التمكين بين دهاء السياسة وصدق المبادئ
السياسة بين الغموض والوضوح:
السياسة ليست ساحةً مسطّحةً واضحةً للعيان، ولا مقامَ النيات المعلنة المكشوفة، بَلْ ميدانُ تدافعٍ تحكمه سُننٌ لا تُحابِي أحدًا؛ تتشابك فيه الخيوط، وتتنازع الإرادات، وتُدار مساراته بعقولٍ راشدةٍ لا يستخفّها التّسطيح ولا الغفلة، وقلوبٍ واعيةٍ تُمسك الميزان فلا تُسلّمه للشهوة ولا للرّغائب.
وليست السياسة في حقيقتها مكايد وحِيَلًا تُمارَس لمجرّد البقاء، ولا صناعةَ مصالحَ زائلة، كما يتوهّمها من يحصـرونها في المنافع الآنية والتكتيكات العابرة. بَلْ هي – في مفهومها الأعمق – أصولُ وفنُّ إدارة الشأن العام، وأمانةُ إقامةِ العَدْل وسط صِـراعٍ قائم؛ فمن جهل سُنّة التدافع، أو أقامها على غير القيم، داولته الأيام حتّى ينكشف وزنه الحقيقي في ميزان الحق: [وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ].
* صدق النيّة وحده لا يكفي:
ومن ظنّ أنّ صدق النيّة وحده كافٍ للنجاة في هذا المضمار؛ فقد أساء قراءة السنن.. فوضوح الهدف لا يُغني عن البصيرة، ونقاء المقصد لا يُعفي من فقه الواقع، ولا يعصم من مكر الخصوم؛ إذ لا يكفي أنْ تكون على حق، بَلْ لا بُدَّ أنْ تعرفَ كيفَ تحمي هذا الحق من أنْ يُفتك به عند أوّل مواجهة.
فالسِّياسة لا تُدار بالبراءة وحدها، ولا تنتصـر بالنوايا الطّاهرة، إذا عُزلت عن الوعي والحكمة وحسن التقدير.
ولا يمكن للسياسي الذّرب أنْ يعتمدَ على الحشود الجماهيريّة وحدها، ولا على حضورهم وجمعهم المتأهّب، في ظلّ غياب القوّة بأنواعها المختلفة، واستنادٍ حقيقيّ إلى بعض التحالفات السياسيّة الّتي لا تشكّل حيفًا على الهدف السياسي المنشود. فالسياسة الناجحة هي فنّ الموازنة بين المبادئ والمصالح، بين الطهر والبراغماتية، بين الحلم والواقع؛ وهي القدرة على تحويل النوايا الطيّبة إلى مشاريع ملموسة، وعلى جعل القوّة أداةً للعدل لا للبطش، والتحالف وسيلةً للتمكين لا للتنازل.
* دروس من التاريخ السياسي:
لقد واجه بعض القادة خصومهم بصفاء الحقّ الخالص، فوقعوا في قبضتهم؛ لأنّ خصومهم لا يهابون الصِّدْق إذا لم يُدعَّم بالقوّة، ولا يخشون المواجهة إذا لم تُدار بدهاءٍ وحنكةٍ واقتدارٍ يفوق ما لديهم؛ فالسِّياسة لا ترحم السّاذجين، ولا تُكافئ الطهر المجرّد من النظرة الثاقبة والإحاطة الشاملة بأبعاد المشهد.
في المقابل، فإنّ الّذين راوغوا بحكمة، وصبروا بوعي، وقرأوا الواقع قراءةً عميقة، مكّن الله لهم في الأرض؛ لأنّ التّمكين ليس مكافأةً على النقاء وحده، بَلْ ثمرةُ الحِذق، ونتيجةُ الفهم الدقيق لتعقيدات السّاحة السِّياسيّة وسُننها.
* معادلة التمكين:
التمكين، في سُنن التاريخ، قد يُمنَح للمتعاملين بالخبث، لكنّه ليس التمكين المقصود شـرعًا، ولا الغاية الّتي يُراد بها صلاح الرّعية. بَلْ هو – في كثير من الأحيان – ابتلاءٌ للنّاس عند قصور فهمهم لمعنى العبوديّة لله، وعدم الخضوع لمنهجِه في الحكم والسِّياسة.
أمّا أصحاب القبضة الغاشمة، فحكمهم حكم المتألّهين والمفسدين، مهما ادّعوا الإصلاح.. والتمكين الصالح لا يُمنَح إلّا لمن جمع بين:
* ثبات المبدأ ومرونة الوسيلة،
* صدق المقصد وحِكْمة الإدارة.
وهو لا يُنزَع إلّا ممّن عجز عن قراءة دهاء خصومه، أو استعجل المواجهة قبل اكتمال أدواتها، أو استُدرج إلى معارك تُطفئ نوره قبلَ أنْ يشتدّ عوده.
* أخطر ما في السِّياسة:
أخطر ما في السِّياسة أنْ تُدار بردّات الفعل، وأنْ يُستفَزّ صاحب الحق ليكشف أوراقه مبكرًا.. فالعقل السياسي الرّاشد لا يُستدرج، ولا يُغامر بكلِّ أوراقه دفعةً واحدة؛ بَلْ يُخفي صدقه حينًا ليحميه، ويؤجّل المواجهة حينًا ليكسبها، دون أنْ يُساوِمَ على جوهر الحق، أو يتنازل عن بوصلته الأخلاقيّة.
* السياسة فعلٌ أخلاقي:
هنا فقط، تتحوّل السِّياسة من حيلة بقاء، ومكر ودهاء، إلى فعلٍ أخلاقي، ومن خداعٍ أجوف إلى وعيٍ مسؤول.. فالصِّدْقُ وحده لا يكفي، بَلْ لا بُدَّ أنْ يُدارَ بحِكْمة؛ لأنّ الغاية ليست مجرّد إعلان الحق، بَلْ ترسيخه في الواقع، وتمهيد الطّريق له حتّى لا يُجهَض قبلَ أنْ يؤتي ثماره.
* هكذا يُصْنَع التمكين:
– بوعيٍ لا يُستفَزّ،
– وبصدقٍ لا يُسْتدرَج،
– وبحكمةٍ تحفظ النُّور من أنْ يُطفَأ قبلَ أنْ يُضيء.
* السياسة والفكر الأخلاقي:
السِّياسة والفكر الأخلاقيّ ليسا عالَمين متوازيين، بَلْ وجهان لعملةٍ واحدة؛ عملةٍ تزن بين المبادئ ودهاء الواقع، بين صلابة القيم ومرونة الأداء، بين الحقِّ والتمكين، حتّى يُصْبِح الفعل السياسي أداةً لتغييرٍ حقيقي، لا مجرّد صراعٍ على البقاء.
السِّياسة بلا أخلاق تتحوّل إلى مكرٍ أجوف، والفكر الأخلاقي بلا سياسة يبقى حبيس المثال.. إنّ التوازن بينهما هو ما يمنح الإنسان قدرةً على بناء مجتمعٍ عادل، حيث تُصان الكرامة وتُحفظ الحقوق، ويُصْبِح القرار السياسيّ امتدادًا للضمير الجمعي، لا انعكاسًا لمصالح ضيِّقة.
السِّياسة والفكر الأخلاقي إذن ليسا مجرّد أدواتٍ لإدارة الواقع، بَلْ هما معًا ميزانٌ للعدل، يذكّر الإنسان بأنّ الغاية ليست السُّلطة في ذاتها، بَلْ إقامة الحقِّ وصون الكرامة.. وحين يلتقي العقل السياسي بالضمير الأخلاقي، يُصْبِح الطّريق إلى النهضة ممهدًا، وتتحوّل السُّلطة إلى خِدْمة، والفكر إلى نُورٍ يهدي المجتمع نحوَ حياةٍ أوسع رحمةً وأرسخ عدلًا.
فالتمكين الحقّ لا يُنال بالشِّعارات، بَلْ بوعيٍ يقرأ الواقع، وصدقٍ يحفظُ القيم.. ومن جمع بين الحِكْمة والمبدأ، كان فعله السياسي نورًا يمهّد لعدلٍ أرسخ، ورحمةٍ أوسع.
* قراءة قرآنية في التمكين:
حين يتكلّم الطغيان بلغة السياسة:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا. فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾(سورة إبراهيم: ١٣–١٤)
ليست هذه الآيات مشهدًا تاريخيًا منقضيًا، بَلْ نصًّا سياسيًا حيًّا، يتكرّر صداه كلّما نطق الطغيان بلغة السُّلطة، وكلّما توهّم المتغلّبون أنّ الأرض صكّ ملكيّة مسجّل بأسمائهم.
حين قال الّذين كفروا لرسلهم: «لنُخرِجَنَّكم من أرضِنا»، كانوا يؤسّسون لمنطق سياسي مألوف في كلِّ العصور؛ قوامه: احتكار الأرض، واحتكار الهُويّة، واحتكار الحقّ في الوجود. لم يكن التهديد أمنيًا فحسب، بَلْ إعلانًا سياديًا متعاليًا، يجعل من الحاكم مصدر الشـرعيّة الوحيد، ومن المخالف عنصرًا زائدًا عن الحاجة، قابلًا للإقصاء أو الإلغاء أو حتّى الإفناء.
ثمّ يأتي الشقّ الثاني من التهديد: “أو لتعودنّ في ملّتنا”.
وهنا يتعرّى جوهر الطغيان؛ فليست المسألة حدودًا ولا سيادة فحسب، بَلْ إخضاعًا فكريًا وعقديًا، وفرضًا قسـريًا لنمط الانتماء.. إنّها سياسة صهر الهُويّات، حيث يُسمح للمرء بالبقاء على الأرض فقط بجسده، دون وعيه أو معتقده أو كرامته، وشريطة التخلّي عن ذاته، والتماهي مع “الملّة” الّتي يرسمها السلطان الطاغية.
هذا المنطق لم يغب عن عالمنا المعاصر، فما أكثر الأنظمة الّتي تلوّح اليوم بلغة “الوطن” و”القانون” و”الأمن القومي” و”محاربة الإرهاب”؛ لتبرير الإقصاء، وإسقاط الشـرعيّة عن المخالفين، وتجريدهم من حقّهم في الانتماء، وكأنّ الأرضَ لا تتّسع إلّا لصوتٍ واحِد، هو صوتهم النشاز، ورؤية واحدة هي رؤيتهم العقيمة، وملّة سياسيّة واحدة متغطرسة، ضالّة ومُضِلّة.
غير أنّ القرآن لا يترك هذا الادّعاء قائمًا، إذ يأتي الردّ الإلهي قاطِعًا: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾.
إنّه تفكيك مباشر لوهم السلطة المطلقة والكبرياء الكاذب؛ فالّذين يُهدّدون بالإخراج، هم الّذين يُخرَجون من معادلة التاريخ، والّذين يتوعّدون بالإلغاء، هم الّذين يُلغَون بعد أنْ تستنفد أدوات قهرهم صلاحيّتها.
ثمّ يأتي التحوّل الأخطر سياسيًا مبرماً في قوله تعالى: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾.
لم يقل: أرضهم، ولا أرضكم.. فالأرض في المنظور القرآني ليست وطنًا خاصًا بالطغاة، ولا غنيمة بيد المتغلّبين، بَلْ ملكٌ لله وحده، يداولها بين عباده وَفْق سنن لا تخضع لخطابات السلطة، ولا لخرائط القوّة.
واللافت أنّ الوعد الإلهي جاء بصيغة السُّكنى لا التملّك؛ فهناك فرقٌ جوهري بين من يسكن الأرض بأمانة، ويؤدّي مقتضيات جوهر الاستخلاف، وبين مَنْ يتملّكها بتعجرف واعتدادٍ بالنفس.
السكنى تعني المسؤوليّة، والعَدْل، وصون حقوق الرعيّة، والقيام بأمانة الاستخلاف غايةً وتوجّهًا.
أمّا التملّك المتغطرس، فيفضـي إلى التألّه والاستعلاء، والتّمادي في الإقصاء، واستخدام أقصى أدوات الاستبداد، أي تحويل الأرض إلى أداة لفرض السّيطرة، لا فضاءً للعيش المشترك، ولا ميدانًا للعدل، ولا موضعًا لإعمار النفس والأرض.
لكنّ القرآن لا يمنح هذا التّمكين على بياض، بَلْ يختم الوعد بشـرطٍ حاسم: ﴿ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾.
فالتّمكين الحقيقي ليس جائزةً سياسيّة، بل استحقاقًا أخلاقيًا. ومن لا يخاف مقام الله، سيُغريه وهمُ الملكيّة الكلية الإقصائية، حتى يبتلع كيانه، بعدَ أنْ يعيث في أرض الله فسادًا.
إنّ الصِّـراع الّذي ترسمه هذه الآيات ليس بين قوى عسكريّة فحسب، بل بين رؤيتين للسياسة:
رؤيةٍ طاغية ترى الأرض ملكًا خاصًا، والإنسان تابعًا، والاختلاف خطرًا وجوديًا يُهدِّد كيانها.
ورؤيةٍ إيمانية ترى الأرض أمانة، والإنسان كائنًا مكرّمًا، والاختلاف ساحة ابتلاء لا مبرّر لإعمال الإقصاء فيها.
ومع تكاثر سياسات الطّرد، وإسقاط الجنسيّات، وتشويه الانتماء، يظلّ القرآن واضحًا في موقفه، يُردِّد حقيقةً ثابتة وسنّةً راسخة لا تتبدّل؛ مفادها أنّ: الأرضَ لا تستقرّ طويلًا في يد المتجبّرين، ولا تبقى وطنًا للّذين يحوّلونها إلى أداة قهر، بَلْ تُداوَل، وتُنزَع، وتُعاد صياغة خريطتها الأخلاقيّة.. حتّى تستقرّ – مؤقّتًا – عند مَنْ يخافُ مقامَ ربِّه، ويُقيم العَدْلَ ما استطاع إليه سبيلًا.
العدد ١٩٥ ǀ ربيع ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون