القرآن.. عظمةٌ تتجلّى وهدايةٌ لا تنقضي
قال تعالى في محكم كتابه: [إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّـرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا] (الإسراء: 9). فالقرآنُ يُوجِّه الإنسانَ إلى المنهجِ الأكثرِ اعتدالاً وصَلاحاً، سواء في العقيدة أم العِبادة أم الأخلاق أم الاجتماع؛ فلا غلُوَّ فيه ولا تفريطَ، بَلْ يجمعُ بينَ حقِّ الله وحقِّ العباد، وبينَ مطالِب الرُّوح وحاجاتِ الجسد. ولفظُ “الأقوم” من مادَّة (ق.و.م) الدالَّة على الاستقامةِ والاعتدال. وصِيغة التفضيل هُنا؛ تفيدُ أنَّ القُرآنَ يُرْشِد إلى الطَّريقِ الأعدل والأصلح بين سائرِ المناهِج.
ففي زمنٍ تتعدَّدُ فيهِ المرجعيَّاتُ الفكريَّةُ، والقوانينُ الوضعيَّةُ المُتناقِضة، يُقدِّم القرآنُ مَنْهجاً هُو “الأقوم”؛ لأنّه يرتكزُ على وحي إلهيّ يُوازِن بين الثوابت والمتغيِّرات، فيُحقِّق العدالةَ الاجتماعيَّة، ويُرْسي قواعِدَ الكرامةِ الإنسانيَّة. وقولُه: [وَيُبَشّـِرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ] يعني أنّ القُرآنَ لا يقتصِـرُ على بيانِ الهداية، بَلْ يربطُ الإيمانَ بالعملِ الصَّالِح، مُؤكِّداً أنَّ الإيمانَ المُجرَّد لا يَكْفي، ما لَمْ يتحوَّلْ إلى سلُوكٍ عمليّ نافِع للفردِ والمُجتمع.
وقولُه: [أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا]؛ أي: ثواباً جزيلاً.. ووعودُ القُرآنِ؛ ليسَتْ وَعْداً أُخروياً فقط، بَلْ تمتدُّ لتشملَ أثرَ الهِداية في بناءِ حياةٍ أكثرَ استقراراً وسَكِينة، حيثُ تتجلَّى بركةُ العملِ الصَّالِح في الواقِع المعيشيِّ والاجتماعيّ، ثُمَّ يُتوَّج ذلك بجزاءِ الآخِرة.
قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ] (يونس: 81)، وهمُ الّذين يُخالِفون أمرَ الله، ويتجاوزُون حدُودَهُ، وبهذا ظلمُوا أنفُسَهُم وغيرَهُمْ. ويمكن فهمُ هذِه الآيةِ الكريمةِ؛ كمبدأٍ يربطُ بينَ القِيَم الأخلاقيَّة والاستدامةِ الاجتماعيَّة: أي إنّ أيَّ مشـرُوعٍ، أو سلُوكٍ قائمٍ على الظُّلْمِ أو الاستغلال، أو الفساد؛ لا يُمْكِن أنْ يستَمِرَّ في بناء مجتمعٍ عادِل ومتُماسِك.
وقد أدرك الغربيّون عظمتَهُ، وأنّهُ نجاةٌ لأهلِ الأرضِ؛ لِذا نجدهم يتَّخذونه دستُوراً لحلِّ الكثيرِ من مشاكلِهم، مُؤكِّدين في ذلك سُوءَ حظِّهِم، وقِلّة خبرتِهم! فهذِه إيطاليا كانَتْ أشدَّ الدُّولِ إنكاراً لنظامِ الطَّلاقِ؛ لكنّها في النِّهايةِ اضطرَّتْ إلى تَشْـريعِه. وهذِه ألمانيا اعترفَ مجلِسُ اتِّحادِها؛ بوجُوبِ تعدُّدِ الزَّوْجاتِ؛ بعدَ الحربِ العالميَّة الثّانية. وهذه جامعة (لافرا) البريطانية أنشأتْ كُليَّةً للاقتصادِ الإسلاميّ؛ لحلِّ مشاكلِها العديدة والمُسْتعصِية.
وهذا رئيسُ فرنسا شارل ديغول (Charles de Gaulle) – الّذي شغلَ هذا المنصب من 1959 حتى 1969 -؛ قال لشُـرطةِ باريس: إنِ استطعْتَ أنْ تغلقَ حوانيتَ الخَمْرِ كبلادِ المُسْلِمين؛ فلا حاجةَ لنا إلى سجُونٍ، فإنَّها سببُ كُلِّ بلاءٍ وفِتْنة.
وأعظمُ مِنْ هذا؛ ما أعلنَهُ رئيسُ كُليَّةِ الحقُوقِ في عاصمة النَّمسا: “لَوْ قامَ مُحمَّد مِنْ قَبْرِه؛ لحلَّ مشاكِلَ النَّاسِ كُلَّها في أيَّام”.
هذا؛ وقد ذكرَ الأديب الروسي “ليو تولستوي” في كتابه “حكم النبيّ مُحمَّد”: “إنَّ البشريَّةَ في أشدِّ الحاجةِ لقوانينِ الشَّريعةِ الإسلاميَّة، فإنَّ شريعةَ القُرْآنِ؛ سَوْفَ تسودُ العالَم، لتوافقها مع العقلِ، وانسجامِها مع الحِكْمة.”
وأشارَ “أندرو كارنيجي”، في كتاباتِه (حولَ الأخلاقِ والدِّين) إلى أنَّ القُرآنَ؛ يتميَّزُ بنظامٍ مِنَ العدالةِ والحِكْمة، ويضعُ أُسساً واضِحةً للتّعامُل بينَ النَّاس، ويُعدُّ مصدرَ إلهامٍ للمُجْتمعاتِ العادِلة.
ومن الجانِب الآخَر؛ فإنّ ساسةَ العالَمِ الغربيّ يخافُون مِنَ القُرآنِ أكثرَ مِنْ خَوْفِهم مِنْ كُلِّ سلاحٍ، ويقولُونَ: الإسلامُ نائِمٌ نَوْمَ أصحابِ الكَهْف، ولا بُدَّ أنْ يستيقِظَ يَوْماً ما، ولكِنْ لا نَدْري متى، وأين؟!
وأنتَ أيُّها المسلم؛ إذا أردْتَّ أنْ تكُونَ من أهلِ الله وخاصّتِه؛ فاجعَلِ القُرآنَ صاحِبَكَ، وعُضّ عليهِ بالنَّواجِذ، ولا تُفارِقْهُ أبداً. ذلِك لأنَّ القُرآنَ هُو سببُ سعادةِ الدُّنيا والآخِرة.
قال سيِّد قطب – رحمه الله -: “البشـريَّةُ مِنْ صُنْعِ الله، لا تُفتح مغاليقُ فِطْرتِها إلّا بمفاتيحَ مِنْ صُنْعِ الله، ولا تُعالَج أمراضُها إلّا بالدَّواءِ الّذي صنَعَهُ الله، وجعَلَهُ مِفْتاحَ كُلِّ مُغْلق، وشِفاء كُلِّ داء. والاحتكامُ إلى منهجِ الله؛ ليسَ نافِلةً، ولا تطوُّعاً، إنَّما هُو الإيمان. وقد جاءَتِ الشقوةُ للبشريَّةِ الضالَّة، ولَنْ تَجِدَ الرُّشْد والسَّعادةَ إلّا حينَ تردّ الفِطْرة البشريَّة إلى صانعِها”.
القُرآن حبلُ الله المتين مَنْ قال بِه صدق، ومَنْ عَمِلَ به أُجر، ومَنْ حكم به عدل، وأخسرُ النَّاسِ؛ مَنْ أعرضَ عنه، ولَمْ يَجعَلْهُ حكماً في أهله، وعلى نفسه، ولا ينالُ سعادةَ الدُّنيا، ولا عظيمَ الدَّرجاتِ في الآخرة، وكان القُرآن عليهِ حُجَّة. كان ابنُ عُمَر – رضي الله عنهما – يقول: “حفظُ القُرآنِ ثقيلٌ على الصَّحابة، ورُزِقُوا العملَ بِه، وآخِرُ هذِه الأُمَّة؛ يخفُّ عليهم حِفْظَهُ، حتَّى يقرأه الصبيُّ، والأعجميُّ، ولا يَعمَلُونَ به”. ولا شكَّ أنَّ حِفْظَ القُرآنِ مُرْتبِطٌ بالعملِ بِه، ومَنْ لَمْ يعمَلْ بِه؛ كانَ وبالاً له، وإنْ كانَ حافِظاً كُلّه.
[وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ] (الزخرف: 44). قالَ ابنُ عبَّاس – رضي الله عنه -: إنّهُ شـرفٌ لكَ ولقَوْمِكَ، ولمَنْ يتّبعه إلى يومِ القِيامة، [وسَوْف تُسْأَلُون] يُؤْجَر مَنْ عَمِلَ بِه، وأحلَّ حلالَهُ، وحرَّمَ حرامَهُ، وأَخذَ العقيدةَ منه، ووَيْلٌ لِمَنْ جعَلَهُ وراءَ ظَهْرِه.
يا تُرى لِمَ لا يتفكُّرُ النَّاسُ في عظمتِه، وجَعْلِه مَصْدرَ حياتِهم، وقد وردَ في الأثرِ: (إنَّ لِكُلِّ شيءٍ شَـرَفاً يُبَاهَى بِه، وإنَّ بهاءَ أُمَّتي وشـرفَهَا القُرْآن).
والقُرْآنُ خِطابُ الله – جلَّ وعلا – للإنسِ والجِنِّ، وهو مأُدبة الله في الأرضِ، ومصيرُهم مرتبطٌ به. والدَّولةُ الّتي تعملُ بالقُرْآنِ؛ عَلَمُها مَرْفُوعٌ، وكلامُها مَسْمُوعٌ، وعدوُّها مَغْلُوبٌ، وتنمُو عِنْدَها الجَسارة، ولا تخافُ أحداً، والأمّة إذا هجرتِ القرآنَ ذهبت هيبتها، وضاعت عزّتها، وتفرّقت كلمتها، وسُلبت قوّتها، وانتشرت فيها الفتن والذلّ.
القُرْآنُ بمنزلةِ الطّعامِ والشّـَرابِ، بَلْ أهمّ منهما؛ لأنَّنا نحتاجُهما في اليومِ مرَّتينِ، وحاجتُنا إلى القُرْآنِ كُلَّ ساعة. وبفضلِ القُرْآنِ؛ تستغفِرُ الملائكةُ لحاملِه العاملِ بِه، وحتَّى الحِيتانُ في الماء، ويجلبُ القُرْآنُ محبَّة الجماداتِ. ألم يقل الرَّسُول – عليه الصَّلاةُ والسَّلام -: (أُحُد جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه)؟ وقُرِئت سورةُ الفاتِحة على لديغِ قَوْمٍ كاد أنْ يَهْلِك؛ فقامَ في الحالِ كأنَّهُ لَمْ يُصِبْ بأذى. وهذِه الخاصيَّةُ باقيةٌ إذا كان القارئُ بدرجةِ ذلك الرَّجُلِ مِنَ الإيمان. وفي الحديثِ: (مَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعْطَهُ)، أي: مَنِ استقامَ على أخلاقِ القُرْآن. وبهذا المعنى؛ قالَ الشيخ الغزاليُّ: “لا بُدَّ مِنْ جَعْلِ القُرْآنِ حركةً في حياتِنا، وإلى طاقةٍ مُتحرِّكة. أمَّا أنْ يُوضَعَ في المكاتِبِ للبركةِ، وينتهي الأمرُ؛ فلا يجُوز”.
وكُلَّما سُئِلَتْ عائشةُ – رضي الله عنها – عن خلُق الرّسُول؛ قالت: (كانَ خُلقُه القُرْآن).
فالقُرْآن يرفعُ العبدَ إلى درجةِ الملُوكِ، وإنْ لَمْ يُذْكَر عندَ النَّاس، ويَجْعَلُهُ غنيَّاً إنْ كان فقيراً، وشـريفاً إنْ كان وَضيعاً، وهادِياً مُهْتدياً إلى رِضا الله، وينالُ الدَّرجاتِ العُلَى في الجنَّة، تُرى أيُّ شَـرَفٍ هذا؟! وقالَ الرَّسُول المُصطفى – عليه الصَّلاةُ والسَّلام -: (لا تسألُوا أهلَ الكتابِ عن شيءٍ، فإنَّهُمْ لَنْ يهدُوكم، وقَدْ ضلّوا، وإنَّكُمْ إمّا أنْ تُصدِّقوا بباطل، أو تُكذِّبوا بحقٍّ، والله لَوْ كانَ موسى وعيسى حيَّيْنِ لَمَا وَسِعَهُما إلَّا اتِّباعي).
وفي معنى الحديث يوضَعُ تاجُ الوقارِ على رأسِ قارئِ القُرْآنِ، ويُكْسـَى والِدَاهُ حُلَّتانِ، ويُقال: هذا بأخذِ وَلَدِكُما القُرْآنَ، وهُو شفيعٌ مُشفَّع. وفيهِ مِنَ الأخبار عنِ الأُممِ الّتي هلكتْ بظلمها؛ مثل: قوم نوح، وعاد، وفِرْعون، وثمود. وفيهِ أخبارُ النَّاجين الَّذين تمسَّكُوا بمنهجِ الله، ولأنّهُ نُزل للعملِ بِه، وإسعاد البشـريَّة. يقولُ ابن تيميّة – رحمه الله -: “مَنِ اعتقدَ أنَّهُ سَوْفَ يَهْتدي بغيرِ هُدى الله الّذي أنزلَ بِه كتابه، وأرسلَ بِه رُسُلَه؛ فعليهِ لعنةُ الله، والملائكةِ، والنَّاسِ أَجْمعين”. فالقُرْآنُ حبلُ الله المَمْدُودِ بينَ السَّماءِ والأرض، وهُو منهجُ السَّعادةِ، وما يُخالِفُه فشرٌّ وشقاوة.
والفَضْلُ ما شَهِدَ بِه الأعداءُ! ففي الجُزْءِ الخامِس مِنْ كِتاب كُليَّات رسائِل النُّور للشَّيخ سعيد النورسي – رحمه الله -؛ ينقلُ الدكتور عماد الدين خليل قائمةً بأسماءِ (٣٦) من كِبار أُدباء وعُلماء العالَم، ومنهم مَنْ لم يسلَم، أظهَرُوا دهشتَهُمْ، وإعجابَهُم بالقُرْآن، وأنا – ها هُنا – ارتأيتُ أنْ أنقُلَ أسماءَ خَمْسةٍ منهم، مع ذكرِ اقتباساتٍ مُوجَزة من أقوالهم:
1- حتّي: “تَرَكَ القُرْآنُ أَثراً على اللّغةِ العربيَّة، وصانَ اللّغةَ العربيَّةَ مِنْ أنْ تتمزَّقَ إلى لهجات”.
2- دي كاستري: “لَوْ سَمِعَ أَحَدُنا النبيَّ يتحدَّثُ باللّغةِ الفصيحةِ؛ لقالَ: أيُّها النبيُّ رسُولَ الله؛ خُذْ بيدِنا مِنَ الهَلَكة إلى موقعِ الشَّـرفِ، فنحنُ مِنْ أجلِكَ؛ نَوَدُّ المَوْتَ والانتصار”.
3- غوستاف لوبون: “لا نَجِدُ ديناً اتَّفقَ له ما اتَّفقَ للإسلام مِنَ الأثرِ الدَّائِم، والقُرْآنُ هُو قطبُ الحياةِ والشَّـرفِ، وهُو ما نرى أثرَهُ في أدقِّ شؤُونِ الحياةِ. ثُمَّ يقول: القُرْآنُ تَشْريعٌ دينيّ، وسياسيّ، واجتماعيّ، وأحكامُه نافِذةٌ منذُ عشراتِ القرُون”.
4- سوسة: “إنَّ مُعْجزةَ القُرْآنِ؛ هِيَ أكثرُ برُوزاً في عَصْـرِنا الحاليّ مِمَّا كانَتْ عليهِ في أزمنةٍ سادَها الجَهْلُ والخمول”.
5- كوبليان: “لَقَدْ عَثَرْتُ في (دائرةِ المعارِف العامَّة) على نبذةٍ؛ نصُّها: “إنَّ لُغةَ القُرْآنِ معتبرةٌ بأنَّها أفصحُ ما جاءَ بِه في اللُّغةِ العربيَّة. فإنَّ ما فيهِ مِنْ محاسِنِ الإنشاءِ، وجمالِ البراءةِ؛ جعلَهُ باقياً بلا تقليدٍ، ودُونَ تَمْثيل. أمَّا أحكامُه العقليَّةُ؛ فإنَّها نقيَّةٌ زكيَّةٌ، إذا تأمَّلَ الإنسانُ بعينِ البصيرةِ؛ عاشَ عيشةً هنيَّة”.
وما أروع أنْ نختمَ مقالَنا بما ذكرَهُ سيِّد قُطب؛ بقولِه: “يا حَسـْرةً على العِباد. يا لَهُ مِنْ مَنْهجٍ، ويا لَهُ مِنْ سُلْطانٍ؛ لَوْ قامَ بِه رِجَال”. والحمدُ لله ربِّ العالمين..
ثبت المراجع:
1- القرآن سِرُّ نهضتنا، مجد الهلالي.
2- مجالس الذِّكر في القرآن والسُنَّة، فريد الأنصاري.
3- تفسير سورة البقرة وآل عمران، الأستاذة هيام السعداوي.
4- كليّات رسائل النور، بديع الزّمان سعيد النورسي.
العدد ١٩٥ ǀ ربيع ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون