلِ الزَّمَنِ؛ فَتَمَّتْ إِعَادَةُ كِتَابَتِهِ بِإِشْـرَافِ لَجْنَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ كُتَّابِ الوَحْيِ.
وَحُقْبَةُ الخَلِيفَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – كَانَتْ مُجَرَّدَ نَسْخٍ لِلْمُصْحَفِ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِ السَّيِّدَةِ حَفْصَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهَا – إِلَى سِتِّ نُسَخٍ، وَعَلَى المَنْهَجِ العِلْمِيِّ الَّذِي خُصِّصَ لِتَدْوِينِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، مِنْ عَصْـرِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَإِلَى عَهْدِ الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -. وَهُوَ الرَّأْيُ الَّذِي يَمِيلُ إِلَيْهِ جُمْهُورُ البَاحِثِينَ، حَيْثُ كَانَتْ أَرْبَعَةُ مَصَاحِفَ مُخَصَّصَةً لِلمَدِينَةِ وَدِمَشْقَ وَالكُوفَةِ وَالبَصْـرَةِ، وَهُنَاكَ خِلَافٌ حَوْلَ مَصَاحِفِ اليَمَنِ وَالبَحْرَيْنِ وَمَكَّةَ وَمِصْـرَ.
القُرْآنُ الكَرِيمُ وَمَكَانَتُهُ المَرْجِعِيَّة فِي الفَهْمِ:
يقولُ الحَقُّ – جلَّ جلالُهُ -: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلقُرآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾(الإسراء: 26).
تتخبّط الإنسانيّة في متاهاتٍ شائكةٍ ومتعدّدة في عالم المصطلحات والمسمّيات، حتّى غدت هذه الكلمات جسورًا معقّدةً يصعب عبورها، وأصبحت دلالاتها غامضةً لا تفتح أمامنا سوى أبواب الحيرة والتردُّد([5]). تُهدَّدُ محطّاتُ الحوار والتواصل، وقنواتُ التفاهم الإنساني، حين تُفرَضُ – في أجواءٍ خاليةٍ من الآخر – مسمّياتُ ومصطلحاتُ القوّةِ الغالبة، فتتربّعُ على عرش الموقف الأنا الغالبةُ، فيما تتلقّى كلماتُ الآخر المغلوب صفعاتٍ متتاليةً. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى منهجٍ أو كتابٍ يُسترشد به في التعامل مع هذه المصطلحات والمفاهيم، ليكون دليلاً يُنير الطريق، ويُؤسّس لغةً مشتركةً تَجْمَعُ كُلَّ الْمَسَمَّيَاتِ؛ وقد أنزلَ اللهُ للبشريةِ جمعاءَ كتابًا يهتدونَ بهدْيه، ويسترشدونَ بهُداه؛ فالقرآنُ يهدي لِلَّتي هي أقوَم، وهو الأرشَدُ، والأصوَبُ، والأعدَلُ، والأجمَلُ، والأحسَنُ، والأفضَلُ.
فالقرآنُ – من حيثُ كونُه حافظًا لما سبَقَه، واستمرارًا له – قد تميَّز عنه بذلك الامتدادِ الرّحبِ الّذي ضمَّ فيه جوهرَ القانونِ الأخلاقيِّ كلِّه؛ وهو الّذي ظلَّ متفرِّقًا في تعاليمِ القدِّيسينَ والحُكماءِ، من المؤسِّسينَ والمُصلِحينَ، الّذين تباعدَ بعضُهم عن بعضٍ، زمانًا ومكانًا، وربّما لم يَتركْ بعضُهم أثرًا من بعدِهِ يحفظُ تعاليمَه. ولعلَّ هذا الجانبَ هو السِّمةُ البارزةُ من سِماتِ القرآن، وإنْ لم تكن أثمنَ سِماته، ولا أصلَها([6]).. وبدونِ هذه المرجعيَّة، ينساقُ الإنسانُ إلى حافَّةِ الهاوية، وقد يُدمِّرُ بيديه ما بناه بالأمس. فهذه المرجعيةُ تضبِطُ السّلوكَ الإنسانيَّ وتُهَذِّبُه، فالتشـريعاتُ البشـريَّةُ، دون هذه الهيمنةِ والمصداقيّةِ القرآنيةِ، لا تَكفُّ شـرَّهُا وطُغيانَها.
ولا تقتصـرُ النتيجةُ – حينئذٍ – على إعطاءِ كلِّ امرئٍ الحقَّ في أنْ يُشـرِّعَ لنفسِه واجباتِه، وَفْقَ ما يُلائمُ طبعَه، واستعداداتِه، ومطامِحَهُ فحسب، بَلْ إنَّ له أنْ يضعَ مبادئَهُ وأحكامَهُ، بصورةٍ مستمرَّة، تحتَ الفحصِ، وأنْ يَهدِمَ في كلِّ لحظةٍ ما بناه في لحظةٍ سابقة.
وقد يكونُ هذا هو مكمنَ الرُّعبِ، والجَزَعِ، والفَزَعِ، عندَ علماءِ الاجتماعِ، والفكرِ، والحضارةِ؛ أمثالِ كولِن وِلسن([7])، والكسس كارل([8]). وإذا كانَ القرآنُ كتابًا مُهيمِنًا ومُصَدِّقًا على الكُتبِ السماويَّةِ السَّابقة، فمن بابِ أولى أنْ يكونَ مُهيمِنًا ومُصَدِّقًا على كُلِّ نِتاجٍ بَشـريٍّ. ومن هذا المنطلَق، ومن هذه الرؤيةِ القرآنية، نستطيعُ أنْ نقولَ: إنَّ كُلَّ إنتاجٍ بشـريٍّ، من تعاليمَ للقديسينَ، والصالحينَ، والحكماءِ، يُعرَضُ على القرآن؛ لأنَّ القرآنَ مُصَدِّقٌ ومُهيمِنٌ على جميعِ تلكَ الأشياءِ المذكورة.
وذلك لأنَّ القرآنَ يمتلكُ هذه الميزةَ: ميزةَ تقويمِ المفاهيمِ، وردِّها إلى معاييرها الصّحيحة، وَفْق ميزان الحقّ، وله قرار التعديلِ، والتصويبِ.. عندما نريدُ أنْ نتعاملَ مع القرآنِ الكريم، أو نأخذَ منه مباشـرةً، ينبغي أنْ يكونَ ذلك من دون أيّ قراراتٍ مُسبقة، وأنْ يكون المنطلَقُ من القرآنِ نفسه، لا كما هو معهودٌ عند بعضِ النّاس، الّذين يريدون تفسيرَ القرآنِ تفسيرًا يُوافِق فكرَهم، أو مذهبَهم، أو هواهُم. لذا، علينا أنْ نستلهِمَ ونستَوحِيَ من هذا المعينِ الربَّانيِّ مباشرةً، فاللهُ سبحانهُ وتعالى جعلَ القرآنَ الكريمَ مُهيمِنًا على الكتُبِ السابقة، لا خاضعًا لها ولا تابعًا لأيِّ مرجعيّةٍ بشريّةٍ أُخرى.
ومما يُثير العَجَب، وكما قال الإمامُ ابنُ حزم، أنْ يجعلَ بعضُهم أشعارَ العربِ ميزانًا ومِعيارًا لفَهمِ القرآن! بل ويَجعل في القرآنِ “شواذَّ” – بزعمِه – فقط لأنهُ خالفَ بيتًا من أشعارِ العرب! سبحانَ الله!
وربما يُقال: “فإنْ قال قائل: فهل لذلك من نظيرٍ في كلامِ العربِ نعلمُ به صحّةَ ما قلت؟” وكأنَّ كلامَ اللهِ يجبُ أنْ يخضعَ لموافقةِ كلامِ العرب! مع أنَّ ربَّ العِزَّةِ يقول: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾(آل عمران: 2-4)﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾(المائدة: 46 -49).
فاللهُ سبحانهُ وتعالى جعلَ من القرآنِ الكريم كتابًا مُصَدِّقًا ومُهَيْمِنًا على الكُتبِ السّابقة، وعلى لُغةِ العرب، وعلى التاريخ، وعلى الأفكار، وعلى النظريّات. ولهذه الميزة خاصيةُ الدَّيمومةِ والاستمرارية. ويأتي معنى التصديق والهيمنة في ثلاثة تأويلات رئيسة، وردت عن أئمة التفسير:
أمينًا، وهو قولُ ابنِ عبّاس – رضي الله عنه -.
شاهِدًا عليه، وهو قول قتادة والسُّدِّي.
حفيظًا عليه.
وقال بعضهم: معناه شاهِدٌ عليه، وقال آخرون: رقيبٌ عليه، وقال غيرهم: مؤتَمَنٌ عليه. وقد فُسِّرت [مُهَيْمِن] على أنّها بمعنى مُؤْتَمَن، إلّا أنّ الهاء فيها بدلٌ من الهمزة، والأصل: مؤتمن عليه، كما قيل في اللّغة: هرقتُ الماء، وأَرَقْتُ الماء، وإيّاك وهَيّاك. وهذا التّفسير مرويّ عن أبي العبّاس محمّد بن يزيد، وهو على مذهب العربيّة حسنٌ، ويُوافِق بعضَ ما ورد في التفسير؛ لأنّ معناه: مؤتمن. وقيلَ أيضًا: [ومُهَيْمِنًا عليه]: أي أمينًا عليه. وعن الحسن البصريّ: [مُهَيْمِنًا عليه]: مُصَدِّقًا بهذه الكُتب، وأمينًا عليها. وقال القتبي: أمينًا عليه. وقال أبو عوسجة: مُسَلَّطًا عليه. وقيل: مُفَسِّرًا، يُفَسِّر ما جاء فيها من معانٍ.
وقال بعضُهم: “مُهَيْمِن” كلمةٌ مأخوذةٌ من لغاتهم (أهل الكتاب)، مُعَرَّبة، وليست من أصل لسان العرب.
فهذا التّصديق، وهذه الشّهادة، والإثباتُ القرآنيُّ على الكتُبِ السّابقة كلّها، يُخوِّل القرآنَ الكريمَ الهيمنةَ على اللّغة، وعلى آراء العلماء، إذ هو المرجعُ الحقيقيُّ والمُطلَق.
ولفظةُ “المُهَيْمِن” أعمُّ من جميعِ هذه الألفاظ؛ لأنّ المُهَيْمِنَ على الشـيء هو: المُعتني بشأنه، الشّاهد على حقائقه، الحافظ لمضمونه، ويشمل الهيمنةَ التامّة، بحيثُ يدخل فيها ما ليس من جنس الشـيء، فيُصحِّح ويُفَنِّد. وقد جعل اللهُ تعالى القرآنَ مُهَيْمِنًا على الكُتب، يشهد بما فيها من الحقائق، ويُبطِل ما أُلصِق بها من تحريفٍ وزَيغٍ، ويُصحِّح ما اختُلِف فيه منها. والتَّحريفُ، هو أنْ تُبدَّلَ الكلمةُ عن موضعها، أو يُجعل غيرُ الحقِّ معيارًا للحقّ، وهذا ما جاء القرآنُ ليَكشفه، فكان شاهِدًا ومُصدِّقًا ومُؤتَمنًا وأمينًا على ما سبقَهُ من الكُتب.
قال الزمخشـري في تفسيره: “مُهيمِنًا: حفيظٌ من التّغيير والتّبديل”؛ أي حافظٌ للكتُب السّابقة، مُصَدِّقٌ لما فيها من حقّ، ومُبطِل لما حُرِّف أو زُوِّر.. لكننا – وللأسف الشديد – لم نكن مُنصِفين مع القرآن الكريم. فقد جعلنا الأقوالَ البشـريّةَ مهيمنةً على القرآن، ورفعنا اللّغة والتّقليد فوقَ النصِّ المُنزَّل. حتّى إنّنا – في بعض المواضع – إنْ قالت عجوزٌ أبياتًا تحت خيمتها، جعلناها ميزانًا لكتاب الله! وفي عصـر الترجمة، جعلنا كلمات الإنسان، وفلسفاته، ومعانيه المحدودة، هي المعيار، والقرآن هو المحكوم لا الحاكم.. ونحن ننسى أو نتناسى أنّ القرآن هو النُّور الحقُّ، الّذي بُعث به النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم -، بشهادة الكتب السابقة: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(الأعراف: 157).
فهذا النُّور، الّذي هو القرآن، يجب أنْ يكون المعيار، لا أنْ يُقاس بغيره، ولا يُوزَن بأقوال النّاس، مهما بلغت فصاحتُهم أو مكانتُهم.. يقول الشيخ الدكتور حسن الترابي: “كذلك يَنْبغي أنْ يُرَدَّ القرآنُ بعضُهُ إلى بعض، وأنْ تُراجَعَ كلُّ كلمةٍ إلى مواردها، لينضبط معناها أو مَداها، وتُوصَلَ كلُّ كلمةٍ بما يُجاوِرُها لتتبيَّن في السِّياق، وتَتَألَّفَ جُملُ الكَلِم في الآي، في السُّورة، ليبدو نَظمُها، وتَتوافَقَ معانيها متعاقبةً عبر الآي، ويَبين نَغْمُها ووَقْعُها بفواصلِ الآي، وتَخرُجَ جميعُ معانيها من دون اختلاف. ثمَّ تتوالى السُّوَرُ من بداية القرآن إلى خاتمتِه، مفصولةً بأسوارٍ، موصولة بالمعاني، يُضـيء نسبَها ترتيبُ نُزولِها، مما يُوضِّح تدرُّجَ أحكامِ التكاليف إلى التّمام، أو وقوعَ حُجَجِ القرآنِ حسبَ تطوُّرِ ظروفِ التّنزيل، أو ترتيبِ كتابتِها في المصحف، بما يُوحِّدُه خِطابًا مُنيرًا في مختلفِ شعابِ الحياة، متتالِيًا لا ينقطعُ شُعاعُه الهادي بأدنى ظُلمةٍ عارِضة، خالدًا للنّاسِ كافَّةً في سيرتِهم الحياتيّة إلى يومِ القيامة”.
وهذه الهيمنةُ والتّصديقُ ساريان إلى يومِ القيامة، وفي جميع مجالات الحياة، وعلى جميع العلومِ والفنُون. ومن بين هذه العلوم: علمُ النفس، وهو جزءٌ من المنظومة المعرفيّة الّتي يجب أن تخضع لمعياريّة الوحي، لا أنْ تُفْرَضَ عليه. غير أنّ بعضَ الباحثين – وللأسف – يُبالِغ في تحجيم آياتِ القرآن الكريم. إنّ الباحِثَ الحقيقيَّ يرفضُ توظيفَ القرآن الكريم لخدمة نظريّات بشرية قاصـرة، قابلةٍ للتطوّر، وأحيانًا للتراجع أو الإلغاء، إذ لا يمكن بحالٍ مِنَ الأحوال أنْ نَزِنَ العِلمَ الإلهيَّ المطلق بنظريّاتٍ بشـريّةٍ مُؤقّتة، ظهرتْ في سياقٍ تاريخيّ وثقافيّ معيَّن، وغالبًا ما يُصيبُها التّغيير في كلِّ لحظة.
فكيف نُسلِّم خطابَ الله الخالد لما يُشبه فكرَ الإنسان البدائي؟ وكيف نجعل من كلام الخالق تابعًا لكلام المخلوق؟
هل القرآن الكريم مُقتبَسٌ من الكتب السّابقة؟
هناك من يُطلِقُ كلماتٍ وعباراتٍ تنمُّ إمّا عن مرضٍ في قلبه، أو جهلٍ بحقيقة الدِّين، فيزعمُ أنّ القرآنَ الكريم مقتبَسٌ من الكتُبِ السماويّة السّابقة. وللردِّ على هذه الدّعوى، ينبغي أوّلًا أنْ نُحرِّر مفهوم “الاقتباس”، لنعرف مدى صحّة هذا القول. فما حقيقة هذا المفهوم؟ وهل ما ورد في القرآن من أحكامٍ وأخبارٍ يَندرج فعلًا تحت مفهوم “الاقتباس”؟
أولاً: ما هو الاقتباس؟
إنّ الاقتباس التام هو: نقل فكرةٍ ما من مصدرٍ سابق، إمّا نقلاً كُليًّا أو جزئيًّا، دون إضافةٍ أو تعديلٍ أو تصحيح من قبل الناقل.
فإذا قام الناقل بإضافةٍ أو تعديلٍ أو تصحيحٍ لما نقله، فلا يُسمّى هذا اقتباسًا، بَلْ نقضًا أو تصويبًا أو تطويرًا.
وهذه بالضّبط هي وظيفة القرآن الكريم: التّصديق لما بقي من الحقّ، والهيمنة عليه بالتّصحيح والبيان.
ثانيًا: هل الاتفاق في القصص يُعدّ اقتباسًا؟
هل يُعتَبَرُ مجرّدُ الاتفاق في قصّةٍ أو حدثٍ تاريخي اقتباسًا؟ ألم تقع هذه القصّة فعلًا في الواقع، وجرت أحداثُها حقيقة؟ فكيف يُقال حينئذٍ إنّ مجرّد ذِكرها في القرآن يُعَدُّ اقتباسًا؟
نعم، لو أنّ القرآن لم يأتِ بجديدٍ، وكان ما فيه من القصص والأحكام مجرّد نسخة طبق الأصل من الكتاب المقدّس – دون إضافة أو تصحيح – لصحَّ أنْ يُقال إنّه مقتبَس. ولكننا وجدنا أنّ القرآن: أضافَ وعدّل وصحّح في كثير من الوقائع، وبيّن ما أُغلق أو غمض، وأعاد الحقائق إلى نصابها، ورفع ما لحق بالكتُب السّابقة من تحريف. فكيف يصحّ – والحال كذلك – أنْ يُقال: إنّ القرآنَ مُقتبَس؟!
ثالثًا: الفرق بين القرآن والاقتباس:
إنّ الناقل المقتبِس أسيرٌ لما ينقل عنه، لا يُضيف جديدًا، ولا يُصحّح خطأ، بل يتّبع ولا يبتدع. وليس هذا حال القرآن الكريم، بَلْ هو على خلاف ذلك تمامًا، كما سبق وذكرنا: هو مُهَيْمِنٌ على الكتُبِ السّابقة، لا تابعٌ لها. وهو مُصَدِّقٌ لما بقي من الحقّ، لا ناقلٌ لما حُرِّف. وهو مُصحِّحٌ ومُبيِّنٌ، لا مقتبسٌ مُقلِّد. فالقرآنُ وحيٌ إلهي مستقلٌ في مصدره، متفرّدٌ في بيانه، مُهيمِنٌ في سلطته، باقٍ في تأثيره إلى يومِ القيامة.
وعلى هذا، فإنّ القولَ بأنَّ ما نسبتهُ خمسةٌ وسبعونَ بالمئةٍ من القرآن الكريم مقتبسٌ من الكتاب المقدّس، قولٌ لا يستندُ إلى دليلٍ، ولا يقومُ على برهانٍ. فالمتأمّلُ في موضوعاتِ الكتابِ المقدّسِ، وموضوعاتِ القرآن الكريم، يرى بجلاءِ الفارقِ الكبيرِ بينَ موضوعاتِ هذا، وموضوعاتِ ذاك، سواءٌ من جهةِ المضمونِ، أم من جهةِ الأسلوبِ.
ويكفينا في هذا المقامِ، للتدليلِ على صحةِ ما نقول، أنْ نقارنَ بينَ بشارةِ زكريا بيحيى – عليهما السّلام – كما وردت في القرآن الكريمِ، في سورَتَيْ آل عمرانَ ومريم، وبين ما جاء في الإنجيلِ.
بشارةُ زكريا بيحيى عليهما السلامِ في النصِّ الإنجيليِّ:
لم يكن لهما (أي زكريا وزوجتهُ) ولدٌ، إذ كانت (اليصابات)، زوجة زكريا، عاقرًا. وكان كلاهما متقدّمين في السنِّ. وبينما هو يكهنُ في نوبةِ غرفتِهِ أمامَ اللهِ، حسبَ عادةِ الكهنوتِ، أصابته القرعةُ بأنْ يدخلَ إلى هيكلِ الربِّ ويبخرَ، وكان كلُّ جمهورِ الشّعبِ يُصلِّي خارجًا وقتَ البخُورِ. فظهر له ملاكُ الربِّ واقفًا عن يمينِ مذبحِ البخورِ. فلما رآه زكريا اضطرب، ووقع عليه خوفٌ شديدٌ. فقال له الملاكُ: “لا تخف يا زكريا، فإن طلبتك قد سمعتْ، وامرأتك اليصابات ستلدُ لك ولدًا، وتسمّيه يوحنّا. ويكون لك فرحٌ وابتهاجٌ، وسيبتهجُ به كثيرون؛ لأنّه يكون عظيمًا أمامَ الربِّ. ولن يشـربَ خمرًا، ولا مسكرًا، ومن بطن أمه سيمتلئ بروح القدسِ. ويردُّ كثيرين من بني إسرائيل إلى الربِّ إلههم، ويتقدّم أمامه بروح إيليا وقوّته، ليردّ قلوب الآباء إلى الأبناء، والعصاة إلى فكر الأبرار، لكي يهيّئَ للربِّ شعبًا مستعدًا.”
فقال زكريا للملاك: “كيف أعلم هذا وأنا شيخٌ، وامرأتي متقدِّمةٌ في السنّ؟”
فأجاب الملاك: “أنا جبرائيل الواقفُ قدّامَ اللهِ، وأُرسلتُ لأكلّمك وأبشـّرك بهذا. وها أنت تكونُ صامتًا، ولا تقدر أنْ تتكلّمَ حتّى يأتي ذلك اليوم؛ لأنّك لم تصدّق كلامي الّذي سيتمّ في وقته.”
وكان الشعبُ ينتظرونَ زكريا، متسائلين عن إبطائه في الهيكل. فلما خرج لم يستطع أنْ يكلّمهم، ففهموا أنّه قد رأى رؤيا في الهيكل، فكان يومئ إليهم وبقي صامتًا([9]).
أمّا بشارةُ زكريا – عليه السّلام – بيحيى، حسب النصِّ القرآني: فقد دعا زكريا ربّه قائلًا: [هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ. فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّـرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ. قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ. قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ](آل عمران: 38- 41).
[كهيعص. ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا. يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا. قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا. قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا. فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا](مريم: 1- 11).
إنَّ المقارنةَ بينَ نصِّ الإنجيلِ لهذهِ الواقعةِ ونصِّ القرآنِ الكريمِ تُظهرُ فوارقَ واضحةً بينهما، لا مجالَ لنكرانِها.. وتبطلُ هذهِ المقارنةُ – في الوقتِ نفسهِ – دعوى أنَّ نصوصَ القرآنِ مقتبسةٌ من الإنجيلِ، وبيانُ ذلك فيما يلي:
في سورةِ (آل عمران) تقدّمتْ على قصةِ بشارةِ زكريا بيحيى قصةُ نذرِ امرأةِ عمرانَ ما في بطنِها خالصًا للهِ، في حينِ لم يردْ ذكرُ هذا في النصِّ الإنجيليِّ.
لقد أخبرَ النصُّ القرآنيُّ أن امرأةَ عمرانَ ولدتْ أنثى، وكانتْ ترجو أن يكونَ المولودُ ذكرًا، وهذا أيضًا لم يردْ له ذكرٌ في النصِّ الإنجيليِّ.
كما ذكرَ النصُّ القرآنيُّ كفالةَ زكريا للمولودةِ (مريم)، وأخبرَ عن وجودِ رزقِها عندها، وبيّنَ أنّ مصدرَ هذا الرزقِ هو اللهُ، وهذا بدورهُ لم يُذكرْ في النصِّ الإنجيليِّ.
ربطَ النصُّ القرآنيُّ بين قصّةِ الدُّعاءِ بمولودٍ لزكريّا، وقصةِ مولودةِ امرأةِ عمران، وهذا الربطُ لا وجودَ له في النصِّ الإنجيليِّ.
ذكرَ النصُّ القرآنيُّ دُعاءَ زكريّا، بينما لا نجدُ ذكرًا لذلك في النصِّ الإنجيليِّ.
وقد تناولَ النصُّ القرآنيُّ ما رتبّه زكريّا على هبةِ اللهِ له من ولايةٍ، وهي أنْ يرثَه ويرثَ من آلِ يعقُوب، ولم يُذْكر هذا في النصِّ الإنجيليِّ.
يُبيِّنُ النصُّ القرآنيُّ أنَّ السببَ الذي دفعَ زكريّا إلى دُعاءِ ربِّه كان خوف الموالي من ورائه، في حين أنَّ النصَّ الإنجيليَّ خالٍ من هذا الأمر تمامًا.
وقد صـرّحَ النصُّ القرآنيُّ بأنَّ زكريا أوحى إلى قومه بأنْ يُسبِّحوا بُكْرةً وعشياً، وهو أمرٌ لا وجود له في النصِّ الإنجيليِّ.
كما ذكر النصُّ القرآنيُّ الثناءَ على المولودِ (يحيى)، وأفاد بأنّه كان بارًا بوالديه يومَ ولادته، ويومَ موته، ويومَ بعْثه حيًّا، وذلك بلا مثيلٍ لهذا الثّناء في النصِّ الإنجيليِّ.
وبالإضافة إلى هذه التفاصيل الدّقيقة التي أوردها القرآن، والّتي لم تُذْكر في الإنجيل، تُظهر المقارنة أنّ النصَّ القرآنيَّ قام بمهمّةٍ أُخرى لا تقلُّ أهميّةً عن المهمّة الأولى، وتتجلّى هذه المهمّة في تصحيح الأخطاء الّتي وُجِدَتْ في النصِّ الإنجيليِّ، وبيان ذلك على النحو الآتي:
أوّلًا: إنَّ النصَّ الإنجيليَّ جعلَ الصّمتَ الّذي التزمه زكريّا عقوبةً من الملاك، بينما صَحَّح القرآنُ هذا الفهمَ، وجعل الصّمتَ استجابةً لدُعاء زكريّا ربّه.
فالصّمتُ – بحسبِ النصِّ القرآني – كان تكريمًا لزكريّا – عليه السّلام – من الله، وهو أمرٌ يتوافق مع خصائص الأنبياء والرُّسل؛ في حين أنّ النصَّ الإنجيليَّ يجعلُه عقوبةً من الملاك، وهذا أمرٌ يتنافى مع صفاتِ الرُّسل والأنبياء. فما الذّنبُ الّذي اقترفه زكريّا حتّى يُعاقب من الله أو من الملاك؟ هل إقراره بكبر سنّه وعقر امرأته ذنبٌ يستوجب العقاب؟!
لقد حدث الأمر نفسه مع إبراهيم – عليه السّلام – حين بُشِّـرَ بإسحق، ومع سارة حين بُشّـرت به، ومع مريم حين بُشـّرت بحملها بعيسى، فلم يعاقب الله أيًّا منهم. فكيف يُترك إبراهيم وسارة ومريم بلا عقاب، ويُنزل العقاب على زكريّا وحده، مع أنّ الّذي صدر منه، صدَرَ مثلُه تمامًا من غيره؟! إنّ الدّليلَ الأكبرَ على بُطْلان هذه الدّعوى هو غيابها في النصوص القرآنية، وليس هذا تعصّبًا للقرآن، بَلْ هو الحقُّ والمسلك اللّائِق بمنزلة الرُّسل عند ربّهم.
ثانيًا: إنَّ النصَّ الإنجيليَّ يحدّد مدّة الصمت من لحظة خروج زكريّا من الهيكل إلى يوم ولادة يحيى، في حين أنّ النصَّ القرآني يُصحِّح هذا الخطأ، ويذكر أنّ مدّته كانت ثلاثةَ أيامٍ بلياليهن بعد الخروج من المحراب.
ثالثًا: يجدر التنويه إلى أنّ النصَّ الإنجيليَّ يجعل البشارة على لسان ملاكٍ واحدٍ، بينما النصَّ القرآنيَّ يقرُّ أنّ البشارة صدرت عن جمعٍ من الملائكة، كما قال تعالى: [فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ](آل عمران: 39).
رابعًا: نصُّ الإنجيل جعلَ التسمية بـ(يحيى) – أو (يوحنا) حسب النصِّ الإنجيلي – من اختيار زكريّا، على الرّغمِ من أنّ الملاك قد تنبّأ بها. أمّا النصُّ القرآنيُّ فقد صحَّح هذا الخطأ، وبيّن أنّ التسميةَ كانت من وحي الله إلى زكريّا، كما قال تعالى: [إِنَّا نُبَشّـِرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا](مريم: 7).
وعلى ضوء هذه المقارنة، يتّضح لنا، أن القرآن قد أدّى في تعقّبه للنصّ الإنجيلي مهمّتين أساسيتين:
الأولى: تصوير الواقعة تصويرًا دقيقًا، بالغ التفصيل، جديرًا بالتّصديق.
الثانية: تصحيح الأخطاء الواردة في النصِّ الإنجيلي المقارَن.
لقد أوضحتْ هذه المقارنة أن القرآن لم يقتبس جزءًا من الواقعة، فضلًا عن أنْ يقتبس الواقعة كلّها؛ بَلْ صوّرها تصويرًا دقيقًا، فسجّل كلّ حقائقها، وبيّن دقائقها، وعرضها عرضًا جديدًا، وربط بينها وبين وقائع محدّدة، كانت كالعِلّة الجامعة لها، والناظمة لمجرياتها.
ثمّ إنّ القرآن لم يقتصـر على هذا، بل قام بتصحيح كثيرٍ من الأخطاء الّتي وردت في النصّ الإنجيلي. وهذا لا يصدر عن ناقلٍ لا مصدر له سوى ما اقتبس منه، بَلْ يصدر عمّن له مصدره الخاص، ووسائله المستقلّة، بحيث يتجاوز كلّ الحواجز، ويُسجّل الواقعة من “مسرحها”.
وعليه، فإنّ كل مقارنة تُجرى بين القرآن الكريم وسائر الكتُب السّابقة، تُعدّ دليلًا جديدًا على نفي أنْ يكون شيء من القرآن مقتبَسًا من كتاب سابق عليه، وإنّما هو وحيٌ من عند الله، أوحاه إلى رسوله محمّد، خاتم النبيّين.
ومع ذلك، فإنّنا نقول: ليس هناك ما يمنع من وجود تشابه بين القرآن الكريم والكتُب السماويّة السّابقة، ولا سيّما في باب القصص، إذ إنّ القصّة أو الحادثة قد وقعت فعلًا، وأصبحت جزءًا من ذاكرة التاريخ، فلا يمكن إنكارها أو تجاهلها بحالٍ من الأحوال.
وأمّا ما ورد من أوجه التشابه في القرآن، كما في قوله تعالى: [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ](الأنبياء: 105). وما ورد في كتاب المزامير من قولهم: “الأبرار يرثون الأرض”، فإنّنا نقول: إنّ القرآن الكريم قد صـرّح بأنّ هذا الحكم مذكور في الزبور، ولم ينقله دون إشارة إلى مصدره، بَلْ نسبه صـراحةً إلى الزبور!
أمّا جوابُنا على دعوى أنّ الرّسول ﷺ كان يَعْلمُ القِراءةَ والكِتابةَ، بدليلِ خِطابِ القُرآنِ له بقوله تعالى: [ٱقْرَأْ](العلق:1)، فنقولُ: إنّ هذه الآيةَ ينبغي أن تُفهَمَ في ضوءِ سببِ نزولِها؛ فقد نزل بها جبريلُ – عليه السّلامُ – في بدايةِ الوحي، طالبًا من النبيّ ﷺ أنْ يتلوَ ما يُلْقيه عليه، لا أنْ يقرأَ من كتابٍ بين يدَيه. وقد دلّ على هذا ما ورد في الحديث الصّحيح عن سبب نزول الآية، حيث قال النبيُّ ﷺ:
“ما أنا بقارئ”، إذ لم يكن يدري ماذا يقرأ؟ ولا كيف يقرأ؟ ولا لمن يقرأ؟
فلا يمكن – بحالٍ – أنْ يكون المقصودُ بالقِراءة في هذه الحادثة: القِراءة من كتابٍ مكتوب، إذ لم يدفع جبريلُ إلى النبيّ ﷺ كتابًا ليقرأ منه، وإنّما أوحى إليه كلامًا مقولًا، فتلاه عليه، فقرأه النبيّ ﷺ بعده، عن وعيٍ وسَماع، لا عن قراءةٍ مكتوبة. فهذا الموقف لا يدلّ على قدرةٍ سابقةٍ على القراءة، بل على استقبالِ الوحيِ بطريقٍ جديد، لم يَعهده النبيُّ ﷺ من قبل.
ثُمّ إنَّ الاستدلالَ على نفي أميّةِ الرسول ﷺ من خلالِ ممارستِه للتجارة، ليس استدلالًا معتبرًا؛ إذ ليس من شـروطِ العملِ في التِّجارة وممارستِها أنْ يكون العاملُ فيها قارئًا كاتبًا، فالتجارةُ في أصلِها قائمةٌ على الأخذِ والعطاءِ والتبادل، وهذه أمورٌ لا تتوقّفُ على معرفةِ القراءةِ والكتابة، خاصّةً إذا علمنا أنّ ممارسةَ التجارةِ في عهدِ النبيّ ﷺ لم تكن على هذه الصُّورةِ من التعقيدِ، كما هي عليه اليوم، بَلْ كانت تِجارةً تقومُ في الغالب على المبادلةِ والمقايضةِ في سلعٍ معيّنة، وكان عنصـرُ المالِ فيها محدودَ الأهميّةِ والانتشار، مقارنةً بما هو عليه في العصر الحديث.
ثمّ لو كان محمّدٌ ﷺ غيرَ أميّ، لما خفي ذلك على قومِه، ولَكَذّبوه في وصفِ نفسه بالأمّي، ولم يُعرَف عنهم أنّهم أنكروا عليه ذلك، مع شِدّة عداوتهم له، وحِرْصهم على الطّعنِ فيه.
ولو كان محمدٌ ﷺ يقرأُ ويكتب، فإنّ شعراءَ قريشٍ وكبراءَها كانوا يقرؤون ويكتبون أيضًا، وقد وُجدوا قبلَ ميلادِه، فلماذا لم يأتوا بمثل هذا القرآن؟
ولماذا، حينَ تحدّاهم النبيُّ ﷺ أنْ يأتوا بمثله، لم يواجهوه بكلامٍ يُضاهي كلامه، لو كان ذلك في مقدورهم؟
بَلْ لقد أعجزهم القرآنُ في بلاغتِه، وحيّرتهم فصاحتُه، وأيقنوا أنّه ليسَ من كلام البشـر، فكان ذلك من أعظمِ دلائل نبوّته.
وأمّا القولُ بأنّ النبيّ ﷺ قد استعان ببحيرا الرّاهب في تأليف القرآن، فإنّ البحثَ التاريخيّ يثبتُ أنّ النبيَّ لم يلتقِ (بحيرا) إلّا مرّةً واحدة، وكان ذلك في صِغَره، في رحلته مع عمّه أبي طالب إلى الشّام، وكلّ ما ورد في الروايات الصّحيحة، أنّ بحيرا أوصى أبا طالب بأنْ يُعنى بابن أخيه، إذ سيكون له شأنٌ عظيم، ولم يُنقل عن هذا اللِّقاء أكثر من ذلك.
وأمّا ما يُروى بعد ذلك من مزاعمَ عن عَلاقتهما أو مجالساتٍ مستمرّة، فكلّها رواياتٌ لا سندَ لها من التّاريخ الموثوق، ولا تقوم بها حجّة([10]). يقولُ الشيخُ محمدُ الغزاليّ – رحمه الله – في كتابِه (فقه السّيرة): “ولا نجدُ في السُّننِ الصِّحاحِ أنباءً تصفُ هذه الرِّحلة – رحلةَ رسولِ الله ﷺ إلى الشّام برفقةِ عمّه أبي طالب.”
ويُعقّبُ قائلًا: “وسواءٌ صحّتْ قصّةُ (بَحيرى) هذه أم بطَلَت؛ فمن المقطوعِ به أنّها لم تُخلّف بعدها أثرًا، فلا محمّدٌ ﷺ تشوَّفَ للنبوّةِ أو استعدّ لها بكلامِ الراهب، ولا أصحابُ القافلةِ تذاكروا هذا الحديثَ أو أشاعوه؛ لقد طُويَت كأنْ لم تكن، ممّا يُرجّح استبعادَها.”
وهذا التعقيبُ من الشيخ الغزاليّ يُشكّل شهادةً علميّةً راجحةً على ضعف الرواية المتداوَلة في شأن لقاء النبيّ ﷺ ببحيرا، إذ لو كان لهذا اللِّقاء أثرٌ حقيقيّ في نفس النبيّ، أو صدًى في محيطه، لكان من البديهيّ أنْ يظهر أثره في سيرته أو يُتناقَل خبره، ولكنّ الوقائع تنفي ذلك تمامًا، ممّا يدعم القولَ بأنّ القصّة لا وزن لها في ميزان التّحقيق التاريخيّ، ولا في تقييم مصدر الوحي القرآنيّ([11]).
هذا العرضُ الموجزُ يُمثّلُ بيانًا لوظيفةِ القرآنِ الكريم، وهي الهيمنةُ والتصديقُ لما بين يديه من الكتبِ السّابقة، وكشفُ ما فيها من حقٍّ وبيانُه، وتصويبُ ما شابَها من خطإٍ أو انحراف.
وممّا لا شكَّ فيه، أنّ منزّلَ القرآنِ هو جلّ جلاله، هو نفسُه من أنزل التوراةَ والإنجيلَ، فمَا الضَّيْرُ – إذًا – أو ما المأخذُ في أن يُنقَل بعضُ الوحيِ الرَّبّاني في الكتابِ الخاتم؟!
بَلْ الّذي نراهُ أنّ هيمنةَ القرآن، وتصديقَه للكتُبِ السّابقة، هو إعجازٌ وبرهانٌ ودليلٌ قاطعٌ على أنّ القرآنَ الكريمَ إنّما هو من عند الله، الّذي أنزل الكتُبَ من قبل، بقدرتِه الكاملة على تمييزِ الحقِّ من الباطل، وبيانِ ما أُخفي أو حُرّف أو نُسـي، فكان القرآن مهيمنًا بشهادته، مُصدّقًا بوحيه، ومُعجِزًا في بَيانه.
وهذا يُؤَدِّي بدوره إلى أن تَكونَ بعضُ كلماتِ القرآنِ الكريمِ مأخوذةً أيضًا من لغاتِ الكتُبِ السّابقةِ، وذلك لأنَّ لغةَ القرآنِ هيَ اللغةُ العربيةُ، واللغةُ العربيةُ تَنتمي إلى ما يُسمَّى فصيلةَ اللّغاتِ السّاميةِ. وهوَ مصطلحٌ أطلقَهُ عالمُ اللاهوتِ الألمانيُّ النمساويُّ (شلوتزرُ)، في أواخرِ القرنِ الثامنِ عشـرَ الميلاديِّ، وتحديدًا في أبحاثِهِ وتحقيقاتِهِ عن الأممِ الغابرةِ عامَ 1781م، الّتي اهتمّت بالشّعُوبِ الآراميةِ والكنعانيةِ والفينيقيةِ والعبريةِ والعربيةِ واليمنيةِ والبابليةِ والآشوريةِ. وقد اقتبسَ المصطلحَ من (سِفرِ التكوينِ)، أولِ أسفارِ التوراةِ الخمسةِ.
فالسِّماتُ المشتركةُ بين اللّغاتِ السّاميةِ بارزةٌ في العربيةِ أكثرُ من غيرِها، إذ نشأت اللّغةُ العربيةُ ونمتْ وتميّزتْ فيها الأسماءُ والأفعالُ، وتكوّنتْ فيها معظمُ الاشتقاقاتِ والزياداتِ، وهي في الأصلِ تنتمي إلى أمِّها الساميةِ قبل أن تنفصلَ عن أخواتِها الكلدانيةِ والآراميةِ والفينيقيةِ والعبريةِ([12]).
وكمنهَجِنا، نرى أنَّ الأصلَ أنْ تكونَ هناكَ أمورٌ تتعلقُ بالإيمانِ يجبُ أن تكونَ موجودةً في الكتُبِ السابقةِ، مثلَ وجودِ اللهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ، والأصلُ في وجودِ الإنسانِ، وقصصِ الأنبياءِ والأقوامِ الغابرةِ. وقد رأينا أنّه إذا كانَ هناكَ انحرافٌ أو عدمُ دقّةٍ، فإنَّ القرآنَ الكريمَ يُصَدِّقُ الصحيحَ، ويُصحِّحُ الخطأَ.
[1] – حدثنا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد النحوي، ثنا ابن أبي طالب، ثنا وهب بن جرير بن حازم، ثنا أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب، يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: ” كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نؤلّف القرآن من الرقاع”. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرّجاه.
[2] – الكتاب: المدخل إلى علم السنن، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (٣٨٤ هـ – ٤٥٨ هـ)، اعتنى به وخرَّجَ نقُولَه: محمد عوامة، دار اليسر للنشر والتوزيع، القاهرة – جمهورية مصر العربية، دار المنهاج للنشر والتوزيع، بيروت – لبنان الطبعة الأولى، ١٤٣٧ هـ – ٢٠١٧ م.
[3] – الكتاب: دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (٣٨٤ – ٤٥٨ هـ)، وثق أصوله وخرج حديثه وعلق عليه: د عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ – ١٩٨٥ م.
[4] – المصدر السابق.
[5] – مثل: (الحرية والقومية والديمقراطية والاشتراكية والعروبية وعصر العلم وعالم الأدب والفن وحقوق المرأة وحقوق الإنسان وحقوق الطفل والأقليات والعنف والإرهاب).
[6] – دستور الأخلاق في القرآن، (ص: 8).
[7] – كولن هنري ولسون (26 يونيو 1931-5 ديسمبر 2013)، كاتب إنجليزي ولد في (ليسستر) في إنجلترا. نُظر إلى كولن ولسون، على أنه ينتمي إلى مجموعة “الشباب الغاضبين”، – وهم مجموعة من الشباب المثقف المتمرد قدموا عدة اعمال مسرحية في الخمسينات- رغم أن قليلاً جداً كان يربطه بهم من الناحية الفعلية.
[8] – ألكسيس كاريل (Alexis Carrel) كان طبيبًا جرّاحًا فرنسيا، ولد في 28 يونيو 1873 وتوفي في 5 نوفمبر 1944 في باريس، حصل على جائزة نوبل في الطب عام 1912. كان كاريل أيضاً عضواً في عديد من المؤسسات التعليمية في الولايات المتحدة الأمريكية، إسبانيا، روسيا، السويد، هولندا، بلجيكا، فرنسا، الفاتيكان، ألمانيا، إيطاليا، واليونان. كما حصل على الدكتوراة الفخرية من عدد من الجامعات مثل جامعة الملكة في بلفاست بأيرلندا الشمالية، جامعة برينستون، جامعة كاليفورنيا، جامعة نيويورك، جامعة براون، وجامعة كولومبيا – نيويورك.
[9] – ” إنجيل لوقا، الإصحاح الأول: (7- 22).
[10] – https://www.islamweb.net/ar/article/
[11] – فقه السيرة، بحيرا الراهب ص69.
[12] – اللغة العربية.. أصلها وتاريخها وعدد الناطقين بها https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2023/12/18
العدد ١٩٥ ǀ ربيع ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون