بروجيريا التعليم العالي
هذه خواطر عن واقع ملموس تعانيه الجامعات العراقية، وهي الحاضنة لما يسمّى بالتعليم العالي والبحث العلمي، والّذي من المفروض أنْ يكون رائداً في مجاله، ولكن الواقع غير ذلك تماماً، حيث يعاني هذا التعليم تدهوراً سريعاً في معظم جوانبه، وذلك منذ تدخّلت السِّياسة في مفاصله في بدايات سبعينيات القرن الماضي، وزاد في الطين بلّةً حربُ الثمانينيات، وحصار التسعينيات، وتشتت مراكز التأثير بعد الاحتلال، والمركزيّة في إدارته، ممّا جعل مؤسّساته مقيّدة بالبيروقراطية القاتمة، ناهيك عن هجرة كفاءات كثيرة خارج البلاد.
والبروجيريا (progeria)، هي مرضُ الشيخوخة المبكّرة، يصابُ بها الأطفال والشباب، حيثُ تبدو على ملامحهم الشّيخوخة، ثمّ العجز عن أداء مهمّات من المفروض أنّهم يستطيعون أداءها، ومن ثَمَّ يكون الموت إليهم أقرب من الحياة.. وهكذا، فمعظم جامعاتنا في عزّ شبابها، ولكنها عاجزة عن أداء ما هو مطلوب منها كمؤسّسات بحثية رائدة تعمل على تخريج كفاءات معتبرة في خدمة المجتمع وقيادته.
فنحن نفتقد للتخطيط المبرمج القائم على أسسٍ علميّة في كل مجالات الحياة، فانعكس ذلك على جامعاتنا، والعكس صحيح أيضاً؛ وعليه صار تخلّف التعليم العالي جزءاً من تخلّفنا العام في مجالات الحياة.
فمثلاً عندما أطلق الاتحاد السوفيتي أوّل قمر صناعي عام (1957)، أفاقت الولايات المتحدة بواسطة جامعاتها ومراكز بحوثها، لوضع برنامج فضائي يصلون به للقمر خلال عشـر سنوات، وكان ذلك.. أي إنّ روح التحدِّي والشّباب كانت في معترك هذه الجامعات من خلال بحوث علمية تسندها مختبرات متقدّمة، وهذا ينطبق على المجالات العلميّة والإنسانيّة كافّة؛ حيث تكون الجامعات لولب الحركة والبحث والدِّراسة.
وبالتأكيد فنحن لا نريد الوصول للفضاء، ولكن نريد خريجين من جميع الاختصاصات يعرفون ما يدرسون، ويطبّقونه بشكل صحيح، كل حسب اختصاصه، ويتعلّمون معنى الالتزام الحرفي في البحث عن وظائف وفرص عمل تناسبهم، ولا يكتفون بتمضية زهرة شبابهم دون هدف واضح في حياتهم، ولا نكتفي بوصفهم على الطريقة الّتي تعوّدنا سماعها منذ عدّة عقود في أنّهم أبطال، وأنّهم أمل الأمة، في حين أنّهم لا يجدون غير الأبواب المقفلة في وجوههم عند تخرّجهم، ممّا يسبّب إحباطاً متزايداً لديهم تجاه الدِّراسة وما تتطلبه من جديّة.
إنّ التّعليمَ بصُورةٍ عامّة، والتعليم العالي والبحث العلمي الرّصين بوجه الخصوص، هو الباب الصّحيح نحو تحسين كلّ مجالات الحياة؛ وبوجود سلطة نافذة، وغياب الفساد، والإخلاص للوطن.. ولكنّنا – مع الأسف – خارج هذه المعادلة..
وهذا الكلام تؤيّده تجارِب الأمم الخارجة من دمار الحروب؛ مثل ألمانيا واليابان، حيث لم تتغيّر نظم التعليم فيها، بَلْ صارت متطوّرة يحتذى بها في العالم كلّه، واستطاعوا شقّ طريقهم ليكونوا بين مصافّ الأمم المتقدِّمة، وبالاعتماد على النفس.
وفي دراسة للأستاذ الدكتور عقيل عبد ياسين، يقول فيها بأنّ التّعليم العالي في العراق شهد تدهوراً واضحاً على جميع الأصعدة، ممّا أدى إلى خروج الجامعات العراقيّة من مؤسّسات التصنيف العالمي، أو احتلالها لمراكز في ذيل القائمة.
ففي الأعوام الأخيرة شهدنا عزوفاً كبيراً عن التعليم التقني والهندسي والزراعي بشكلٍ لا مثيل له، حتّى إنّ كليّة عريقة مثل كلية الزراعة في جامعة الموصل، والّتي تحتوي على أكثر من عشرة أقسام، أضحت لا تقبل إلّا عدداً من الطلاب يزيد عن عدد أصابع اليدين بقليل؛ وكلية زراعية تقنية أخرى لا تقبل إلّا طالبين، وكثير من الأقسام في بعض الكليّات ينطبق عليها الأمر ذاته.. وهذا لا يعني إلّا تآكل بعض الاختصاصات واندثارها.
في حين يشهد القطاع الطبي إقبالاً لا نظير له؛ بسبب ضمان العيش والوظيفة.. وهذا خللٌ رهيبٌ في المعادلة، لا تبدو في الآفاق صور واضحة لحلّه، خصوصاً بعد ازدياد الجامعات والكليّات الخاصّة في هذا المجال.. والحقيقة الّتي لا جِدالَ حولها أنّ البيروقراطية القاتلة في اختيار الكادر التدريسـي للجامعات، ومن يقومون بالتخطيط والإدارة فيها، لا يعتمد على الكفاءة بقَدْرِ ما يعتمد على الشّهادة؛ أيّاً كان مصدرها، وبأيّ طريقة تمّ الحصول عليها، أو نتيجة المحاصصة السياسية.
إنّ أحد أسباب تراجع التعليم العالي كذلك؛ هو مستوى الطلّاب الواصلين إليها من الثانوية بمستويات أقلّ ما يقال عنها إنّها هزيلة؛ وعندما يصلون للجامعة بالآلاف لا يعرفون لهم هدفاً ممّا يدرسون، أو الشّهادة الّتي سيحملونها، فيكون التزامهم بالمواضبة على حضور المحاضرات ضعيفاً، ويقضون معظم أوقاتهم في التسكّع والمطاعم داخل الجامعة؛ لأنّهم يعلمون أنّهم في النهاية سينالون شهادة يخرجون بها للمجتمع وهم في حالة ضياع.
إنّ الشّلل الّذي تعانيه الجامعة يعود – في جانبٍ كبير منه – إلى الشّلل العلمي والكادر التدريسـي الّذي لا يهتمُّ بتطوير قدراته العلمية وثقافته العامّة، وهما أمران مهمّان جداً في مجالات التعليم العالي، وأكثر ما يشغلهم إجراء بحوث شكليّة لغرض الترقيات العلميّة والمباهاة بها.
لقد كان من حُسْنِ حظِّي أنّني درستُ في (بريطانيا)، فكان رئيس القِسْم حاصلٌ على شهادةِ البكالوريوس بدرجة (lecturer)، ورئيس الجامعة يحمل الماجستير، وهو في الوقتِ نفسِه رئيس تحرير مجلة الهندسة الميكانيكية البريطانية، والهندسة الزراعية البريطانية، وقد أعطى حتّى عام 1982م (32) شهادة دكتوراه، ويحاضر لطلبة البكالوريوس، وهو رجلٌ ستيني!
هذه هي بعض جوانب الحياة الجامعيّة الأكاديمية، وهذا هو التعليم العالي والبحث العلمي، للأشخاص الأكفاء في مجالات اختصاصاتهم.
ولهذه الأسباب تفوّقوا علينا، وبقينا في ذيل القائمة، ولن ينقذ التّعليم العالي إلّا البدء من الأساس، ألا وهو التعليم الجيّد منذ دخول المدرسة؛ حيثُ يتعلّق الأمر بتوفير معلّمين ومدرّسين على درجة عالية من الكفاءة، وبمستوى مادي يليق بهم، لا أنْ يذهبوا ويدرّسوا مجاناً لقتل الوقت، فالحياة سلسلة من الحلقات المتكاملة إذا فُقدت واحدة اعترى الباقيات الفشل والتشرذم.
وعليه، فالعيبُ ليسَ فينا كطلبةٍ أو مُدرِّسين، وإنّما النّقصُ في النِّظام الّذي يدير المؤسّسة؛ فكثيرٌ من طلابنا على درجة من الذّكاء والنبوغ، ولكنّه يضيع في دوّامة البيروقراطيّة، وما أصاب الجامعات من شيخوخة مبكّرة، ولذلك لا يجدون مبتغاهم إلّا في الهجرة والذهاب إلى مَنْ يحترمُ مواهبَهُم ويُقدِّرَها.
العدد ١٩٥ ǀ ربيع ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون