قصة واقعية بمناسبة رحيل الأستاذ أحمد حمد أمين.. الّذين حملونا بصمت
وجهٌ لا ينسى..
كان بيت أبو زينب هادئًا؛ تحمل جدرانه رائحة البيوت الّتي مرّت عليها سنوات طويلة من الصّبر أكثر مما مرّت عليها زينة الحياة.. دخلتُ وأنا أحمل فضول شاب لم يختبر الرِّجال بعد، ولم يكن في ذهني أنّ هذا اللِّقاء سيصنعُ خطًّا طويلًا في حياتي.
رأيته واقفًا عند الطّرف الآخر من الغرفة.
رجلٌ متوسط القامة، قمحِيُّ اللّون، ممتلئ الوجه، له ملامح صلبة لا تخلو من طمأنينة.. عيناه واسعتان، لكنهما لا تُسـرفان في الحركة، كأنهما تعلّمتا أنْ ترى كثيرًا وتقول قليلًا.. شعره الأسود، المشذّب بعناية، يلمع لا ترفًا، بَلْ انعكاسًا لنظام داخلي.
لم يتقدّم بسرعة، ولم يكثر من التحيّة.
ألقى السّلام بهدوء، وجلس، كأن الجلوس عنده فعلُ اتّزانٍ لا حركةٌ عابرة.
في تلك اللحظة شعرتُ أنّني أمامَ رجلٍ لا يُحبّ الظهور، لكن حضوره يفرض نفسه دون جهد.
ثمّ تكرّرت اللِّقاءات، وبدأ الخيط الخفيّ يشتدّ بيننا.
كنتُ أسأله كثيرًا: عن العملِ الإسلاميّ، عن الدّعوة، عن التَّجْرِبة، عن إخفاقاتها قبلَ نجاحاتها، وعن تاريخها في أربيل تحديدًا.
كان يستمع أكثر ممّا يتكلّم.
وحين يتكلّم، يختار كلماته كما يختار الجرّاح موضع المشرط؛ لا حماسة زائدة، ولا خطابة، ولا رغبة في الإقناع القسري.
كان يقول ما يعرفه، ويسكت عمّا لا يعرفه.
وتلك كانت أوّل دروسه لي: الصّمت أمانة، كما أنّ الكلام أمانة.
خمسة وأربعون عامًا مرّت، كأنّها شريط طويل من المشاهد المتداخلة:
أسفار مشتركة، اجتماعات طويلة، نقاشات تمتدُّ إلى ساعاتٍ متأخّرة من اللّيل.
رأيت فيه توليفة نادرة من الصِّفات:
سكون لا يعني برودًا،
وحزم لا يتحوّل إلى قسوة،
وتواضع لا يُنقص من الهيبة شيئًا.
كان قلبه نظيفًا من الضغينة.
حتّى الّذين آذوه، لم أرَ في حديثه عنهم مرارة.
كان يعفو ويسمح، لا لأنّه نسي، بَلْ لأنّه فَهِمَ أنّ الأذى والانتقام غالبًا لغة العاجزين.
كان يؤمن أنّ القيمة في العمل لا في الموقع.
تولّى مسؤولياتٍ كبيرة، ثمّ خلا منها، ولم يتغيّر فيه شيء.
الحضور ذاته، الجديّة ذاتها، والاستعداد ذاته للبذل، وكأنّ المناصبَ لم تكن إلّا تفصيلًا عابرًا.
* * *
حينَ كنتُ في السجن، جاءني.
رأيته من خلف الزجاج، وكانت المسافة بيننا أكبر من المسافة الماديّة.
نظر إليّ طويلًا.
لم يقل كثيرًا.
كان في عينيه ألم حاول أنْ يخفيه.
لم ينظر إليّ كمسؤول لتابع، بَلْ كأبٍ يرى ابنه محاصرًا بألمٍ لا يستحقّه.
في تلك الزِّيارة، شعرت لأوّل وهلة أنني أنا الّذي أثقلت قلبه.
بعدها، ظلّ وجهه عالقًا في ذاكرتي.
لم يكن الزّجاج وحده ما يفصلنا يومها، بَلْ إحساسٌ ثقيل بأنّ بعضَ الرِّجال يتألّمون أكثر حين يعجزون عن الفعل.
كنتُ أنا خلف الزّجاج، وهو خارجه.
أنا المحاصـر بالجُدْرانِ، وهو المحاصـر بالعجز.
لم يقل كثيرًا، لكن نظرته يومها كانت وعدًا صامتًا:
إنْ خرجتَ يومًا ضعيفًا، مراقباً، مطارداً.. ستجدني واقفًا معک، لا أتخلّی عنک مهما کان..
مرّت السّنواتُ، وخرجتُ من السِّجن، لكن تلك النّظرة لم تخرج من داخلي.
كانت تعود كلّما ضاق صَدْري، وكلّما شعرتُ أنّ الجسدَ يخذل صاحبه ببطء.
لم أكن أدري أنّ الزمن كان يهيّئني لمشهدٍ معاكس،
مشهد لا أكون فيه خلف الزّجاج،
بَلْ واقفًا أمام بابه، أحمل الخوف ذاته.. ولكن هذه المرّة في صدري.
* * *
حين قرّرتُ السّفرَ إلى (طهران)، عاد ذلك الزّجاج إلى ذاكرتي.
لم يكن زجاج السجن هذه المرّة، بل زجاج الخوف الّذي يفصل الإنسان عن طمأنينته حين يضعف جسده.
كما رآني يومًا محبوسًا خلفَ الجُدْران،
كنتُ أراه الآن واقفًا في داخلي،
وأنا المحاصر بضيق النفس، وبأسئلةٍ لا جوابَ لها.
لهذا، لم تذهب قدماي أوّلًا إلى المستشفى، بَلْ ذهبتُ إليه.
جاء المرض بهدوء، ثم استقرّ..
توسّع القصبات لم يكن اسمًا في تقرير طبي، بَلْ ضيقًا دائمًا في الصّدْر، وقلقًا يتسلّل مع كلّ نَفَس.
حينَ قرّرتُ السّفرَ إلى طهران، لم يكن القرارُ طبيّاً فقط.
كان خوفًا قديمًا استيقظ، خوفًا من الفقد، ومن المجهول، ومن أنْ لا أعود كما ذهبت.
وهكذا قادني قلبي إلى بيته..
لم أذهب طالبَ رأيٍ، أو لمناقشة السّفر والعمليّة الجراحيّة، بَلْ طالبَ طمأنينة.
كان البيت صامتًا كما عهدته، كأنّهُ تعلّمَ الصّبر من ساكنيه.
نهض ببطء حين رآني، وتقدّم بخطواتٍ تثقلها السِّنين، لكن وجهه كان مضيئًا بنقاء الحكمة.
حين صافحته، شعرتُ أنّني أمسك سندًا، لا يدًا.
قلت: استودعك الله.
كلمة قصيرة، لكنّها خرجت مثقلة بالخوف.
عندها رأيت الدّموع.
دموع لم تكن ضعفًا، بَلْ خوفَ أبٍ على ابنه في طريقٍ مجهول.
حاول أنْ يخفيها، ابتسمَ، شدّ على يدي كأنّهُ يقول: لا تخف.
مسحها سريعًا، لا خجلًا، بَلْ رحمة بي.
ثمّ دعا..
دعاءً لم يُسْمع، بَلْ أُحسست به.
ارتعاش خفيف تسلّل إلى القَلْب، وأراح الرّوح قبلَ الجسد.
في تلك اللّحظة فَهِمْتُ نفسي:
لم أكن أخاف الجراحة،
بَلْ أخافُ أنْ أفقد هذا الحبّ والحنان.. هذا النّوع النادر من البشر..
أولئك الّذين يحبّونك في صَمْت،
ويمسكونك من الدّاخل كي لا تنكسر..
غادرتُ بيته، وفي صدري شيئان:
خوف المرض، وقوّة الدُّعاء.
وكانت دموع الأستاذ أحمد، الصّامتة الهادئة،
أبلغ من ألف وصيّة،
وأعمق من ألف خِطاب.
كانت تقول لي دون صوت:
اذهب.. ولا تخف..
فهنا من ينتظرك بالدُّعاء لا بالقلق،وبالمحبّة لا بالخوف.
العدد ١٩٥ ǀ ربيع ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون