هذا العالم المليء بالتناقضات!
حين يتمعّن المرء فيما يجري في هذا العالم المليء بالتناقضات، يقف حائراً لا يدري ماذا يطلق عليه: عالم التفاهة، أم عالم التناقضات، أم عالم انعدام القيم، أم ماذا؟
– عالمٌ القويُّ فيه يشـرّع ويحكم ويقرّر حسب هواه، والضعيف يؤكل ويشـرّد ويباد بلا حول له ولا قوّة!
– عالمٌ أضحت العدالة فيه مجرّد شعارات، والقيمُ الإنسانية كبش فداء، والديمقراطية خبر كان!
– عالمٌ فيه نزواتُ نخبةٍ من الساسة المتعجرفين هي التي تدير دفّة الإدارة والحكم والقرارات المصيرية للشعوب!
– عالمٌ تنقلب فيه القوانين والمواثيق والاتفاقات؛ بين عشية وضحاها رأساً على عقب، وكأننا نعيش في غابة البقاء فيها للقويّ فحسب!
– عالمٌ يصبح فيه عدو الأمس صديقاً حميماً خلال ومضة عين، وربّما تحوّل صديق الأمس إلى نِدّ وغريم اليوم.
– هذا العالم الذي نعيش فيه، أضحت فيه المنظمات والمؤتمرات الدولية مجرّد غطاء لتحقيق مصالح بعض الدول، وأقصـى ما يمكن أن تتّفق عليها هذه المنظمات ربّما بيانَ إدانةٍ أو شجب أو استنكار (شديد اللهجة)!
– عالمنا يغتالُ القيم الإنسانية النبيلة؛ من صدقٍ ووفاء وتقدير واحترام، يوماً بعد يوم!
– قدَرُنا نحن أن نعيش في هذا العالم الذي تتبدّل فيه موازين الأمور حسب المصالح والنفوذ، ويتمّ فيه تعريف مفهوم حقوق الإنسان (وغيرها) وفق مزاج من بيدهم مقاليد السلطة!
– هذا العالم الذي يزداد فيه الأغنياء غنًى والفقراء فقراً، حلّه السحري الوحيد هو عقد الندوات والمؤتمرات، وتشكيل وإرسال الوفود، وكتابة تقارير في آلاف الصفحات!
وأخيراً، فإنّك حين تنظر إلى الحروب والدماء المسفوكة بغير حقّ هنا وهناك، وحين ترى ضحكات – وقهقهات – سادة العالم في اجتماعاتهم، أو تقرأ تقارير الصـرف والبذخ المبالغ فيه على عقد المؤتمرات، فإنك تضطر إلى أن ترى العالم بهذه السوداوية والقتامة، وحتى إذا لاح لك حسّ إنساني مرهف عند مفكّر، أو سمعت نداءً صادقاً من رجل دين هنا أو هناك، أو قرأت كتاباً لفيلسوف يخجلُ ممّا صنعه بعض الساسة بالبشـرية، فإن ذلك وفي خضمّ هذا الكمّ الهائل من الضيم والغبن والتناقضات يذوب شيئاً فشيئاً أمام ناظريك، حتى لا يترائى أمام عينيك سوى مشاهد التهجير والتقتيل والبؤس والشقاء!.. ترى هل بالغت، أم أن الواقع أتعس ممّا سطر قلمي عبر هذه الكلمات المفعمة بالآلام والأشجان؟
العدد ١٩٥ ǀ ربيع ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون