حول الإسلام الكوردي

منذ سنوات، يجري في إقليم كوردستان طرح موضوع تحت مسمّى (الإسلام الكوردي)، مع الدعوة الى ضـرورة العودة الى ذلك الإسلام الذي حمله كبار العلماء، ومشايخ الطرق، والشعراء المعروفون من أبناء شعبنا. وفي هذا السياق، تطرح هنا وهناك بعض النقاشات والآراء، بل وربما ترفع شعارات بهذا الاتجاه.

 ومن الواضح أن هذه الطروحات تصدر في الغالب عن عدد من المثقفين والكتاب، ممّن قد تختلف خلفياتهم الفكرية والإيديولوجية بين الإسلامية والعلمانية.. ولا شكّ أنّ الشّعبَ الكورديَّ، بوصفه شعباً مسلماً حيّاً في هذه المنطقة، كان له – عبر أربعة عشـر قرناً من دخول الإسلام-؛ دورٌ بارزٌ وفعالّ في بناء الحضارة الإسلاميّة وإثرائها. كما لا يمكن إنكار أنّه لا يزال عدد من العلماء الأجلاء – في مختلف مناطق كوردستان، وحتى اليوم – يؤدون أدواراً قيادية دينية وسياسية، ولهم تأثير كبير في جماهير شعبنا.

ومن المعروف – من جهةٍ أخرى -، أنّ الغالبية العظمى من علماء الدِّين في مجتمعنا ينتمون من الناحية الفقهيّة الى مذهب الإمام الشافعيّ، كما ينتمون في الجانب الصوفي إلى طريقتي القادرية والنقشبندية، ومن الثابت أيضاً أنّ أئمة ومراجع هذه المذاهب الفقهيّة والطرق الصوفيّة؛ كانوا من خارج كوردستان؛ فالإمام الشافعي القرشيّ الغزيّ المولد، عاش في بغداد، وتوفّي في مصـر، وقد وصل مذهبه إلى كوردستان عبر علماء كورد.. وكذلك، فإنّ الطريقة القادريّة تعود إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني الّذي عاش في بغداد وتوفّي فيها. أمّا الطريقة النقشبندية، فتعود إلى الشيخ محمّد بهاء الدِّين، المعروف بشاه نقشبند، وهو من (بخارى)، وقد نقلها إلى كوردستان كلٌّ من مولانا خالد الشهرزوري، والشيخ عبيد الله النهري، بعد أنْ تلقياها عن الشيخ عبد الله الدهلوي.. وهذا يعني أنّ هذه المدارس الفقهيّة والطرق الدينيّة الّتي استقرّت في كوردستان، نشأت في الأصل في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، ثمّ انتقلت لاحِقاً إلى كوردستان.. وهذا أمر طبيعي؛ لأنّ الإسلامَ دينٌ عالمي، جاء لجميع الشعوب وفي كل الأزمنة.. كما أنّه من الصّحيح أنّ كُلَّ عصـرٍ يحتاج إلى اجتهاد وتجديد، فقد ورد في الحديث النبوي الشريف: إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مائة سنة من يجدّد لها دينها.. وانطلاقاً من هذا المعنى، فإنّ العلماء – في مختلف العصور – يقدّمون مشاريع واجتهادات جديدة لتجديد الالتزام بالإسلام، ومعالجة مشكلات المجتمعات المسلمة.

وفي هذا السِّياق، يقول الشيخ سعيد النورسي: لو كنت في زمن مولانا جلال الدِّين الرومي لكتبت “المثنوي”، ولو كان الرومي في زماننا لكتب “رسائل النور”؛ لأنّ لكلِّ عصـر منهجه الخاص، وأسلوبه الملائم. ومن المهم الإشارة هنا إلى أنّ مشايخ الطرق الصوفيّة، كالقادرية والنقشبندية وغيرهما، قد أسّسوا طرقهم في زمن لم يكن فيه العالم الإسلامي يعاني من فراغ سياسي على المستوى الدولي، إذ كانت الـدولة العثمانيّة تمثّل الكيان السياسي الجامع للمسلمين، على الرّغم ممّا كان فيها من مظالم ونواقص. وفي ظلّ تلك الـدولة، ركّز العلماء على العلوم الشـرعيّة، والتربية الرُّوحيّة الأخلاقيّة. لكن بعد سقوط الدولة العثمانيّة في أعقاب الحرب العالميّة الأولى، وفي بدايات القرن العشـرين، ظهر لأوّل مرة فراغ سياسي كبير في العالم الإسلامي، خاصّة مع احتلال معظم البلدان الإسلاميّة من قبل القوى الأوروبيّة الاستعمارية، وتقسيم الشعوب المسلمة، ولا سيّما الشعب الكوردي، بين أنظمة قوميّة استبداديّة.

وفي تلك المرحلة الصّعبة، برز عددٌ من العلماء والمصلحين الّذين قدّموا اجتهاداتٍ جديدةً لمعالجة هذا الواقع، مثل جمال الدين الأفغاني، والشّيخ محمد عبده، ثمّ حسن البنّا في مصـر، وكذلك سعيد النورسي في كوردستان تركيا، وأبو الأعلى المودودي في باكستان، وغيرهم من روّاد الإصلاح في العالم الإسلامي.. والحالة الإسلاميّة الرّاهنة في العالم الإسلامي، ومنها كوردستان؛ هي ثمرة تلك الاجتهادات. وهذه الجهود ليسَتْ قطيعة مع التراث، بَلْ هي امتداد له، ولكن بصيغة تناسب متطلبات العصـر، وتعالج مشكلات الواقع، دون أنْ تُهدِّد هُويّة المجتمع وثقافته، بَلْ تحافظ على القِيَم الأصيلة، وتُعزِّز قدرة المجتمع على مواجهة العادات الدخيلة.

ومن جانب آخر، ينبغي التأكيد على أنّ الإسلام، على الرّعم من كونه ديناً عالمياً، يحترم الهُويّات القوميّة والثقافات الخاصّة بالشعوب، ولا يسعى إلى طَمْسها. ولذلك استطاعت الشعوب المسلمة، عبر التاريخ، الحفاظ على خصوصياتها الثقافيّة؛ لأنّ الإسلام يكمّل القيم الإنسانيّة الأصيلة ولا يلغيها.

ومن هنا، قد يبدو الإسلام في كلِّ مجتمع وكأنّه خاصٌّ بذلك المجتمع؛ بسبب مرونته وقدرته على التفاعل مع المتغيّرات، دون أنْ يمسّ ثوابته. فالإسلام في جوهره واحد، لم يتغيّر عبر الزمان والمكان. وبناءً على ذلك، فإنّ تقسيم الإسلام إلى (إسلام كوردي)، أو (عربي)، أو (تركي)، ونحو ذلك، هو طرحٌ غير صحيح، ولا يستند إلى أساسٍ علمي أو منطقي.

العدد ١٩٥ ǀ ربيع ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى