الصهيونية والنازية الجذور المشتركة في الفكر وجرائم الإبادة

أ. د. فرست مرعي

 العلاقة بين الصهيونية والنازية موضوع معقد ومثير للجدل، ويعكس تفاعلاً تاريخياً بين حركتين سياسيتين متناقضتين: الصهيونية التي كانت تسعى لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، والنازية التي كانت تسعى لإقامة “دولة عرقية نقية” قائمة على التفوق العرقي للألمان، وكره كل ما هو غير آري، بما في ذلك اليهود. وبالرغم من التباين الكبير بين أهداف الحركتين، إلا أن هناك فترة معينة من الزمن شهدت تفاعلات بين بعض الشخصيات في الحركتين، لا سيما في الثلاثينات من القرن العشـرين، وذلك في سياق الأوضاع السياسية والاجتماعية المعقدة في تلك الحقبة.

   والصهيونية هي حركة سياسية نشأت في أواخر القرن التاسع عشـر في أعقاب (مؤتمر بازل) في سويسـرا عام 1897م، بقيادة اليهودي الألماني (ثيودور هرتزل)، وكان هدفها الأساسي هو تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، ولتحرير اليهود من الاضطهاد في أوروبا، وتعزيز الهوية اليهودية كأمّة مستقلّة. وكانت الصهيونية تهدف إلى تحقيق هذا الهدف عبر وسائل دبلوماسية، واقتصادية وعسكرية، وكان لديها دعم واسع من بعض القوى الغربية، خاصة بريطانيا في المرحلة الأولى، وأمريكا، وغيرها في مراحل لاحقة.

   أما النازية، فهي أيديولوجية سياسية ظهرت في ألمانيا في بداية القرن العشـرين تحت قيادة (أدولف هتلر)، وتأسّس حزب العمال الوطني الاشتراكي الألماني (NSDAP)، وكانت تهدف إلى إقامـة (دولة نازية) تسيطر على أوروبا والعالم، مع التركيز على التفوق العرقي للألمان، واعتبار اليهود والسلاف والغجر وغيرهم من الأقليات “أعداء” للعرق الآري. وتبنّت النازية سياسات عنصرية قائمة على التفوق العرقي، ونتج عنها مذبحة (الهولوكوست)، التي أودت بحياة ملايين اليهود.

ولذلك رغم الدعاية الصهيونية الشـرسة، وتأكيد احتكار اليهود لدور الضحية، في عملية الإبادة التي قام بها النازيون ضد كثير من الشعوب والأقليات الإثنية والدينية والعرقية، فإن ثمة علاقة وطيدة بين الصهيونية والنازية تستحق الدراسة. وقد يكون من المفيد ابتداءً تقرير أن النازية والصهيونية ليسا بأيّ حال انحرافاً عن الحضارة الغربية الحديثة، بل يمثلان تيارين أساسيين فيها. ولعل أكبر دليل على أن الصهيونية جزء أصيل من الحضارة الغربية، أن الغرب يحاول تعويض اليهود عمّا لحق بهم على يد النازيين بإنشاء الدولة الصهيونية على جثث الفلسطينيين، وكأن جريمة (أوشفيتس)([1]) يمكن أن تُمحى بارتكاب جريمة (دير ياسين)([2])، أو مذبحة بيروت، أو مذبحة قانا، أو مجازر قطاع غزة. وقد أنجزت الصهيونية ما أنجزت من اغتصاب للأرض، وطرد وإبادة للفلسطينيين، من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي، واستخدمت كل أدواته من غزو وقمع وترحيل وتهجير. والغرب الذي أفرز هتلر وغزواته، هو نفسه الذي نظر بإعجاب إلى الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان، وبيروت، وقطاع غزة، وأنحاء أخرى من العالم العربي، وهو الذي ينظر بحيوية وموضوعية داروينية إلى الجريمة التي ارتكبت وترتكب يومياً ضد الشعب الفلسطيني.

ولا بد أن نقرر أن الصهيونية لم تقم بعملية إبادة شاملة (بمعنى التصفية الجسدية للفلسطينيين)، إلا أن هذا يرجع إلى اعتبارات عملية عديدة لا علاقة لها بالبنية الإبادية للأيديولوجية الصهيونية، من بينها: تأخّر التجربة الصهيونية إلى أواخر القرن التاسع عشـر، وعدم إعلان الدولة الصهيونية إلا في منتصف القرن العشـرين، وهو ما جعل الإبادة مسألة عسيرة بسبب وجود المنظمات الدولية، ووسائل الإعلام العالمية. وعامل آخر، هو: الكثافة السكانية العربية، وتماسك العرب، وانتماؤهم إلى تشكيل حضاري مركّب، ومقدرتهم على التنظيم والمقاومة والانتفاضة، فضلاً عن العقيدة التي يؤمنون بها (= الإسلام)؛ الذي كان المحرّك الرئيسـي في فشل الحروب الصليبية في القرون الوسطى في المشـرق الإسلامي، وتحديداً فلسطين وبيت المقدس، رغم مشاركة كل القوى الأوروبية فيها لمدة تزيد على القرنين؛ لذا أصبحت الإبادة حلّاً مستحيلاً، ومع هـذا لا بدّ من الإشارة إلى عمليات الإبادة الجسدية التي تمّت في (صفد)، و(ديرياسين)، و(كفر قاسم)، و(الخليل)، و(طولكرم)، و(قطاع غزة)، وغيرها من مدن وقرى فلسطين، حيث لم تكن الممارسة الصهيونية تهدف إلى تهجير الفلسطينيين، بقدر ما كانت تهدف إلى قتلهم وإبادتهم. وبالمثل كانت (عملية صابرا وشاتيلا، ذات طابع إبادي واضح). وبلغت الإبادة ذروتها في مجازر (قطاع غزة) لأكثر من سنة (= عقب عملية طوفان الأقصـى في 7 أكتوبر2023م)، ولا زالت مستمرة أمام أنظار العالم، دون خوف أو وجل أو استحياء من هذه الدماء الزكية، والدمار الشامل لكل مظاهر الحياة، بأسلحة أمريكية وأوروبية مخالفة لكل الأعراف الإنسانية وقواعد الحرب، وكأنهم (= الغربيون) ينظرون إلى أحد أفلام الكاوبوي الأمريكية. كما أن الإبادة بمعنى التهجير والتسخير والقمع والاستغلال، حدث يومي داخل الإطار الصهيوني؛ في الضفة الغربية، وأراضي 1948م من فلسطين!

إن الحضارة الغربية الحديثة هي التي أفرزت الإمبريالية، والنفعية الداروينية، والنازية، والصهيونية، ولذا فليس من المستغرب أن نجد مجموعة من الأفكار والأواصر المشتركة بين الرؤيتين النازية والصهيونية، تشكّل الإطار الحاكم لكل منهما :

  1. القومية العضوية، وتأكيد مركزية روابط الدم والتراب (ما يسمّى بالشعب المختار)، وهو ما يؤدي إلى استبعاد الآخر (الشعب العضوي المنبوذ).
  2. النظريات العِرقية.
  3. تقديس الدولة.
  4. النزعة الداروينية النيتشوية([3]).

كما يظهر التماثل البنيوي بين النازية والصهيونية في خطابهما، فكلاهما يستخدم مصطلحات القومية العضوية، مثل (الشعب العضوي) (فولك)([4])، و”الرابطة الأزلية بين الشعب وتراثه وأرضه، والشعب المختار”. وقد سُئِل (هتلر) عن سبب معاداته لليهود، فكانت إجابته قصيرة، بقدر ما كانت قاسية: “لا يمكن أن يكون هناك شعبان مختاران، ونحن وحدنا شعب الإله المختار”. هل هذه إجابة شافية عن السؤال؟. ويتحدث (مارتن بوبر)([5]) عن أن الرابطة بين اليهود وأرضهم هي رابطة الدم والتراب، ومن ثم يطالب بضـرورة العودة إلى فلسطين، حيث توجد التربة التي يمكن للدم اليهودي أن يتفاعل معها، ويبدع من خلالها. وهي مسألة أشار إليها كل من الكاتبين الصهيونيين: (ميخابيرديشفكي)، و(شاؤول تشرنيحوفسكي)([6])، حيث تحدثا عن الشعب العضوي اليهودي بالعبارات نفسها، ونسبا إليه الخصائص نفسها. كما استخدم الصهاينة مفهوم الدم اليهودي لتعريف الهوية اليهودية .

وأثناء (محاكمات نورمبيرغ)([7])، كان الزعماء النازيون يؤكّدون، الواحد تلو الآخر، أن الموقف النازي من اليهود تمّت صياغته من خلال الأدبيات الصهيونية، خصوصاً كتابات (مارتن بوبر) عن الدم والتربة. وقد أشار (الفريد روزنبيرغ)([8])، أهمّ منظّري النازية، إلى أن “بوبر – على وجه الخصوص – هو الذي أعلن أن اليهود يجب أن يعودوا إلى أرض آسيا، فهناك فقط يمكنهم العثور على جذور الدم اليهودي. ولعله، بهذا، كان يشير إلى حديث بوبر عن اليهود باعتبارهم آسيويين، حيث يقول “لأنهم إذا كانوا قد طردوا من فلسطين، ففلسطين لم تُطرد منهم”.

ومن الموضوعات الأساسية المشتركة: فكرة النقاء العرقي. وكان (يوليوس شترايخر)([9])؛(المُنظّر النازي)، يؤكّد – أثناء محاكمته في (نورمبيرغ) -، أنه تعلّم هذه الفكرة من النبيّ (عزرا): لقد أكّدت دائماً حقيقة أن اليهود يجب أن يكونوا النموذج الذي يجب أن تحتذيه كل الأجناس، فلقد خلقوا قانوناً عنصـرياً لأنفسهم، قانون موسى، الذي يقول: “إذا دخلت بلداً أجنبياً، فلن تتزوج من نساء أجنبيات”([10]). وكانت الأدبيات الصهيونية الخاصة بنقاء اليهود العِرقي ثرية إلى أقصى حدّ في أوروبا حتى نهاية عقد الثلاثينيات من القرن العشرين.

 ويستخدم النازيون والصهاينة؛ على حد سواء، الخطاب النيتشوي الدارويني نفسه، المبنيّ على تمجيد القوّة، وإسقاط القيمة الأخلاقية. إذ يستخدم الصهاينة – شأنهم في هذا شأن النازيين – مصطلحاً محايداً، فهم لا يتحدّثون عن طرد الفلسطينيين، وإنما عن “تهجيرهم، أو دمجهم في المجتمعات العربية”. وهم لا يتحدّثون – مطلقاً – عن تفتيت العالم العربي، وإنما عن (المنطقة)، ولا يتحدثون عن (الاستيلاء) على القدس، وإنما عن (توحيدها)، ولا على الاستيلاء على فلسطين أو (احتلالها)، وإنما عن (استقلال) إسرائيل، أو عن عودة الشعب اليهودي إلى أرض أجداده([11]).

ويتّضح التطابق بين النازيين والصهاينة – بكل جلاء – في واحد من أهمّ التنظيمات النازية؛ فقد كان النازيون – شأنهم شأن أيّ عقيدة تدور في إطار القومية العضوية – يؤمنون بوجود (دياسبورا)([12]) ألمانية، تربطها روابط عضوية بالأرض الألمانية. وأعضاء هذا الشتات الألماني مثل أعضاء الشتات اليهودي، يدينون بالولاء للوطن الأمّ، ويجب أن يعملوا من أجله. وربّما لأن العودة للوطن الأمّ أمر عسير، كما هو الحال مع الصهاينة، اقترح النازيون ما يشبه نازية الشتات (مثل صهيونية الشتات)، عن طريق تشجيع الألمان في الخارج على دراسة الحضارة واللغة الألمانيّتين. وكان للنازيين ما يشبه المنظمة النازية العالمية، التي كانت لها صلاحيات تشبه صلاحيات المنظمة الصهيونية العالمية، وكانت لها مكانة في ألمانيا، تشبه من بعض الوجوه مكانة المنظمة الصهيونية في إسرائيل. وقد تعاون الألمان في كل أنحاء العالم مع السفراء والقناصل الألمان، تماماً كما يتعاون اليهود والصهاينة مع سفراء وقناصل إسرائيل في بلادهم.

كما أن الفكر الصهيوني، مثله مثل الفكر النازي، كان ترجمة للرؤية الداروينية، فالصهاينة قاموا بغزو فلسطين “باسم الحقوق اليهودية المطلقة التي تَجُبّ حقوق الآخرين، كما أنهم جاءوا إلى فلسطين ممثلين للحضارة الأوروبية، ويحملون عبء الرجل الأبيض، وهم –  نظراً لقوتهم العسكرية – يحملون مقدرة أعلى على البقاء”، لذا فإن ما فعلوه في أرض فلسطين من جرائم إبادة، “هي أمور شرعية تماماً من منظور دارويني علماني، بل وواجبة”. بل إن المفكر الإسرائيلي (إيال وايزمان) ذكر أن ما تفعله الحكومة الصهيونية من فصل عنصـري بين مستوطنيها وبين الفلسطينيين، يُلقي بظلاله على هذا التصوّر الذي يرى في عرب فلسطين جنساً مغايراً أدنى، لا يحقّ لـه البقاء (= حسب النظرية الداروينية – البقاء للأصلح)، ويتقاطع هذا بالطبع مع النصوص التلمودية في نظرتها للآخر غير اليهودي.

 وفي هذا السياق، يجب ملاحظ الأصول الألمانية الراسخة للزعماء الصهاينة الذين صاغوا الأطروحات الصهيونية الأساسية؛ فـ(تيودورهرتزل)([13])، و(ماكس نوردو)([14])،و(الفريد نوسيك)([15])، و(أوتو ووريورك)، كانوا إمّا من ألمانيا، أو النمسا، يكتبون بالألمانية، ويتحدّثون بها، كما كانوا ملمّين بالتقاليد الحضارية الألمانية، ويكنّون لها الإعجاب، ولا يكنّون احتراماً كبيراً للحضارات السلافية([16]) (وقد غير هرتزل اسمه من “بنيامين” إلى “تيودور” حتى يؤلمن اسمه (= أي يصبح ألمانياً)، وسمَّى (ماكس نوردو) نفسه بهذا الاسم لإعجابه الشديد بالنورديين)([17]). ولا يختلف زعماء يهود اليديشية([18]) عن ذلك، فلغتهم اليديشية هي رطانة ألمانية أساساً. ومن جهة أخرى، كانت الألمانية لغة المؤتمرات الصهيونية الأولى، كما توجّه الزعماء الصهاينة أوّل ما توجّهوا إلى قيصـر ألمانيا (فيلهلم – وليم الثاني) ( 1888 – 1918م)، لكي يتبنى المشـروع الصهيوني. وأكّد (ناحوم غولدمان)([19]) أن (هرتزل) وصل إلى فكرته القومية (العضوية) من خلال معرفته بالفكر والحضارة الألمانيين. وكان كثير من المستوطنين الصهاينة يكنّون الإعجاب للنازية، وأظهروا تفهّماً عميقاً لها، ولمثلها، ولنجاحها في إنقاذ ألمانيا، بل عدّوا (النازية) حركة تحرّر وطني. وسجل (حاييم كابلان)([20])، وهو صهيوني كان موجوداً في جيتو (وارسو)([21]) (حينما كانت تحت حكم النازي): أنه لا يوجد أيّ تناقض بين رؤية الصهاينة والنازيين للعالم، فيما يخصّ المسألة اليهودية، فكلتاهما تهدف إلى الهجرة، وكلتاهما ترى أن اليهود لا مكان لهم في الحضارات الأجنبية .

وظهرت في ألمانيا، في الثلاثينيات، جماعة من المفكرين الدينيين اللوثريين([22])، الذين أدركوا العناصر الفكرية المشتركة بين النازية والصهيونية، وأبعادها العدمية؛ ومن هؤلاء (هاينريش فريك)([23])، الذي حذّر اليهود من فكرة الشعب العضوي التي يدافع عنها النازيون والصهاينة، كما عرّف كلا من النازية والصهيونية بأنهما حركتان حولّتا النزعة الأرضية (الارتباط بالأرض)، والدنيوية (الارتباط بالدنيا)، وهما من الأمور المادية، إلى كيانات ميتافيزيقية، أي إلى دين. وأشار إلى أن النازية والصهيونية تتبنيان الرأي القائل بأن ألمانيا لا يمكنها أن تقبل اليهود، أو تظهر التسامح تجاههم .

وفي عام ١٩٢٦م، حدّد (فيلي ستارك) ما تصوّره موقف المسيحية من مسألة الشعب العضوي، فأشار إلى نقط التشابه بين الصهيونية والنازية، فكلتاهما تدور حول قيمة مطلقة تحيطها القداسة الدينية؛ الدم والتراب، وهي قيمة تضـرب بجذورها في المشاعر الأسطورية الكونية، وفي ممالك الأرض بدلاً من مملكة السماء. ومن ثم، توصّل (فيلي ستارك) إلى أنه لا يوجد أيّ مجال للتفاهم بين المسيحية وعبادة الشعب العضوي (فولك) (الصهيونية، أو النازية). كما توصّل إلى أن كلّاً من الصهيونية (التي تحاول أن تؤسس الهيكل الثالث، أي الدولة الصهيونية)، والنازية (التي أسّست الرايخ الثالث، أي الدولة النازية)، تجسيد لعدم فهم البعد المجازي في العقيدة الألفية الاسترجاعية في المسيحية. وبالتالي، فإن كلتا الحركتين ضرب من ضروب المشيحانية السياسية (الأخروية العلمانية)، التي تحوّل الدنيوي المدنّس إلى مقدّس، وبذلك يُمثّل كلّ منهما تهديداً لليهودية والمسيحية، بل للجنس البشري بأسره .

   فعندما سيطر (هتلر) على مقاليد الحكم في (ألمانيا)، في عام 1933م، تعاون زعماء الصهاينة مع زعماء النازية على حساب أرواح وثروات ملايين اليهود؛ فلا يمكن نسيان الخلفية العرقية التي كانت رائد بعض اليهود المعجبين بهتلر في تعاونهم مع نظامه. فقد كانت هناك مجلة تظهر في فلسطين تحت اسم (بريت هابريونيم)، أي (عصبة الأشداء)، تؤيّد -علناً- التعاون مع النازية. وكانت أعدادها تزخر بالمقالات التي تمجّد هتلر والهتلرية. وكان من هتافات أعضاء العصبة: “ألمانيا لهتلر، وإيطاليا لموسوليني، وفلسطين لجابوتنسكي”.

لقد تطرّق الأكاديمي الإسرائيلي (إسرائيل شاحاك)(1933 – 2001م)، في كتابه (الديانة اليهودية؛ وطأة 3000عام)، إلى نماذج وأمثلة واضحة من التعاون الصهيوني مع النازية، على حساب اليهود الألمان والبولنديين وغيرهم من يهود شرق أوروبا.. وربما كان من أفظع هذا النوع من الأمثلة، هو الابتهاج الذي أبداه بعض القادة الصهيونيين ترحيباً بصعود هتلر إلى السلطة، لأنه يشاركهم الاعتقاد بأولوية (العرق)، وبمعارضته لاستيعاب اليهود ضمن العرق (الآري)، فهنّأوا (هتلر) بمناسبة انتصاره على العدو المشترك: قوى الليبرالية. ونشـر الدكتور (يواخيم برنز) (Joachim Prinz) ([24]) – الحاخام الصهيوني الذي هاجر فيما بعد إلى الولايات المتحدة الأميركية، وأصبح نائباً لرئيس المؤتمر اليهودي العالمي، ومرشداً اقتصادياً في المنظمة الصهيونية العالمية، وصديقاً كبيراً لـ(غولدا مائير)(رئيسة الوزراء الإسرائيلي الأسبق) – في عام ١٩٣٤م كتاباً خاصاً بعنوان: (نحن اليهود) (wir Juden) للاحتفال بثورة هتلر الألمانية، وهزيمة الليبرالية. ففي هذا الكتاب المثير وردت الجملة التالية: “معنى الثورة الألمانية بالنسبة للأمّة الألمانية سيتضح في نهاية الأمر لأولئك الذين أوجدوها وشكّلوا صورتها. لكن معناها بالنسبة [لنا نحن اليهود] يجب تحديده فوراً: فقدت الليبرالية – التي تعتبر الشكل الوحيد للحياة السياسية التي ساعدت على اندماج اليهود – مستقبلها، وغرقت”.

وأعرب (يوآخيم برنز)، في كتابه، عن اغتباطه بأن النازية ألغت الاندماج اليهودي بمنع الزيجات المختلطة بين اليهود والألمان، وفرح لواقعة إجبار اليهود على التعريف بأنفسهم بإشارات واضحة تبيّن أنهم يهود، بل طالب (برنز) باستصدار قانون ألماني يطالب اليهود بــ” إعلان الانتماء إلى الأمة اليهودية، والعرق اليهودي”، على أساس أن الدولة القائمة على مبدأ نقــــاء الأمّة والعرق، لا يمكن أن يحترمها ويجلّها إلا اليهودي الذي يعلن عن انتماءٍ من هذا النوع. وما أن يعلن ذلك، حتى لا يعود قادراً على محضِ الدولة ولاءً ناقصاً. والدولة لا تقوى على تقبل يهود آخرين، وإنما أولئك الذين يعلنون انتماءهم لأمّتهم، لأنها [الدولة] لن ترغب بمنافقين وزاحفين يهود، بل يجب على الدولة أن تطلب منّا الولاء والإخلاص لمصلحتنا، لأن الذي يحترم عرقه الخاص ودمه، يمكن أن يحترم الإرادة القومية للأمم الأخرى”.

إنه لأمر عجيب، كيف يمزج (يوآخيم برنز)؛ هذا المفكر المتفلسف، تعابير العرق ونقاء الدم والأمّة والشعب واليهودية كدين، ملقياً بها في وعاء واحد، يخلط حابلها بنابلها، ليخرج بتركيبة كوكتيل غريبة، وبمولود عجيب، يتناسب مع المسخ الفكري الصهيوني، الذي أسهم بقوّة في مذابح اليهود..

هذا ويبيّن (شاحاك) أن الدكتور (برنز)، وكل الصهاينة المتعاطفين مع النازية، والمتحالفين معها، لـم يدركوا أبعاد نتائج النازية، ولم يدركوا – أيضاً – أن الصهيونية هي: خليط من أحقاد اليهودية الكلاسيكية ضد غير اليهود، والاستغلال غير الموثق تاريخياً لكل حوادث اضطهاد اليهود، لتبرير الاضطهاد والإبادة الصهيونية للفلسطينيين العزّل([25]).

فالتشـريع اليهودي شديد الوضوح، إذ يقول: فبحسب (الهالاخاه) فإن واجب إنقاذ حياة قرين يهودي واجب لا يعلو عليه واجب آخر، فهو يتقدم على جميع الواجبات والتحريمات الدينية الأخرى، باستثناء تحريم أشنع المعاصي الثلاث: الزنى، بما فيه الزنى بين الأقارب، والقتل، وعبادة الأوثان([26]).

فإن اعتبرنا قادة الصهيونية، الذين ضحوا بملايين اليهود، غير يهود، فيستحقّون الحكم عليهم مدنياً – حسب كل الأعراف الإنسانية – بالإعدام، لأنهم تسبّبوا بمقتل الملايين من البشـر، من بني جلدتهم! وأمّا إن اعتبرناهم يهوداً، فيستحقّون أشنع أنواع الإعدام، لأنهم تصـرّفوا – عن سابق عزم وإصرار – بما تسبّب بقتل الملايين من إخوتهم من رعايا (شعب الله المختار)! الذين اختارهم ربّهم إلى جواره، من خلال المحرقة وغرف الغاز، لأن مصلحة بعض اليهود اقتضت التضحية بهم. لقد وقفوا عثرة في وجه إنقاذ بني دينهم، وتركوهم بين براثن الموت، لكي يحقّقوا نفعاً قومياً لليهود الموجودين في خارج مناطق الخطر. فأين هم الحاخامات الذين كان عليهم محاكمة هؤلاء الزعماء القتلة؟ أو لم يتصـرف الصهاينة بوحي، بل بأمر صريح، من قبل هؤلاء الحاخامات؟ ترى لماذا اغتيل (كاستنر)([27]) عام 1957م (الشاهد على تعاون قادة إسرائيل مع الزعماء النازية)، على مدخل المحكمة في إسرائيل، قبل أن يدلي بشهادته؟ ألم يعترف بعض قادة إسرائيل بأن ما يعرفه (كاستنر) يشكّل خطراً على زعامات الدولة؟.

وفي هذا الصدد، لا يمكن نسيان كتاب (ثمن إسرائيل)، الذي أصدره اليهودي الأميركي مــــن أصـــل ألماني (ألفريد ليلينتال)، ويتناول ضحايا النازية المضطهدين، والهاربين، والمختبئين في كل أنحاء أوربا، حيث تلاحقهم مخابرات الغستابو (المخابرات الألمانية)، تحت تهديد كل من يأويهم بالإعدام، ومكافأة كل من يخبر عنهم بالمال. ونجحت سياسة القمع والجوائز، إذ سقطت العائلة اليهودية إثر العائلة، ليلتقط النازيون أفرادها، ويرسلوهم إلى مصيرهم الدامي في معسكرات الاعتقال. يقول (ليلينتال): “كان الرئيس الأمريكي (روزفلت) قلقاً جداً على مصائر الملاحقين اليهود، واللاجئين، في أوروبا، ومقتنعاً بأنــه على الأمم الحرّة في العالم تقبّل أعدادٍ منهم في أراضيها، بصرف النظر عن ديانتهم، أو أصولهم، أو لون بشـرتهم، أو مذاهبهم السياسية. وكان (روزفلت) يأمل بإنقاذ نصف مليون من الملاحقين بهذه الطريقة ….”([28])

وانطلاقاً من قناعته هذه، أوفد (روزفلت) صديقه المقرّب النائب (موريس أرنست)، إلى (لندن)، في منتصف فترة الحرب العالمية [أي خلال عام ١٩٤٢، قبل أن تكون رحى الفتك باليهود قد أخذت الحدود المأسوية]، ليسأل حكومتها فيما إذا كان لديها استعداد لتقبل مائة ألف أو مئتي ألف لاجئ في أراضيها. وكان للرئيس (روزفلت) أسبابه في قناعته بأنه إذا وافقت بريطانيا على قبول هذا العدد من اللاجئين، فسوف تفتح كندا وأستراليا، ودول أخرى في أميركا الجنوبية، أبوابها لتقبل أعداداً أخرى من هؤلاء المهددين في حياتهم ومصائرهم. وفيما إذا فتح هؤلاء أبوابهم، فسوف يستيقظ لدى الكونغرس الأميركي الإحساس بضـرورة استمرار التقليد الأميركي بتقبّل اللاجئين أيضاً. ومفتاح كل ذلك في لندن! فهل سينجح (موريس ارنست) في لندن؟”. وعاد (موريس) إلى الرئيس (روزفلت)، ليبشّـره بأن بريطانيا مستعدة للتماشي مع الرغبة الأميركية بقبولها للاجئين بحدود ۱۵۰ ألف مشـرّد لاجئ، فصاح (روزفلت) مستبشراً: ١٥٠ ألف فــــي بريطانيا، ۱۵۰ ألف أخرى في الولايات المتحدة، و ۲۰۰ ألف في أماكن أخرى، وبذلك نفتـــح عملية إنقاذ نصف مليون من المضطهدين.

بعد حوالي أسبوع من ذلك اللقاء، اجتمع (روزفلت) مع (موريس أرنست)، وزوجته، وحدّثهم عـــن ضرورة إيقاف العمل بمشروع إنقاذ نصف المليون يهودي، لأن قادة اليهود في الولايات المتحدة ترفض ذلك المشـروع الذي ينقذ أقاربهم، فصاح (موريس) سائلاً: “هذا ضرب من المستحيل! فلماذا يرفض قادة اليهود هذا العمل (الذي ينقذ أقاربهم)؟

فأجابه روزفلت: “إن الحركة الصهيونية تعلم بأن فلسطين في الوقت الحاضر، بل وفي المستقبل القريب، هي مكان يجري إرسال اليهود إليه، وتعلم الصهيونية أنها تستطيع من خلال إرسال اليهود إلى فلسطين جمع مبالغ هائلة من أثرياء اليهود المتبرعين، الذين يُقال لهم بأن فلسطين هي المكان الوحيد الذي يمكن أن ينقذ اليهود من حتفهم المؤكد. فإذا ما رأى هؤلاء المتبرّعون أن الولايات المتحدة، ودولاً أخرى في العالم، تستقبل اليهود المضطهدين برحابة، فلن يتبرعوا لصالح الحركة الصهيونية على الإطلاق.” صعق (موريس أرنست) من هذا المنطق، ورفض في بادئ الأمر أن يصدّق ما سمعه من صديقه (روزفلت) رئيس جمهورية الولايات المتحدة([29]).

وبهذه المؤامرة الصهيونية الدنيئة مع كبار زعماء النازية، أمثال: (هايدريخ)، (أيخمان)، (هملر)، توقّفت عمليات إنقاذ نصف مليون من يهود أوروبا، لتلتهمهم غرف الغاز السام، والمحارق، والقبور الجماعية، التي لم تشبع، ولم يقتصـر عدد القتلى على نصف مليون، وإنما تجاوزه إلى عدة ملايين من اليهود، الذين قتلتهم الصهيونية من أجل جمع المال لصالح زعاماتهم غير الإنسانية!

هذا، وإن الأصوات الصهيونية القيادية التي شاركت بسياسة آثمة أدّت إلى إبادة ملايين اليهود، أكثر تلوّناً ممّا نظنّ، وغالبيتهم أصبحوا رؤوساء وزراء لإسرائيل، أمثال: (بن غوريون)، (موشيه شيرتوك = شاريت)، (غولدا مائير)، (ليفي اشكول)، (إسحاق شامير)، (رودلف كاستنر). فإذا كان (بن غوريون)؛ أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني، على استعداد للتضحية بنصف أطفال اليهود، من أجل الوطن القومي الصهيوني، فإن (إسحق جرونباوم)؛ رئيس لجنة الإنقاذ بالوكالة اليهودية، قد تجاوز الحدود تماماً. ففي حديث له أمام اللجنة التنفيذية الصهيونية، في ١٨ فبراير/ شباط ١٩٤٣، صرّح قائلاً: إنه لو سئل إن كان من الممكن التبرّع ببعض أموال النداء اليهودي الموحّد لإنقاذ اليهود، فإن إجابته ستكون: كلا، ثم كلا، بشكل قاطع… يجب أن نقاوم هذا الاتجاه نحو وضع النشاط الصهيوني في المرتبة الثانية… إن بقرةً واحدة في فلسطين، أثمن من كل يهود بولندا. وكان (وايزمان) قد عبّر عن نفس الفكرة النفعية عام ۱۹۳۷م، حينما قال: “إن العجائز سيموتون، فهم تراب، وسيتحمّلون مصيرهم…”([30]).

وفي هذا السياق، لا يمكن نسيان مذكرات (إسحاق شامير)؛ رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، حين قــــال مــا يمسّ ذات الموضوع، ولكن من جانب مغاير: “كانت تلك أيام معسكرات التعذيب الجماعية للنازية للقتل والإذلال والنهب والعزل لليهود، تنفيذاً لمبدأ القضاء عليهم نهائياً… ولأن بريطانيا رفضت أن تساعد في إنقاذ اليهود المقهورين في أوروبا، في تلك الأيام العصيبة، فقد نالوا كراهية الكثيرين، وأولهم أنا.” …. “وقمت أنا، مع معظم أصدقائي، بمسيرة… كنّا نريد أن نوضّح مشاعرنا لبريطانيا، والعالم أجمع، ولليهود، الذين يعتمدون على أننا سوف نأتي بهم إلى فلسطين، إلى أرضهم، مهما كلّفنــا ذلك من تضحيات. أتذكر تلك المسيرة في (تل أبيب)، حيث كنّا نصلّي أثناء سيرنا بأن يتحمّل اليهود في أوروبا وطأة العذاب، حتى يتغيّر الوضع، وتنزاح الغيمة”([31])

إننا لم نسمع عن نفاق ومكر وازدواجية مارقة، أعنف مما كتبه الإرهابي (شامير)؛ فبصوته يدين جرائم النازية، وبقلبه يصلّي ليهود أوروبا، وبعمله السياسي شارك هو – ومعظم قادة إسرائيل – في مؤامرات أدّت بملايين من أقاربه إلى الموت الزؤام. ولا يقتصـر الأمر على ذلك، وإنما نجد أن مذكراته محـــت كل تعاونه مع النازيين من الوجود، وكأنها لم تكن. إنها لم تتعرّض لأيّ لحظة من لحظات تفاوضه شخصياً مع ممثلي النازية، ممّا هو موثق ومحفوظ في المبنى التذكاري للهولوكوست في (القدس)، ضمن مذكرتين تحملان رقم: (8 /34151E )، والجدير بالذكر أن السلطات البريطانية ألقت القبض عليه في شهر كانون ثاني / يناير، من عام ١٩٤١م، بتهمة التعاون مع النازية والإرهاب([32]).

نعود إلى (غارودي)، الذي يخبرنا على الصفحة ٦٥ من كتابه (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية): أن (بن غوريون) صرّح بتاريخ ۱۲/۷/ ۱۹۳۹م أمام قادة صهاينة، بقوله: “لو خيّرت بين إمكانية انقاذ كل أطفالنا في ألمانيا، بنقلهم إلى إنكلترا، أو إنقاذ نصفهم بنقلهم إلى إسرائيل، لاخترت الحل الثاني. علينا ألا نأخذ بعين الاعتبار حياة هؤلاء الأطفال، ولكن أيضاً تاريخ الشعب الإسرائيلي”.

ولقد تصـرّف (بن غوريون) فعلاً حسب هذا المبدأ، وحمل هو – ومعه زملاؤه الصهاينة – إثم مقتل مئات الألوف من أطفال اليهود. فحين قال (بن غوريون) هذا الرأي، لم يكن قد مضى على ليلة الكريستال الدموية الشهيرة في كـــــل مدن ألمانيا، إلا أقل من شهر، حيث قتل أعداد من اليهود، وأخذ آلاف أسرى، وسرقت ممتلكاتهم التجارية، وحطّمت دورهم، وكانت أحداث تلك الليلة بمثابة الإشارة قبل الأخيرة التي تثبت أن مصير اليهود تحت الحكم النازي أحلك من الموت. وفي هذا الظرف، قال (بن غوريون) إنه يفضّل أخذ نصف أطفال اليهود أحياء، ليستقطبهم إلى (فلسطين)، مضحّياً بالنصف الباقي!! فأين تعاليم التلمود التي تجعل من إنقاذ حياة اليهودي أمراً مقدّساً؟ ومن الملفت للنظر أن (بن غوريون) أراد بوضوح فاجر إنقاذ الأطفال اليهود، ولم يسأل عن النساء، ولا عن الشيوخ، ولا عن العجزة، الذين لا حول لهم ولا قوة ولا مقدرة على درء الأخطار التي كانت تتهددهم. هذه هي إنسانية الصهيونية.

لقد سمعنا وقرأنا الكثير عن محاكم التفتيش غير الإنسانية، حين كان الإسبان الصليبيون يمثّلون بالمسلمين، وباليهود، أشنع تمثيل، ولكننا لم نسمع – ولا تلويحاً – بأن أتباعاً لدين واحد، ممّن تسلّطوا على مقادير أقاربهم، جازفوا – عن سابق عمد وإصرار – متوقّعين دفع ملايين من بني جلدتهم، وأقاربهم، الملاحقين، إلى المحارق النازية، من أجل جمع المال، الذي سوف يصادرون الجزء الأعظم منه لحسابات من الصعب محاسبتهم عليها، وليس من أجل إنقاذ اليهود .(سامي عصاصة، قراءة في كتاب إسرائيل شاحاك: هل اليهودية التلمودية دين، ص87). ولنا أمثلة حالياً في التاريخ المعاصر على تعاون بعض الأنظمة العربية مع الصهاينة، على حساب الشعب الفلسطيني، منها بيع (الجولان)، من قبل السفاح الباطني حافظ الأسد، عام1967م ، ودعم ومساندة بعض الأنظمة العربية، وبعض النخب العلمانية، لحملات الإبادة والمجازر الصهيونية ضد شعبنا الأعزل في (قطاع غزّة).. ولمن أراد المزيد، فعليه بكتاب (الحرب)، للمحامي الأمريكي (بوب وودورد)، كي يطّلع على ما خفي.


[1] – جريمة أوشفيتس: يقع معسكر (أوشفيتز) في (بولندا)، التي كانت تحتلّها ألمانيا، ويتألّف من ثلاثة معسكرات، بما في ذلك مركز للقتل. وافتتحت المعسكرات على مدى عامين تقريباً (1940-1942). أغلق (أوشفيتز) في يناير 1945، مع تحريره من قبل الجيش السوفيتي. وقد لقى أكثر من 1.1 مليون شخص حتفه فى (أوشفيتس)، من بينهم حوالي أكثر من مليون يهودي. أمّا الذين لم يرسلوا مباشرة إلى غرف الغاز، فقد حكم عليهم بالعمل السخري. اختلف مجمع (أوشفيتس) عن مراكز القتل النازية الأخرى، لأنه تضمن معسكر اعتقال، ومعسكر عمل، بالإضافة إلى غرف غاز كبيرة، ومحارق جثث في (بيركيناو)، تم إنشاؤها من أجل القتل الجماعي لليهود الأوروبيين.

[2]– جريمة دير ياسين: قرية فلسطينية مهجرة، كانت تقع على بعد 5 كيلومترات غربي القدس، دخلتها المنظمات العسكرية الصهيونية يوم 9 أبريل/نيسان 1948، وارتكبت فيها مذبحة، استشهد فيها 107 أشخاص من كل الفئات والأعمار. واشتهرت هذه المجزرة بـ”مذبحة دير ياسين”، وهي عملية إبادة، وطرد جماعي، نفذّتها في حرب 1948 منظمتا (الأرغون) و(شتيرن) الصهيونيتان، واستوطن اليهود القرية في عام 1980، وأعادوا البناء فيها فوق أنقاض المباني الأصلية، وسمّوا شوارعها بأسماء مقاتلي الأرغون الذين نفّذوا المذبحة.

[3]– يربط المسيري الرؤية المعرفية الإمبريالية بالصهيونية، وبالنزعة النيتشوية، وهو ما يحتاج إلى توضيح. فهي (أي: النيتشوية) من المصادر العلمانية للفكر الصهيوني، حيث يتّخذ اليهود كأمّة متفوقة (سوبر أمّة) – كما يطلق عليها المسيري – العنف آليةً حتمية للبقاء، برفض أخلاق الضعفاء (الدينية)، واعتماد إرادة القوة، باعتبارها المطلق الأخلاقي الوحيد. يميّز المسيري في التصوّف اليهودي، بين تصوّف توحيدي، وآخر حلولي، يصدر عن الإيمان بالواحدية الكونية، حيث يحل الإله في الطبيعة والإنسان والتاريخ، ويتوحّد معها. وهو – في أشكاله المتطرفة – شكل من أشكال العلمنة، وتلمح فيه ملامح سوبرمان نيتشه، الذي لا يؤمن إلا بإرادة القوة، ويتجاوز أخلاق الضعفاء . ينظر: عبدالوهاب المسيري، المجلد الرابع، ص164؛ أحمد عبد الحليم عطية، عبدالوهاب المسيري دراسة في سيرته المعرفية ونقده لقيم الحداثة الغربية، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العباسية، 2018م – 1439م.ص85.

[4] – فولك: في الفلسفة الألمانية، في أواخر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، يتم استخدام Volksgeist بمعنى (الروح الوطنية)، ليس بالضرورة في إشارة إلى الأمّة الألمانية، ولكن لا يزال مرتبطًا بقوّة بتطوّر الهوية الوطنية الألمانية، في أعقاب الانحلال للإمبراطورية الرومانية المقدسة. نشأت حركة فولكيش في هذا الوقت، واقترحت تشكيل دولة قومية ألمانية، كحلّ (للمسألة الألمانية). جمعت الحركة بين الاهتمام الوطني العاطفي بالفولكلور الألماني والتاريخ المحلي، والشعبية المعادية للحضارة (مع العودة إلى الأرض)، مع العديد من المتوازيات، مع تعبيرات القومية الرومانسية في أجزاء أخرى من أوروبا، مثل كتابات (ويليام موريس). ولاحظ (نيكولز) أن “هذه الأيديولوجية كانت في جزء منها ثورة ضد الحداثة. أدان هتلر في (كفاحي) استخدام كلمة völkisch، لأنه اعتبرها غامضة للغاية، بحيث لا تحمل أي معنى يمكن التعرف عليه، بسبب استخدامها المفرط سابقاً، على الرغم من أنه استخدمها في كثير من الأحيان، خاصة فيما يتعلّق بالألمان العرقيين، أو فولكس دويتشه”. مصطلح فولك – في رؤية النازيين – كان لديه مجموعة واسعة من المعاني، وأشار أحيانًا إلى مجمل الأمة الألمانية، وأحيانًا أخرى إلى عرق الشمال. في كتابات المفكرين النازيين البارزين، مثل (ألفريد روزنبرغ) و(هانز جوينتر) العديد من فولك أو (الشعوب) شكلوا Rasse أو (العرق)، لذلك لا يشير هذان المصطلحان دائمًا إلى نفس المفهوم.   

[5] -مارتن بوبر: وُلد مارتن (بالعبرية مُردخاي) في (فيينا)، لأسرة يهودية أرثوذكسية، في 8 فبراير/ شباط عام 1878م. كان من نسل الحاخام (مائير كاتزينيلنبوجن)، المعروف بـ (مَحارَم باذوة). من أبرز أقاربه أيضًا: كارل ماركس. بعد طلاق والديه، وهو في الثالثة، ربّاه جده في (لفيف). كان جده (سليمان بوبر) عالمًا بالمِدْراش والأدب الحاخامي. كان (بوبر) يتكلّم في داره باليديشية والألمانية. في 1892 عاد إلى دار أبيه في (لمبرغ) الأوكرانية. على رغم اتصال بوبر بسلالة داوود -بقرابته من كاتزينيلنبوجن-، دَفعته أزمة دينية شخصية إلى الخروج عن الأعراف الدينية اليهودية. أخذ يقرأ كتب الفلاسفة: إيمانويل كانت، وسورين كيركغور، وفريدريك نيتشه، والأخيران تحديدًا ألهماه الاتجاه إلى الدراسات الفلسفية. في 1896م بدأ يدرس في فيينا: الفلسفة، وتاريخ الفن، والدراسات الألمانية، وفقه اللغة. في 1898م انضم إلى الحركة الصهيونية، مشاركًا في الأعمال التنظيمية والتشريعية. بينما هو يدرس في زيورخ في 1899م، قابل (بولا ڤِنكلر)، التي تزوّجها فيما بعد، وهي (كاتبة كاثوليكية باهرة، من أسرة بافارية فلاحية)، تحوّلت بعدئذ إلى اليهودية. كان (بوبر) في البداية مؤيدًا للحرب العظمى، بصفتها (مهمة تاريخية عالمية) لألمانيا، والمثقفين اليهود، لتحضير الشرق الأدنى. يرى بعض الباحثين أنه في إقامته بفيينا –أثناء الحرب العالمية الأولى، وعقبها– تأثّر بكتابات (جاكوب إل. مورينو)، وخصوصًا في استعمال تعبير (المواجهة). في 1930م صار بوبر أستاذًا فخريًّا في (جامعة غوته) في (فرانكفورت)، لكنه استقال من أستاذيَّتَه احتجاجًا على تولي (أدولف هتلر) الحكم في 1933م. بعدئذ أسس (المكتب المركزي لتعليم بالغِي اليهود)، الذي ازدادت أهميته ازديادًا بعدما منعت الحكومة الألمانية اليهود من التعليم العام. في 1938م غادر (بوبر) ألمانيا، واستقر في القدس بفلسطين الانتدابية، وعُين أستاذًا في الجامعة العبرية، ودرّس الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع. أثناء إقامته وكتابته في القدس، زاد (بوبر) من مشاركته السياسية، واستمر في تطوير أفكاره حول الصهيونية. وفي عام 1942م، شارك في تأسيس حزب إيهود، الذي دعا إلى برنامج ثنائي القومية. في 1958م ماتت زوجته (بولا)، ومات هو في منزله بحيّ الطالبية في (القدس) يوم 13 يونيو 1965م. أنجبا ابنًا وبنتًا: (رافائيل بوبر)، و(إيفا اشتغاوص اشطاينتس). خالف بوبر تيودورَ هرتزل في اتجاه الصهيونية سياسيًّا وثقافيًّا. تصوَّر هرتزل الصهيونية من ناحية دولية قومية، ولم ير ضرورة للثقافة والدين اليهوديَّين. وأمّا (بوبر) فرأى أن غاية الصهيونية هي الإثراء الاجتماعي والروحي، ورأى ضرورة إصلاح اليهودية بعد تأسيس الدولة، “فنحن نحتاج إلى مَن يفعل لليهودية ما فعله البابا يوحنا الثالث والعشرون للكنيسة الكاثوليكية”. واصل (هرتزل) و(بوبر) السعي –باحترام، على رغم الاختلاف– إلى هدفيهما حتى مماتهما. في 1902م صار محررًا في صحيفة (دي ڤِلت) الأسبوعية، التي هي أساس الحركة الصهيونية، لكنه بعد عام شارك في حركة الحاسيديم اليهودية. أَعجب (بوبر) بالتزام مجتمعات الحاسيديم بدينها في ثقافتها وحياتها اليومية. كانت طائفة الحاسيديم مَعنيّة بالقيم التي طالما دعا إليها بوبر، وطالب بأن يتبنّاها الصهاينة، على عكس المنظمات الصهيونية الأخرى، التي لم تنشغل بغير السياسة. في 1904م انسحب من معظم أعماله التنظيمية الصهيونية، وكرّس نفسه للدراسة والكتابة. وفي ذلك العام نشر أطروحته. في أوائل العشرينيات بدأ (بوبر) يدعو إلى قيام دولة يهودية عربية، مصرِّحًا بأن على اليهود أن يعلنوا “رغبتهم في حياة سلْم وإخاء مع العرب، وفي جعل الوطن المشترَك جمهورية، يكون للطائفتَيْن فيها فرصة التنمية الحرة”. كان (بوبر) رافضًا أن تكون الصهيونية مجرد حركة قومية أخرى، وأراد أن يرى بدل ذلك نشوء مجتمع نموذجي: مجتمع غير قائم على فكرة هيمنة اليهود على العرب.

[6] – شاؤول تشرنيحوفسكي: ولد (تشرنيحوفسكي) في قرية (ميخائيلوفكا)، في شبه جزيرة القرم، العام 1875. كان والداه محافظين على العادات والتقاليد الدينية اليهودية، ولكنهما كانا متفهمين للبيئة غير اليهودية المحيطة بهما، وكانت للوالدين علاقات مع أعضاء من حركة (أحبّاء صهيون). درس تشرنيحوفسكي في (الكُتّاب) اللغة العبرية القديمة، وبعض الدراسات التوراتية المختلفة؛ كالقراءة، والتفسير، والقصص، ولما بلغ العاشرة من عمره انتقل للدراسة في مدرسة روسية رسمية. أرسله أبوه إلى (أوديسا) لمتابعة دراسته فيها، واهتم بدراسة اللغات الفرنسية والألمانية والإنكليزية واللاتينية واليونانية. والواقع أنه استفاد من دراسته لهذه اللغات فيما بعد، عندما قام بترجمة أعمال أدبية عالمية إلى اللغة العبرية؛ مثل (الإلياذة)، و(الأوذيسة) لهوميروس اليوناني، ومؤلفات لسوفوكليس وأفلاطون وشكسبير وموليير وغيرها. ولما لم يوفّق في دخول جامعة روسية، هاجر إلى ألمانيا، حيث درس الطب في جامعة (هيدلبرغ)، وأتم دراسته للموضوع ذاته في (لوزان)، في (سويسرا)، حيث نال هناك رخصة طبيب. عاد إلى روسيا، وانضمّ إلى محاضري جامعة (سانت بطرسبورغ)، ولكنه بعد فترة وجيزة انضمّ إلى الجيش الروسي في الحرب العالمية الأولى بمهمة طبيب. ولما توقفت الحرب انتقل إلى (أوديسا)، ولكنه لم يمكث طويلاً فيها، حيث انتقل إلى (برلين)، في ألمانيا، مدة تسع سنوات، ثم هاجر إلى (فلسطين) العام 1931، حيث عين طبيباً معايناً في مدارس بلدية (تل أبيب)، وانتقل إلى (القدس) العام 1936، حيث مات فيها العام 1943، ودفن في (تل أبيب). كتب دواوين شعر كثيرة تتناغم مع الصهيونية، وتظهر حب الطبيعة والجمال، وسخّر بعضاً من قصص وأحداث (التوراة) لوضع ملاحم شعرية، لاقت رواجاً ونقداً في آن معاً. نشرت كتاباته عدة مرات، في طبعات وإصدارات مختلفة. ورصدت بلدية (تل أبيب) جائزة أدبية على اسمه في مجال ترجمة عيون الأدب العالمي.

[7] -محاكمات نورنبيرغ: هي سلسلة من المحاكم العسكرية، التي عقدتها قوات الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية، وفقًا للقانون الدولي وقوانين الحرب. وحققت المحاكمات شهرتها الأكبر، نظرًا لمحاكمة مسؤولين كبار في القيادة السياسية، والعسكرية، والقضائية، والاقتصادية في ألمانيا النازية، والذين كانوا ضالعين في التخطيط، أو التنفيذ، أو المشاركة – بوجه من الوجوه – في (الهولوكوست)، وغيرها من جرائم الحرب. عقدت المحاكمات في (نورنبيرغ) بألمانيا، ومثّلت أحكامها نقطة تحوّل في سير القانون الدولي من الكلاسيكي إلى المعاصر. تُعتبر أولى المحاكمات، وأكثرها شهرة، هي محاكمة كبار مجرمي الحرب أمام المحكمة العسكرية الدولية. ووصفها السير (نورمان بيركيت)، أحد القضاة البريطانيين الحاضرين طوال المحاكمة، على أنها «أعظم محاكمة في التاريخ». عقدت المحكمة بين 20 نوفمبر 1945 و1 أكتوبر 1946، وأُوكِل إليها مهمة محاكمة 24 من أهم القادة السياسيين والعسكريين للرايخ الثالث. في حين عُقدت محاكمات أخرى لمجرمي الحرب الأقل شأنًا، وفقًا لقانون مجلس رقابة الحلفاء رقم 10 في محاكمات نورنبيرغ اللاحقة، والتي شملت محاكمة الأطباء، ومحاكمة القضاة. مثّل تصنيف الجنايات، ونظام المحكمة، قفزةً قضائية، اقتفت خطاها الأمم المتحدة فيما بعد، لوضعِ فقه قضاءٍ دولي متعلق بقضايا جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والحروب العدوانية. وأفضى ذلك – في نهاية الأمر – إلى تأسيس المحكمة الجنائية الدولية. ولأول مرة في القانون الدولي كذلك، أشارت لوائح الاتهام في (نورنبيرغ) إلى الإبادة الجماعية (التهمة الثالثة، جرائم الحرب: «إبادة الجماعات الإثنية والقومية، وجرائم الحرب ضد المدنيين في بعض الأراضي المحتلة، بهدف تدمير أعراق وطبقات معينة، والقضاء على مجموعات قومية، أو عرقية، أو دينية محددة، وخصوصًا اليهود والبولنديين والغجر، وسواهم

[8]–  ألفرد إيرنست روزنبر: وهو منظر سياسي للحزب النازي. ولد في يوم 12 يناير/ كانون الثاني عام 1893م في مدينة (تالين) في محافظة (إستونيا) في روسيا القيصرية. وقد تعرف على (أدولف هتلر) عن طريق (ديتريخ إيكهارت)، وقد وضع عدة مصطلحات في الحكومة النازية، وأسّس عدة مذاهب أيدولوجية نازية، منها نظرية استمرار البشرية، واضطهاد اليهود، وليبنسراوم، وكان من أشد منتقدي (معاهدة فرساي)، والفن المنحط (الفن الحديث)، كما عُرُف برفضه للمسيحية. وقد لعب دوراً مهماً في إنشاء المسيحية الإيجابية. تم اعتقاله بعد سقوط ألمانيا النازية، وحوكم في محكمة (نورنبيرغ)، وحكم عليه بالإعدام بالشنق حتى الموت، لاتهامه بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأعدم في يوم 16 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1946م.

[9]– يوليوس شترايخر: ولد (يوليوس) في مدينة (فلاينهيوسن) بمملكة بافاريا، في 12 فبراير/ شباط عام عام 1885م. هو واحد من 9 أبناء للمعلم (فيرديك شترايخر)، وزوجته (ني وايس). عمل مدرساً للمدرسة الابتدائية، كما فعل والده. وفي عام 1909م أصبح خبيراً سياسياً، وسجل اسمه في الحزب الديمقراطي، وهو قائد نازي، وناشر صحيفة (دير شتورمر)، والتي تعني باللغة الألمانية (المهاجم)، و(دير شتورمر) هي صحيفة معادية لليهود، وتحرّض على تخليص ألمانيا من الوجود اليهودي. كما كان من المساهمين في نشر كتاب (فرية الدم). وبعدها أصبح رجلاً سياسياً ينتقد الوجود اليهودي في ألمانيا. خدم عسكرياً في الفايمر الألماني، ومن ثم أصبح من كبار ضباط الجيش الرايخ الثالث. ألقى خطابًا يتهم فيه اليهود بالسعي للسيطرة على العالم، وتسخير غير اليهود لحياتهم. وطبقًا لما قاله (شترايخر)، فإن الإجابة الوحيدة لألمانيا هي حلّ القضية اليهودية. وحكمت عليه محكمة نورنبورغ بالإعدام، بتهمة ما يسمّى جرائم حرب إنسانية، ونفّذ فيه حكم الإعدام في 16 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1946م.

[10]– عزرا: 9- ع1، 2.

[11]– عبدالوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، الموسوعة الموجزة في جزئين، القاهرة، دار الشروق ، ط6، 2010م، مج1، ص198.

[12]– الدياسبورا: الشتات، مصطلح يطلق على أماكن تواجد شعوب مهاجرة من أوطانها في مناطق مختلفة من العالم، ليصبحوا مشتتين فيها كمجموعات متباعدة، ويتفاعلون فيما بينهم بمختلف الوسائل للتنسيق لمحاولة العودة إلى أوطانهم. ومن الأمثلة على شعوب تعيش في الشتات، أمثال: الآشوريين/السريان/الكلدان، اليهود، الأمازيغ، الفلسطينيين، الكورد، الشركس، الأرمن، الشيشان، الداغستان. وأول من استخدم هذا الاصطلاح -بمسمّاه الغربي- كان الإغريق، ولكنهم عَبّروا به عن أبنائهم الذين ذهبوا ليستعمروا البلاد التي فتحوها وسيطروا عليها. ولكن العهد القديم استخدم هذا المصطلح لليهود، بعد أن سباهم الملك الكلداني (نبوخذ نصر) إلى العراق عام 586 – 578ق.م.

[13] – ثيودور هرتزل: ولد ثيودور هرتزل في مدينة (بودابست) يوم 2 مايو/أيار 1860، والتحق بإحدى المدارس اليهودية، لكنه لم يكمل تعليمه بها، وبعد ذلك التحق بمدرسة ثانوية فنية، ثم بالكلية الإنجيلية حتى عام 1878. وأكمل دراسته الجامعية بجامعة فيينا، حيث حصل على الدكتوراه في القانون الروماني. عمل هرتزل مراسلاً لصحيفة “فيينا الحرة الجديدة” في باريس بين عامي 1891 و1895، وقد كتب عن ضرورة وجود دولة عصرية يهودية كحل لمشكلة اليهود في العالم، وأصدر في ذلك كتابه الشهير (دولة اليهود.. محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية). وخلاصة الكتاب أنه طالما بقي اليهود في أوروبا الرأسمالية، فإنهم سيتعرضون للاضطهاد المستمر، بسبب منافستهم الاقتصادية لأوروبا، والحل الأمثل -كما يتصور هرتزل- هو إقامة دولة لهم في فلسطين. استغل هرتزل حادثة (ألفرد دريفوس) (الضابط اليهودي بالجيش الفرنسي، الذي اعتقل بعد اتهامه بالخيانة)، لتدشين حملة ضد معاداة السامية، وللترويج لفكرته بأن أمن وسلامة اليهود تكمن في الابتعاد عن المناطق الرأسمالية، وتأسيس وطن يضمّهم. اقترح إنشاء منظمة دولية تتكلف بجمع التبرعات لتحقيق فكرة الوطن الحلم، أُطلق عليها لاحقاً اسم المنظمة الصهيونية. دعا (هرتزل) إلى عقد مؤتمر يضم ممثلين لليهودية الأوروبية بمدينة (بازل) بسويسرا، وعقد المؤتمر بالفعل عام 1897، وانتخب رئيساً للمؤتمر، ثم رئيساً للمنظمة الصهيونية، التي أعلن المؤتمر عن تكوينها، وظل يرأس المنظمة حتى وفاته.

[14] – ماكس نوردو: ولد (سيمون ماكسيميليان سودفلد)؛ في 29 يوليو/ تموز عام 1849 في مدينة بست 23 التي كانت جزءاً من الإمبراطورية النمساوية. كان والده (غابرييل) شاعر عبري. كانت عائلته متدينة من اليهود الأرثوذكس، والتحق بمدرسة ابتدائية يهودية، ثم المدرسة الثانوية الكاثوليكية، وذلك قبل حصوله على شهادة الطب من جامعة (بودابست)، في عام 1872م. كان زعيمًا صهيونيًّا، وطبيبًا، وكاتبًا، وناقدًا اجتماعيًّا. شارك في تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية عام 1897، إلى جانب تيودور هرتزل، كان الرئيس أو نائب الرئيس للعديد من المؤتمرات الصهيونية. توفي في باريس في 23 يناير/ كانون الثاني عام1923م.

[15] – الفريد نوسيج: ولد (نوسيج) في 18 أبريل/ نيسان عام 1864م، في مدينة (لفيف) (واقعة اليوم في أوكرانيا)، وقد تلقى تعليماً متنوعاً في مجالات مختلفة، منها العلوم الطبيعية، الطب، الفلسفة والقانون. كان كاتباً وفناناً إحصائياً يهودياً بولندياً. في البداية كان (نوسيج) من اليهود الساعين إلى الاندماج في المجتمع البولندي العام، ولكنه غير آراءه في مكانة اليهود المرغوب فيها، وتبنى أفكاراً شبيهة بالأفكار الصهيونية. في عام 1887م نشر كتاباً بعنوان (محاولة لحل المسألة اليهودية)، اقترح فيه إنشاء دولة يهودية في فلسطين والدول المجاورة. وكان لهذا الكتاب أثر عميق على المثقفين اليهود في أوروبا. شارك ألفريد نوسيج في المؤتمرات الصهيونية، وأسس عام 1908م منظمة استيطانية تسمى (إيكو)، للتعجيل بنقل اليهود. وقد دفعه تحمّسه لنقل اليهود إلى فلسطين، إلى التعاون مع النازيين، فعمل كمخبر للسلطات النازية، إبان الحرب العالمية الثانية، لتسهيل نقل اليهود إلى فلسطين. واتّهم بالعمل لصالح الغيستابو في جيتو وارسو، وقد يكون هذا التورط سبب تجاهله في الأغلبية الساحقة من كتب تاريخ الحركة الصهيونية. اكتشف أعضاء المقاومة اليهودية في جيتو وارسو تعاونه مع النازية، وأنه عضو في الغستابو، فحكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص، ونفّذ الحكم في 22 فبراير/ شباط عام 1943.

[16] – الحضارات السلافية: السلاف هم أكبر مجموعة عرقية لغوية في أوروبا. ينقسم السلاف في الوقت الحالي إلى السلاف الشرقيين (معظمهم من البيلاروسيين والروس والأوكرانيين)، والسلاف الغربيين (بشكل رئيسي التشيك، والكاشوبيين، والمورافيين، والبولنديين، والسيلانيين، والسلوفاك والصوربيين)، والسلاف الجنوبيين (بشكل رئيسي البوشناق، والبلغار، والكروات، والمقدونيين، والغوراني، والمونتينيغريين، والصرب، والسلوفينيين). يُمكن تقسيم السلاف حسب الدين. تعتنق غالبية السلاف المسيحية الأرثوذكسية الشرقية. يضمّ هذا الدين السلاف الأرثوذكس البيلاروسيين والبلغار والمقدونيين والمونتينيغريين والروس والروسينين والصرب والأوكرانيين، ويتم تعريفهم من خلال العادات والتقاليد الأرثوذكسية الشرقية والألفبائيَّة الكيريلية، بالإضافة إلى ارتباطهم الثقافي بالإمبراطورية البيزنطية (كما يستخدم الصرب الأبجدية اللاتينية على قدم المساواة). المذهب الثاني الأكبر هو الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. وتشمل الشعوب السلافية الكاثوليكية كل من: الكروات، والتشيك، والكاشوبيين، والمورافيين، والبولنديين، والسيلانيين، والسلوفاك والسلوفينيين والصوربيين، ويتم تعريفهم من خلال تأثيرهم اللاتيني، وتراثهم، وارتباطهم بأوروبا الغربية. هناك أيضاً أقليات كبيرة من البروتستانت واللوثريين، وخاصةً بين السلاف الغربيين، مثل: الشعوب التاريخيَّة: البوهيميين، والهوسيين. الدين الثاني الأكثر اعتناقاً بين السلاف هو الإسلام، وتضمّ مجتمعات السلاف المسلمين، كل من: البوشناق، والبوماك (المُسلمين البلغار)، والغوراني، والتوربيش (المسلمين المقدونيين)، وغيرهم من المسلمين اليوغوسلافيين. تتنوع الدول السلافية الحديثَّة، والمجموعات العرقية، بشكل كبير، من الناحيتين الوراثية والثقافيَّة، وتتراوح العلاقات بينها، حتى داخل المجموعات الفردية، من التضامن العرقي إلى العداء المتبادل.

[17]– النورديين: الجنس النوردي، أو عرق الشمال، هو أحد الأجناس البشرية، التي قام علماء الأنثروبولوجيا في أواخر القرن التاسع عشر، ومنتصف القرن العشرين، بتقسيم الجنس القوقازي إليها. وهم مجموعة السكان الذين يستوطنون أوروبا الشمالية، لا سيما المناطق المحيطة ببحر البلطيق، مثل شعوب البلطيق، والشعوب الجرمانية، والفنلندية، والسلت أو الكلت، والسلافيين. ويتميز أصحاب الجنس النوردي بسمات جسدية معيّنة –على حدّ وصف العلماء– تتمثل في العيون الملونة، والبشرة الفاتحة، والقامة الطويلة. وأشار العلماء أن الجنس النوردي يتمتع بصفات نفسية؛ كالإنصاف، والتنافسية، والسذاجة، والصدق. وكان هناك معتقد، في مطلع القرن العشرين، أن الجنس النوردي، أو سكان الشمال، هو أعلى فرع للجنس القوقازي. والفروع الأخرى هي: الألبية، والدينيك، والإيرانية الأفغانية، وشرق البلطيق، والعرق المتوسطي. من الناحية الجغرافية يختلف الاسكندنافيون عن النورديين، أو شعوب الشمال، إذ تعدّ شبه الجزيرة الاسكندنافية منطقة مشتركة بين النرويج والسويد وجزء من شمال فنلندا، وعليه، فإن الشعوب الاسكندنافية هي الشعوب التي تسكن دول النرويج والسويد والدنمارك فقط. أمّا من الناحية الثقافية والتاريخية، فإن شمال أوروبا كان المنطقة الكبيرة التي تضم هذه البلدان الثلاثة فيما مضى، حيث كانت فنلندا جزءاً من مملكة السويد، وكانت آيسلندا جزءاً من الدنمارك، ولهذا يربط العديد من الناس بين الدول الاسكندنافية الثلاث وبين دول الشمال عمومًا. وتسبب الفرنسيون – بسبب اختراعهم لمصطلح البلدان النوردية، أو بلدان الشمال – في المزيد من الارتباك الجغرافي واللغوي، وأصبح هذا المصطلح شائعًا للغاية بين دول شمال أوروبا الخمس كلها: النرويج، والسويد، والدنمارك، وفنلندا، وآيسلندا.

[18]– اليديشية: اللغة الييدية، وتسمى باليديشية (بالإنجليزية  Yiddish)، وحسبما جاء في الموسوعة العربية العالمية: لغة يهود أوروبا، وقد نمت خلال القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين من لغات عدة، منها الآرامية والألمانية والإيطالية والفرنسية والعبرية. يتحدثها ما يقارب 1.5 ملايين شخص حول العالم، أغلبهم يهود أشكناز. الاسم يديش، هو يديشية، لكلمة «يهودية»، وقد تكون اختصاراً لـ«يديش-تايتش»، أو ألمانية-يهودية. كانت في البداية لهجة ألمانية خاصة باليهود في أوروبا، منذ القرن العاشر الميلادي. وهي مستخدمة الآن في الولايات المتحدة، وبخاصة في مدينة (نيويورك)، بسبب هجرة اليهود الأشكناز إليها. وهناك 80 بالمائة من كلمات اللغة هي ألمانية الأصل، بالإضافة إلى بعض الكلمات من اللغتين العبرية والسلافية، وخاصة البولندية، بعد هروب اليهود إلى بولندا، وشرق أوروبا، بسبب الحروب الصليبية. وعادة ما تكتب اللغة اليديشية بالحروف العبرية. وهي لغة يُتكلم بها في الولايات المتحدة وإسرائيل وبولندا والأرجنتين والبرازيل والمملكة المتحدة وروسيا وكندا وأوكرانيا وبيلاروسيا والمجر والمكسيك ومولدوفا ولتوانيا وبلجيكا وألمانيا وأستراليا وفرنسا وغيرها. ويصل عدد المتكلمين بهذه اللغة 1,762,320 شخصاً. بينما نظام كتابتها مستمد من الحروف العبرية. وتعدّ اللغة الرسمية للأقلية اليهودية، المعترف بها في السويد. ليس لها أي جهاز أو مؤسسة رسمية تنظمها. وأصل هذه اللغة هو الثقافة الإشكنازية الممتدة جذورها إلى القرن العاشر الميلادي في (غاينلاند). ولقد انتشرت بعد ذلك في أوروبا الشرقية وأوروبا الوسطى، وربما في قارات أخرى. وفي المراجع القديمة الباقية، يشار إليها بلغة الإشكناز. ولم يصبح مصطلح يديش أكثر استعمالاً وانتشاراً إلا في حدود القرن الثامن عشر.

[19] – ناحوم كولدمان: ولد العام 1895 في (فشنيفا- ليطا). نشأ وترعرع في ألمانيا، ونال درجة الدكتوراه من جامعة (هيدلبرغ)، وخدم في القسم اليهودي في وزارة الخارجية الألمانية خلال الحرب العالمية الأولى، ودعا الحركة الصهيونية إلى تقديم الدعم لألمانيا. عيّن مندوباً للوكالة اليهودية في عصبة الأمم العام 1935، وكان من المبادرين إلى إقامة (الكونغرس اليهودي العالمي)، وتولى رئاسته بين 1953 و 1977. كان مندوباً للوكالة اليهودية في الولايات المتحدة في الأربعينيات، وعمل جاهداً على إقامة دولة يهودية في فلسطين. تولى لجنة الدعاوى في مسألة التعويضات من ألمانيا، في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وكان من معارضي تنفيذ هجرة يهودية واسعة إلى (إسرائيل)، بسبب عدم قدرة البلاد على استيعاب أعداد كبيرة من المهاجرين. كان (غولدمان) من أشد معارضي (بن غوريون)، ولذلك تعرض إلى انتقادات من عدة أطراف، خاصة وأنه عارض التوجّه الإسرائيلي نحو إظهار القوّة تجاه العالم العربي. بادر (غولدمان) إلى مقابلة عبد الناصر العام 1969، ولكنه لم ينجح، ودعا الحكومة الإسرائيلية إلى الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية والشروع في مفاوضات معها. توفي في عام 1982 في القدس ودفن في مقبرة جبل هرتزل..

[20] – حاييم كابلانك: مربّ بولندي صهيوني، دوَّن يومياته في جيتو وارسو أثناء الاحتلال النازي لبولندا. وُلد في (بلوروسيا)، وتلقى تعليماً تلمودياً في المدرسة التلمودية العليا (يشيفا)، ثم درس في المعهد الحكومي التربوي في (فلنا). وفي عام 1902م، استقر في (وارسو)، حيث أسّس مدرسة ابتدائية عبرية، كانت جديدة في نوعها، وظلّ مديراً لها لمدة أربعين عاماً. وكان (كابلان) شديد التحمّس للغة العبرية، ومن العارفين بها، والدارسين لها. وقد تبنّى في تدريسه للعبرية الأسلوب أو المنهج المباشر، فكان يدّرسها كلغة حيّة متداولة، باستخدام اللهجة السفاردية. وأصدر (كابلان) عدّة كتب بالعبرية، يدعو فيها إلى تبنّي هذا المنهج في التدريس، وذلك رغم المعارضة القوية من المؤمنين بالأساليب التقليدية. كما اشترك (كابلان) بشكل نشط في جمعية الكُتَّاب والصحفيين اليهود في (وارسو)، ونشر العديد من المقالات، وأصدر العديد من المجلات العبرية، واليديشية، على مدى الأعوام الأربعين التي عمل بها في التدريس. كما أصدر، إلى جانب ذلك، كتباً خاصة بالنحو العبري، وكتباً للأطفال، تتناول ما يُسمَّى «الثقافة اليهودية»، و«التاريخ اليهودي». وكان (كابلان) من المؤمنين بالقومية اليهودية، أي الصهيونية، والتاريخ اليهودي الواحد، وكانت يهوديته ذات طابع قومي، حيث لم يكن متمسكاً بممارسة الشعائر والتقاليد الدينية. وقد اتّجه إلى (فلسطين) في عام 1936م، حيث كان ينوي الاستقرار مع ابنيه اللذين هاجرا للاستيطان بها من قبل، إلا أنه عاد إلى (وارسو)، بعد أن فشل في العثور على عمل. وتعود أهمية (كابلان) إلى أنه دوَّن يومياته وهو في (جيتو وارسو)، أثناء الاحتلال النازي لبولندا، قبل أن يُدمَّر الجيتو بأكمله. وقد بدأ (كابلان) في كتابة يومياته بالعبرية، ابتداءً من عام 1933، وسجّل فيها الأحداث اليومية لمجتمع الجيتو، كما سجّل أفكاره وحواراته مع أصدقائه، وانطباعاته العديدة. وقد أدان (كابلان) القيادات اليهودية في الجيتو، ومن بينها (آدم تشرنياكوف)، رئيس المجلس اليهودي، الذي كان يقوم بتسليم اليهود إلى النازيين، والذي انتحر فيما بعد. وقد نجح (كابلان) في تهريب يومياته إلى خارج الجيتو، قبل أن يلقى حتفه عام 1942م. وتتضمن اليوميات إدراكاً كاملاً للتشابه البنيوي بين النازية والصهيونية، إذ يُعبِّر (كابلان) عن دهشته لاضطهاد النازيين لليهود، رغم أن الحل النازي هو نفسه الحل الصهيوني: الاعتراف باليهود كشعب عضوي، منبوذ، وطنه فلسطين، ومن ثم يتعيَّن عليه أن يهاجر إليها. وقد دوَّن (كابلان) في مذكراته أن هذه الكلمات كانت جديدة على النازيين تماماً، وأنهم لم يصدقوا آذانهم حينما سمعوا ذلك لأول مرة من أحد اليهود. وهذه الملاحظة تدلّ على مدى جهل (كابلان) بمستوى المعرفة النازية بالمسألة اليهودية والعقيدة الصهيونية، وتدل على أنه لم يكن متابعاً للتعاون الوثيق بين النازيين والصهاينة في ألمانيا النازية.

وتُرجمت يوميات كابلان إلى لغات عدة، منها: الإنجليزية والألمانية والفرنسية والدنماركية واليابانية، ونُشرت بالإنجليزية تحت عنوان (مخطوطات العذاب).

[21]– جيتو وارسو: أسّس النازيون جيتوات كانت تأخذ شكل مناطق قومية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال، فكان يتم إخلاء رقعة من إحدى المدن من غير اليهود، ثم يُنقل إليها عشرات الآلاف من اليهود. ومن أشهر هذه المناطق (جيتو وارسو)، و(لودز) و(ريجا) في (بولندا)، ومستوطنة (تيريس آينشتات) «النموذجية»، في (بوهيميا). ومن أهم الجيتوات (جيتو وارسو)، الذي بلغ عدد القاطنين فيه عام 1941 حوالي نصف مليون يهودي، يعيشون في رقعة صغيرة، حولها حائط ارتفاعه ثمانية أقدام، وكان له اثنان وعشرون مدخلاً، يقف على كلٍّ منها ثلاثة جنود، أحدهم ألماني، والثاني بولندي مسيحي، والثالث بولندي يهودي. وكان التعريف الذي تبنّاه الألمان للهوية اليهودية، هو تعريف قوانين نورمبرج، وهو أن اليهودي يهودي بالمولد، وليس بالعقيدة (وهو التعريف الذي تبنّته فيما بعد دولة إسرائيل، والذي يستند إليه قانون العودة الصهيوني). ويجب النظر إلى تجربة الجيتو هذه في ضوء المخطط النازي ذي الطابع الصهيوني الواضح، الذي ينطلق من تصوّر استقلال اليهود كشعب عضوي منبوذ، له شخصيته القومية المستقلة. ولذا، كان للجيتو مؤسساته المستقلة الخاصة به (عُملة خاصة ـ وسائل نقل خاصة ـ خدمة بريدية ـ مؤسسات الرفاه الاجتماعي). كما سُمح لجيتو وارسو بأن يكون له نظامه التعليمي، وبأن يفتح المكتبات لبيع الكتب واستعارتها، وبأن يصدر جريدته اليومية، بل كان له ميليشيا، ومحاكم، خاصة به، أي أن الجيتو كان بمثابة دولة صغيرة منعزلة ثقافياً واقتصادياً عمّا حولها، وهو بهذا استمرار لتقاليد القهال، والإدارة الذاتية، والشتل، التي يمجّدها الصهاينة في كتاباتهم، وهو يشبه – في كثير من الوجوه – الدولة الصهيونية المشتولة في الشرق الأوسط. وكان يدير الدويلة/الجيتو (سلطة يهودية)، أو (مجلس كبراء)، تُعيِّن السلطات النازية أعضاءه. ولكن استقلالية الدويلة/الجيتو لم تكن كاملة، إذ كان الجيتو يقوم باستيراد كل المواد الخام والطعام والملابس التي يحتاجها، من سلطة الاحتلال النازية، على أن يسدّد ثمن الواردات بالمنتجات الصناعية (الملابس والمصنوعات الجلدية) التي كان ينتجها الجيتو. كما كان على المجلس أن يقدم عدداً من العمال يومياً، يبيعون عملهم لتسديد واردات الجيتو. وكان العامل البولندي، يهودياً كان أم غير يهودي، يتقاضى ربع ما يتقاضاه العامل الألماني. ولا ندري هل وضع النازيون مخططاً لإبادة يهود جيتو وارسو (بالمعنى الخاص للكلمة، أي بمعنى التصفية الجسدية)، من خلال فرض وضع اقتصادي غير متكافئ عليهم، بحيث يمكن استنزافهم لصالح النازيين، أم أن عملية الإبادة تمّت كنتيجة حتمية، ليست بالضرورة متعمّدة، للبنية الاستغلالية التي فرضها النازيون؟ فقيمة السلع التي كان ينتجها الجيتو، والخدمات التي يقدِّمها، كانت دائماً دون حد الكفاف، ولا تفي بالاحتياجات المادية الأساسية للعاملين اليهود الأساسيين، الأمر الذي كان يعني سوء التغذية داخل الجيتو، وتناقص عدد سكانه، مع ضمان تدفق فائض القيمة بشكل مستمر إلى النازيين. وقد أدَّى عدم تكافؤ العلاقة بين الدولة النازية والدويلة/الجيتو اليهودية، إلى أن السكان زادوا فقراً، وزادت حاجتهم إلى المواد الغذائية، فكانوا يموتون جوعاً، ويهلكون بالتدريج، وببطء، دون أفران غاز. وقد قام أحد الباحثين بدراسة إحصائية دقيقة لهذه الإبادة التدريجية البطيئة (عن طريق التجويع)، مستخدماً جيتو وارسو أساساً لدراسة الحالة. فأشار إلى أن الفترة من 1939 إلى 1942، أي خلال ستة وثلاثين شهراً، شهدت زيادة عدد الوفيات بشكل ملحوظ. فحسب معدل الوفيات بين أعضاء الجماعة اليهودية قبل الحرب، كان من المفروض أن يكون عدد الوفيات 12.600 في العام. ولكن الجوع والمرض (وكذا غارات الحلفاء، وأحكام الإعدام) أدَّت معاً إلى موت 88.568 ألفاً في العام، وهو عدد يشكل 19% من مجموع سكان جيتو وارسو، البالغ عددهم خمسمائة ألف، الأمر الذي يعني أنه كان من الممكن اختفاء كل سكان الجيتو خلال ثمانية أعوام، دون أفران غاز. ويمكن أن نضيف أن هذه العملية كانت ستتسارع في السنوات الأخيرة، بسبب زيادة ضعف وهزال سكان الجيتو، ومن ثم، فإن خمس أو ست سنوات كانت كافية – في تصوُّرنا – لإتمام هذه العملية. وكانت علاقة الدولة النازية بدويلة/جيتو وارسو علاقة كولونيالية، لا تختلف كثيراً عن علاقة إنجلترا بمستعمراتها، أو علاقة الدولة الصهيونية بالسلطة الفلسطينية في غزة وأريحا (كما يتخيّلها الصهاينة). وربما كان الفارق الأساسي هو درجة التحكّم، إذ أن جيتو وارسو كان كياناً صغيراً متخلّفاً، ومن ثم كان بالإمكان التحكّم فيه بدرجة كاملة، أو شبه كاملة، على عكس الضفة الغربية وغزة، حيث يوجد كيان حضاري مركّب، يعود إلى أعماق آلاف السنين، ويتّسم بتجذّره، كما أن سكان (المناطق) المحتلة لم يتوقفوا قط عن المقاومة. وكل هذا جعل التحكّم في فلسطين المحتلة بعد عام 1967، أمراً صعباً، إن لم يكن مستحيلاً. ويدلّ سلوك الإسرائيليين تجاه السلطة الفلسطينية في غزة وأريحا، أنهم استبطنوا هذا الجانب من تجربة يهود أوروبا مع النازية. فهم يحاولون أن تكون علاقتهم مع هذه السلطة تشبه في معظم الوجوه علاقة الحكم النازي بالسلطة اليهودية في جيتو وارسو، أو مستعمرة تيريس آينشتات.

[22]– اللوثرية: اللوثرية فرع من أكبر فروع البروتستانتية التي تنتسب إلى تعاليم مارتن لوثر، المجدد الألماني، الذي بدأ بجهوده لتجديد اللاهوت والنظام الكنسي الإصلاحي البروتستانتي. في أيام الإصلاح، أصبحت اللوثرية دين الدولة في دول عديدة في شمال أوروبا، لا سيما في شمال ألمانيا، وفي الدول النورديّة (= الاسكندنافية)، وأصبح رجال الدين اللوثريون موظفين مدنيين، وأصبحت الكنائس اللوثرية جزءًا من الدولة. أصبح الانقسام بين اللوثريين والرومان الكاثوليكيين معلنًا واضحًا في (مرسوم وورمز) عام 1521م.  أدانت أحكام المجلس لوثر، وحظرت على مواطني الإمبراطورية الرومانية المقدسة الدفاع عن آرائه ونشرها، وعرّضت أنصار اللوثرية لخسارة كل أملاكهم، على أن يعطى نصفها للحكومة الإمبراطورية، ونصفها الباقي للطرف الذي يشتريها في المزاد. كان الانقسام مرتكزًا على نقطتين: أولهما مصدر سلطة الكنيسة الصحيح، ويسمّى هذا المبدأ المنهجي للإصلاح، والثاني هو عقيدة التبرير، وتسمّى المبدأ المادي للاهوت اللوثري. تدعم اللوثرية عقيدة التبرير «بالنعمة وحدها، وبالإيمان وحده، وعلى أساس الكتاب وحده»، وعقيدتهم أن الكتاب المقدس هو السلطة النهائية في كل قضايا الإيمان. يخالف هذا اعتقاد الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، التي عُرِّفت في مجلس ترنت، وفيها أن السلطة الدينية تأتي من الكتاب المقدس، ومن التقليد. خلافًا للكالفينية، يحافظ اللوثريون على بعض الشعائر القداسية، والتعاليم الأسرارية للكنيسة السابقة للإصلاح، وعندهم اهتمام خاص بالأفخارستيا، أو سر التناول. يختلف اللاهوت اللوثري عن اللاهوت المصلَح في عقيدته في المسيح، والنعمة الإلهية، وهدف شريعة الله، ومفهوم مثابرة القديسين، والقدر.

[23] – هاينريش فريك: يسعى إلى الجمع بين موقفين متعارضين محتملين: التقوى اللاهوتية المسيحية، والقدرة على تحليل دينه وأديان الآخرين بطريقة دينية تاريخية. ولد (فريك) في دارمشتات، هيسن، وكان ينتمي أثناء طفولته إلى مجموعات شباب الكتاب المقدس. درس اللاهوت البروتستانتي واللغة العربية في جيسن وتوبنغن. حصل على إجازة في اللاهوت عام 1917 من جامعة جيسن، وانضم إلى الوزارة اللوثرية في دارمشتات. في عام 1918م حصل على الدكتوراه، أيضًا في جيسن؛ كانت أطروحته (السيرة الذاتية للغزالي: مقارنة باعترافات أوغسطين). بدأ (فريك) مسيرته الأكاديمية عام 1919م كمدرس خاص في دارمشتات. انتقل إلى جامعة جيسن في عام 1921م، ومنها دُعي إلى ماربورغ، خلفًا لرودولف أوتو، الذي امتدت أستاذيته في اللاهوت النظامي، بالنسبة لفريك، لتشمل علم الأديان وعلم الإرساليات. بالإضافة إلى ذلك، أصبح مديرًا لمجموعة من المواد الدينية للعديد من ديانات العالم، التي أسسها أوتو في عام 1927. إن قائمة المصادر التي ألفها (فريك) تحتوي على أكثر من مائة وخمسين مادة، أغلبها مقالات وتقارير ومقدمات ومحاضرات وخطب وعظات وتصريحات. ومن بين كتبه القليلة، لا يوجد سوى كتاب واحد يتعلق بعلم الأديان الحقيقي، ألا وهو (دراسة مقارنة للأديان)، نشره عام 1928. وفي هذا الكتاب يطوّر (فريك) تصنيفه للأديان بوضوح، فيحلل أوجه التشابه بين الأديان التاريخية ذات الأصول المختلفة، فضلاً عن (خصائصها) الخاصة. ويختتم (فريك) حجته بتقديم ثلاث ظواهر تصنيفية أساسية، باعتبارها سمة أساسية للدين: الخلاف الكاثوليكي البروتستانتي (الديني التاريخي)؛ والقطبية بين التقوى الصوفية والتقوى الإيمانية (الدينية النفسية)؛ ​​والبديل الذي يشكّل أهمية حاسمة لـ(الجودة) التي يتمتع بها الدين، وهو الرمزية البديلة في المكان أو الزمان (الدينية الفلسفية). يهدف الكتاب إلى إظهار أن الدين المقارن هو “فرع لا غنى عنه من اللاهوت الفعال” (ص 134)، من حيث إنه يثبت ضرورة الاختيار بين العديد من الاحتمالات الدينية، ويقدم حججًا تجريبية من أجل “إجابة واضحة على السؤال: لماذا نتمسك بالإنجيل على الرغم من كل أوجه التشابه، وعلى الرغم من كل عوامل الجذب في الدين غير المسيحي” (ص 132). ولم يمنع هذا القصد اللاهوتي (فريك) من تطوير نقاط المقارنة بين الأديان، التي تم قبولها عمومًا منذ ذلك الحين، هنا وفي منشورات أخرى. وكان هذا النهج قد تبنّاه بالفعل في أطروحته التي قارن فيها الغزالي بأوغسطين، ومرة ​​أخرى في مراجعاته ومقالاته حول مشاكل خاصة، على سبيل المثال، “مفهوم النبوة في الدراسات الإسلامية واللاهوت”، وبدافع من الحساسية التي اكتسبها طيلة حياته تجاه النزعات العلمانية و”أزمة الدين”، لخص فريك آراءه بشأن علم الأديان، في أواخر حياته، في محاضرتين عن “ظاهرة الأديان” (1950)، و”علم الأديان” (1951). وفي إطار التشكيك في الحق الأخلاقي للحياد في مجال علم الأديان، في وقت أصبحت فيه البشرية الحديثة أكثر فأكثر أقل تديناً، دعا (فريك) زملاءه إلى البحث عن تركيبة تجمع بين التقاليد الدينية الثقافية الموقّرة والحداثة. وفي رأيه، فإن “المهمة الأكثر أهمية التي تقع على عاتق علم الأديان الحالي، والمجالات ذات الصلة في جميع الكليات العلمية، هي الوفاء بدورها المتواضع، ولكن الذي لا يمكن التغاضي عنه في هذا المجال”.

[24]– يواخيم برنز: ولد (برنز) في قرية (بيرزني) (بالقرب من أوبولي) في مقاطعة (سيليزيا) البروسية في 10 مايو/ أيار عام 1902م. ولد (برنز) لعائلة يهودية. اهتم (برنز) بشكل متزايد باليهودية، بسبب تأثّره بحاخام ذو شخصية جذابة. ازدادت جذوره اليهودية قوة بعد وفاة والدته. وبحلول عام 1917م، انضم أيضًا إلى حركة (بلاو فايس) (أبيض أزرق)، حركة الشباب الصهيونية. عندما كان في الحادية والعشرين من عمره، حصل (يواكيم برنز) على درجة الدكتوراه في الفلسفة، وتخصّص في مجال التاريخ الفني، في جامعة (غيسن). رُسّم حاخامًا في المدرسة الدينية اليهودية في (بريسلاو). تزوج من (لوسي هورفيتز)، ابنة الأستاذ الأكثر بروزًا من المدرسة. توفيت زوجته في (برلين)، بعد فترة وجيزة من ولادة ابنتهما (لوسي). تزوج (برنز) من (هيلدي غولدشميت) في عام 1932م. أنجبا ثلاثة أطفال: (مايكل) (وُلد في برلين)، (جوناثان) و(ديبورا) (وُلد كلاهما في الولايات المتحدة). مع تنامي شهرته في ألمانيا، وتزايد مخاوفه من وصول عهد هتلر إلى مرحلة مثمرة، نال تأييد الحاخام (ستيفن وايز)، الذي كان مستشارًا مقربًا للرئيس فرانكلين روزفلت. في عام 1937م، هاجر (برنز) إلى الولايات المتحدة. باشر بإلقاء المحاضرات في جميع أنحاء الولايات المتحدة، في منظمة (النداء الفلسطيني الموحد) (النداء الإسرائيلي الموحد، لاحقًا)، الذي تأسّس في عشرينيات القرن العشرين، كوسيلة لجمع الأموال في الولايات المتحدة للوكالة اليهودية لإسرائيل. وكان ذلك في الأساس بمثابة مقدمة لما أصبح قاعدة الدعم اليهودية الأميركية لدولة إسرائيل القومية، والنداء الإسرائيلي الموحد. استقر (يواكيم برنز) في (نيوجيرسي) كقائد روحي لمعبد (بناي أبراهام) في (نيوآرك). في غضون فترة وجيزة، ساعد نشاط (برنز) في ارتقائه، ليصبح أحد كبار القادة داخل الهيكل التنظيمي اليهودي. شغل مناصبًا قيادية عليا في المؤتمر اليهودي العالمي، منها رئيس المؤتمر اليهودي الأمريكي، في الفترة الممتدة من عام 1958 إلى 1966، ورئيسًا للمؤتمر العالمي للمنظمات اليهودية. وفي وقت لاحق، تولى إدارة مؤتمر المطالبات المادية اليهودية ضد ألمانيا. كان لاضطلاع (برنز) المبكر في الحركة الصهيونية، دور في جعله حليفًا حميمًا وصديقًا للقادة المؤسسين لدولة إسرائيل. كان (برنز) فعالًا في تأسيس مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى. شغل منصب رئيس مجلس الإدارة في الفترة الممتدة من عام 1965 إلى 1967م. توفي في 30 سبتمبر/ أيلول عام1988م.

[25]– سامي عصاصة، قراءة في كتاب إسرائيل شاحاك: هل اليهودية التلمودية دين؟، 1998م – 1419هـ، ص82.

[26] – إسرائيل شاحاك، وطأة 3000 عام، ص136.

[27]– كاستنر: ولد (رودولف كاستنر) في عام 1906م محامٍ وصحفي يهودي مجري. اشتهر بعد تسهيله عملية ترحيل اليهود من النازية التي تحتلها (المجر) خلال المحرقة، وأحد زعماء الحركة الصهيونية في (المجر). ترأس عددًا من المنظمات الشبابية الصهيونية، ورأس تحرير مجلة (أوي كيليت)، وكان نائب رئيس المنظمة الصهيونية في (المجر)، ثم أصبح مسؤولًا عن إنقاذ المهاجرين اليهود من (بولندا) و(تشيكوسلوفاكيا)، فقد كان يشغل منصب رئيس لجنة الإغاثة التابعة للوكالة اليهودية في (بودابست). أُغتيل في سنة 1957، بعد أن اتهمته محكمة إسرائيلية بالتّعاون مع النازيين. قام (كاستنر) بالاتصال بالمخابرات المجرية والنازية (التي كان لها عملاء يعملون داخل المجر، حتى قبل احتلال القوات الألمانية لها)، ثم استمر في التعاون مع النازيين بعد احتلالهم للمجر. وتشير بعض الدراسات إلى أن (أيخمان) حضـر إلى (المجـر) ومعـه 150 موظفًا، وكان يتبعه عدة آلاف من الجنود المجريين، هذا بينما كان يبلغ عدد يهود المجر ما يزيد عن 800 ألف، وهو ما يعني استحالة ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال (السخرة والإبادة)، إنْ قرّروا المقاومة. ومع هذا نجح (أيخمان) في مهمته، بفضل تعاون (كاستنر) معه، إذ يبدو أن كاستنر أقنع أعضاء الجماعة اليهودية في (المجر) بأن النازيين سيقومون بنقلهم إلى أماكن جديدة يستقرون فيها، أو إلى معسكرات تدريب مهني لإعادة تأهيلهم، وليس إلى معسكرات الاعتقال. ومقابل ذلك سمحت السلطات النازية (عام 1941) بإرسال 318 يهوديًا، ثم 1386 يهوديًا، من أحـد معسـكرات الاعتـقال إلى فلسـطين (يهود من أفضل المواد البيولوجية)، على حد قول (أيخمان).

استقر (كاستنر) في فلسطين عام 1946، وانضم إلى قيادة (الماباي)، ورُشِّح للكنيست الأول. وانتقلت معه مجلة (أوي كيليت)، وأصبح رئيسًا لتحريرها، بل كان يُعَدُّ مسؤولًا عن شؤون يهود المجر (أو من تبقى منهم) في الحزب الحاكم. ولكن في عام 1952م أرسل المواطن الإسرائيلي (مايكل جرينوولد) كتيّباً لبعض القيــادات الصهـيونية، اتهم فيها (كاسـتنر) بالتعاون مع النازيين، وأنه قام بالدفاع عن أحد ضباط الحرس الخامس (الإس. إس.)، أثناء محاكمات نورمبرج، الأمر الذي أدَّى إلى تبرئته وإطلاق سراحه. وقد قام الحزب الحاكم في إسرائيل بمحاولات مضنية لإنقاذ (كاستنر) وتبرئته. كما بيَّن (كاستنر) أثناء محاكمته، أنه لم يكن يسلك سلوكًا فرديًا، وإنما تَصرَّف بناءً على تفويض من الوكالة اليهودية (التي أصبحت الدولة الصهيونية، عام 1948). ولم يكن (كاستنر) مبالغًا في قوله، فالمواطن الإسرائيلي (جويل براند) كان على علم ببعض خفايا القضية، وبمدى تورط النخبة الحاكمة في عملية المقايضة الشيطانية التي تمت. وقد طُلب منه الإدلاء بشهادته، ولكنه آثر ألا يفعل، وبدلًا من ذلك كتب كتابًا بعنوان (الشيطان والروح)، يقول فيه: «إن لديه حقائق تبعث على الرعب، وتدمغ رؤوس الدولة اليهودية (الذين كانوا رؤساء الوكالة اليهودية)». وأضاف قائلًا: “إنه لو نشر مثل هذه الحقائق، لسالت الدماء في تل أبيب”.

وقد قضت المحكمة الإسرائيلية بأن معظم ما جاء في كتيّب (جرينوولد) يتطابق مع الواقع. وبعد إشكالات قضائية كثيرة، حُسمت المسألة (لحسن حظ الحزب الحاكم)، حينما أطلق “أحدهم” الرصاص على (كاستنر) وهو يسير في الشارع، في 15 آذار/ مارس عام1957م. وقد تمت الجريمة رغم ورود تحذيرات لسلطات الأمن الإسرائيلية عن وجود مؤامرة لاغتيال كاستنر، بل كانت السلطات تعرف موعـد تنـفيذ المؤامـرة. وقد سـجل (موشـيه شاريت)؛ رئيس الوزراء الإسرائيلي، هذه الكلمات في مذكراته: «كاستنر، كابوس مرعب. حزب الماباي يختنق. بوجروم.». ويشير (براند) في كتابه إلى أن “رجال السياسة الذين يتّسمون بالحذر، كانوا لا يعرفون ماذا سيفعلون مع هذا الرجل بعد محاكمته”، وكانوا يفكرون في(إسكاته).

[28] – روجيه غارودي، الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، ص30 -31.

[29]–  الفريد لينينتال، ثمن إسرائيل، 27 – 28.

[30] – عبدالوهاب المسيري، الصهيونية والنازية، ص149.

[31] – إسحاق شامير، مذكرات إسحاق شامير، ص34 – 36.

[32] – روجيه غارودي، الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، ص78؛ عبدالوهاب المسيري، الصهيونية والنازية، ص164.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى