أزمة الإبداع العقلي في عصر الذكاء الاصطناعي

 “ما بين السُّؤال الّذي يُولده العَقْل، والإجابة الّتي تُنْتِجها الآلة؛ يَبْقى الإنسانُ هو الّذي يُقرِّر: هَلْ يكتُب ليَبْقى؟

أمْ يتركِ الآلةَ لتُفكِّرَ نيابةً عنه؛ فيَخْتفي وهُو لا يَدْري؟“. البروفيسور فارس البياتي

عبرَ تاريخهِ الطَّويل، كانَ الخِطابُ الإنسانيُّ يَسيرُ على خَيْطٍ مَشْدُودٍ بينَ القَلْبِ والعَقْل؛ فلَمْ تَكُنِ الكلِمةُ يَوْماً في تصوُّراتِ المُبْدِعينَ والمُفكِّرينَ، والفلاسِفةِ واللُّغويينَ؛ مُجرَّدَ بناءٍ لغويٍّ صامِت يُرَصُّ وَفْقَ قواعِدَ بارِدة هامِدة صمّاء، بَلْ كانَتْ كائِناً حيّاً يُولَد في مَخَاضٍ شاقّ، ويتشكَّلُ في الوَعي الجمعيّ؛ بوَصْفِه أثراً إنسانيّاً نابِضاً بالمَعْنى، مُتْرعاً بالإحساسِ، مَشْحُوناً بالانفعال. من هُنا ارتبطَ فعلُ الكِتابة، في تجليَّاتِه الإبداعيّة، بطَقْسٍ احتفاليّ يُشْبِه استقبال الحياةِ ذاتِها، فهي لَمْ تَكُنْ يَوْماً فِعْلاً عابراً، بَلْ طَقْساً من طقُوسِ الحياةِ؛ واحتفالاً رَمْزيّاً بميلادِ المَعْنى، واعترافاً صامِتاً بأنّ الكلماتِ لا تستحقُّ الوجُودَ إلّا إذا دفعتْ ثمنَهُ ألماً وصِدْقاً، فالكلِماتُ كانَتْ تستمِدُّ شرعيَّتَها مِنْ مُعاناةِ القائِل، ومِنْ حرارةِ تَجْرِبتِه الشعُوريَّة، وتُثْبِت حقَّها في البقاءِ، ككائناتٍ حيَّةٍ لا تعيشُ إلّا بما يُضَخُّ فيها من رُوحٍ إنسانيّة نبيلة. فـ”البُؤْس مَوْجُودٌ في صَميمِ العمليّةِ الإبداعيّة. يقولُون إنّ البُؤْسَ يُنْتج فنَّاً جيِّداً” (مانغويل: ذاكرة القراءة: 28). والأسطُورة الّتي مَفادُها أنّ الفنّانَ بحاجةٍ إلى العَذابِ مِنْ أجلِ الإبداع؛ إنّما تَرْوي القِصّةَ بطّريقةٍ مُعاكِسة وخَاطِئة. لا رَيْبَ أنّ العذابَ قَدَرُ الإنسانِ، والقصائِدُ تَصِفُ ذلِكَ العذابَ (نفسه: 29)، والكُتَّاب لا يُبْدِعون إلّا في أبعدِ الشّـرُوطِ عنِ الرّاحة، الكُتَّاب يتلذّذون بالبُؤْس. والأهمُّ أنّ الفَقْرَ، على نَحْوٍ أو آخَر؛ جُزْءٌ لا يتجزَّأُ من كينُونةِ أيِّ كاتِب (نفسه: 31). وهُنا يَتَمحْورُ الحديثُ حَوْلَ دورِ المُعاناةِ المَمْزُوجةِ بأنبلِ عواطفِ الإنسانِ في جَوْدةِ إبداعِه؛ إذ تَسِمُهُ بالصِّدق، ومع ذلكَ تظلّ الكتابةُ أوسعَ من أنْ تُحاصَر في شَرْطٍ واحدٍ، أو تُرْتهنَ لمعاناةٍ بعينها.

تاريخُ الكلمةِ الإنسانيَّة؛ هُو تاريخُ المُعاناة والمَعْنى معاً؛ إذ لَمْ تَكُنِ الكلمةُ مُجرَّدَ بناءٍ لغويٍّ مُحايد، بَلْ ثمرةُ تَجْرِبةٍ وجُوديّة تتشكَّلُ في الوِجْدان قبلَ أنْ تستقرَّ على أديمِ القراطِيس، بَيْدَ أنّ التحوّلاتِ الرّقميَّةَ المُتسارِعةَ، ولا سيّما في زمنٍ تسارَعَتْ فيهِ ولاداتُ الذّكاء الاصطناعيّ التَّوْليديّ – الّتي لا تَسْمعُ منها صَرْخةَ المَخَاض -؛ أفرزتْ أنماطاً جديدةً مِنَ الكَلِمات، تُنْتَج بكثافةٍ عالية، وسُرْعةٍ غيرِ مسبُوقة، ومن دُونِ أنْ تَمُرَّ بتَجْرِبةٍ إنسانيّة شعُوريّة واعِية، وتَنْسلِكَ في سياقٍ اجتماعيّ تفاعُليّ، وتتحمَّلَ كُلْفةَ الألمِ والتأمُّلِ، والشّعُورِ والإحساس. وهُو ما أثارَ حقّاً سُؤالاً إشكاليّاً عميقاً حولَ الفارِق الجوهريّ بينَ الكلمةِ المُتجذِّرةِ في الوعي الإنسانيّ، وتلكَ المُصنَّعةِ آليّاً ضِمْنَ أنساقٍ خوارزميّة مُغْلَقة – لا تَمْتلكَ وعياً بِما تقُولُ، أو إحساساً بِما تُنْتِجُ – تقومُ على المُعالجةِ الإحصائيّة للّغة، مُعالجةٍ تفتقِرُ إلى القَصْديّة، والتَّجْرِبة الشّعُوريَّة، والوَعي التأمُّليّ، والاختيار الأخلاقيّ، ومِنْ هُنا تأتي مساءلةُ الادِّعاء الضِمْنيّ بقُدْرةِ الذّكاء الاصطناعيّ على الحلُولِ محلَّ الإبداعِ البشـريّ النّابِض بالحياة، ومناقشة المَخاطِر الكامِنة في تَعْميمِ هذا النّمط الآليّ مِنَ الإنتاج اللُّغوي الباهِت، وما يترتّب عليه من تآكل تدريجيّ لقيمةِ المَعْنى، وتشييء الكلِمة، وتَحْويلها مِنْ فعلٍ إنسانيّ حيّ إلى مُنْتج صناعيّ عديمِ النّبْضِ، فاقدٍ للرُّوح. وما أعمقَ ما كتبَهُ ألبرتو مانغويل: “لا أُحِبُّ مَنْعي من الكِتابةِ على هوامِش الكتُبِ الّتي أستعيرُها. لا أحبُّ اضطراريّ إلى إرجاعِ الكتُبِ إذا اكتشفْتُ فيها شيئاً مُذْهِلاً أو ثَميناً… رُبّما هذِه هو سببُ ضِيقي في المكتبةِ الافتراضيَّة: ليسَ بمقدُورِكَ حقّاً أنْ تَمْلِكَ شَبَحاً، ولَوْ كان بوُسعِ الشّبحِ أنْ يتملّكَكَ. أريدُ الألفاظَ في تجسُّدِها الماديّ؛ أي: الحضُور الملمُوس للكِتاب؛ شَكْلاً وحَجْماً وقِواماً. أتفهّمُ أريحيّة التّعاطي مع الكتُبِ غيرِ الملمُوسة، والأهميّة الّتي تَحْظى بها في مُجْتمعِ القَرْنِ الحادِي والعِشْرين، ولكنّها بالنِّسْبة إليّ كالحُبِّ الأفلاطُونيّ. رُبَّما هذا هُو السَّببُ في إحْسَاسي العَميق بخَسارةِ الكتُبِ الّتي كانَتْ يدايَ تَعْرِفانها جيِّداً. أنا مثلُ توما الرَّسُول، أُرِيدُ اللّمْسَ لكَيْ أُؤمِنَ”(مانغويل: ذاكرة القراءة: 12).

يَعْترِفُ الكاتِبُ بمَزايا العَصْـرِ الحَديث، بِمَا تُتِيحه الكتُبُ الإلكترونيَّةُ من سهُولةٍ وسُرْعةٍ وانتشارٍ، وتفاعُلٍ فوريّ. لكنّه لا يلبث أنْ يقابلَ هذا الاعترافَ بتحفّظٍ وِجْدانيّ حين يُشبِّهها بـ”الحُبِّ الأفلاطونيّ”؛ أي ذلك الحبّ الّذي يظلُّ في حيِّز الفِكْرة والتجرُّد، بلا تماسٍّ حسِّيّ، أو حضُورٍ ماديّ. هنا يُلمِّح إلى أنّ العَلاقة بالكِتاب الرقميّ تَفْتقِدُ شيئاً جوهريَّاً: حَرارة القُرْبِ، وألفة اللَّمْسِ، وحِسيَّة التَّجْرِبة، وواقعيّة الحضُور، فالكِتابُ الورقيُّ ليسَ مجرَّد وِعاءٍ للنصِّ، بَلْ كائنٌ مألوف، تتعرّف إليه اليدِ كما تتعرّف العينُ إلى وَجْهِ صَديقٍ قديم. إنّه عَلاقةٌ حِسيّة – حميميّة تتراكم عبرَ الزّمن: عَبَقُ الورقِ الأصيل، وخشُونة الصّفحاتِ تحتَ الأصابِع، ودِفء الغِلاف المُزَخْرَف، وألوانِ الحِبْر الحقيقيّ، وصَوْت تقليب الوَرقات، ومواضِع الطيّ المألُوفة، إلى جانبِ أنماطِ الخطِّ وجماليّات الطِّباعة الّتي تمنحُ كُلَّ صفحةٍ رُوحَها الفريدة، فضلاً عن آثار القراءة الواقعيّة الّتي تَحْملُ ذكريّاتٍ خاصّة.

وأمّا ذروة الصُّورة؛ فتتجلّى في استدعاءِ شخصيّةِ توما الرَّسُول، الّذي عبّر بالقولِ: “أُريد اللّمْسَ لكي أُؤْمِنَ”. وعلى الرّغمِ من أنّ هذا التّشبيه يتعارَضُ مع عقيدتِنا، إلّا أنّه يُصوِّر نزُوعَ الكاتبِ إلى أنّ إيمانه بالكِتاب – أي تعلُّقه الحقيقيّ به – لا يَكْتمِلُ إلّا عبرَ اللَّمْسِ، أو التّفاعُلِ الحِسـيّ المُباشِر معه. واللّمْسُ هُنا ليسَ فِعْلًا حسّيًا فَحَسْب، بَلْ هو رَمْزٌ للتحقّق، وللصِّلةِ المُباشِرة، ولليقينِ الوِجْدانيّ

وما أريقُه هنا؛ دمعةُ مِدَادٍ حرّى تَنْحدِرُ على صَفَحاتٍ يتيمةٍ تتلوّى مِنَ الألمِ والأسى، وتَبْكي بُكاءً حَارِقاً على رَحيلِ كَلِماتٍ كانَتْ تخطُّها قَريحةُ المُبْدِعين، وتنسجُها أذهانُ المُلْهَمين، كَلِماتٍ إنسانيّة تركتْ في القلُوبِ لَوْعةً لا تَنْطفئ نارُها، ولا تخبُو أوارُها، كَلِماتٍ كانتْ كأنّها عندَ مِيلادها تتحمَّلُ آلامَ المَخَاض، كَلِماتٍ كانَ أصحابُها يَحْتفِلون بقدُومِها؛ كاحتفالِ الأمِّ بقدُومِ وليدها، هكذا كانُوا وكُنّا، نتعاملُ مع الكَلِمة وأخواتِها، نَحْتفي ونَحْتفلُ بمِيلادِها، لكنّها الآن أصبحتْ بالملايين تخرجُ مُشوّهةً جنينيّاً مُصطنعةً بنيويّاً، عديمةَ الإحساس، خاليةً من المَشاعِر الإنسانيّة؛ لأنّها ببساطةٍ نِتاج ذكاءٍ آليّ مُبَرْمَج، فلَمْ تَعُدِ الكَلِمةُ اليَوْم مُضمّخة بالمَشَاعِر، مُكتنزة بالعَوَاطِف، مُلوّنة بالأحاسيس، فالكلمةُ اليَوْم بدأتْ تَفْقِدُ قيمتَها وهُويَّتها، فبعدَ أنْ كانَتِ الكلمةُ دليلاً على هُويَّةِ صاحبها، كالبَصْمةِ الّتي تشيرُ إلى حاملِها، لَمْ تَعُدِ اليَوْمَ تحملُ هذا الوَسْم، وتلكَ السِّمة الفارِقة، وأصبحَ حالُها حالَ اللّقيط مجهولَ الأبِ والأُمِّ، لا أحدَ يولي بها اهتماماً، ولا يَرْعى بها ذمّة، في يَوْمِنا هذا لم يَعُدْ لمقُولةِ بوفون: الأسلُوب هُو الرّجل؛ ذلك المَعْنى الّذي كُنّا نتباهى به، ونردِّد بكلِّ فخرٍ واعتزاز، هذا أسلُوبي، وهذه كتابتي، وتلكَ قصيدتي، وهاكَ لَوْحتي، كما كانَ لكُلِّ أساطين الكِتابةِ المعرُوفين – شَرْقاً وغَرْباً – أساليبُهم الّتي تُفصِحُ عن هُويّاتِهم، وتبوحُ بمشارِبهم الفكريّة، وتوجّهاتِهم المعرفيّة، فها هو مصطفى صادِق الرّافعي الّذي تميَّز – في وحي قلمِه – بحِكْمتِه وعقلانيّتِه، ومجازاتِه واستعارتِه، وجمالِ إيقاعِه، وعذُوبة جَرْسِه، فالكلماتُ في عباراتِه تشفُّ وتسمُو، حتّى وكأنّها تُحلِّق عاليةً في سماءِ نصُوصِه، ودَعْنا نستمعُ معاً إليه؛ وهو يقولُ: “فالكاتِبُ الحقُّ لا يَكْتُبُ لِيَكْتُبَ؛ ولكنّهُ أداةٌ في يَدِ القُوّة المُصَوِّرة لهذا الوجُود، تُصَوِّر به شَيْئاً من أعمالِها فنّاً مِنَ التَّصْوير.. وإذا اختيرَ الكاتِب لرسالةٍ ما، شعرَ بقُوّةٍ تفرضُ نفسَها عليهِ؛ منها سنادُ رأيه، ومنها إقامة بُرْهانه، ومنها جَمالُ ما يأتي به.. هذِه القُوّة هي الّتي تجعلُ اللّفْظة المُفردةَ في ذِهْنه معنًى تامّاً، وتُحوِّل الجُمْلة الصّغيرة إلى قِصّة، وتَنْتهي باللّمْحةِ السّـَريعةِ إلى كَشْفٍ عن حقيقة” (وحي القلم: 1/ 44). ويقول: “ورُبّما عابُوا السمُوَّ الأدبيّ بأنّهُ قليلٌ، ولكنَّ الخَيْرَ كذلِك، وبأنَّهُ مُخالِفٌ، ولكنَّ الحقَّ كذلِك، وبأنَّهُ مُحَيَّرٌ، ولكنَّ الحُسْنَ كذلِك، وبأنَّهُ كثيرُ التَّكاليفِ، ولكنَّ الحُرِيَّةَ كذلِك. إنْ لَمْ يَكُنِ البَحْرُ؛ فلا تَنْتَظِرِ اللّؤْلُؤَ، وإنْ لَمْ يَكُنِ النَّجْمُ؛ فلا تَنْتَظِرِ الشُّعَاعَ، وإنْ لَمْ تَكُنْ شَجَرةُ الوَرْدِ؛ فلا تَنْتَظرِ الوَرْدَ، وإنْ لَمْ يَكُنِ الكاتِبُ البيانيّ؛ فلا تَنْتظرِ الأدبَ” (وحي القلم: 1/ 46).

 ومن بين أعلامِ الفِكْرِ والثقافة، يُطِلُّ علينا إبراهيم المازنيّ الّذي اجتذبَ الأنظارَ بشفافيّته وصراحتِه، وجزالةِ أسلُوبِه وفكاهتِه، وفخامة كلماتِه المُجنّحة في فضاء كتاباتِه، وما أروع ما وَصفَهُ بقلمِه؛ قائِلاً: “وما مِنَّا إلّا مَنْ يَبْغي أنْ يكُونَ فنُّه أفعلَ باللُّبِّ، وأسحرَ للقَلْبِ، وأملأَ للعينِ، وأوقعَ في النَّفْس، ولكنَّ الكِتابةَ لا تكونُ فنيَّةً مِنْ تِلقاءِ نفسِها، وإنّما تصيرُ كذلِك بِما يُحْدِثُه المرءُ فيها مِنَ الصُّوَر، وما يُوافِق إليهِ مِنَ الإحسانِ والتّجويد، ولا بُدَّ لذلِك فيما نظنُّ! مِنْ صِحّة النّظَر، وسلامة الذّوق، وصِدْق السّريرة، والاستعداد. فإنّ الألفاظَ موجُودةٌ، وهي مُلقاة في طريقِنا جميعاً، وعلى طَرَفِ كُلِّ قَلَمٍ ولِسَان… ولَوْ أنّ العِبْرةَ كانَتْ بالألفاظِ وَحْدَها، وكانَ المُعوّل على مِقْدار محصُولِ المرءِ منها؛ لكان أكبرَ الأُدباء هُم جماعة اللِّغويين والحُفّاظ، ولكانَ ابنَ منظُور، والفيروزآبادي مثلاً شَيْخَيْ أُدباءِ العَرَبِ وشُعرائِهم” (قبض الروح، إبراهيم المازني، ص24- 25).

 وها هو ذا سيِّد قُطب – صاحِبَ الظِّلال، والتّصوير الفنيّ – الّذي امتازَ بسمُوِّ لُغتِه وسَلاستِها، وجَمالِ تَصْويره، وشفافيّة تَعْبيره، ورُقيّ تَفْكيرِه، ومُوسيقى ألفاظِه الّتي تُطْربُ السّمْعَ، وتهزُّ النّفسُ، وترقّ المَشَاعِر، وكيفَ لا، وهو الّذي رُزِقَ موهبةً أدبيّةً قلّما تتكرَّرُ في حياتِنا؛ وأَتى بِما لَمْ يَقْدِرْ عليه غيرُه مِنَ الأُدباء، فَضْلاً عن إيمانِه القويّ بفكرِه، والتزامِه بكُلِّ ما صدرَ عنه، وما أروع ما خطّه بيراعِه الأدبيّ عن إيمانِه القويّ: “إنّ السِـرَّ العجيبَ – في قُوّةِ التّعبيرِ وحيويَّتِه -؛ ليسَ في بريقِ الكَلِماتِ، ومُوسيقى العِبَاراتِ، وإنَّما هُو كامِنٌ في قُوّةِ الإيمانِ بمدلُولِ الكَلِمات، وما وراءَ الكَلِمات، وإنّهُ في ذلِكَ التّصْميمِ الحاسِمِ على تَحْويلِ الكلِمةِ المكتُوبةِ إلى حركةٍ حيَّة، والمَعْنى المفهُومِ إلى واقعٍ ملمُوس”. وهُو الّذي همسَ في سَمْعِ الوجُود؛ بقولِه: “إنّ كُلَّ كلِمةٍ عاشَتْ قدِ اقتاتَتْ قَلْبَ إنسانٍ، أمّا الكلِماتُ الّتي وُلِدَتْ في الأفواهِ، وقَذفتْ بها الألسنةُ، ولَمْ تتَّصِلْ بذلِكَ النّبْعِ الإلهيّ، فقد وُلِدَتْ ميتةً، ولَمْ تدفعْ بالبشـريَّةِ شِبْراً واحِداً إلى الأمام، وإنّ أحداً لَنْ يتبنَّاها؛ لأنّها وُلِدَتْ ميتةً، والنَّاسُ لا يتبنّون الأموات”.

 لقد أدركَ سيِّد قُطب أمانةَ المَوْهِبة والكلِمة، وفَهِمَ أنَّ الصِّدْقَ فيهما؛ ليسَ خياراً بَلْ ضَرُورة تَضْمنُ للأفكارِ نفُوذاً وتأثيراً، وتمنحُ الكَلِماتِ قُوّةً ومضاءً تَخْترقُ حواجِزَ القلُوب وأسوارَها؛ ولهذا خاطَبَ حملةَ الأقلامِ؛ بِبَيانِه الرّائِع: “إنّ أصحابَ الأقلامِ يستطيعُون أنْ يَصْنعُوا شيئاً كثيراً، ولكنْ بشَـرْطٍ واحِد؛ أنْ يموتُوا لِتعيشَ أفكارُهُمْ، وأنْ يُطْعِمُوا أفكارَهُمْ مِنْ لحُومِهم ودِمائِهم، وأنْ يقولُوا ما يَعْتقِدُون أنّهُ حقٌّ، ويُقدِّموا دِماءَهُمْ فِداءً لكَلمةِ الحقّ”. وما أرقى ما أبدعَهُ قلمُه: “إنّ أفكارَنا وكَلِماتِنا؛ تظلُّ جُثَثاً هامِدةً، حتَّى إذا مِتْنا في سَبيلِها، أوْ غذَّيناها بالدِّماء؛ انتفضَتْ حيَّةً، وعاشَتْ بينَ الأحياء”. ويتوجّه بالنُّصْحِ إلى أربابِ المَوَاهِب: “فإلى الّذين يَجْلِسُونَ إلى مكاتبِهم، يكدُّون قرائِحَهُمْ لينتقُوا اللّفْظَ الأنيقَ، ويُنمِّقوا العِبَارة الرنَّانة، ويُلفِّقوا الأخيلةَ البرَّاقة، إلى هؤلاءِ أتوجَّهُ بالنَّصيحة: وَفِّرُوا عليكُمْ كُلَّ هذا العَنَاء، فإنَّ ومضةَ الرُّوحِ، وإشراقَ القَلْبِ بالنَّارِ المُقدَّسة، نارِ الإيمانِ بالفِكْرة؛ هُو وَحْدَهُ سببُ الحياةِ، حياةِ الكَلِماتِ، وحياةِ العِبَارات”. فكلماتُه هذه وغيرُها؛ حرّكَتْ قرائِحنا، وألهبَتْ مشاعِرَنا، وأذكَتْ عواطِفَنا، فهُو مدرسةٌ أدبيّةٌ وَحْدَهُ، جمعَ بينَ رصانةِ الفكرِ وجمالِ الأسلُوب، ورَوْعةِ التّعبيرِ وصِدْقِ المَشاعِر.

 وإن أنسَ فلا أنسـى العقّاد الّذي ارتفعَ شأنُه؛ بفصاحةِ كلماتِه، ودقّتِه في انتقاءِ ألفاظِه، وسَلاسةِ عباراتِه، وقُوّة حُجَجِه واستدلالاتِه، ومن أعمقِ ما وصفَهُ؛ بقولِه: “التّناسُق ظاهِرةٌ عجيبةٌ في الإسلام، يلمسُها مَنْ تأمَّل فيهِ، وألقى عليه في مجموعه نظرة عامّة بين عقائده وعباداته، وبين ما يشـرعه من المعاملات والحقوق، ويحمده من الأخلاق والآداب. هنالك وحدةٌ تامّة أو بنية واحدة يجمعها ما يجمع البنية الحيّة من تجاوب الوظائِف، وتناسُق الجوارح والأعضاء. ويندرُ أنْ تقرأَ في كلامِ ناقدٍ من الأجانب عن اللّغةِ العربيّة شيئاً مِنْ مآخذِ التّناقضُ في الإسلام إلّا بدا لكَ بعدَ قليلٍ أنّهُ مُخْطِئ، وأنّ مردَّ الخطأِ عندَهُ إلى جهلِ الإسلامِ، أو جهلِ اللّغةِ العربيّة، وبعضهم يجهلها وهو من المستشرقين؛ لأنّه يستظهر ألفاظها ولا يتذوّقُها، ولا ينفذ إلى لُبابها من وراء نصوصِ القواعِد والتّراكيب” (حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، ص177).

وإليكم جبران، صاحب (عرائِس المروج)، و(الأرواح المُتمرِّدة)، و(الأجنحة المتكسـرِّة)، و(المواكِب)، الّذي جمعَ بينَ الشِّعْرِ والنَّثر والفَلْسفة، وفتحَ أبواباً واسِعةً للتأمُّل الرُّوحيّ والإنسانيّ، وهو الّذي هام بالجمالِ؛ فصاغ هيامه نثراً كأنّه شعرٌ: “يا أيُّها الّذينَ ضاعُوا في ليلِ التقوُّلاتِ، وغرقُوا في لُجَجِ الأوهانِ؛ إنّ في الجمالِ نُوراً باهِراً يقيكم ظلمةَ الأباطيل، تأمّلُوا يقظةَ الرّبيع، ومجيء الصُّبْح. إنّ الجمالَ نصيبُ المُتأمِّلين. اصغوا لأنغامِ الطّيُور، وحفيفِ الأغصانِ، وخريرِ الجداوِل، إنّ الجمالَ قِسْمةُ السّامعِين. انظرُوا وداعةَ الطِّفْلِ، وظرفَ الشّباب، وقُوّة الكَهْل، وحِكْمة الشّيْخ، إنّ الجمالَ فِتْنةُ النّاظِرين. تشبّبوا بنرجس العيُون، ووردِ الخدُودِ، وشقيقِ الفَم، إنّ الجمالَ يتمجّدُ بالمُتَشبّبين” (دمعةٌ وابتسامةٌ، جبران، ص228).

وقمينٌ بنا أنْ نتذكّر هنا مصطفى لطفي المنفلوطيّ الّذي خطفَ الأبصارَ في (نظراتِه)، و(عبراتِه) بحُسْن صياغته، ورَهافةِ حِسِّه، ورشاقةِ كلماتِه، ومُوسيقى ألفاظِه الّتي أثارتْ وما زالتْ تثيرُ وجدانَ القارِئ، وتُحلِّق بخيالِه إلى آفاقٍ بعيدة، وها هُو ذا يصفُ الجمالَ؛ بقولِه: “الجَمَالُ هُو التّناسُبُ بينَ أجزاءِ الهَيْئاتِ المُرَكَّبة، سواءٌ أكانَ ذلِكَ في الماديَّاتِ، أمْ في المَعْقُولاتِ، وفي الحَقائِقِ، أمْ في الخَيالاتِ. ما كانَ الوَجْهُ الجَميلُ جَميلاً إلّا للتَّناسُبِ بينَ أجزائِه، وما كانَ الصَّوْتُ الجَميلُ جَميلاً إلّا للتَّناسُبِ بينَ نَغَمَاتِه، ولَوْلا التَّناسُبُ بينَ حَبَّاتِ العقدِ، ما افْتَتَنَتْ بِه الحَسْنَاءُ، ولَوْلا التَّنَاسُقُ في أَزْهَارِ الرَّوْضِ، مَا هَامَ بِه الشُّعَراءُ. ليسَ للتَّناسُبِ قاعِدةٌ مُطّرِدة يستطيعُ الكاتِبُ أنْ يُبَيِّنَها، فالتَّناسُبُ في المرئيَّاتِ غيرُه في المَسْمُوعاتِ، وفي الرَّسُومِ غيرُه في الخطُوطِ، وفي الشّؤُونِ العِلْميّة غيرُه في القصائِد الشِّعْريّة” (النّظرات، المنفلوطي، ص95).

وما أروعَ ما ذكرَهُ المنفلوطيّ؛ وهُو يَصِفُ لنا حياةَ العَرَبِ – وكأنّها لَوْحةٌ فنيّة شاخِصَة، تتحرَّكُ أمامَ أعيُنِنا؛ نلمسُ فيها خِيامَهُم وأخبيتَهُم، ونَشْهدُ عِشْقَهُم وغرامَهُمْ، وصَبْرَهُمْ ووفاءَهُمْ، وكأنّنا انتقَلْنا إلى صحارى العَرَبِ الأولى، نَسْتمِعُ إلى أَصْواتِهم، ونعيشُ تفاصِيلَ حياتِهم -؛ بقولِه: “أَحْبَبْتُ الأدبَ حُبَّاً جمَّاً ملأَ ما بينَ جَانِحَتي، فلَمْ تَكُنْ ساعةٌ مِنَ السّاعاتِ أحبَّ إليَّ ولا آثرَ عِنْدي من ساعةٍ أخلُو فيها بنَفْسـي، وأُمْسِكُ عليَّ بَابي، ثُمَّ أُسْلِمُ نَفْسي إلى كِتابي، فَيُخَيَّل إليَّ أنِّي قدِ انتقَلْتُ من هذا العالَمِ الّذي أنا فيهِ إلى عالَمٍ آخَر من عوالِم التّاريخِ الغابِر، فأشْهَدُ بعَيْني تلكَ العصُورَ الجميلةَ، عصُورَ العربيّةِ الأُولى، وأرى العَرَبَ في جاهليَّتِها بينَ خِيامِها وأخْبيَتِها، وأطْنَابِها، وأعْوَادِها، وإبلِها وشَائِها؛ وأرى مُساجلاتِها ومُنافَرَاتِها، وحُبَّها وغَرامَها، وعِفَّتَها، ووفاءَها، وصَبْرَها وبلاءَها، وحُداءَها وغِناءَها، وأسواقَ شُعرائِها، ومواقِفَ خُطَبائِها، وفَقْرَها وإقلالَها، وشحُوبَ وجُوهِها، وسمرةَ ألوانِها، وضوَى أجسامِها، وتردُّدَها في بَيْدائِها، بينَ حمَّارةِ القَيْظِ، وصَبَّارةِ البَرْدِ، وتَنَقُّلَها مِنْ صَحْراءَ إلى رِيفٍ، ومِنْ مَشْتًى إلى مصيف، ومِنْ نَجْدٍ إلى وَهْدٍ، ومن شرفٍ إلى غَوْرٍ، وانْتِجَاعَها مواقِعَ الغَيْثِ، ومَنَابِتَ العُشْبِ… ثُمَّ أراها بعدَ ذلِكَ، وقد أنعمَ الله عليها بنعمةِ المَدَنيَّةِ الإسلاميّة، فأرَى رَغَدَ عَيْشِها، ولينَ طَعَامِها، واعْشُوشَابَ جانِبِها، وعذُوبةَ مَوَارِدِها ومَصَادِرِها، وسرُورَها وغِبْطتَها، بِما أفاءَ الله عليها من ذَخائِرِ الفُرْسِ وأَعْلَاقِ الرُّوم، وأرى مَجَالِسَ غِنائِها، ومَجامِعَ أُنْسِها، ومَسَارِحَ لَهْوِها، ومجالاتِ سبقِها، ومَلاعِبَ جيادِها، ومَذَاهِبَ طَرَائِدِها، ومَوَاقِفَ حَجِّها، وازْدِحامَ شُعَرائِها على أبوابِ أُمرائِها” (النّظرات، المنفلوطي، ص14- 15).

وأنّى نغفلُ عن أديبِ العربيّة ومهندسِ الكلمةِ؛ أحمد حسن الزيّات؛ الّذي ذاع صيتُه بـ(وحي رسالتِه)، فأسرَ القلُوبَ، وسَحرَ العيُونَ بجزالةِ عبارتِه، ووجازةِ مقالتِه، ورونقِ كلماتِه، وطلاوةِ ألفاظِه، ومن نفيسِ أسلُوبه: الجميلُ في إجماعِ النَّاسِ؛ هُو ما يُنشئ في الذِّهْنِ فكرةً ساميةً عنِ الشـّيءِ في الطبيعةِ، أو عن الموضُوعِ في الفنِّ، فيبعثُ في نفسِكَ عاطِفةَ السّرُور منه، والإعجاب به… أمّا في البلاغةِ والشِّعْرِ؛ فأبينُ خصائِصِ الجمالِ: الذّكاءُ والوفرة. فتزاحُم العَواطِف، وتكاثُر الصُّوَر، وتوافُر الأفكار، ثُمَّ اتِّساع الخواطِر بالذِّهْنِ النيِّر، وغزارة اللّغة وخصُوبتها، وقُدرتها على أنْ تُعبِّرَ عنِ العَلاقاتِ الجديدة للحياة؛ كُلُّ أولئِكَ يملأُ شِعابَ القلبِ بالإعجاب، وذلِك الإعجابُ الّذي نحسّه هُو عاطِفةُ الجمال (وحي الرِّسالة: 1/ 7- 9). ويقول: “والخطيبُ الّذي يبلبلُ الآراءَ بقُوّة كلامِه، ويسترقُّ الأهواءَ بسِحْرِ بيانِه، ويملِكُ على الشّعْبِ نوازِع القلُوب، فيرسله على رأيه، ويُصرّفه على إرادتِه، قد أُوتي من القُوّة في الفنِّ والعبقريّة ما يحمِلُ النّفُوسَ على الإعجابِ بقُدْرتِه، والانقياد لأمرِه. كذلِك الموسيقار الّذي يُصبي المشاعِر بسِحْرِ أنغامِه، والشّاعِر الّذي يسبي العقُولَ بقُوّةِ أسلُوبه، وسمُوِّ إلهامِه، كِلاهُما يعلنُ الجمالَ في قُوّةِ الفنِّ الّتي يفرضها، وفي وفرةِ الوسائِل الّتي يعرضُها، وفي ذكاءِ الرُّوحِ الّذي يفيضُ على عملِه النِّظامَ والانسجامَ والمُناسَبة”. (وحي الرِّسالة: 1/ 15- 16).

وكيفَ لنا أنْ نتجاهَلَ طه حُسَين الّذي لفتَ الأنظارَ بأسلُوبِه السَّهْلِ المُمْتَنِع، وسَلاسةِ لُغتِه، وانسيابِ كلماتِه، وإطنابِه في عباراتِه، ودقّة تصويرِه لمعانيه، وعدم احتفالِه بالزّخارِف اللّفظيّة، والحُلى البيانيّة، فها هُو يُعلِّم النّاشِئة بقولِه – بعدَ أنْ يستشهدَ بقولِ الشّاعر اليوناني كلّيماك -: “إنِّي أُبْغِضُ الشِّعْرَ اليسيرَ، وأكرهُ الطّريقَ المَطْرُوقةَ الّتي يَسْلَكُها كُلُّ إنسانٍ، ولا أشرَبُ مِنَ الحَوْضِ المُبَاح، وأعافُ ما تَبْتَذِلُهُ الدَّهْمَاءُ (عامّة النّاسِ وسَوَادُهُم)”. فالشّاعِرُ يجب أنْ لا يلجأُ إلى الألفاظِ المُبْتذَلة المُسْـرِفة في الابتذال، أو الرّصينة المُغرَقة في الرّصانة، إلّا حينَ يدعُوه الفنُّ إلى ذلِك، فهو لا يأتي مُستجيباً لعاطفةٍ مِنَ العواطِف، أو هوًى مِنَ الأهواءِ، وأثرُ الإرادةِ فيهِ أنّهُ لا يأتي عفوَ الخاطِر، ولا فيض القريحة، وإنّما يقصدُ الشّاعِرُ إلى عملِه وإنشائِه، ويستعدّ لتجويدِه والتأنّق فيه. (جنّة الشّوك، طه حسين، ص16- 17)، إنّهُ لونٌ مِنْ ألوانِ الشِّعر يُقْصَد بِه إلى القِصَـرِ والخِفّة والحِدّة ليكُونَ سريعَ الانتقال، يسير الحِفْظِ، كثيرَ الدّورانِ على ألسنةِ النّاس، يسير الاستجابة إذا دعاهُ المُتحدِّثُ في بعضِ الحديث، أو الكاتِب في بعضِ ما يكتُب، أو المُحاضِر في بعضِ ما يُحاضِر. ص20. تثيرُ في نفسِكَ شَوْقاً إلى المعرفةِ، وكلفاً بالاستطلاع. (جنّة الشّوك، طه حسين، ص21).

وأنّى لنا أنْ نسهو عن أحمد أمين الّذي بزغ نجمُه ببسَاطةِ أسلُوبِه، وصِدْقِ عباراتِه، وابتعادِه عنِ التكلّفِ، وإسرافِه في حُبِّ المعاني، مع إعراضِهِ عن التأنّق اللّفظي، والتزيّن التّعبيريّ، “فلا تروعُك منه الصُّورُ البيانيَّةُ الأخّاذة، ولا الأصواتُ الموسيقيّةُ الخلّابة، وإنّما تروعُك منه المَعَاني المُبْتكَرة الطَّريفة، والآراء الصـَّريحة الجَريئة”؛ ويعترِفُ هُو بنَفْسِه: “واعتدت منذُ أوَّلِ عَهْدي بالقَلَم؛ أنْ أقصدَ إلى تَجْويدِ المَعْنى أكثر ما أقصدُ إلى تَجْويدِ اللّفْظ، وإلى تَوْليدِ المعاني أكثر من تَزْويقِ الألفاظ”.

وكيفَ يَخْفى عن بَالِنا (غوته)؛ الّذي تميّز بغِنى لُغتِه، وبلاغتِها، وعميقِ فِكْره، وسِحْرِ أسلُوبِه، وعذُوبَةِ تَعْبيرِه، ودقّةِ اختيارِه لكَلِماتِه، وبَراعتِه في نَسْجِ الصُّوَرِ الشِّعريَّة، والاستعاراتِ البيانيّة الّتي تجعلُ نصُوصَهُ تنبضُ بالحَياةِ والحَركةِ، وقد لمعَ اسمُه عبرَ كتابِه (آلام فارتر) الّذي تغنّى بمُعاناتِه، وصوَّر فيه أوجاع قَلْبِه العَاشِق، وجعلَ مِنَ النَّفْسِ مَسْرحاً للتَّعبيرِ، يفيضُ بالغُموضِ والشَّغَف، مُهتمّاً بالغَوْصِ في أعماقِ النَّفْسِ البشـريَّةِ؛ مُتجاوِزاً تخُومَ السّـَرْدِ التقليديّ للأحداثِ، مِمّا جعلتْ أفكارُه غنيّةً بالتأمُّلاتِ الفكريَّة والمَشَاعِر الصَّاخِبة، وهو الّذي وصفَ أسلُوبَ القُرْآن الكريم؛ بأنّهُ مُحْكمٌ، سَامٍ، مُثيرٌ للدَّهشة، “ويبلغُ قِمّةَ السمُوِّ حقّاً”، وهي من أسمى الصِّفاتِ الّتي اعتاد أنْ يسبغَها على أيِّ عملٍ فنيّ ولُغويّ مرمُوق.

 وكيفَ يُعْقَل لأديبٍ أنْ يَنْسـَى (شيلر)، الّذي لمعَ نجمُه بين أعلامِ الأدب؛ بأسلُوبِه البيانيّ الرَّفيع، وشَغفِه بتَلْوينِ عباراتِه بصُورٍ شِعْريَّةٍ نابضةٍ بالحُبِّ والحياة، وقُدْرته على تَحْويلِ الأحداثِ إلى مشاهِدَ دراميَّةٍ مشحُونةٍ بالعاطِفة. وكيف يغيبُ عن أذهانِنا (شكسبير) الّذي تألَّقَ هُو الآخَر بجمالِ أسلُوبِه، وإيقاعِ كَلِماتِه، وثراءِ استعاراتِه وتشبيهاتِه، وغيرُهم كثير، فهؤلاءِ كانوا معرُوفينَ بأساليبهم، وأيّ عبارةٍ تُسْـرَق منهم؛ تعودُ إليهم، كما يعودُ الوليدُ إلى أُمِّه، كان عمليّةُ كَشْفِ الجاني تَجْري بسهُولةٍ وسَلاسةٍ ويُسْـر؛ لأنَّ الكَلِمةَ كانَتَئِذٍ كأنّها تَلِدُ مِيلاداً في حَضـْرةِ الجميع، لَمْ تَكُنْ هُناكَ سَرِقةٌ لمواهِبِ الآخرين، وتلصُّصٌ على موائِدِهم، فالرَّقابةُ كانَتْ بالمِرْصاد؛ لكلِّ من يُسوِّل له نفسُه بالسَّطْوِ على مُمْتلكاتِ الآخرين الفكريّة والمعرفيّة. أمّا اليَوْم فما أسهلَ ذاك السّطوَ وتلكَ السّـَرقة أمامَ أعيُنِ الجميع، دُونَ ذرّةٍ من حَياءٍ أو خَجل، ودُونَ رَقابةٍ أو مُقاضاة، فالغبيُّ أصبح أديباً بإعارةِ كَلِماتٍ وعِبَاراتٍ ينسخُها بثوانٍ من تلك التَّطبيقات، فلَمْ تَعُدِ الكلمةُ حَكْراً على الأُدباء والشُّعراء والمُفكِّرين، بَلْ أصبحتِ الكلمةُ مُلْكاً مُشاعاً يتهافتُ عليه الأغبياءُ والدّهماءُ والمُتطفِّلون! كانتِ الكتابةُ كصَوْلجانِ الملكِ وتاجِه حَكْراً على ملوكِ الكِتابةِ وأُمراءِ البيان، فأصبحَ اليَوْم مُسْتنقعاً آسِناً يتطفَّل على مائدتِه أسرابُ الذُّباب الّذي بدأَ يتوغّل طفيليّاً على موائِد الذّكاءِ الاصطناعيّ، ويتلصّصُ على حُرُماتِ الكُتّاب الآخرين الّذين أصبحتْ على صُورةِ بياناتٍ تُتيحها تطبيقاتُ الذّكاء الاصطناعي؛ تلكَ التّطبيقاتُ الّتي أصبحتْ بالآلافِ، وأصبحَ من المُتعذِّر بمكانٍ حِمايةُ حقُوقِ الكُتّاب والمُفكِّرين، وأصبحَ الغبيُّ يَسْخرُ من أساليبِ الأذكياء بنَقْرةِ زرٍ على جوّالِه، في الوقتِ الّذي يتألّم الشّاعِرُ والأديبُ في إبداعِ صورةٍ أيقونيّة بعدَ إعمالِ ذهنِه، واستنفارِ أحاسيسه، وقَدح زنادِ أفكاره! كان المقالُ الأدبيّ يستغرِقُ أيّاماً متتالية حتّى يَسْتوي على سُوقه؛ كي يُعجب القُرّاء، وبعدَ الفراغِ منه؛ يعودُ الكاتِبُ إليهِ حامِلاً ذُؤابة يَراعِه يَجْري عليه التَّعْديلَ والتَّحْويرَ والتَّنْقيح، شأنُه شأنُ الطّبيبِ الّذي يشهرُ مِبْضَعَهُ، ويعملُ جاهِداً لإزالةِ الورمِ الخبيث، فكما للمرضى أورامٌ للنصُوصِ أورامُها، لا بُدّ من إزالتِها حتّى يعودَ النصُّ سليماً مُعَافَى!

 كان قلمُ الكاتِب ويراعُه سِلاحهُ ونباله أينما حلّ، ومالُه وعيالُه أينما ارتحل، وما نقولُه ليسَ قَوْلاً يُقال، أو دَعْوى تُدّعى، إنّما هُو حقيقةٌ لا يُمكن إنكارُها، ولا يحقّ نُكْرانها، فهذا السيِّد جمال الدِّين الأفغاني الّذي دوّخ الشّـَرْقَ، وصدّع رؤُوسَ الغَرْب؛ رفضَ مَعُوناتِ المِصْـريِّين له، عندَ تَوْديعِه إلى مَنْفاهُ، ولمّا ألحّوا عليه إلحاحاً؛ ردّ عليهم بكلمةٍ ما زال صداها يدوِّي في أسماعِ العالَمِين: “أينما توجَّهَ اللَّيْثُ وجدَ فريستَهُ”. نعم، فالكاتِبُ كاللّيثِ الهصُور لا يخافُ في الله لومةَ لائِم، ولا يمدّ يدَهُ لأحدٍ؛ لأنّ قلمَهُ هُو سِلاحُه الّذي يرفعُه في وَجْهِ أعدائِه، ومالُه الّذي يَقْضـي حاجاتِه، وكلماتُه هي عتادُه في معركةِ تَعْبيرِه. وما أجملَ ما جادَتْ به أحلامُ مستغانمي؛ بقولِها: “في الأدبِ لا تحتاجُ إلى نسبٍ، أنتَ تَنْتسِبُ إلى قَلمِكَ”! وحقيقٌ بنا أنْ نذكر ها هُنا السياسيّ الإنكليريّ لويد جورج، فهُو بعدَ أنْ ودّعَ رِئاسةَ الوِزارة، ودّعَ معها المالَ والجاهَ، وأبدى رغبةً شديدةً في حياةٍ حُرّةٍ كريمة، وبعدَ أنْ دوّخ العالَم لسنواتٍ طويلة؛ جاهرَ العالَمَ بأنّهُ مضطرٌّ إلى الرِّزقِ الشَّـريف، وصرَّح دُونَ خجلٍ أنّهُ فقيرٌ مُحتاج، وقد قالُوا: “لا عارَ عليكَ في فَقْرِكَ، إنْ سَعيْتَ لسدِّ حاجتِكَ من طَريقٍ شَريف”! “نعم؛ سقطَ لويد جورج، ثُمَّ وجدَ نفسَه خاليَ الوِفاض، ثُمَّ نظرَ حوالَيْهِ نَظْرةَ اللّيْثِ الجَائِع، فإذا كُلُّ ما في الأرضِ مِنْ طَعامٍ وشَراب؛ قد لوّثَهُ الذُّبابُ، ففزعَ إلى قلمِه يَسْتصـرِخُه، فأمطرَهُ شآبيبَ الرِّزْقِ الحلال”! فما أحرى بنا من أنْ نفزعَ من جديد إلى أقلامِنا؛ لنسوِّد قراطِيسَنا بنجيعِ أفكارِنا، وذَوْبِ مَشَاعرِنا، ورَحيقِ أحاسيسِنا، فالأفكارُ الرّائعة الجميلة إنّما تُولَد من إعمالِ عقولِنا، واستفزازِ مشاعرِنا، واستنفارِ أحاسيسِنا، فالكسلُ المعرفيُّ والغباءُ الفكريُّ؛ إنّما يأتي رُوَيْداً رُوَيْداً مِنْ خِلال هذا السَّطْوِ المجانِّي المُستمِرِّ على مصارِفِ عقُولِ الآخرين دُونَ رَقابةٍ أو مُقاضاة، فأخوفُ ما أخافُ عليه الآن؛ هُو أنّ تُصْبِح الحياةُ فارِغةً من عقُولٍ تنتجُ المُعْرِفة إلى عقولُ تَسْتهلِكُها، فقد أصبحتِ الأفكارُ مُتشابهةً إلى حدِّ التّطابُق؛ لأنّها تمتحُ من مصادِرَ ومنصّاتٍ واحِدة، فلَمْ نَعُدْ نُفرِّق بينَ الأساليبِ؛ سِوَى معرفتِنا بأنّ هذا وذاك لا يُجيدانِ إبداعَ هذه الأساليبِ المُناظِرة لأساليبِ أساطينِ الكلمة وُروَّادِها، مَهْما كانت معرفتُهم، ومهما كانَتْ تَجَارِبُهم! إذ إنّ سرَّ تِلكَ القُدْرةِ لا يُستمدّ من كَثْرةِ المَعَارِفِ وَحْدَها، بَلْ مِنْ رُوحٍ إبداعيّةٍ رفيعة تتجلّى مَلامِحُها في شخصيّاتٍ استثنائيّةٍ. ويظهرُ هذا الأثرُ بوضوحٍ في سِيَرِ المُفكِّرين والفَلاسِفة الّذينَ كانُوا وما زالُوا ملُوكاً غيرَ مُتوَّجين، وإنْ أضنَتْهمُ الحَاجةُ وأثقلَتهمُ الفَاقةُ؛ كانتْ أفكارُهم صَوْلجانَ مُلكِهم، وكلماتُهم سِرَّ قُوّتهم، وأقلامُهم مَنبعَ فَخْرِهم، ومَصْدرَ اعتزازِهم، وعُنْوانَ تفرُّدِهم بينَ النَّاسِ على اختلافِ طَبَقاتِهم، وشَارةَ تميُّزِهم في أَرْوِقةِ الملُوكِ والأغنياءِ؛ لا يضـرُّهم فَقْرٌ، ولا يُغْريِهم غِنًى. غيرَ أنّ أربابَ الرّأسماليّة، في عَصـْر الذَّكاءِ الاصطناعيّ، أبَوا إلّا أن يُنازِعُوهم هذا الامتياز الفريد، ويُزاحِمُوهم هذا المَجْدَ التّليد. وعزاؤُهم – الّذي يَشْفي غليلَ صدُورِهم -؛ أنّهم سيظلّونَ أركانَ المَجَالِسِ وأعلامَ المَحَافِل؛ إذا تكلَّمُوا أبدعُوا، وإذا تحاورُوا أبهرُوا، وإذا حضـرُوا أربكُوا صُورةَ غَيْرِهم، وجعلُوا وجُودَهُم بَاهِتاً خَافِتاً. أمّا الّذين افتقَرُوا إلى عُمْقهم، ولَمْ يُدْرِكُوا غَوْرَهُمْ، ولَمْ يَبْلغُوا آفاقَهُم، فإنَّهُمْ إذا تحدَّثُوا انْكَشفَ عَوَارُهُم، وتَعرَّتْ عيُوبُهم، وإذا تَخاطبُوا ظَهرَتْ مَثالِبُهم، وبَدَتْ مَهازِلُهم، فغَدَوْا أضحُوكةَ المَجَالِس، ومَسْخرةَ المَحَافِل.

وما أصدقَ ما عبّر عنهُ الشّافعيُّ في هذا المَقام:

 تَعَلَّمْ فَلَيْسَ الْمَرْءُ يُولَدُ عَالِماً وَلَيْسَ أَخُو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ

 وَإِنَّ كَبِيرَ الْقَوْمِ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ صَغِيرٌ إِذَا الْتَفَّتْ عَلَيْهِ الْمَحَافِلُ

وما أحرى بِنا أنْ نعودَ عَوْدةً رشيدةً إلى الكُتُب، وأنْ نعيشَ قليلاً بين رفُوفِ الكتُبِ، فهُناكَ يهدأُ بالُكَ، وتَسْتقِرُّ أفكارُكَ، وتشعُرُ بالأمانِ والسّكينة، فأنتَ في صُحْبةِ الكُتُبِ ستَجِدُ الملاذَ الآمِنَ الّذي لا تهزُّه صَخَبُ الحياةِ وضجيجُها، وتُخلِّصُ نفسَكَ من ضَوْضاءِ العالَمِ الخارجيّ المُرِيب. كُلُّ صَفْحةٍ تحمِلُ في طيَّاتِها عالَماً آخَر، وكُلُّ كلمةٍ هِيَ نافِذةٌ مشـرعة تُطِلُّ بِكَ على أُفقٍ جديدٍ مِنَ الفِكْرِ والإبداع. بينَ الكُتُبِ، يُصْبِح الزّمنُ أبطأَ، والحياةُ أكثرَ وضُوحاً، والأمانُ حقيقيّاً، بينَ الكُتبِ تَشْعرُ وكأنّ رُوحكَ وَجدَتْ مكانَها الّذي تَنْتمِي إليه. بينَ الكُتُبِ تتكلَّمُ السّطُور بلِسانٍ صادِق، وتُحاوِرُكَ العِباراتُ كإنسانٍ نَاطِق، وتتحوّلُ الكَلِماتُ إلى أصدقاءَ حقيقيِّينَ، وتتنفَّسُ هواءَ الحُريّة الحقيقيَّة: حُريّة التّفكير، والاستكشاف، وحُريّة أنْ تكُونَ كما تُريد، بلا قيُود. لا أحدَ يَمْلِكُ عليكَ سُلْطةً ما دُمْتَ تُحلِّق في فضاءِ الحُريَّة. في صُحبةِ الكتُبِ، لا تهرُب مِنَ الواقِع فَحَسْب، بَلْ تفهمُه، تتأمّل فيه، وتجِدُ لنفسِكَ مكاناً وَسْطَ عوالِمَ لا حدُودَ لها. مع الكُتُبِ تُجَالِسُكَ المُؤرِّخون، ويَسْـرُدون لك عجائِب الأحداث، وكأنّك واحِدٌ من شخُوصِها، وفي اللّحْظةِ الّتي تفتحُ فيها صفحةَ الفَلْسفةِ؛ يُجادِلُكَ أرسطو بهدُوئِه القديم، ومع الكُتبِ ينهضُ ابنُ سينا ليشـرحَ لك أسرارَ الرُّوح، ثُمَّ يطلّ الفارابي بهدوئه السّماوي، يترنّم بحديثٍ عن “المدينة الفاضِلة”، ويذكّرك أنّ الحلُمَ الفلسفيّ ليسَ هرُوباً بَلْ رُؤيةً لِما يُمْكِن أنْ يكُون. ويظهرُ ابنُ النّفيس حامِلاً أوراقَهُ القديمة؛ وكأنّهُ يُخاطِبُكَ: ما مِنْ عِلْمٍ إلّا وهُو قابِلٌ للزِّيادة.

وما إنْ تفتح صفحةً مِنْ صَفَحاتِ الإمامِ الغزاليّ؛ حتّى يُفاجِئُكَ بعُمْقِ تأمُّلِه، وهُو يُحدِّثك عن رحلةِ الشكِّ الّتي انتهتْ بِه إلى اليَقين، وعن نُورٍ يتجلَّى لكُلِّ مَنْ صدقَتْ نيَّتُه، وتهذّب قلبُه؛ نُورٍ يُضِيء زوايا النَّفْسِ قبلَ أنْ يُنيرَ صَفَحاتِ الكِتاب. وهُو الّذي أوضحَ لنا في (مِعْياره) بدقّةِ وصفِه: أنّ للشـّيءِ وجُوداً في الأعيانِ، ثُمَّ في الأذهانِ، ثُمَّ في الألفاظِ، ثُمَّ في الكِتابة. فالكِتابةُ دالّةٌ على اللّفْظِ، واللّفْظُ دالٌّ على المَعْنى الّذي في النّفْسِ، والّذي في النّفْسِ هُو مِثالُ الموجُوداتِ في الأعيان (معيار العِلْم، الغزالي، ص73). وعلى مَقْرُبةٍ منه، يَجْلِسُ ابنُ رُشد الحكيم، وعيناهُ ثابتتانِ كميزانِ العَدْل؛ يُذَكِّرُكَ بأنَّ العَقْلَ جِسْـرٌ لا يُلْغِيه الإيمانُ، بَلْ يُكَمِّله، وأنّ التّفكيرَ فريضةٌ لا تقلُّ قَدْراً عن العِبَادة، ومن أجلِ ذلِكَ صنَّفَ كِتابَهُ (فصل المقال فيما بين الشّـريعةِ والحِكْمة من الاتِّصال)، مُقرِّراً أنّ صناعةَ المَنْطِق؛ إنّما وُضِعَتْ لأجلِ تسديدِ العَقْلِ، وصَوْنِه مِنَ الوقُوعِ في الخَطأِ” (تلخيص السِّياسة، ابن رشد، ص168)، وهو الّذي حَفِظَ لنا قَوْلاً نفيساً لأفلاطون: وبِمَا أنّ الجُوعَ والعَطَش يَفْرِغانِ الجِسْم، فإنّ الجهلَ واللّا معرفة يَفْرِغانِ النّفْس، وإذا كانَ الأمرُ كذلِك، فإنّ كِلَا الرَّجلَيْنِ مُمْتلِئانِ؛ أي: الّذي يَأْكُلُ ويَشْـرَبُ، وذاكَ الّذي يطلُبُ المَعْرِفة. ولكنّ الامتلاءَ بالفِعْلِ؛ يكونُ من خِلالِ ذلِكَ الأكثر تميُّزاً بالفِعْل، وهذا هُو الأكثرُ واقعيّةً وحقيقيّة… وكونُ الأمرِ كذلِكَ؛ فإنّ الشّـيْءَ الّذي تَمْتلِئ به النّفُوس؛ لهُوَ أكثرُ صِحَّةً مِنَ الشّـيْءِ الّذي يَمْلأُ الجِسْم؛ لأنّ النّفْسَ أقربُ إلى جَوْهرِ تلكَ الأشياءِ مِنَ الجِسْم… وبِما أنّ هذا الامتلاءَ؛ أي: الفَهْم، مقبُولٌ بالجُمْلة، فإنّ الّذي يُطْلَب مِنْ حيثُ جوهرُه الثّابتُ واليقينيّ والدّائِم؛ يجبُ أنْ يكُونَ بالضـّرُورةِ هُوَ الأكثرُ لذّةً. (تلخيص السياسة، ص229).

وفي مَشْهدٍ آخَر؛ يُطِلُّ علينا ابنُ تيميّة بثباتٍ لافِت، جامِعاً بينَ قُوّةِ النصِّ، وحيويّةِ الاجتهاد، مُبيِّناً أنّ الحقيقةَ لا تَخْشَـى السُّؤال، وأنّ مَنْ أرادَ الوصُولَ إلى نُورِ الفَهْمِ؛ فعليهِ أنْ يجمعَ بينَ العقلِ والنّقْلِ، وقد تجلّى ذلِك في كتابِه (درء تعارُض العَقْل والنّقْل)، وما أبلغَ ما قرَّرَهُ؛ بقولِه: “إنّ الشّـرْعَ المُنزّل من عندِ الله ثابِتٌ في نَفْسِه، سواءٌ عَلِمْناهُ بعقُولِنا، أوْ لم نعلَمْهُ، وهُو مُسْتغنٍ في نَفْسِه عن عِلْمِنا وعَقْلِنا؛ ولكنْ نحنُ مُحتاجُونَ إليهِ، وإلى أنْ نعلمَهُ بعقُولِنا؛ فإنّ العقلَ إذا عَلِمَ ما هُو عليهِ الشّـرْعُ في نَفْسِه؛ صَارَ عالِماً بِه، وبِمَا تضمَّنَهُ مِنَ الأمُورِ الّتي يحتاجُ إليها في دُنْياهُ وآخرتِه، وانتفعَ بعِلْمِه بِه، وأعطاهُ ذلِكَ صفةً لَمْ تَكُنْ له قبلَ ذلِك. ولَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ؛ لكانَ جاهِلاً ناقِصاً” (طريق الوصول إلى العلم المأمول، ابن تيمية، ص44).

وما أعمقَ ما عبّرَ به؛ بقولِه: “ما عُلِمَ بصـريحِ العقلِ لا يُتصوَّرُ أنْ يُعارِضَهُ الشَّـرْعُ البتَّة، بَلِ المنقُول الصَّحِيح لا يُعارِضُهُ مَعْقولٌ صَريحٌ قَطُّ. وقد تأمّلْتُ ذلِكَ في عامّةِ ما نازعَ النَّاسُ فيهِ؛ فوَجَدْتُ ما خالفَ النّصُوصَ الصَّحيحة الصَّـريحة شُبُهات فاسِدة، يُعْلَم بالعَقْلِ بُطلانها، بَلْ يُعْلَم بالعَقْلِ ثبُوت نَقِيضِها المُوافِق للشّـَرْع” (طريق الوصول إلى العلم المأمول، ابن تيمية، ص45- 46).

ويقفُ ابنُ خلدُون في صَمْتٍ مَهيب، يفتحُ مُقدّمته كما يفتحُ القائِد كتابَ العُمْران، يُرِيك صعُودَ الدُّوَل وسقُوطَها، ويشرحُ كيفَ تقومُ الدُّوَل على العصبيَّة (التّماسُك الاجتماعيّ)، ثُمّ تضعفُ تَدْريجيّاً؛ بسببِ التّرفِ والفَسادِ حتّى تَنْهار، ويربطُ عجلةَ التّاريخِ بحركةِ النَّفْسِ والمُجْتمع، ويُقارِن بينَ حياةِ البَدُو (البَساطةِ والقُوّة) والحَضَـر (التّرف والاستقرار)، ويُبيِّن أثرَ ذلِكَ في قُوَّة الدّولة، ويُناقِشُ طرُق التّعليم، وينتقِدُ الحِفْظَ دُونَ فَهْمٍ، ويَدْعُو إلى التدرُّجِ في التعلُّم، كما ينتقِدُ المُؤرِّخين الّذين ينقلُون الأخبارَ دُونَ تَمْحيصٍ، ويَضَعُ قواعِدَ للتحقُّقِ من صِدْقِ الرِّواياتِ. ويُقرِّر أنّ التّاريخَ ليسَ مُجرَّدَ سَرْدٍ للأحداثِ، بَلْ تَحْكمُه قوانينُ اجتماعيّةٌ يُمْكِن فَهْمُها وتَحْليلُها.

ومعَ ابنِ بطوطة في كتابِه (تُحْفَة النظَّار في غَرائِب الأمْصَار وعجَائِب الأسْفَار)؛ نتصفّحُ الخرائِطَ الّتي تَكْشِفُ لنا أسرارَ العالَم، وتفتحُ لنا أبواباً لعصُورٍ وأماكِنَ لَمْ تَطَأْها قدمُنا بَعْدُ، نَسْبَحُ بخَيالِنا في صَحَارى المَغْرِب، وأزِقّة دِمَشق القديمة، وأسواق البَصْـرة المُفعمة بالحياة، وقصُور الهِنْد الغريبة، فنرى صُوراً حيَّةً شَاخِصة عن حياةِ النَّاسِ، وأزيائِهم، وطَعَامِهم، وطِبَاعِهم، ونشهدُ لِقاءاتِه مع السَّلاطين والملُوك، خاصّةً في الهِنْد؛ حيثُ عَمِلَ قاضِياً، ويَصِفُ لنا المُدُنَ الكُبْرَى، والمَسَاجِدَ، والأَسْوَاقَ، وأنظمةَ الحُكْمِ، ويُطْلعنا على مخاطِرَ أسفارِه، وغرائِبَ ما شاهدَهُ في رَحلاتِه، ومواقِفَه الّتي مرَّ بها، فنشعرُ وكأنّنا نُشَارِكُ الرحّالةَ نفسَهُ الاكتشافَ والدَّهْشةَ والذّهُول، والسَّفَر عبرَ الزّمَن والمكان. ويَكْفي أنْ تفتحَ هذا الكِتاب؛ لِتُسَافِرَ عَبْرَهُ في رِحْلةٍ أوسعَ وأعمقَ مِنْ أيِّ سفرةٍ جسديَّة أُخرى، فَتُحَلِّقَ بينَ صَفَحاتِه بحُريَّةٍ وانطلاق، وتكْتَشِفَ أنّ العالَمَ أكبرُ وأعمقُ مِمَّا كُنْتَ تحلُم، وتُدْرِكَ أنّ كُلَّ خَطْوةٍ في القِراءة رِحْلةٌ، وكُلَّ كلِمةٍ مِفْتاحٌ لأُفقٍ جديد، وكُلَّ خَريطةٍ دَعْوةٌ للمُغامَرة والاستكشاف.

وفي اللّحظةِ الّتي تَغُوصُ فيها في عَالَمِ الكتُبِ التاريخيّة؛ يَجْتمِعُ حَوْلَكَ الورَّاقُون في بغدادَ القديمة، يَصُبُّون لكَ رَحِيقَ الحِبْرِ على قراطِيسِ العِلْمِ المُذهَّبة، ويُريقُ لكَ ناسِخُو المَخْطُوطاتِ شَرَاباً مِنْ نُورِ الكَلِماتِ البهيّة الآسِرَة على صفحاتٍ مشذّبة، ومِنْ بعيدٍ؛ يُطِلُّ ورَّاقُو قُرْطبة المُنْهمِكونَ في الكِتابة، وهُمْ يسكبُونَ عُصارَةِ العِلْمِ المُصفّى ممزوجةً بعِطْرِ الأزمنةِ الفاتِنة، فتَحلِّق رُوحُكَ بينَ المَاضِي والحَاضِر، بينَ المدُنِ والقصُورِ والأَسْوَاق. هُناكَ تُدْرِكُ أنَّ القِراءةَ رحلةٌ أعمقُ وأرحبُ مِنْ أيِّ سَفَرٍ جَسَديّ عابِر، وأنّ كُلَّ صَفْحةٍ بوّابةٌ لاكتشافٍ جديدٍ جديرٍ بالمُغامَرةِ والمُخاطَرةِ والمُجازَفة، وكلَّ عِبارةٍ مَعْبرٌ لفهمٍ أعظمَ للعالَمِ وعجائبِه.

أَعَـزُّ مَكَانٍ فِيْ الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ       وَخَيرُ جَلِيسٍ فِيْ الزَّمَانِ كِتَابُ

 

 ومَا إنْ تَلِجَ عالَمَ المُتنبِّي حتَّى تَجِدَ نَفْسَكَ مُنْقاداً إلى أُفقٍ آخَر، كأنَّك تَرْتقي سُلّماً في سَمَاءِ المَعنى، تفضـي بِكَ إلى فَضَاءاتٍ تتَّسِعُ فيها الرُّؤْية، حيثُ تتشَابَكُ الكَلِمةُ بالخَيَالِ، ويَعْلُو الصَّوْتُ الشِّعْريُّ مُحَلِّقاً في آفاقٍ لا تَحُدُّها قيُود، ولا تُقيِّدها حدُود؛ وكيفَ لا، وهو الّذي هَمَسَ في سَمْعِ الوجُود:

وهُو الّذي أبدعَ بقَوْلِه: وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلَاً صَحِيحَاً      وَآفَتُـهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّـقِيمِ

ومَا أجملِ ما صَاغهُ شِعْراً: عِشْ عَزِيزاً أَوْ مُتْ وَأَنْتَ كَرِيمُ        بَيْنَ طَعْنِ الْقَنْا وَخَفْقِ الْبُنُودِ

وأرْوِعْ بنفيسِ حِكْمتِه: فَطَعْمُ الْمَوْتِ فِي أَمرٍ حَقِيرٍ       كَطَعْمِ الْمَوْتِ فِي أَمْرٍ عَظِيمِ

ومِنْ بَدِيعِ أَبْيَاتِه: مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الْهَوَانُ عَلَيْهِ      مَا لُجِرْحٍ بِمَيِّتٍ إِيلَامُ

ومِنْ حَكِيمِ نَظْمِه: وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى       عَدُوَّاً لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِه بُدُّ

ومِنْ رَفِيعِ أَمْثَالِه: إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الْكَريمَ مَلَكْتَـهُ       وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تمَرَّدَا

  
ومِنْ غُرَرِ أَشْعَاره: عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ تَأْتِي الْعَزَائِمُ      وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الْكِرَامِ الْمَكَارِمُ

ومِنْ دُرَرِ أَبْيَاتِه: وَمَا الْحُسْنُ فِيْ وَجْهِ الْفَتَى شَرَفَاً لَهُ      إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيْ فِعْلِـهِ وَالْخَلَائِقِ

 
ومِنْ رَوَائِعِ حِكَمِهِ: إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومٍ       فَلَا تَقْنَعْ بِمَا دُونَ النُّجُومِ

 
ومِنْ دَقِيقِ أَوْصَافِهِ: ومَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُـرٍّ مَرِيضٍ        يَجِدْ مُرَّاً بِهِ الْمَاءَ الزُّلَالَا

 
ومِنْ عَميقِ حِكَمِه: وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الْأَفْهَامِ شَيْءٌ      إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ

 
ومِنْ جَوَاهِرِ أَبْيَاتِهِ: كَفَى بِكَ دَاءً أَنْ تَرى الْمَوْتَ شَافِيَا      وَحَسْبُ الْمَنَايَا أَنْ يَكُنَّ أَمَانِيَا

 
ومِنْ بَلِيغِ قَريضِهِ: يَهُونُ عَلَيْنَا أَنْ تُصَابَ جُسُـومُنَا       وَتَسْلَمَ أَعْرَاضٌ لَنَا وَعُقُولُ

 
ومن سَدِيدِ تَصْويره: لَوْلَا الْمَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمُ     الْجُودُ يُفْقِرُ وَالْإِقْدَامُ قَتَّالُ

 
ومن عَجِيبِ تَمْثِيلِه: وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ عَيْبَاً     كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ

 
ومن نَفِيسِ تَجْسيده: وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارَاً         تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الْأَجْسَامُ

 

 ولَوِ اجتمعتْ أنظمةُ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ كلُّها، وتَضافَرتْ قُدراتُها في أَقْصَـى ما تبلغُه من تَحْليلٍ وتَرْكيبٍ وتَوْليدٍ؛ لَما استطاعَتْ أنْ تُبْدِعَ بَيْتاً واحِداً مِنَ الشِّعْرِ يُضَاهِي ما نَسَجَتْهُ قَريحةُ المُتنبِّي، من شِعْرٍ نَابضٍ بالحَياةِ والحَركة، مُتوهِّجٍ بالمَعْنى والحِكْمة، مُتْرعٍ بالمَشَاعِر، مُفْعَمٍ بالخَيَال، مُتَّسِمٍ بطاقةٍ تعبيريّة عالية، وكثافةٍ دلاليّةٍ عميقة، وثَراءٍ في التَّصْوير، وسمُوٍّ في الرُّؤْية.

وفي زاويةٍ مُضيئةٍ بنُورٍ خافِت، يقفُ الخليلُ بن أحمد الفراهيديّ، وهُوَ يَزِن مُوسيقى الكلِمات، كأنّهُ يضبطُ نبضَ اللُّغة على إيقاعٍ لا يزولُ ولا يَخْبُو، ويُعلِّمكَ أنّ البَحْرَ ليسَ ماءً فَحَسْب، بَلْ إيقاعٌ وجَرْسٌ، وقانونٌ يَسْـرِي في الشِّعْرِ، كما يَسْرِي الدَّمُ في الجَسَد. نعم، هكذا أرى الخليل؛ وهُو يُمْسِك سِفْرَ العَرُوض، كما يُمْسِك قائدُ أوركسترا عَصَاهُ المُوسيقيَّة، يقرعُ على الطَّبْلِ بخِفَّة؛ كأنّ كُلَّ نغمةٍ تنبضُ بالحَياة، وكلَّ وَزْنٍ شِعْريّ يَنْسَابُ كنَسِيمٍ هادِئ بينَ الكَلِمات؛ وكأنِّي بِه يُخاطِبُني: انظُرْ؛ هكذا تُوزَن القَصِيدة. فليسَ الشِّعْرُ كلاماً مَنْثُوراً، بَلْ خَفْقة قَلْبٍ موزُونة. وبَيْنَما يتحدَّثُ، أرى البحُورَ تَنْسابُ حولَهُ كدوائِرَ ماءٍ تتَّسِعُ رُوَيْداً رُوَيْداً، وكُلُّ بَحْرٍ يمتدُّ على الأرضِ كنغمةٍ شِعْريّة تتعالى في الآفاق. فالميزانُ الّذي وضعَهُ للعربيَّة؛ هُو ميزانٌ لا يختلّ مَهْمَا تغيَّرَ الزَّمَن. فكُلُّ بَحْرٍ إيقاعٌ، وكُلُّ تَفْعيلةٍ نَبْضُ حَيَاة! فالخليلُ – كما يُحدِّثُنا التّاريخ -؛ هُوَ الّذي “استقرأَ كلامَ العَرَبِ، وأخذَ يتذوّقُ أساليبَهُم، ويتدبَّرُ تعبيراتِهم، وهُو الّذي توصَّلَ إلى حَصْـرِ الأوزانِ الّتي انْبَنَى عليها الشِّعْر العربيّ، ووضعَ لكُلِّ وَزْنٍ اسماً خاصَّاً، وفصَّلَ الكلامَ في تفعيلاتِه وأجزائِها، وطلعَ على العالَمِ بِما سمَّاهُ عِلْمَ العَرُوض، وحَصَرَ أوزانَ الكَلِماتِ، وقامَ بتَصْنيفِها إلى طوائِفَ، كلُّ طائِفةٍ لها وَزْنٌ خَاصٌّ، سَواءٌ في ذلِكَ الأسماءُ والأفعال”. (الخليل بن أحمد الفراهيدي، أعماله ومنهجه، مهدي المخزوي، ص60).

وعلى مقربةٍ منه يقلبُ سيبويهِ أوراقَ “الكتاب”، ويُحدِّثك عن المبتدأِ والخَبَرِ في بَابِ المُسْنَد والمُسْنَد إليهِ؛ ويقولُ لكَ: “وهُمَا مَا لا يَغْنَى واحِدٌ مِنْهُما عنِ الآخَرِ، ولا يَجِدُ المُتكلِّمُ منه بُدَّاً، فَمِنْ ذلِكَ الاسمُ المُبْتَدَأُ والمَبْنِيُّ عليهِ؛ وهُو قَوْلُكَ: عبدُاللهِ أخُوكَ: وهذا أخُوكَ” (كتاب سيبويه: 1/ 23)، ويُحدِّثُكَ كما يُحَدِّثً أبٌ ابنَهُ عن قيمةِ الأشياء: انظُرْ إلى الجُمْلةِ، فكُلُّ كلمةٍ فيها كخليَّةٍ في جِسْمِ اللُّغة، ولكُلٍّ مِنْها وظيفةٌ لا تُسْتبدَل. ولا يقفُ عندَ هذا الحدِّ، بَلْ يرفعُ رَأْسَهُ ليَحْكي لكَ عن دقائِق النّحْوِ، ويُعِيد ترتيبَ مسائلِه، ويَكْشِفُ لكَ أسرارَ البيانِ، ويُبدِّد عن ذِهْنِكَ غمُوضَ ما اسْتَعْصـَى على غَيْرِك. وكأنّهُ يقولُ لكَ بثباتِ المُحقِّق المُجْتهِد: هكذا تُضْبَط العربيَّة، وهكذا يستقيمُ القَوْلُ. ولاجتهادِه وعُمْقِه واستقصائِه؛ صارَ كِتابُه يُعادِل عُمْرَ حضارةٍ بأكملِها، مِرْآةً للمُعْرِفة، وشِرْياناً نابِضاً في جَسَدِ النَّحْوِ العربيّ. وكيفَ لا، وهُو الّذي قالَ فيهِ محمّد بن يَزيد: “لَمْ يُعْمَلْ كِتَابٌ فِي عِلْمٍ مِنَ العلُومِ مثلُ كِتَابِ سيبويهِ، وذلِكَ أنّ الكُتُبَ المُصَنَّفَةَ فِي العلُومِ مُضْطَرَّةٌ إلى غَيْرِها، وكِتَابُ سيبويهِ لا يحتاجُ مِنْ فَهْمِه إلى غَيْرِه”. وقالَ أبُو جعفر الطَبريّ؛ سَمِعْتُ الجَرْميَّ يقولُ: “أَنا مُذْ ثلاثُونَ أُفْتِي النَّاسَ فِي الفِقْهِ مِنْ كِتابِ سيبويهِ”. وكان كِتابُ سيبويهِ يُتَعلَّمُ مِنهُ النَّظر والتَّفْتيش.

وعلى طَرَفٍ آخَر مِنَ المَشْهَد، يَجْلِسُ المُبَرِّدُ بينَ طُلّابه، يَشْرَحُ لهم أبجديّاتِ النَّحْوِ؛ قائِلاً: “هذا بابُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إليهِ، وهُما ما لا يَسْتَغني كلُّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبِه. فَمِنْ ذلِك: قَامَ زَيْدٌ، والابتداءُ وخَبَرُه، وما دخلَ عليهِ نحو (كَانَ)، و(إنَّ)، وأفعالَ الشكِّ، والعِلْمِ، والمُجازاة. فالابتداءُ نحُو قَوْلِكَ: زَيْدٌ. فإذا ذكرتَهُ فإنّما تذكرُه للسّامِع؛ ليتوقَّعَ ما تُخْبِرُه بِه عنهُ، فإذا قُلْتَ: (مُنْطَلِقٌ)، أو ما أشبَهَهُ؛ صَحَّ مَعْنى الكلامِ، وكانتِ الفائِدةُ للسَّامِعِ في الخَبَرِ، لأنّهُ قَدْ كانَ يَعْرِفُ (زَيْداً) كما تَعْرِفُهُ، ولَوْلَا ذلِكَ لَمْ تَقُلْ لَهُ (زَيْد)، ولَكُنْتَ قَائِلاً لَهُ: رَجُلٌ يُقَالُ لهُ زَيْد، فلمَّا كانَ يَعْرِفُ زَيْداً، ويَجْهَلُ ما تُخْبِرُهُ بِه عنهُ؛ أفَدْتَهُ الخَبَرَ، فصَحَّ الكلامُ” (المقتضب، للمبرّد: 4/ 126). ولا يَقِفُ عندَ هذا الحدِّ، بَلْ يَمْضِي في حديثِه: إنّ الجُملةَ لا تُقال عَبَثاً، وأنّ الكَلِمةَ ابنةُ سِياقِها.

وفي رُكْنٍ قريب يقفُ ابنُ مالِك؛ يشـرحُ لكَ في ألفيَّتِه – الّتي صارَتْ جُزْءاً مِنَ الذَّاكِرة العربيَّة، وما تزالُ تُدَرَّس رغمَ مُضـيِّ قرُون – أبوابَ النَّحْوِ بَاباً بَاباً، ثُمَّ يربطُ مسألةً بأُخرى، حتَّى يغدُو الكلامُ سُلَّماً نحوَ الوضُوحِ والبَيان. وما هذا الاهتمامُ باللّغةِ العربية؛ إلّا لأنّ اللّغةَ جَسَدٌ، والنَّحْوَ عِظَامُه، والبَلاغةُ رُوحُه، ولا بُدَّ من الاعترافِ هُنا، أنّهُ إنَّما نظمَ الألفيَّةَ؛ لتكُونَ مفاتيحَ تُعِينُكَ لتيسيرِ النَّحْوِ لا لتَعْقيدِه، وكأنَّ كُلَّ بَيْتٍ مِنْ أبياتِه جِسْـرٌ نحوَ فَهْمٍ أعمقٍ وأدقّ. فهُوَ يَضَعُ كُلَّ قاعِدةٍ في مَوْضعِها، وبهذا أصبحتِ ألفيّتُه خَريطةً مرئيَّةً للنَّحْوِ العربيّ.

ثمَّ يتقدَّم ابنُ يعيش الموصليّ، ليشرحَ لكَ مُفصَّل الزمخشـري، ويغوصُ في كُلِّ عبارةٍ بنَحْوٍ دقيق، يَكْشِفُ بنيتها، ويُبَيِّن أسرارَها؛ وكأنِّي به يقُول: لا شَيْءَ أصعَب مِنَ العِلْمِ إنْ جُعِلَ مُعقَّداً، ولا شيءَ أيسر منه إنْ قُرِّب لقَلْبٍ رَاغِب. ومن نفائِسِ شرُوحِه: “اعْلَمْ أنّ أصلَ المُبْتدَأِ أنْ يكُونَ مَعْرِفةً، وأصلَ الخَبَرِ أنْ يكُونَ نَكِرةً؛ وذلِكَ لأنّ الغَرَضَ في الإخباراتِ إفادةُ المُخاطَب ما ليسَ عِنْدَهُ، وتَنْزيلُه مَنْزِلتَكَ في عِلْمِ ذلِكَ الخَبَر. والإخبارُ عنِ النّكِرةِ لا فائِدَةَ فيهِ؛ ألَا تَرَى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: رَجُلٌ قَائِمٌ، أوْ رَجُلٌ عَالِمٌ؛ لَمْ يَكُنْ في هذا الكلامِ فائِدةٌ، لأنّهُ لا يُسْتنكَر أنْ يكُونَ رَجُلٌ قَائِماً وعَالِماً في الوجودِ، مِمّنْ لا يعرفُه المُخاطَب. وليسَ هذا الخبرُ الّذي تُنَزِّلُ فيهِ المُخاطَبَ مَنْزِلتَكَ فيما تَعْلم” (شرح المفصّل للزمخشريّ: 1/ 224). فالمبتدأُ مُعرّف، لأنّه يُمثِّل شَيْئاً مُحدّداً معرُوفاً للقارِئ أو السَّامِع، بَيْنَما الخَبَرُ نَكِرة؛ لأنّه يَحْمِلُ الجديدَ والمَجْهُولَ الّذي يضيفُ إلى ذِهْنِ المُخاطَب مَعْرِفةً لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُها من قبل. وهذا يعني أنّ اللّغةَ ليستْ مُجرّد ترتيبَ كَلِماتٍ، بَلْ أداةٌ لتَبْليغِ المَعْرِفة، والغَرَضُ منها نقلُ الجديدِ، وليسَ إعادةَ ما هُو مَعْرُوفٌ، ومِنْ ثَمَّ، فإنَّ عِلْمَ النَّحْوِ لا يَقْتَصِرُ على الشَّكْلِ والقَوَاعِد، بَلْ يَمْتدُّ إلى الغايةِ مِنَ الكلامِ، وإلى التدرُّجِ المَعْرفيّ للمُتلقِّي.

ومِنْ طَرفٍ آخَر، يتهادَى الزمخشـريُّ حَامِلًا تفسيرَهُ “الكشَّاف”، ليشرحَ لكَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ببلاغةٍ تَنْحني لها العقُول، ويُريكَ أنّ الإعجازَ بَحْرٌ لا يَنْتهي، وأنّ البيانَ العربيَّ قارةٌ كامِلة لا يُمْكِن أنْ تُسْتوفَى. فالزمخشـريُّ في كشَّافِه يشرحُ لكَ الإعجازَ القُرْآنيّ كأنَّهُ يشرحُهُ لأوَّلِ وَهْلة، ويَضَعُ يَدَهُ على الآيةِ، وكأنّها وردةٌ تتفتَّحُ لأوَّلِ مرَّةٍ؛ وكأنَّهُ يُخاطِبُكَ: هُنا؛ يكمُن سِرّ الجَمَال، وهُنا سِرُّ الإعجازِ! ولهذا؛ كان تفسيرُه وما يزالُ يُشْعِل في القارِئ نارَ الفضُولِ والرَّغبةِ، فيقرأُ القُرْآنَ بعينِ البلاغةِ، لا بعين التِّلاوة فحسب. وهُو الّذي قالَ في (المفصّل): “إنّهُمْ لا يَجِدُونَ عِلْماً مِنَ العلُومِ الإسلاميّة، فَقْهِهَا وكلامِها، وعِلْمَيْ تَفْسيرِها وأخبارِها، إلّا وافتقارُهُ إلى العربيَّةِ بَيِّنٌ لا يُدْفَع، ومَكْشُوفٌ لا يَتَقَنَّع، ويَرَوْنَ الكلامَ في مُعْظمِ أبوابِ أصُولِ الفَقْهِ ومسائلها، مبنيَّاً على علُومِ الإعرابِ، والتّفاسيرُ مَشْحُونةٌ بالرِّواياتِ عن سيبويهِ، والأخفش، والكِسائيّ، والفرَّاء، وغيرهم مِنَ النّحويِّينَ البصـريِّينَ والكُوفيِّين” (شرح المفصّل للزمخشري: 1/ 51).

وفي زاويةٍ أُخرى؛ يَجْلِسُ عبدالقاهِر الجرجانيّ، وهُو يُفسِـّر لكَ أسرارَ البلاغةِ، كما يُفسّـِر شاعِرٌ تذوّقَ المُوسيقى الخفيَّة للعالَم، ويرسمُ بخيالِه الواسِع الفسيح عَلاقةَ المَعْنى بالمَعْنى، وكيفَ يختارُ المُتكلِّم الألفاظَ الأنسبَ لتوصيلِ مقاصدِهِ وأغراضِه بدقّة وإحكام، ويُؤكِّد لنا أنّ البلاغةَ ليسَتْ مُجرَّدَ زخرفةٍ للكلام، بَلْ توافقٌ بينَ المَعْنى واللّفْظ، ويشـرَحُ لنا بوضُوحٍ كيفَ تُولَد الاستعارةُ، وكيفَ يَزْدهِرُ النصُّ حينَ يَلْتقي اللَّفْظُ بالتَّصْوير، هذا؛ ويُحلِّل لنا الأساليبَ المختلفة الّتي تجعلُ الكلامَ مُؤثِّراً؛ مثل: الخبر، والتّقديم والتّأخير، والمقابلة، والجِناس، والطِّباق. ومن أروعَ ما جادتْ بِه قريحتُه؛ قولُه: “إنّه لا يُتَصوَّر أنْ تَعْرِفَ للّفْظِ مَوْضِعاً مِنْ غَيْرِ أنْ تَعْرِفَ مَعْناهُ، ولا أنْ تتوخّى في الألفاظِ، مِنْ حَيْثُ هِيَ ألفاظٌ تَرْتيباً ونَظْماً، وإنّما تتوخَّى التّرْتيب في المَعَاني، وتعملُ الفِكْر هناك، فإذا تمَّ لكَ ذلك أتبعتها الألفاظَ، وقفوتَ بها آثارها، وأنّك إذا فرغتَ مِنْ تَرْتيبِ المَعَاني في نَفْسِكَ؛ لَمْ تحتج إلى أنْ تستأنِفَ فِكْراً في تَرْتيبِ الألفاظ، بَلْ تَجِدُها تترتّب لكَ بحُكْمِ أنّها خدمٌ للمَعَاني، وتابعةٌ لها، ولاحِقَةٌ بها، وأنّ العِلْمَ بمواقِعِ المَعَاني في النَّفْسِ، عِلْمٌ بمواقعِ الألفاظِ الدالّة عليها في النُّطْقِ” (دلائل الإعجاز، ص54). فالبلاغةُ الحقيقيّة عندَ الجُرجانيّ ليسَتْ في تزويقِ الكَلِمات، ولا في تأنيق العِبَاراتِ، بَلْ في وضُوحِ الفِكْرة، وجَلاء المَعْنى، بحيثُ تُصْبِحُ الكَلِماتُ انعكاساً لِمَا في القَلْبِ والذِّهن، فالنَّظْمُ لُغة العَقْلِ، ورُوح الفِكْرِ قبلَ أنْ تكُونَ تَرْتيباً صَوْتيّاً جامِداً، أو رسماً كتابيّاً هامِداً. وهكذا أسّسَ الجُرجانيّ نظريَّتَهُ في النَّظْم على ثنائيّة المَعَاني والألفاظ، لكنَّهُ قد أَعْلى مِنْ شأنِ المَعَاني، وجعلَها الأساسَ في اختيارِ الألفاظ وتَرْكيبها.

ويُطلّ ابنُ جنِّي بعبقريَّةٍ فريدةٍ، في “الخصائِص”، كما يكشفُ الكَوْنُ عن أسرارِه، ويُرِيك أنّ اللُّغةَ ليسَتْ مُجرّد قواعِد عَرَضيّة، بَلْ جَوْهرٌ جوّانيّ، وصَوْتٌ، وإحساسٌ، وذائِقةٌ فنيّة. وعندما تقرأُ كِتابَهُ هذا؛ تُحِسُّ أنّ العربيَّةَ كائِنٌ حيٌّ يتنفّسُ، وينبضُ، ويتحرّكُ، ويتحوّلُ، ويتغيَّر، ويمتدّ بِلا حدُود. وترى اللّغةَ كمنظُومةٍ مُتكامِلة مِنْ قواعِدَ وأُسسٍ، لا مُجرَّد مجمُوعةٍ مِنَ الأصواتِ، أو الكَلِمات المُتفرِّقة، ولا يقفُ عند هذا الحدّ، بَلْ تراه يُناقِشُ في كتابِه مسائِل كأَصْلِ اللّغةِ (هل هي وحيٌ؟ أم اصطلاح؟)، ويُؤسِّس لنَظْرةٍ مَنْهجيّة في التّعامُلِ معَ ظواهِرِ اللُّغةِ، ويُبيِّن طرُق تعليلِ المسائِل اللّغويَّة. وهُنا تُدْرِك أنّ اللّغةَ العربيَّةَ ليسَتْ مُجرَّدَ كلِماتٍ تُكْتَب وتُقْرَأ، بَلْ هي كائِنٌ حيٌّ، نابِضٌ، يمتدُّ مِنَ الحرُوفِ إلى الكَلِمات، ومِنَ الكَلِماتِ إلى الجُمَل، ومِنَ الجُمَلِ إلى المَعْنى، ومِنَ المَعْنى إلى الفِكْر، ومِنَ الفِكْر إلى الرُّوح. وكلُّ حَرْفٍ له صَوْتٌ، وكلُّ كَلِمةٍ لها وَزْنٌ، كلُّ جُمْلةٍ لها تناغُم، وكلُّ نصٍّ له رُوح.

 وهكذا، شَيْئاً فشَيْئاً، تتحوَّلُ مكتبتُكَ إلى مَجْلِسٍ لُغَويّ حَاشِد، يجتمعُ فيهِ هؤلاءِ الأعلامِ: الخليل يَضْبِطُ الوَزْنَ والإيقاعَ، وسيبويهِ يُقِيم الصّـرْحَ اللغويَّ بالبناءِ والإعراب، والمبرّد يُحدِّد الجيِّد مِنَ الرَّدِيء، وابنُ مالِك يُنَسِّقُ قواعِدَ الإعراب، ويُنظِّم مَسالِكَ الكَلام، وابن جنّي يفتح بابَ الأصواتِ، ويُبيِّن دلالاتِها، والجُرجانيّ يصنعُ الجمالَ بخيُوطِ البلاغةِ، وابنُ الحاجب يُلخِّص معاني النّحو، والزمخشـريّ يفتحُ بابَ البيان، وابنُ يعيش يُقرِّب المُسْتغلق، ويحلّ المعقّد، ووسطَ هذا كُلّه، تشعرُ وكأنّكَ تسيرُ بينَ عظماء أعادُوا تشكيلَ العربيّة، كلٌّ منهم يَضَعُ حَجَراً في صَرْحِ اللُّغةِ الّتي حملَتْ حضارَةً كامِلة، وتُدْرِكُ أنّ اللّغةَ ليسَتْ قواعِدَ فقط، ولا نصُوصاً جامِدة وكفى، بَلْ منظومةٌ مُتكامِلة، وسِلْسلةٌ مِنَ الأرواحِ الّتي وَهَبَتْ حياتَها للغةِ القُرآن، لغةِ الإعجازِ والإيجازِ، والسِّحْرِ والبيانِ!

كأنّ كُلَّ هؤلاءِ العُلماء يمدُّون إليكَ جسُوراً عبرَ الأزمنة، يدعُونَكَ إلى عالَمٍ لا تذُوب فيه هُويَّتُكَ، ولا يَضيعُ فيه عقلُكَ، ولا يَنْكسِـرُ فيه قلبُكَ. وهكذا تتحوَّلُ صَفَحاتُ الكتُبِ إلى مجالِسَ حيَّة تُتَدارَسُ فيهِ العلُومُ والفنُونُ والآدابُ، تِلكَ المجالِس الّتي تمتدُّ مِنَ البَصـْرة إلى الكوفة، ومن بغداد إلى القاهِرة، ومن خُراسان إلى الأندلس، كأنّها خيُوطٌ نُورانيّة تربطُ الماضِي بالحاضِر، وتُنِير درُوبَ المَعْرِفة لِكُلِّ مَنْ يَسْعَى إليها.

فإذا أردتَ أنْ تجُوبَ البُلْدان، وأنتَ قابِعٌ في مكانِكَ؛ فعليكَ بزيارةِ المَكْتبة، فكُلَّما دخلتَ مَكْتبةً؛ شَعَرْتَ من قرارةِ نفسِكَ أنّك لا تدخلُ مكاناً فَحَسْب، بَلْ تخطُو إلى زمنٍ آخَر، زمنٍ تُفْتَح فيه الأبوابُ على عوالِمَ صاغَها رِجَالٌ وَهَبُوا أعمارَهُم للّغة، وللنَّحْوِ، وللبلاغةِ، وللفلسفةِ، وللسِّياسةِ، وللقانُون، وللطِبِّ، وللكلمِة الّتي لا تُدْرِك قيمتَها إلّا حينَ يتجلَّى نُورُها في عقلِكَ. في المَكْتبةِ تُحِسُّ أنّكَ لَسْتَ بينَ أوراقٍ وقراطيسَ، بَلْ بينَ رِجالٍ عُظَمَاء؛ يُضيئونَ لكَ درُوبَ الفِكْرِ بعِلْمِهم وبَصِيرتِهم. ويمدُّونكَ ببحرٍ مِنْ جمالِ العربيَّةِ لا سَاحِلَ له. في المَكْتبةِ تَجِدُ لُغةَ الصّمْتُ عاليةً، وتَرَى الكُتُبَ تتنفَّسُ كما تتنفّسُ الغيُوم فَوْقَ صَحْراء صَافِية. وما أروع تِلكَ الصُّورة الّتي وُصِفَتْ بها المَكْتبة: فهِيَ المكانُ الّذي يبدأُ فيهِ النّاس بخَفْضِ مُسْتوى أصواتِهم، ورَفْعِ مُسْتوى عقُولِهم!

وكلّما أَخَذْتَ كِتاباً بينَ يديكَ؛ ستُدْرِكُ أنّ كُلَّ صَفْحةٍ من صفحاتِه ليسَتْ مجرَّد أَوْرَاقٍ تُقْرأ، بَلْ أرواحٌ تُصْغِي إليكَ بقَدْرِ ما تُصْغي إليها، حامِلةً إليكَ رائحةَ القرُون الماضِية، وعَبقَ الأفكارِ المُلْهمة. “فأنا لا أعشقُ الصَّمْتَ إلّا في صُحْبةِ الكُتُب، ولا أحبُّ الرّوائِح الغريبة سِوَى رائحة غُبارِ الكتُبِ والورقِ والجلدِ القديم.. فهذه الرّوائِح الفوّاحة تُعِيدني إلى الزّمنِ القديم، زمنٍ كانت للكلمةِ وزنها، وللعِباراتِ حُرْمتها، وللكتُبِ قُدسيتها.. وكان إهداءُ الكتُبِ بالنِّسبةِ إلى الجيلِ القديم تعبيراً بليغاً عن الحميميَّةِ والثِّقة”(مانغويل، ذاكرة القراءة: 9)، لا يتحدَّثُ الكاتِبُ عن الصَّمْتِ بوَصْفِه عُزْلة شعُوريّة، بَلْ يراهُ صَمْتاً حيّاً؛ صَمْتاً زاخِراً بالأفكارِ والأَصْواتِ الدّاخليَّة. فالصَّمْتُ مع الكتُبِ ليسَ غِياباً للكلام، بَلْ حضُورٌ مُكثَّف للمَعْنى، حيثُ تتحوَّل القِراءةُ إلى حِوارٍ خفيّ بينَ القارِئ والمُؤلِّف.

ولعلّ هذا ما جعل مانغويل؛ يقول: “وحينَ أفتحُ كِتاباً ينتابُني انطباعٌ أنَّني لا أقرأُه بنَفْسـي، وإنَّما أسمعُه يُتْلَى على مَسامِعي! وكان هذا واحِداً من أسبابِ غِياب شعُوري بالوَحْدة في مَكْتبتي… فهذِه المكتبةُ كانَتْ بالنِّسبة إليَّ – على الرّغمِ من صِغَرها – مكاناً مُتْرفاً مُتْرعاً بالمُغَامرات”(مانغويل: ذاكرة القراءة: 10-11). وهكذا، لَمْ تَعُدِ المَكْتبة عندَهُ مكاناً معزُولاً، بَلْ فَضاءً عامِراً بالأصواتِ، نابِضاً بالحَياة، تضيقُ مساحته، وتتَّسِع عوالِمه، حتّى يغدُو – على صِغَره – عالماً زاخِراً بالتّجارِب الثريّة.

 فالمكتبةُ إذاً؛ ليسَتْ مُجرَّدَ مكانٍ للمُطالعة، بَلْ هي عالَمٌ قائِمٌ بذاتِه، حيثُ تتشابَكُ الأزمِنةُ، وتَلْتقي الأرواحُ، ويُصْبِح الحَرْفُ جَسَداً، والمَعْنى رُوحاً، واللُّغة نَهْراً تَجْري فيه الكلماتُ، كما تَجْري النّجُوم في سَماءِ اللَّيْل، وليسَ هذا التصوُّرُ وليدَ خَيالٍ جامِح، بَلْ تؤكِّدُه شهاداتُ التَّاريخ؛ إذ يروي “ديودورس الصّقلي أنّهُ عندَما زارَ مِصـْرَ في القَرْنِ الأوّلِ قبلَ المِيلاد؛ رأى نقْشَاً مَحْفُوراً على المَدْخلِ المُؤدِّي إلى أطلالِ مكتبةٍ قديمة؛ كُتِبَ عليهِ: “عِيادة الرُّوح”. ولعلَّ هاتَيْنِ الكلمتَيْنِ هُما قُصارى ما تطمحُ إليه أيّ مَكْتبة”(مانغويل، ذاكرة القراءة: 100). وهذا يعني أنّ القُدماء لَمْ ينظرُوا إلى المَكْتبةِ باعتبارِها مَخْزناً للكتُبِ، بَلْ مكاناً للعِلَاج، لكنْ ليسَ عِلاج الجَسَد، بَلْ عِلاج النَّفْسِ والعَقْل. “ويُقال إنّ ماري ستيوارت (1542م – 1587م) ملكة اسكتلندا؛ قد طرّزَتْ على ثَوْبِها، وهي في السِّجْن، هذِه العِبارَة: “في نِهايتي ترقدُ بدايتي” (ذاكرة القراءة: 103). هذه العبارة الّتي كُتِبَتْ في لَحْظةٍ مَأْساويّة؛ تَحْمِلُ نَبْرةَ أملٍ عميق؛ إذ تجعلُ من المُعاناةِ بدايةً رَمْزيّة، تَعْكِسُ قُوّة الرُّوحِ وصَلابتَها، فالنِّهايةُ ليسَتْ انطفاءً، بَلْ بذرةٌ لبدايةٍ جديدة. وكما رَأَتْ ماري في نهايتها بدايةً كامِنة، يرى القارِئُ في كلّ كِتابٍ نهايةً لجَهْلٍ وبدايةً لوعي، وفي كلِّ قِراءة يتمخّضُ ميلادُ فِكْرٍ جديدٍ. وقد وجدَ مانغويل في هذِه العِبارة شِعاراً مُناسِباً لمَكْتبتِه؛ إذ تتجلّى فيها فِكْرة البِداياتِ المُتجدِّدة الَتي تَمْنحُها القِراءةُ للرّوح، كلّما أَقْبلَتْ على مُطالعةِ كِتابٍ.

وفي الصِّين، وتحديداً في القَرْن الثَّامِن، كتبَ (دُو فُو) أنّ عاِلماً طاعِناً بالسنّ يرى في كتُبِه الكَوْنَ العامِرَ بالنَّاس يدورُ حولَهُ كرِياح الخريف. وفي القَرْنِ العَاشِر، استوى القرطاسُ والقلمُ عند المُتنبِّي مع العالَمِ بأَسْرِه: البَيْداء وشِراكِها، والحَرْب وبطشُ نوائبها. أمّا بترارك، فلا يَمْلِكُ مكتبتَهُ بَلْ هي الّتي تَمْتلِكُه بسببِ عشقِه لها؛ فيقول: أنا مَسْكونٌ بشَغَفٍ لا يَرْتوي، ولم أُفْلِح، أوْ لَمْ أَرْغَبْ حتّى الآن، في إروائه. أشعرُ أنّني لَمْ أمتلِكْ قطُّ كتُباً كافية. الكتُب ملذّة كُبْرى تُبْهِج قَلْبَ الإنسان، تَسْـري في عرُوقِنا، تُسْدِي لنا النُّصْحَ، وتُلازِمنا بنَوْعٍ من الأُلفة العميقة (مانغويل: ذاكرة القراءة: 14). فالقِراءةُ ليسَتْ مُجرَّد اطّلاعٍ على النّصُوصِ، بَلْ حياةٌ رُوحيّة وفِكْريّة مُتجدِّدة، والعَلاقةُ بينَ الإنسانِ والكِتاب تتجاوَزُ المادّة إلى امتلاكٍ رُوحيّ وعاطفيّ، حيثُ تَمْنحُ الكتُب القَارِئ: الأَمَل والسَّكينة، والفَهْمَ العميقَ للعَالَم، والشّعُور بالبِداياتِ الجَديدة، والاستمرار في النمُوِّ الفِكْريّ.

اقرأْ حتى تتفلّت من قَيْدِ اللَّحْظةِ، واقرأْ حتّى لا تَنْتمي إلى هذا الزَّمنِ الرَّدِيء؛ زمنٍ يُسَاوِمُكَ على سَلامِكَ وطُمَأْنِينتِكَ ورَاحةِ بَالِك، ويَمُدُّ يدَهُ إلى حُريّتِكَ؛ كما لَوْ أنّه حقٌّ مُبَاح. اقرأْ حتَّى تُصْبِح أنتَ الكِتابُ، اقرأْ حتّى تَنْعزِل عن تفاهاتِ عَصْـرِكَ، اقرأْ حتّى تَبْتعِدَ عن ضجيجِ التّافهين، وحتّى يُصْبِح لكَ زمنٌ خاصٌّ يَتَّسِعُ بقَدْرِ اتِّساعِ فِكْرِكَ. اقرأْ حتَّى تُصْبِح فَرْداً مِنْ هذا المَوْكِب النُّورانيّ، لا تابعاً لِمَنْ يَسْتهلِكُونَ رُوحَكَ. فلا أجْمَلَ مِنَ اللامنتمي حينَ يَنْتمي إلى المَعْرِفة، ولا أَسْمَى مِنَ الإنسانِ حينَ يجعلُ مِنَ الكِتابِ وطنَهُ، ومِنَ الفِكْرِ الحُرِّ سيِّدَهُ الأوَّل، ويُصْبِح مَلِكاً لعَالَمِه الدّاخليّ، مُتحرِّراً مِنْ قيُودِ الزَّمانِ والمكان. هذا، وقَدْ “كان الشَّاعِرُ والنَّاقِدُ اليُونانيّ كاليماخوس (ت240ق.م) مُؤْمِناً بأنّ القِراءةَ تمنحُ الحياةَ للكتُبِ ومُؤلِّفيها مدى الدَّهْر (مانغويل، ذاكرة القراءة: 43)؛ أي أنّ المَعْرفةَ والكِتابة تَسْتمِرّانِ طَالما بقيَ قارِئٌ يتلقّاهما ويُقدِّرُهما. “ولعلَّ خيرَ تَعْريفٍ لنَوْعِنا البشـريّ؛ هُو أنَّنا حيواناتٌ قَارِئة” (مانغويل، ذاكرة القراءة: 64). ولِهذا، يجبُ علينا أنْ نقرأ، ثُمّ نقرأ، ثمّ نقرأ، حتّى تكون القراءةُ عادةً يوميّةً لا نُفارِقُها، وتُصْبِح نافِذةً نُطِلُّ منها على العوالِم والأفكار، ونغوص في أعماقِ التّاريخِ القديمِ والحديث.

وما أَحْرَى بِنا أنْ نسمعَ هُنا إلى ما كَتَبَهُ عائِض القرني في وَصْفِ كِتاب (العُودُ الهِنْديّ عن أمالِيَّ في ديوانِ الكِنْديّ – مجالِس أدبيّة في ديوان المتنبِّي)، الّذي يَفْتحُ لنا نافِذةً على عالَم الأدبِ العربيّ، ويَجْعلُنا نلمسُ رُوحَ المتنبِّي، وجماليّاتِ اللّغةِ العربيّة، فنقِفُ مُتأمِّلين بينَ كَلِماتٍ تتحرّكُ على صَفَحاتِ الكِتاب، بَلْ تَتَنفّسُ حياةً وفِكْراً، وتُعِيد إلينا لذّةَ الاكتشافِ والمَعْرفةِ الّتي لا تُعَوَّض. “ففي يَوْمٍ مُشْرِقِ الطَّلعَاتِ أَهْدَى لِي أَحَدُ الأصدقاءِ؛ وأنا في الكُويتِ كِتابَ “العُود الهِنْديّ”، للعلّامةِ عبدِ الرَّحمنِ بن عُبَيدِ اللهِ السَّقَّافِ، فأخذتُ الكِتابَ وأنا في طَريقي إلى المَطَارِ أتصفّحهُ، فأسَرَني بسِحْرهِ، وسَحَرني بأَسْرهِ، وبَهَرني بنُورِه، وأَبْهَجَني بجَمَالهِ، حتّى صِرْتُ في صَالةِ المَطَارِ في شبهِ ذُهولٍ، كأنَّني خَرَجْتُ من عَالمي لا أحسُّ بأحدٍ بجَانبي، ولا أَدْرِي أينَ أنا.

وكلَّما قلَّبتُ منهُ صَفْحةً؛ زَادني نَشْوةً وطَرَباً، ومَلَأني رَوْعةً وَعَجَباً، فَمَا تَرَكْتُ المُجَلّد الأوّلَ مِنْ يَدِي حتّى ختمتُه، ثمّ أَتْمَمْتُ الكِتَاب، وأعدتُ النّظرَ فيهِ أُفلِّيه، أترنَّمُ بهِ، أذوقُهُ، أشمُّهُ، أَحْتَسِيهِ، أرفعُ عَقِيرتي بأبياتهِ، أَبْكِي معَ المُؤلِّف، وأَضْحَكُ معهُ، أُسَافِرُ في زَوْرقِ إبداعِهِ، أعجبُ مِن اطِّلاعِه، وحُسْنِ سَبْكهِ، وجَميلِ صِيَاغتِهِ، ولَطِيفِ إشارَتِهِ، وعذُوبةِ عِبَارَتهِ، ورِقّةِ طَبْعهِ، وسَيلانِ ذِهْنهِ، وحضُورِ ذَاكِرَتهِ، وبَرَاعةِ استِدْلالهِ، وقُوّة انتزاعِهِ، وسَلامةِ فِطْرتِهِ، وصَفَاءِ مَشْـرَبِهِ. ثُمَّ هُو مَشْبُوبُ العَاطِفَةِ، جَيَّاشُ الفُؤَادِ، غَزِيرُ الدَّمْعَةِ، خَفِيفُ الرُّوحِ، ذُو ذَاكِرَةٍ وقَّادَة، وطبيعةٍ مُنْقَادَة، يصيبُ المَرْمَى، ويجيدُ التّصْويب، معَ عِلْمٍ غَزيرٍ، ومَادَّةٍ حَاضِرَة”.

وبعدَ أنْ سافَرْنا معَ عُلماءِ الأَمْسِ، وجَلَسَتْ أرواحُنا بينَ الورَّاقِينَ في بغدادَ وقُرْطبةَ، واستَنْشقْنا عبقَ الكتُبِ الزّاكي؛ وكأنّها أنفاسُ الزّمنِ البَهيج، وتأمّلْنا حرُوفَ المتنِّبي، وأفكارَ ابن جنّي، وبلاغةَ الجرجانيّ، ونَحْوَ سيبويهِ، ومُوسيقى الفراهيديّ، وتأويلاتِ ابن يعيش، واجتهادَ ابن تيميّة، وتأمّلاتِ الغزاليّ، وفلسفةَ الفارابيّ، وحِكْمةَ ابن رُشد، أصبحَ جليّاً أنّ القِراءةَ والتأمُّلَ العميقَ، والتّفاعُلَ معَ النّصُوص؛ ليسَتْ مُجرَّد تَرَفٍ فِكْريّ، بَلْ هِيَ غِذاءٌ للعَقْل، وشَرارة تُشْعِل فتيلَ المَعْرفة، وتجعلُنا نغوصُ في بِحارِ الحِكْمة الزّاخِرة عبرَ العصُور المُتَعاقِبة.

وقمينٌ بنا؛ بعدَ هذا السَّفرِ المَعْرفيّ الجميل عبرَ فضاءاتِ الكُتبِ الرّائِعة؛ نتغذّى على كَلِماتِها، ونتلذَّذُ بعِبَاراتِها، ونَسْتنشِقُ عبيرَ مُفرداتِها، ونُلامِسُ جَسدَ حرُوفِها؛ أنْ نذكُرَ تلكَ الدِّراساتِ الّتي تُحَذِّرُ من عواقِب الانغماسِ المُفرط على الآلةِ الصمّاءِ، وتُؤكِّد بصريحِ العِبَارة أنّ الاعتمادَ المُتزايدَ على الذَّكاءِ الاصطناعيّ التوليديّ، بدلَ أنْ نُطْلِقَ العَنانَ لعقُولِنا للغَوْصِ في أعماقِ المَعْرفةِ، والتّفاعُلِ مع أفكارٍ أعمق وأوسع؛ قد يُحَوّلنا إلى كائِناتٍ “أكثرَ غباءً”. فالتقنيةُ، على الرَّغمِ من سِحْرها وإمكاناتِها، تَحْمِلُ في طيَّاتِها مخاطِرَ خفيّة على قُدراتِنا المعرفيّة والإدراكيّة، وتَجْعلُنا نَنْسـَى أنّ الذّكاءَ الحقيقيَّ يَكْمُنُ في الفِكْرِ الحيّ، والتَّدْقيقِ، والمُسَاءَلةِ، والمُوَاجهةِ المُبَاشِرة للأفكارِ، لا في تَرْك الآلة تُفكِّر بدلاً عنّا.

ومِنْ بينِ أحدثِ الدِّراسات الّتي ربطَتْ بينَ الاعتمادِ على الذَّكاءِ الاصطناعيّ التوليديّ وانخفاض القُدراتِ المعرفيّة والإدراكيّة للبَشَر؛ دِراسةٌ أَجْرَتْها شركةُ “مايكروسوفت” بالتّعاون مع باحِثينَ من جامعةِ “كارنيغي ميلون” في عام 2025م، وقد شملتْ (319) شَخْصاً يَعْملُون في مِهَنٍ تتطلّبُ استخدامَ الذَّكاءِ الاصطناعيّ التوليديّ على الأقلِّ مرّةً واحِدة في الأسبُوع، لتكشفَ أنّ هذِه التقنية تُغيِّر من طريقةِ التّفكيرِ النقديّ لديهم.

فهي تُقلِّل المجهود الذهنيّ المطلُوب لأداءِ المَهامِّ، فيفرطُ المُسْتخدِمون في اعتمادِهم على مُخرجاتِ الذّكاء الاصطناعيّ، خصُوصاً حينَ يَثِقُونَ بها أكثر مِنَ اللّازم. وحدّدتِ الدِّراسةُ عِدّة عوامِل تُعرقِل التّفكيرَ النقديَّ في سياقِ هذه المَهامِّ الّتي يُسَاعِد الذّكاء الاصطناعيّ في تَنْفيذِها، مِنْ بَيْنها انخفاضُ الدَّافِع للتّفاعُل بعُمْقٍ مع المُحْتوى، وعدم امتلاك القُدْرة أو المَعْرفة الكافية؛ لتقييم مُخرجاتِ الذّكاءِ الاصطناعيّ بشَكْلٍ فعّال.

وفي سياقٍ مُتَّصِل، أظهرَتْ دِراسةٌ أخرى أجراها الدكتور مايكل غرليتش، مديرُ معهدِ الاستشرافِ الاستراتيجيّ والاستدامة المؤسّساتيَّة بكُليّة التِّجارة السويسريّة (إس.بي.إس)، وقد شملتْ (666) شَخْصاً، أنّ هُناكَ صِلةً واضِحة بينَ الاستخدامِ المُستمِرِّ للذَّكاءِ الاصطناعيّ التوليديّ وانخفاض القُدْرة على التَّفْكير النقديّ. والتَّفْكيرُ النَّقْديُّ، في جَوْهرِه، لا يقتصـِرُ على اكتشافِ الأخطاءِ وحَسْب، بَلْ هو عمليّة ذهنيّة دقيقة ومُعقّدة تُمَكِّن الفردَ مِنَ الحُكْمِ على المعلُوماتِ بشَكْلٍ منطقيّ وموضوعيّ، من خلالِ فَهْمِ الأدلّةِ الّتي يجمعُها عبرَ المُلاحظةِ، والقِراءة، والتَّجْرِبة، والنّظر بعينِ الشكِّ في الافتراضاتِ القائِمة، مع أخذِ وجهاتِ النّظر المُخْتلِفة بعينِ الاعتبار. إنّه مهارةُ الإنسانِ في مقاومةِ الاستسلام للتِلْقائيّة، والسّعي لفهمِ العالَم بعُمقٍ وبصيرةٍ وإدراك.

 يضيفُ غرليتش أنّ “عَضَلاتِنا الذهنيّةَ، كتلكَ الّتي تُسْتخدَم في التّفكيرِ التّحليلي، مِنَ المُمْكِن أنْ يُصِيبَها الوهنُ إذا لَمْ تُدَرَّبْ بانتظام. ومع مرُورِ الوَقْت، قَدْ يُؤدِّي اعتمادُنا على الذّكاءِ الاصطناعيّ إلى تَقْويضِ قُدْرتِنا على التّفكير النقديّ، ولا سيّما في المواقِف المصيريّة أو الغامِضة الّتي لا يستطيعُ الذّكاءُ الاصطناعيُ التّعامُل معها. لقد أظهرَتْ دِرَاستي أنّ الشَّبابَ والأشخاصَ مَحْدُودي التّعليم بوَجْهٍ خاصّ؛ يميلُون إلى الاستعانةِ بتلكَ التقنية، للقِيامِ بعمليّةِ التّفكير، وهُو ما أدَّى إلى انخفاضِ مهاراتِ التّفكيرِ النقديّ لديهم”.

ومِنْ هُنا؛ فإنّ الإفراطَ في استخدامِ منصّاتِ الذّكاءِ الاصطناعيّ؛ قد يتركُ أثراً سلبيّاً مُحْتمَلاً على وظائفِنا المعرفيّة والإدراكيّة. وهُناك دِراساتٌ أُخرى تربطُ بينَ قَضاءِ سَاعاتٍ طويلةٍ أمامَ شاشاتِ الهواتِف الذكيّة وانخفاضِ الانتباه، وضعف نمُوِّ الدِّماغ، حتّى بدا وكأنّ أدمغتَنا تتراجَعُ أمامَ طوفانِ المُثيرات الرقميّة المُستمرّة. وفي نهاية عام 2024، أطلقَ قامُوس أوكسفورد للّغةِ الإنجليزيّة مُصْطلَح “brain rot” أو ما يُعْرَف بـ”تعفّن الدِّماغ”؛ ليكُونَ مُصْطلَح العامّ. ويشيرُ القامُوس بهذا التّعبيرِ إلى “التَّدَهْوُر المُفْترض لحالةِ الشَّخْصِ العقليّةِ والفكريّة، ولا سيَّما حينَ يُنظر إليهِ على أنّه نتيجةٌ للاستهلاكِ المُفرطِ لمُحْتوياتِ الإنترنت، الّتي تتّسِمُ بالتّفاهة، ولا تُشكِّل تحدِّياً للعقل”. إنّها صُورةٌ رمزيّةٌ لِما قَدْ يحدثُ لعقُولنِا حينَ نتركها تذوبُ في بحرٍ مِنَ المُثيراتِ السطحيّة، بدلَ أنْ نُغذِّيها بالمَعْرفةِ الجادّة، والتّفكير العَميق.

 ويرى البروفيسور غرليتش أنّ “ما تفعلُه وسائِلُ التّواصُل، ومُحرِّكات البَحْث بالأساس؛ هُو تَشْتيتُ انتباهِنا أو تَوْجيهه، وعادةً ما يُؤدِّي ذلِكَ إلى تَفْتيتِ تَفْكيرِنا، وإغراقِنا بالمعلُوماتِ الضّحلة. أمّا الذّكاءُ الاصطناعيُّ التّوليديُّ فينتجُ لنا مَحْتوًى، ومِنْ ثَمَّ يخطُو خَطْوةً إضافيّة، إذ يُفَكِّر بالنِّيابة عنَّا. إنّهُ اختلافٌ صغيرٌ، ولَكِنْ مُهِمٌّ للغاية. عِنْدما نتوقّفُ عن صياغةِ حُجَجنا، أو التحقُّقِ مِنْ صِحّةِ المعلُوماتِ بشَكْلٍ مُسْتقل؛ فإنّنا نُخاطِر ليسَ فَقَطْ بفُقْدانِ تَرْكيزِنا، ولَكِنْ أيضاً باستقلالِنا المَعْرفيّ”.

قَدْ يبدُو الأمرُ بَسِيطاً: اعتمادُنا الزّائِدُ على الذّكاءِ الاصطناعيّ، وجَعْلُه يُفكِّر بدلاً مِنْ أنْ نُفكِّر نحنُ، ونَسْتخدِم وظائفنا الإدراكيّة والمعرفيّة؛ سيُؤدِّي إلى تقويضِ قُدْرتِنا على التّفكيرِ المَنْطقيّ أو النقديّ، ومِنْ ثَمَّ يَجْعلُنا أقلَّ ذكاءً أو “أكثرَ غباءً”، كما يحلُو لبعضِهم أنْ يقُول.

يقولُ البروفيسور غرليتش أيضاً: “كُلَّما تعاملنا مع الذّكاءِ الاصطناعيّ التوليديّ على أنّهُ مُساعِدُ قائدِ الطّائِرة، وليسَ طيّاراً آليّاً؛ حافَظْنا على قُدراتنا الإدراكيّة والمعرفيّة بَلْ وعزَّزْناها”. ويضيفُ أنّهُ يَنْبغي أنْ “نتعاملَ مع الذَّكاءِ الاصطناعيّ التوليديّ ليسَ بوَصْفِه بديلاً للتّفكير، ولَكِنْ كشَـريكٍ نتناقشُ معه، كشيءٍ يتحدّانا، ويُنَقِّح أفكارَنا، ويُساعِدُنا على استكشافِ وجهاتِ نظرٍ مُخْتلِفة. ولتفادي البَلادةِ الفِكْريّة، يَنْبغي أنْ نتفاعلَ بشَكْلٍ واعٍ معَ مُخرجاتِ الذّكاءِ الاصطناعيّ، ونَطْرحَ أسئلةً، وننتقِدَ الافتراضاتِ، ونتحقَّقَ مِنْ صِحَّةِ المَزَاعِم”([1]). فالرِّسالةُ الّتي يريدُ تَوْصيلها البروفيسور غرليتش: هي أنّ الذّكاءَ الاصطناعيَّ أداة لتعزيز الفكر البشـري، وليس لاستبداله؛ فهو شريكٌ عمليٌّ يُحفِّز على التّفكير النقديّ، ويُنقّح الأفكار، ويُساعِدنا على استكشافِ وجهاتِ نظرٍ مُخْتلِفة، شريطةَ أنْ نتعاملَ معه بوعي ونقدٍ، وفحصٍ مُستمِر للمزاعِم والافتراضات، وإنّ أيّ اعتمادٍ سلبيّ عليه يُؤدِّي إلى تراجع قُدراتِنا المعرفيّة والإدراكيّة.

وذهبَتْ دِراسةٌ أُخرى إلى استكشافِ أثرِ مُحرِّك البَحْث “غوغل”، فوجدتْ أنّ الكَمَّ الهائِل مِنَ المعلُوماتِ الّتي يُقدِّمها للمُسْتخدمين، يجعلُهم يظنُّونَ – عن غيرِ قَصْد – أنهم أذكى وأكثر مَعْرفةً مِمّا هُمْ عليهِ في الحقيقة، فسهُولةُ الوصُولِ إلى المعلُوماتِ عبر هذا المُحرِّك، تغرسُ في نفُوسِ بعضِهم شعُوراً بالغرُور والاستعلاء، نتيجة اعتقادِهم بأنّهُم يَعْرِفُونَ كُلَّ شيءٍ، وقادِرُون على الوصُولِ إلى كُلِّ معلُومةٍ عبرَ الإنترنت، بَيْنما حقيقةُ المَعارِف الّتي لَدَيْهم ليسَتْ كذلِك. وقد أظهرَتْ إحدى الدِّراسات أنّ الأشخاصَ الّذين يقضُونَ وقتاً طويلاً في البَحْثِ عنِ المعلُوماتِ عبرَ الانترنت؛ غالِباً ما يُصابُونَ بِما يُسمَّى “إفراطاً في شعُورِ الذَّكاءِ المُتضَخِّم”؛ فيظنُّون أنفُسَهم أكثرَ ذكاءً وفَهْماً مِنَ الآخرين ([2]).

وبعدَ كُلِّ هذا؛ ثمّة حقيقةٌ لا بُدَّ لنا مِنَ الاعترافِ بِها؛ وهي: لَنْ يكُونَ بمقدُورِ الإنسانِ الاسْتِغناء عن خدماتِ منصّاتِ الذّكاءِ الاصطناعيّ، فقد أصبحتْ ضرُورة لا يُمكن إنكارُها، أو التخلِّي عنها، ومع ذلِك، كما هُو الحالُ مع كُلِّ جديدٍ؛ لا بُدّ لنا أنْ نُحْسِنَ التّعامُل معها. ولقد رأيتُ مِنَ المُفيدِ أنْ أستعرِضَ في هذا المقالَ، ما أجريْتُهُ من تلخيصِ كِتابَيْنِ مُهمَّيْنِ في هذا المَجَال، معَ شيءٍ من التصـرُّفِ والتَّعْديلِ في مَضْمُونِهما؛ ألَا وهُمَا: (العقلُ البشـريُّ، والبرامِج الذكيّة.. تأمّلات علميّة في استخداماتِ الذّكاء الاصطناعي GPT)، و(الذّكاء الاصطناعي والإنسانيّة – التحدِّيات الأخلاقيّة لعصر هيمنة الآلة).

ففي الكِتاب الأوّل؛ يَذْكرُ مُؤلِّفه: أنّ كِتابي هذا وُلِدَ من قَلْبِ تَجْرِبتي الشخصيَّة كمُؤلفٍ، وبَاحِثٍ، وأكاديميّ، وجدتُ في GPT أداةً اختصـرَتِ الوَقْت، وفتحَتْ لي نوافِذَ تنظيميّة وتحريريّة ومعرفيّة، لكنّها لَمْ تُنْجز عنِّي الفِكْرة، ولَمْ تُلغِ عَقْلي ([3]). فهو يريدُ أنْ يقُولَ لنا: إنّ الذّكاءَ الاصطناعيَّ أداةٌ فعّالة لإدارةِ المعلُوماتِ، وتَرْتيب الأفكارِ، وتَحْسين صياغة النّصُوصِ، لكنه لا يَبْتكِر الأفكار، ولا يُفكِّرُ بدلاً عن المُفكِّرين.

تعاملتُ معه كما أتعامل مع محرّر ذكي، لا يَعْرِفُني، لكنه يُتقن ما أطلبه إذا أحسنتُ السُّؤال، وحدَّدْتُ الهدف بوضوح ([4]). لَمْ تَكُنْ مشكلتي في التأليف يوماً؛ غزارة الفِكْرة، بَلْ بطء الإيقاع. فالفِكْرةُ كانَتْ تتكاثر في ذِهْني، تتشعّب وتتوالد، لكنّ نقلها إلى الصّفحةِ البَيْضاء كان رحلةً مضنية مِنَ التّركيز والتّحرير والمُرَاجعة، وكأنّ الزّمنَ لا يَكْفي لمُطاردةِ ما يَجْري داخِلَ العَقْل. كنتُ أكتبُ كثيراً، نعم، لكنِّي كنتُ أكتبُ أبطأ مِمّا أُفكِّر، وأُحرِّر أبطأ مِمّا أؤلّف، وأتردّد أمامَ كلِّ جُمْلةٍ، كأنّني أضعُ لبنةً في جدارٍ عِلْميّ لَنْ يُعَاد بِناؤُه ([5]).

هذا النصُّ يُوضِّح تَجْرِبة المُؤلِّف مع الذَّكاءِ الاصطناعي التوليدي كأداةٍ مُساعِدة في الكِتابة، مُؤكِّداً أن GPT ليسَ بديلاً عن الفِكْرِ البشريّ، بَلْ مُحرِّرٌ ذكيٌّ يُمكن أنْ يُنقّح الأفكارَ، ويُنظِّمَها إذا صِيغتِ الأسئلةُ بوضُوح، مع إبقاءِ عقلِ المُؤلِّف حاضِراً وفاعِلاً، هذا؛ ويشيرُ إلى أنّ التحدِّي الحقيقيّ في التّأليف لَمْ يَكُنْ غزارة الأفكارِ، بَلْ بُطء إيقاع نَقْلِها إلى الورق أوِ الشّاشة، حيثُ تتكاثر الأفكار، وتتفرّع في الذهن بسُـرْعةٍ أكبر مِمّا يُمْكِن صياغتُه، وتُصْبِح عمليّة الكِتابة والتّحرير رحلةً شاقّةً تتطلّبُ تَرْكيزاً ومُراجعةً مُسْتمِرّة، ومن هُنا كانتِ الأداةُ هي الوسيلةُ الناجِعة الّتي تُسهِّل العملَ، وتُسرِّع الإنجاز، لكنّها لا تُلْغي المَجْهُودَ البشريّ، أو القُدْرة على التّفْكيرِ النقديّ.

وتأسيساً على ما سبقَ؛ يقول: وتبدأُ الشراكةُ الحقيقيّةُ حينَ لا يكونُ الطّرفان مُتشابِهين، بَلْ مُكمّلين لبعضِهما. هكذا رأيتُ العَلاقة بيني وبين GPT: عقل بشـريٌّ مليءٌ بالخِبْرة والتَّجْرِبة والسِّياق، وبرنامجٌ اصطناعيّ يمتازُ بسُـرْعِة المُعالَجة، وتَوْليد النّصُوص. لَمْ تَكُنِ الشّراكةُ بَيْنَنا مبنيّةً على الإعجاب، بَلْ على الوظيفة:

– أنا أقدّم الفكرة، الرُّؤية، والخَلْفيّة الفِكْريّة.

– وهو يُقدِّم التَّلْخيصَ، والتَّوسيع، وإعادة الصِّياغة والتّرتيب ([6]).

فالعَقْلُ البشـريُّ، الغنيُّ بالخِبْرة والتَّجْرِبة، والسِّياق الثقافيّ والفِكْريّ، يُزَوِّد العمليَّةَ بالعُمْقِ، والرُّؤْيةِ، والفِكْرةِ الأصلية، بَيْنَما البرنامجُ الاصطناعيُّ يتميَّزُ بسـُرعةِ المُعالَجة، والقُدْرةِ على تَوْليدِ النّصُوصِ، والتّلْخيصِ، وإعادةِ الصِّياغة، وتَنْظيم المُحْتوَى. والعَلاقةُ بينَ الإنسانِ والأداةِ؛ ليسَتْ عَلاقةَ إعْجَابٍ أو تَبْجيل، بَلْ عَلاقةٌ وظيفيَّةٌ واعِية، حيثُ يُسْهِمُ كُلُّ طَرَفٍ بِما يَمْتلِكُه مِنْ قُدراتٍ؛ لإتمامِ مُهِمّةٍ مَعْرفيّةٍ وإبداعيّةٍ مُشْترَكة. ومِنْ خِلالِ هذا التّوازُن بينَ الإنسانِ والآلةِ، تتحقّقُ الإنتاجيّة القُصْوى، ويظلُّ العَقْلُ البَشـَريُّ هُو مصدرُ المُبادرةِ، والرُّوح، فيما تتولّى الأداةُ تَعْزيزَ الكفاءةِ، والتّسْريع، والتنسيق، مِمّا يَجْعلُ الشّراكةَ أنمُوذجاً عمليّاً للتّكامُل بينَ الفِكْر البشريّ والتكنولوجيا.

ومع كل تفاعل، كانَتْ تتشكّلُ علاقةٌ جديدة، تقومُ على الحِوار لا على الإملاء. فأنا لا أعتمِدُ على GPT بلا رَقابة، بَلْ أسألُه، وأعترضُ، وأرفضُ، وأُعيد التَّوْجيه. وهُو في المُقابِل لا يكلّ ولا يملّ مِنَ المحاولة ([7]). يستجيب بصبر لا ينفد، ويعيد بناء النّصُوص، كما لَوْ كانَتْ ألغازاً تَنْتظِرُ فكَّ شِيفرتها.

حدُود الفَهْم: GPT “لا يَفْهَم” كما يَفْهمُ الإنسان؛ لأنّه لا يَمْلِكُ وَعْياً، ولا تَجْرِبةً حياتيّة، ولا مَشَاعِرَ. إنّهُ يُجِيد تَوْليدَ النّصُوص، بناءً على نماذِجَ رياضيَّة، لكنَّهُ لا يَعِي المَعْنى الوجُوديّ أو الأخلاقيّ لِمَا يَكْتُب. لِذا حينَ يُناقِشGPT مَوْضُوعاً فَلْسفيّاً أو دينيّاً أو سياسيّاً؛ فهُو لا يتبنَّى مَوْقِفاً حقيقيّاً، بَلْ يُركِّب المَوَاقِفَ بحسبِ أسلُوبِكَ وتَعْليماتِكَ وصياغتِكَ. وهُنا تَأْتي الحاجةُ إلى الإنسانِ: أنْتَ مَنْ يَمْلِكُ الفَهْمَ، والبرنامجُ يَمْلِكُ أداةَ التَّعبيرِ؛ فاحْذَرْ أنْ تَقْلِبَ المُعادَلة ([8]).

فالكاتِبُ هُنا يُشيرُ إلى أنّ GPT لا يَمْلِكُ وعياً، أو تَجْرِبةً حياتيَّة، أو مشاعر، ومِنْ ثَمَّ فإنّ ما يُوَلِّدُه مِنْ نصُوصٍ قائِمٌ على نماذِجَ رياضيّة إحصائيّة، وليسَ على إدراكٍ حقيقيّ للمَعْنى الوجُوديّ أو الأخلاقيّ. فحين يُناقِش مَوْضُوعاً فلسفيّاً، دينيّاً، أو سياسيّاً؛ فهو لا يتبنَّى مَوْقِفاً شَخْصيّاً، بَلْ يُركِّب المواقِفَ وَفْقاً لتعليماتِكَ وصياغتِكَ، ما يجعلُه أداةَ تَعْبيرٍ لا أكثر. مِنْ هُنا، يظهرُ دورُ الإنسانِ الحيوي، فهُو الّذي يَمْلِكُ الفَهْمَ والقُدْرةَ على التّقييمِ والتّقويمِ والحُكْمِ والتّمييز، بَيْنما البرنامجُ يَمْتلِكُ الوسائِل التقنية لصياغةِ النّصُوص وإخراجِها، ولذلِكَ يُحذِّر النصُّ مِنْ قَلْبِ المُعادَلة: أي مِنْ جعلِ الأداةِ تتحكّمُ بالفِكْرِ بدلًا مِنْ أنْ يكُونَ الإنسانُ مُتحكِّماً في استخدامِ الأداة.

ومن هُنا، فالذّكاءُ الحقيقيُّ لا يَعْني أنْ يعتمِدَ الإنسانُ اعتماداً كُليّاً على الآلةِ الصمّاء، ويترُكَها لتُفكِّرُ بدلاً عنه، بَلْ في مُراقبتِها، وقيادتِها، وتَوْجيهِها، ومُساءلتِها، وفَحْصِ نتائجِها بدقّة، وكلُّ مَنْ يستخدِمُ GPT دُونَ تَدْقيقٍ، كمَنْ يُوقِّع على عَقْدٍ فَارِغ بِلا أيِّ ضَمَان ([9]). فالقيادةُ، والمُراقبةُ، والتّوجيهُ، والمُساءَلة، تُبْرِز الدَّوْرَ الحاسِمَ للوعي البشريّ في ضمانِ دِقّةِ المعلُوماتِ، وصِحّة البياناتِ، والاستنتاجات؛ وأيّ استخدامٍ بلا تدقيقٍ يُعَرِّض المُسْتخدِم لأخطاءٍ كارثيّة، ومخاطِرَ مَعْرفيّة.

ومن الأسئلةِ المُثيرة الّتي تُطْرَح في هذا السِّياق! كيفَ يَنْبغي للآلاتِ أنْ تتغلّبَ على المُعضلاتِ الأخلاقيّة؟ هَلْ يُمْكِنها حقّاً فَهْمَ التّعقيداتِ والفرُوقَ الدّقيقة في الاختياراتِ الأخلاقيّة؟ ([10]). هَلْ يُمْكِن أنْ تكُونَ لهذِه الآلةِ الجامِدة الصمّاء أخلاق؟ وهي نتاجُ الإرادةِ والقُوّة؛ وهل يُمْكِن لآلةٍ تَفْتقِرُ إلى الأخلاقِ؛ أنْ تكُون لها أخلاق؟ ([11]).

 يُجادِلُ بعضُهم بأنّ الأخلاقَ هي إنسانيَّةٌ بطبيعتِها، ولا يُمْكِن تَكْرارُها في الآلات، في حين يَقْترِحُ آخرُون أنّ أنظمةَ الذّكاء الاصطناعيّ؛ يُمْكِن أنْ تتشبَّعَ بالمبادِئ الأخلاقيّة ([12]). ويُمْكِن القَوْلُ إنَّ الأخلاقيّاتِ في عالَمِ الذّكاء الاصطناعيّ؛ تُشْبِه المِرْآة الّتي تَعْكِسُ قِيَمنا ومُعْتقداتِنا([13]). ولمّا كان الذّكاءُ الاصطناعيّ، مِرْآةً لإرادتِنا، فإنّهُ يَعْكِسُ أيضاً عيُوبَنا، ونقاطَ ضَعْفِنا. إنْ لَمْ نَتَمكّن من تحريرِ أنفُسِنا من تحيُّزاتِنا، وقيودنا العقليّة، وأحكامِنا المسبقة([14]). ومن هُنا يَنْبغي أنْ نتذكّر دائِماً أنّ الذّكاءَ الاصطناعيّ؛ هُو انعكاسٌ لأنفُسِنا؛ انعكاسٌ لقِيَمنا ومُعْتقداتِنا وقيُودنا. إذا كُنّا نَبْحثُ عن حقيقةٍ أعمق، فنحنُ بحاجةٍ إلى تَحْسينِ أنفُسِنا، والنّظرِ بشَكْلٍ نقديّ إلى البياناتِ والمعلُوماتِ، والخوارزميّات الّتي نقومُ بإنشائها. عِنْدها فقط يُمْكِننا الاقترابُ من الحقيقةِ، واستخدام الذكاء الاصطناعي أداةً فاعِلة لاكتشافِ العالَمِ، وفَهْمِه بشَكْلٍ أفضل ([15]).

يُمْكِن للآلاتِ، بسببِ قُدراتِها الّتي لا نهايةَ لها في معالجةِ البياناتِ، والتعلُّم من تَجارِب الماضِي، أنْ تُصْبِحَ أدواتٍ قويَّةً لتحسينِ حياةِ الإنسان. لكن هذِه الأدوات، إذا تُرِكَتْ دُونَ أُطُرٍ أخلاقيّة؛ يُمْكِن أنْ تُشَكِّل أيضاً تهديدًا حقيقيّاً كبيراً ([16]).

وعلينا أنْ نتذكّرَ أنّ الذّكاءَ والمَعْرِفة دُون الأخلاقِ والمَسْؤوليّة؛ هُمَا كالنُّورِ الّذي يُعمي أبصارَنا، بدلًا مِنْ أنْ يُنيرَ طَريقَنا، الذّكاءُ الفائِق يُمْكِن أنْ يُصْبِحَ نُوراً سَاطِعاً في ظلامِنا الدّامِس، لَكِنْ إذا فَشِلْنا في فَهْمِ مسؤوليّتنا تجاهَهُ؛ فإنّ هذا النُّوَر سيُصْبِح ناراً مُشْتعِلة تُحْرِقُ كُلَّ شيء ([17]). ذلِك لأنّ كُلَّ ابتكارٍ، وكُلَّ اكتشافٍ جديدٍ؛ هُو بمثابةِ سَيْفٍ ذُو حدَّيْنِ، يُمْكِن أنْ يفيدَ البشريّة، وأنْ يَضُرَّها في الوَقْتِ نفسِه ([18]).

ويَنْبغي أنْ نتذكَّر في هذا السِّياقِ؛ أنّ التقنياتِ – في حدِّ ذاتِها -؛ ليسَتْ جيِّدة أو سيِّئة؛ إنّ الطّريقةَ الّتي نَسْتخدِمُها بها هِيَ الحاسِمة. فإذا تمكّنا من تَوْظيفِ الذّكاءِ الفائِق أداةً لتحسينِ نوعيّة حياةِ الإنسان، وحلِّ المُشْكِلات العالميّة المُعقّدة، وتَوْسيعِ حدُودِ المَعْرِفة والفَهْم؛ أمكننا القَوْلُ إنّنا قد أحسَنّا استخدامَ هذه التكنولوجيا بشَكْلٍ صحيح ([19]).

وفي هذا الاتِّجاه يُؤدِّي التّعليمُ دَوْراً حيويّاً. إذ يَنْبغي أنْ تتعلَّمَ الأجيالُ القادِمة كيفيَّة التّفاعُل مع التكنولوجيا بطريقةٍ أخلاقيّة ومَسْؤُولة. يَجِب أنْ نُعَلِّمَهُم أنّ التكنولوجيا ليسَتْ سِوَى أداةٍ، وأنّ إنسانيَّتَنا وحِكْمتَنا؛ هِيَ الّتي تَمْنَحُها قيمةً حقيقيَّة ([20]).

كيف يُفيد المُعلِّم الرقميّ؟

– يُبَسِّطُ المفاهيمَ المُعَقَّدة بلُغةٍ تُناسِب المَراحِل الدِّراسيَّة المُخْتلِفة.

– يُعِدُّ أمثلةً واقعيّة، وتمارينَ عمليّة على المفاهيمِ المَدْرُوسة.

– يشرحُ المَوْضُوعاتِ من زوايا مُتعدِّدة: لُغويّة، تاريخيّة، سياسيّة، اجتماعيّة، فلسفيّة، وتطبيقيّة.

– يُحَضِّرُ أسئلةً تفاعُليّة للنِّقاش مع الطّلبة ([21]).

هذه الاستخداماتُ المُتقدِّمة تجعلُ من GPT أداةً مُتعدِّدة الوظائِف، لا مُجرَّد مُجيبٍ عنِ الأسئلة. لكنّهُ يظلُّ دَوْماً بحاجةٍ إلى فكرٍ حيّ يقودُه، لا عَقْلٍ غائِبٍ يسلّم إليهِ المُهمّة بِلا وعي أوْ تَوْجيه ([22]).

 الخَوْف من الذّكاء أم الجهل بالتقنية؟ في النِّقاشات العامة، كثيراً ما يُعبَّر عن “القلق من الذّكاءِ الاصطناعيّ”، لكنّ هذا القلقَ لا ينبعُ من فهمٍ حقيقيّ للتقنية، بَلْ من جهلٍ بها. فالنَّاسُ عادةً: (1) يخافون مِمّا لا يَفْهَمُون، (2) أو يرفضُون ما لا يستطيعون استخدامه، أو التحكُّم فيه ([23]).

من أكثرِ الأسئلةِ عُمْقاً: هَلْ يُمكِن للآلة أنْ “تُنتِجَ مَعْنًى”؟ لا مُجرَّدَ نصٍّ؟ وهَلْ يستطيعُ الذّكاءُ الاصطناعي أنْ يُبْدِعَ نصّاً أدبيّاً يُحرِّك المَشَاعِرَ؟ أو يُثير الفِكْرَ كما يفعلُ الإنسانُ؟ الإجابةُ تتطلّبُ فَهْمَ الفارِقِ بينَ:

– النصِّ الّذي يُركّب تَرْكيباً لُغويّاً مَقْبُولًا.

– والمَعْنى الّذي يتولّد من وعي بالتَّجْرِبةِ والزَّمانِ والمكان.

GPT يُجيد الجانِبَ الأوّل بامتياز. لكنّه لا “يَشْعُر”، ولا “يَعِيش”، ولا “يُؤْمِن”، ولا “يَخَاف”، ولا “يَتألّم”. وهذِه العناصِرُ هِيَ الّتي تُنْتِج المَعْنى العميق في الأدبِ والفِكْر ([24])، وتُضْفي على الكَلِماتِ رُوحاً وحياةً؛ تتخطّى قيُودَ الحرُوف الصمّاء الجامِدة.

 نعم، قَدْ تَنْدهِشُ من قُدْرةِ GPT على مُحاكاةِ الأساليب، من الجاحظ إلى كافكا، لكنّهُ لا يُضِيف مَنْظوراً جديداً. إنّه يعيدُ تركيبَ ما سبق، لكنّهُ لا يَبْتكِرُ من ذاتٍ حَاضِرة. المَعاني الحَقيقيّة تُولَد حينَ يُواجِه العقلُ البشـريُّ ذاته، تاريخَهُ، هُويَّته، وتَوْقه للخلُود.. وهذِه معارِكُ لا تخوضُها الخوارزميّات ([25]).

الجدلُ حَوْلَ GPT سيتواصَلُ: بينَ مَنْ يُقدِّسه ومن يُخوِّنه، بينَ مَنْ يراهُ خَلاصاً، ومَنْ يراهُ كارِثة ([26]). لكنّ الحقيقةَ الّتي خَرَجْتُ بها بعدَ مئاتِ السَّاعاتِ مِنَ الحِوار والكِتابة معه؛ هي: أنّ GPT مِرْآةٌ تَعْكِسُ ما فيكَ. فإذا كُنْتَ مُفكِّراً أصيلاً؛ أضافَ لكَ. وإنْ كُنْتَ ناقِلاً كَسُولًا؛ طَغَى عليكَ ([27]).

وأخيراً، حقيقٌ بِنا أنْ نتعاملَ معGPT وغيرها؛ بوصفِها رفيقاً ذكيَّاً، سَريعاً، حاضِراً في كُلِّ وَقْت، لا يَملُّ من المُحاولة، ولا يضيقُ بتَكْرار السُّؤال. لكن، وفي الوَقْتِ نَفْسِه، علينا ألّا نَنْسـى أنّه لا يَمْلِكُ وَعْيَنا، ولا شُعُورَنا، ولا عَواطِفَنا، ولا أَحاسِيسَنا، ولا تَجَارِبَنا التي تعلّمْناها عبرَ الزَّمَن. فهُو مِرْآة تَعْكِسُ ما بداخِلنا: فإنْ حاوَرْنَاهُ بعقلٍ نقديّ؛ أضافَ إلينا، وإنْ قَصَدْناهُ بكَسَلٍ ذهنيّ؛ طَغَى علينا. وهُنا يكمُن التحدِّي الحقيقيّ: أنْ نظلَّ نحنُ القادِرين على التَّوْجيهِ، والمُرَاقبةِ، والمُسَاءَلةِ، والإبْدَاعِ. فالآلةُ لا تُبْدِعُ مِنْ ذَاتِها، بَلْ تُكمل، ولا تُفكِّر بَدلاً عنّا، بَلْ تُساعِد. المَعْنى الحقيقيّ لا تصنعُه الخوارزميّات، بَلْ يتشكّلُ في تلكَ اللّحْظاتِ الّتي يعودُ فيها الإنسانُ إلى نَفْسِه، وتاريخِه، وهُويَّتِه، وتَسَاؤُلاتِه، ومشاعرِه.

وَلْنَجْعَلْ من أدواتِ العَصْـرِ رفيقاً، لا سيِّداً، وَلْنَسْتَمِرّ في مُمارسةِ القِراءةِ الوَاعِية، والحِوَار المُتأنِّي، والتأمُّل العميقِ، والكِتابة الدّقيقة، فهِيَ الّتي تُغَذِّي الأفكارَ، وتَفْتحُ أبوابَ الوَعي والإدراك، وتُضْفي على الكَلماتِ الحركةَ والحياة. وعلينا ألّا نَنْسـَى أنّ المُستقبَلَ لا يكمُن في الاستسلامِ للتقنياتِ، بَلْ في الشّراكةِ الواعيةِ معها: أنْ يقُودَ العَقْلُ البَشَـريُّ كُلَّ أداةٍ، ويَمْنحها من وعيه وإدراكِه بقَدْرِ ما يَسْتَمِدُّ منها مِنْ قُدْرةٍ ومهارَة، فَيُحَوِّل كُلَّ نصٍّ إلى مَعْرفةٍ مُثْمِرة، وكُلَّ فِكْرةٍ إلى إبداعٍ إنسانيّ، ويجعلَ مِنَ القِيَمِ والأخلاقِ، والحُريَّةِ، والمسؤوليّة، والوَعي والإرادةِ الإنسانيَّة؛ مِحْوَر كُلِّ تَقَدُّم حقيقيّ منشُود.  


[1]– هل يجعلنا الذكاء الاصطناعي “أكثر غباء”؟ سمية نصر.

https://www.bbc.com/arabic/articles/c1k49kv0413o

[2]– علماء يحذرون: التكنولوجيا تجعلنا أغبياء وتؤثر على عقولنا.

https://www.alquds.co.uk/%EF%BB%BF%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%A1

[3]– العقلُ البشريُّ، والبرامِج الذكيّة.. تأمّلات علميّة في استخداماتِ الذّكاء الاصطناعي GPT، البروفيسور الدكتور فارس البياتي، ط(1)، 1446هـ – 2005م، ص7.

[4]– المرجع نفسه، ص8.

[5]– المرجع نفسه، ص14.

[6]– المرجع نفسه، ص18.

[7]– المرجع نفسه، ص18.

[8]– المرجع نفسه، ص28- 29.

[9]– المرجع نفسه، ص32.

[10]– الذكاء الاصطناعي والإنسانيّة – التحديات الأخلاقية لعصر هيمنة الآلة، تأليف: ميلاد وزان، ترجمة: د. علاء طعيمة، ص5.

[11]– المرجع نفسه، ص18.

[12]– نفسه، ص5.

[13]– نفسه، ص9.

[14]– نفسه، ص21.

[15]– نفسه، ص35.

[16]– نفسه، ص10.

[17]– نفسه، ص16 -17.

[18]– نفسه، ص15.

[19]– نفسه، ص26.

[20]– نفسه، ص24.

[21]– العقلُ البشريُّ، والبرامِج الذكيّة.. تأمّلات علميّة في استخداماتِ الذّكاء الاصطناعي GPT، ص36.

[22]– المرجع نفسه، ص41.

[23]– المرجع نفسه، ص46.

[24]– المرجع نفسه، ص54- 55.

[25]– المرجع نفسه، ص55.

[26]– المرجع نفسه، ص57.

[27]– المرجع نفسه، ص58.

العدد ١٩٥ ǀ ربيع ٢٠٢٦ ǀ السنة الثالثة والعشرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى