الإسلام بين الأممية والقومية والقومية
يقدِّم الإسلام نفسه دينًا للإنسان من حيث هو إنسان؛ رسالةً عابرةً للحدود والأعراق، لا تختصُّ بقومٍ دون قوم، ولا بجغرافيا دون أخرى. فخطابُه موجّهٌ إلى البشـريّة جمعاء، يؤسّس لوحدةٍ إنسانية قوامُها الإيمان بالله، وكرامة الإنسان، والعدل بين النّاس. ومن هذا المنظور، فالأممية في الإسلام ليست نفياً للهويّات، بل إطارٌ أخلاقيّ جامع تنتظم فيه هويّاتٌ متباينة.
غير أنّ عالمية الإسلام لا تعني إلغاء الروابط الطبيعية الّتي ينشأ فيها الإنسان، وفي مقدّمتها رابطة القوم، وذوي القربى؛ فقد أقرّ الإسلامُ حبَّ الأهل، والاعتزاز بالانتماء، وحضّ على صلة الرّحم، والإحسان إلى الأقربين، ونصـرتهم، لكنّه – في الوقت نفسه – وضع لهذه الروابط ميزاناً أخلاقياً؛ يمنعها من التحوّل إلى تعصّبٍ أعمى، أو ظلمٍ للآخرين. فالقوميّة، في الرؤية الإسلاميّة، عاطفة مشـروعة؛ ما دامت منضبطة بقيم العَدْل والرحمة.
ومن هنا تتكامل الأمميّة والقوميّة في الإسلام دون تناقض ولا اصطدام؛ فالأولى تمنح الأفق الإنساني الواسع، والثانية تحفظ الخصوصيّة الثقافية والاجتماعية. والإسلام، بعالميته، لا يبخس شعباً حقّه، ولا يُلغي لغةً أو ثقافة، بَلْ يقرُّ بالتنوّع؛ بوصفه سنةً من سنن الاجتماع البشـريّ، ويجعل معيار التفاضل التقوى، والعمل الصالح، لا الأصل ولا العِرْق.
ولذلك وجدَت أممٌ كثيرة في الإسلام فضاءً رحباً تُعبِّر فيه عن ذواتها، فدخلته بلغاتها وثقافاتها، وأسهمتْ في بنائه الحضاريّ، حتّى أصبح جزءاً من تاريخها ووجدانها؛ وقد تجلّى ذلك في تعدّد المدارس الفقهيّة، وتنوّع التجارب الحضاريّة، واختلاف أنماط التديّن والسلوك الاجتماعيّ، مع بقاء الثوابت العقديّة والأصول الكبرى جامعةً بينها. إنّ الإسلام، في جوهره، لا يُعادي الخصوصيّاتِ القوميّةَ، بَلْ يحفظها من الذوبان، ويصونها من التحوّل إلى أداةِ صـراع؛ فهو يقرّ التعدُّد، ويُؤسّس للوحدة؛ ويحترم الانتماء، ويُهذّب العصبيّة؛ ويجعل التنوُّع الثقافي مصدر ثراءٍ في ظلِّ قيمٍ جامعة. وهكذا يغدو الإسلام رابطةً إنسانيةً عليا، تتَّسِعُ للأقوام جميعاً، من غير أنْ تطمس ملامحهم، أو تُلْغي خصائصهم
العدد ١٩٥ ǀ ربيع ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون