شعراء من واحة الأدب الإسلامي
في ميادين العلوم والمعارف يحتاج القارئ إلى روضة يفيئ إليها ليتّقي رمضاء الحرّ في الصّيف، ويستدفئ من البرد القارص في الشِّتاء، أو ليستظلّ بفيء شجرة في الصّحراء.. ويكون له هذا في ظلال الأدب والشعر..
كنت في عام 2001 قد جمعت – مع إخوة لي أعضاء قسم اللغة العربية بالجامعة الإسلاميّة العالمية – عدداً طيّبًا من تراجم الأدباء من أرجاء العالم الإسلامي الواسع، وأصدرناها في كتاب بعنوان: تراجم مختارة للأدباء الإسلاميين في القرن العشـرين([1]). واليوم بعد ربع قرن على إصدار ذلك الكتاب، تتيح لي مجلة الحوار الفصليّة التعريف بهؤلاء مرّة أخرى، مع لمسات فنية عنهم..
سيكون التعريف بأديبين أو شاعرين وفق معيار تميّز الشاعرية، فضلاً عن الاستئناس ببعض الأمثلة من نتاجهم الأدبي، في حدود المتاح ممّا بين يدي..
وهذه الاختيارات تأتي عن أدباء بعضهم ما يزال حيّاً، وقد يعتريها النقص والخطأ في بعض مفاصلها، فسيكون من دواعي سـروري الاستدراك عليّ بشكل مباشـر أو غير مباشر، ورحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي.. سيكون التعريف في لقائنا بأديبين من (إندنويسيا)، ومن (ماليزيا)؛ هما: توفيق إسماعيل، وشحنون أحمد.
توفيق إسماعيل
حياته:
هذا الشاعر الإندونيسي المسلم الملتزم يعدّ من الشعراء المشهورين في (إندونيسيا) خاصة.. ولد عام 1937م في منطقة مينجكابو (Minang Kabau)، ولكنّه ترعرع في (جاكرتا) عاصمة إندونيسيا.. تخرّج بدرجة امتياز في مجال الطبِّ البيطري، ولكنّه لم يمارس هذه المهنة طول حياته.. وقد بدأت شهرته في الأدب منذ عام 1966م، حينما ارتفعت مكانة ديوانه الشعريّ بعنوان “ظالم” (Tirani) في ساحة الأدب الإندونيسي، ثمّ أصبحت شهرته أكثر فأكثر بعد إصداره لديوان “السور” (Benteng).. وهو في الجمع بين الشاعريّة والطبّ يُشبه الشّاعر السوري عمر خلوف، مع الفارق.
وكان يرأس لجنة التعليم الأدبي في (جاكرتا) من عام 1973م إلى 1978، ونشـرت كتاباته في مجلات عديدة مثل (هوريس= (Horison ، وديوان (كسنين جاكرتا = (Dewan Kesenian Jakarta)، بدءاً من عام 1966م.. وقد منح درجة الأديب الوطني الإندونيسـي في عام 1970م، ودرجة نجم ضيافة الثقافة من أستراليا، وكذلك درجة نجم الكتاب (SEA Write Award) في عام 1994م.. ثمّ حصل على هدية كتابة الأدب الإبداعي من مركز اللّغة الإندونسية في عام 1994م، وأصبح شاعراً زائراً لجامعة (إيوا) الأمريكية (Iowa (University of America، وفي الوقت نفسه مبدعاً زائراً لديوان بهاسا دان بستاكا (مجمع اللّغة الملايوية في ماليزيا).
أعماله:
وله دواوين أخرى غير ديوان “ظالم” (Tirani)، وديوان “السور” (Benteng)، السّابق ذكرهما؛ ومنها:
1 – ديوان “الأشعار الوحشية” (Puisi-puisi Sepi)، الّذي طبع في عام 1970م.
2 – وديوان “شعر حديقة الذرة” (Sajak Ladang Jagong)، عام 1973م. [2]
وقد أجاد في الشعر والترجمة.. وله ثمانية دواوين شعريّة، وقد ترجم كتاب محمّد إقبال: تجديد الفكر الديني في الإسلام (The Reconstruction of Religious Thought in Islam) من الفارسية إلى الإندونيسية.. ومن خلال المتابعة لشخصيته الشعريّة؛ نجد أنّه رجل واعٍ يُدْرِك الواقع، بَلْ يتفاعل مع سجلات التاريخ والأحداث.. ومن هذا المنطلق نفهم لماذا انطلق لسانه وكتب كتابه بعنوان: (أستحي أنْ أكون إندونيسياً)، ونال جائزة الفنون من الحكومة (1970)، وجائزة الزيارة الثقافية من الحكومة الأسترالية (1977)، وجائزة الكتابة لجنوب شرق آسيا من مملكة تايلاند (1994)، وجائزة الكتابة الأدبية من مركز اللغات (1994). كما شغل منصب شاعر زائر مرّتين في جامعة أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية (1971-1972 و1991-1992)، وكاتب زائر في مجلس اللّغة والأدب بكوالالمبور (1993).
وفي عام 2003، حصل توفيق إسماعيل على الدكتوراه الفخرية من جامعة (يوجياكارتا) الحكومية. – وقام وزير الثقافة (فالدلي زون) بإعادة تنشيط منزل توفيق إسماعيل في (بادانغ بانجانغ)، في 24/ 1/ 2026، والتأكيد على وظيفة هذه المساحة الأدبية الّتي أسست منذ عام 2008 متحفًا أدبيّا إندونيسيّا، كما هو مركز توثيق للعمل والتاريخ التاريخي للثقافة الوطنية([3]).
خصائصه الفنيّة:
شاعرٌ غزيرُ النتاج، ترك ثروةٍ شعريّة وافِرة.. وقد اتّسمَتْ أشعاره قبل عام 1970م بطابعٍ جادٍّ رصين، في حين اتّجه في المرحلةِ اللّاحِقة إلى قَدْرٍ من الفكاهة وظرافة التّعبير.. لِذا يعدُّ من الأدباء النّاجحين في تصوير الحقائق، والواقع الاجتماعيّ، فضلاً عن تجسيد واقعيّة الحياة الإنسانيّة بأسلوبٍ أدبيّ جميل، وهو ما يتجلّى بوضوح في شعره (Membajak kembali) العودة إلى المحراث”، حيث تتداخل المعاني والمشاعر بين الشعور بالآلام واللّذة الجماليّة في آن واحد.. ومن أشعاره الإسلاميّة العظيمة قصيدته “سجّادة طويلة”، الّتي أكثر فيها من الرؤى الإيمانية، وقد حاول الأديب أحمد مصطفى بشـري، في مجلة الأدب الإسلامي، إعطاء إضفاءاتٍ موحية لما تضمّنه هذا الشعر العظيم من المعاني الأدبية والتصويرات الفنية، كما قدّم محمد شلال الحناحنة تحليلًا طريفًا للقصيدة([4]).
أنموذج من شعره:
سجادة طويلة ([5])
ثمة سجّادة طويلة مفروشة
من قاعدة المهد
إلى حافة قبري القادم
ثمة سجّادة طويلة مفروشة
أركع وأسجد عليها!
يتخلّل فيها رزق وعلم
وأقدّر مسافة الشوارع يوميّاً
وفور ما أسمع الأذان
أعود لأخرّ ساجداً
ثمة سجّادة طويلة مفروشة
أخضع وأركع وأسجد
ولا تنفكّ جبهتي لاصقة بها
ويبقى لساني رطباً
يذكرك يا ربّ!
محمد حاج صالح
حياته:
ولد في يوم 26 مارس من عام 1942م في محافظة تيفيج (Taiping)، الّتي تقع في ولاية بيراق (Perak)دار التعظيم.. بدأ حياته المدرسيّة الأوّلية في المدرسة العالية (بوكيت مرتجم) (Sekolah Bukit ertajam)، ثمّ واصل الدِّراسة في معهد الملايو بـ(كوالا كنسر) (Maktab Melayu Kuala Kangsar)، وبعدها التحق بمعهد المعلّمين الماليزيين في مدينة (برنسفاد لوج) بالمملكة المتحدة (Malayan Teachers College, Brinsford Lodge, England) .. وبعد فترة من مسيرة الحياة، وممارسة المهنة التعليمية، لم تقتنع نفسه بما لديه من العلوم والمعارف، لهذا استمرّ في التعلّم إلى أنِ التحقَ بجامعة (ملايا) بسنغافورة (University of Malaya in Singapore)، ليحصل على درجة البكالوريوس في الأدب الملايوي، ثمّ الماجستير من الجامعة نفسها في عام 1970م.
ولم يتوقّف عند هذه المرحلة العلميّة، وإنّما واصل دراسته، وارتحل من أجلها إلى جامعة (ميشكان) بأمريكا (Michigan University, USA.)، وقد حصل على درجة الدكتوراه من تلك الجامعة في عام 1973.. ثمّ منح درجة أستاذ زائر من قبل (فبراك-هيس) (Fulbright-Hays) في عام 1977م، ومارس التدريس في جامعة منطقة شمال كرولينا بأمريكا (North Carolina State University).. وفي عام 1978م حصل على درجة الأستاذية في الأدب الماليزي، ثمّ منح جائزة الأديب الوطني في 1991م([6]).. وقد عيّن رئيساً لاتحاد المترجمين الماليزيين بين عامي 1978-1982([7]).
أعماله:
أكثر أعماله الأدبيّة تتركّز في الشعر؛ ومن أشهرها:
1-“أشعار المهاجرين” (Sajak-sajak pendatang)، ديوان ط. عام 1973م ، المجمع اللغوي – كوالا لمبور.
2- “هذه أيضاً من دنياي” (Ini juga duniaku)، ديوان شعر، ط. أوتوسن، عام 1977م.
3- “ملامح جنوب شرقي” ( Watak Tenggara )، ديوان.
4- وله ديوان مشترك مع شمس الدِّين جعفر، ووهب علي، بعنوان: “الصياحات الّتي تشقّ الصياحات” (Gema membelah gema)، ط. عام 1974م([8]).
5- قصيدة “اتجاهه”(Arahnya) ، المشهورة.
خصائصه الفنية:
يعدُّ من الشعراء المبدعين الغزيري النتاج، وله أسلوبٌ متميِّز يختلفُ عن غيره، ويغلبُ على شعره أسلوب الحوار الطبيعيّ، وقد يُفاجئ القارئ أحياناً بألفاظٍ تبدو حادّة أو غريبة عن النسقِ الشعريّ، والنَّفَس الأدبيّ، غير أنّ القارئ بعد إتمامِ قراءة الشِّعرِ كلِّه؛ يكتشفُ عُمقاً لافتاً في المعاني والأفكار، وتتجلّى أمامه شخصيّة الشاعر الذكيّ المتميّز بين أقرانِه من الشُّعراء([9]).
وفضلاً عن كل ذلك، فهو يعدّ من المؤسّسين لما يُسمَّى بالأدب الإسلامي في ماليزيا (Sastera Islam Malaysia)، ومن خصائص أشعاره أنّها تدعو الإنسان القارئ إلى التأمّل في الكون والحياة، وملاحظة الواقع، والتفكّر في النفس، والاستفادة من التعاليم الإسلاميّة.. ويعبّر عن تلك المعاني والحقائق من خلال استغلاله لعناصر الكون والوجود الواقعي الملموس، وتصويرهما بوصفها أشياء حيّة متحرِّكة، كما تلاحظ من قصيدة بعنوان “اتجاهه” (Arahnya)، حيثُ يرى الشّاعِر بعدَ تصويره للكون أنّ كلَّ ما في الكون يعرف اتجاهه، ومسار حياته، ويلتزمها، ولكن يتساءل الشّاعر: وكيفَ بالإنسان؟ ومن هنا يدّعي أنّه لا بُدَّ لكلِّ إنسانٍ أنْ يعرف اتجاهه في هذه الحياة، ويلتزمه في كلِّ مساره وسلوكه([10]).
هذا الأديب يعدُّ من أصغر الأدباء عمراً ممّن حصل على أعلى جائزة أدبيّة ماليزيّة، ويعدّ كذلك من أكثرهم جدلاً ومناظرة؛ من ناحية التمسُّك بالمثاليّة الأخلاقيّة، وكذلك من ناحية الأساليب الأدبيّة ([11]).
أنموذج من شعره:
نستعرضُ فيما يأتي مقطعاً مختاراً من تعابيره الفنيّة في قصيدة “الصباح”، المنشورة في ديوان “ملامح جنوب شرقي”.
“صباح يطعن الخد
أغمضت العين مرّة أخرى
لتحصين الحلم العظيم
الّذي حطّمه المهرّج
ويعود ليُصْبِح
قطاّع عمود عظيم
يختار لحوم الغابات
لأقرب بيت
الّتي مرّت به الأزمان…
* بطاقة تعريف:
الأستاذ الدكتور منجد مصطفى بهجت، ولـد في مدينة كركوك عام 1947، وأنهى تعليمه المدرسي في أربيل عام 1964. التحق بجامعة بغداد، وحصل منها على شهادة البكالوريوس في اللّغة العربيّة سنة 1968، وعلى الماجستير من جامعة الأزهر عام 1973، وأعقبها بالدكتوراه من الجامعة نفسها عام 1982.
* عمل مدرِّساً بجامعة الموصل ابتداءً من عام 1976، واستمرّ بالعمل فيها، ونال درجة الأستاذية عام 1990.
* اضطرّ لمغادرة العراق عام 1992، إلى اليمن، حيثُ عمل في جامعة صنعاء، واستمرّ بها حتى عام 1994. انتقل بعد ذلك إلى ماليزيا؛ ليعمل محاضراً في الجامعة الإسلامية العالمية.
* مؤلفاته وتحقيقاته: ومن أشهر كتبه:
– الاتجاه الإسلامي في الشعر الأندلسـي في عهدي ملوك الطوائف والمرابطين.
– الأدب الأندلسـي من الفتح حتى سقوط غرناطة.
– تراجم مختارة للأدباء الإسلاميين في القرن العشـرين.
– أعلام نساء الأندلس.
– النقد السياسي والاجتماعي في شعر الرصافي.
– اللغة العربية وتعليمها للناطقين بغيرها – تنمية اللغة والأدب.
– الإسلامية في الأدب والنقد.
– دراسات مقارنة بين العربية والملايوية.
[1] – لا بدّ أن أنوّه بأسماء الدكاترة الفضلاء الّذين شاركوني مهمّة إعداد الكتاب، وهم خمسة: أحمد شيخ عبد السلام من (نيجيريا)، وأماني محمد سليمان، وعلاء حسني المزين من (مصر)، وعوض الله الداروتي من (السودان)، ومحمّد الباقر من (ماليزيا)، وقد تولّيت تحرير الكتاب بصيغته الأخيرة.. وكان من توفيق الله علينا أنّنا تمكنّا من التعريف بأكثر من مائة شاعر أو أديب يمثّلون خارطة العالم الإسلامي من واحد وعشرين بلداً، كلّهم كتب بلغة القرآن الكريم، بعضهم كتب بها وهي لسانه، وآخرون لأنّها لسان القرآن الكريم.
[2] . Teeuw Membaca dan Menilai Sastera, Jakarta; Gramedia (1979:131-5).
[3] ساعد في التعريف بالشاعر د. محمّد الباقر، ومراسل الجزيرة صهيب الجاسم، فشكراً لهما.
[4] محمد شلال الحناحنة، مجلة المجتمع 1421:50.
[5] ترجمة أحمد مصطفى بشري، مجلة الأدب الإسلامي 17/15.
[6]. (Dewan Sastera 1998:61; Baha Zain 1991:xix).
[7] (Jambak 4:43). Ahmad Kamal Abdullah, & Zaiton Ajamain (Eds.). (1995).
Jambak 4: Proses kreatif pengarang Melayu. Kuala Lumpur: Dewan Bahasa dan Pustaka
[8] . Safian Hussain, Siti Aisah, Fadzil Agussallim, 1985, Bibliografi Sastera Melayu Moden, Dewan Pustaka: Kuala Lumpur, p. 117.
[9] . Jambak (4:69-70).
[10] . (Abdul Rahman Mana Sikana1983, Aliran Dalam Sastera Melayu, Utusn Publication: Kuala Lumpur: 53-4.).
[11] Muhammad Hj. Salleh 1987, “Belajar dan Gelisha Dunia: Sasterawan Sebagai Penterjemah” dim. Perkembangan Sastera Kebangsaan, Dewan Bahasa dan Pustaka: Kuala Lumpur, p. 65; N. Sidin A. Ishak 1992, Keterampilan Menulis, Dewan Bahasa dan Pustaka: Kuala Lumpur, p. 60.
العدد ١٩٥ ǀ ربيع ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون