قراءة في كتاب “دور الكورد في تحرير المسجد الأقصى”
بقلم: أ. د. علي محيي الدين القرەداغي - رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

إن عظمة تعاليم الإسلام تظهر بوضوح في أنها كوّنت في فترة وجيزة؛ )خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ( (آل عمران: 110)، مكوّنة من مختلف الشعوب، والأقوام، والقبائل، المتناحرة، المتصارعة، وصهرتهم في بوتقة الإيمان؛ فجعلتهم إخوة؛ فاقت أخوّتهم الإيمانية الأخوّة النسَبية، لم تكن مجرد شعار يرفع، أو كلمات بها تصدع، بل قامت على التضحيات، وعلى التكافل، والتناصر، والإيثار، وتجسّدت عملياً؛ وطبّقت في أجمل صورها في مجتمع المهاجرين والأنصار؛ في المدينة المنورة: )يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (الحشـر:9)، وشاء الله تعالى أن يشارك في بداية التأسيس؛ ممثلو معظم الشعوب؛ بجانب إخوانهم العرب؛ الذين كانوا هم العمود الفقري للمجتمع الإسلامي الأوّل، ثم انضمّت اليهم معظم شعوب الشـرق؛ من الفرس، والترك، والكورد.. ونحوهم، خلال أقلّ من ربع قرن بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فتكوّنت منهم أمّة قوّية البُنيان؛ شديدة المراس، راسخة العلوم والحضارة والعمران.
فشارك جميع الشعوب المسلمة في تكوين حضارة شاملة للتديّن، والعمران، وكان للشعب الكوردي حظ وافر، ونصيب كبير في خدمة الإسلام، وحضارته، والدفاع عنه.
فهذا الكتاب الذي ألّفه أخي الدكتور دَحّام إبراهيم الهسنياني؛ بيان لهذه المشاركة العظيمة من الشعب الكوردي؛ في أعظم قضية إسلامية، وهي قضية “تحرير المسجد الأقصـى، والقدس، وفلسطين والشام”، كلّها؛ من أيدي الصليبيين؛ الذين عاثوا فيها الفساد؛ حوالي تسعين سنة؛ إلى أن هيّأ الله تعالى لذلك (صلاح الدين الأيوبي).
فالكتاب مفصّل في بيان دور صلاح الدين، وشعبه الكوردي، وعلمائهم؛ وأمرائهم، حيث أطال النفس في بيان ذلك، وأتى بمعلومات تفصيلية دقيقة؛ معتمداً على المصادر الجيدة الموثقة، والمراجع الحديثة النافعة.
غاية الكتاب:
الذي فهمته من الكتاب؛ أنّه استهدف تحقيق مجموعة من المقاصد والغايات والأهداف، من أهمها:
1- تجديد الأمل الكبير لتحرير المسجد الأقصـى من جديد، وهذا – بلا شك – وعد الله I الحق.
2- إبراز دور الشعب الكوردي في نيل هذا الشـرف العظيم، شـرف تحرير قبلتنا الأولى، ومسرى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ والأرض المباركة؛ من خلال قيادة صلاح الدين لهذه الملحمة المباركة.
وإن مما لا شك فيه؛ أن جميع شعوب المنطقة؛ قد أسهمت في هذا النصـر، كما أن السلطان (نور الدين الزنكي) كان له دور عظيم؛ فجزاهم الله جميعاً الخير.
3- إبراز تاريخ الشعب الكوردي، وأنهم شعب يتكّون من حوالي خمسين مليون نسمة، وفي هذا المجال أتى بمعلومات مفصّلة حول هذا التاريخ، ليكون الجيل الجديد من بقية الشعوب المسلمة؛ على اطّلاع على ذلك، لأنه بمقدار المعلومات يتحقّق التعارف؛ المنصوص عليه في القرآن الكريم: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( (الحجرات: 13).
شعوب المنطقة:
إن منطقتنا: (الشـرق الأوسط) تعيش فيها عدة شعوب عظيمة، منها العرب، والترك، والفرس، والكورد، والأمازيغ.. والتاريخ يثبت أنها إذا اجتمعت في سياسة واحدة، وهدف واحد، تكوّنُ قوة كبيرة؛ مؤثرة، وفاعلة، ولذلك كان صلاح الدين قد وضع توحيد هذه الشعوب تحت شعار واحد، وهو الانطلاق من “توحيد الكلمة إلى التحرير”، فلم يبدأ بالتحرير أوّلاً؛ وإنما وحّد الأمة الإسلامية؛ من المغرب الإسلامي إلى المشـرق أوّلاً، ثم انطلق بجيشه المكوّن من هؤلاء؛ فتحقّق التحرير بسهولة.
ومن جانب آخر، فإن أعداء الإسلام، والطامعين في خيرات هذه البلاد؛ يراهنون على إثارة الفرقة والنزاع والحروب بين هذه المكوّنات الأساسية للأمة، بل يحاولون تمزيق الشعب الواحد، والدولة الواحدة؛ انطلاقاً من شعارهم: (فرّق تَسُدْ)، وهم يعتمدون في تحقيق أهدافهم على ظلم بعض الحكام، وعدم العدالة الاجتماعية، ولذلك يقع على جميع العقلاء؛ من الرؤساء؛ والعلماء؛ والمفكرين؛ والمؤثرين؛ واجب السعي لتحقيق الوحدة، وإزالة الفرقة؛ من خلال تحقيق العدالة والمساواة؛ والحقوق؛ والواجبات المشتركة.
ومن جانب آخر؛ فَخيْرية هذه الأمة ومصالحها الحقيقية: في الالتزام بالإسلام وتعاليمه؛ ومبادئه العظيمة؛ التي تجعل القلب صافياً سليماً؛ بعيداً عن الحقد والعنصـرية؛ والعصبية الجاهلية، وفي مبادئ العدل الحقيقي الشامل، والمساواة الحقيقية بين الشعوب والأفراد في الحقوق والواجبات، بحيث تطبق القاعدة النبوية والقسم النبوي الشـريف: (والذي نفسي بيده! لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيْهِ، مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)؛ وفي رواية صحيحة: (لجاره)([1]).
ولو طبّق هذا المبدأ داخل أمّتنا الإسلامية؛ لم يستطع أعداء الإسلام إحداثَ فتن الحروب العنصرية، وإثارة العصبيات الجاهلية.
والكتاب في أصله مخصّص لدور السلطان صلاح الدين الأيوبي، وأمراء الكورد، وعلمائهم في تحرير المسجد الأقصـى، والقدس الشـريف، وفلسطين، وجميع المناطق التي احتلّها الصليبيون؛ طوال القرنين: الخامس والسادس الهجريين، حيث أطال النفس في دور صلاح الدين في هذا التحرير المبارك، وأتى بفوائد جمّة؛ قد لا نجدها في غير هذا الكتاب.
ومع ذلك؛ فقد أفاض في الأدوار العظيمة التي قام بها بقية الأمراء الأيوبيين، وفي أدوار علماء الكورد؛ وبخاصة علماء شهرزور؛ مثل القاضي (ضياء الدين الشهرزوري)، الذي قام بأدوار متنوعة جهادية، ودبلوماسية، ودور علماء (هكاري)؛ مثل الفقيه (عيسـى الهكاري)، والفقيه (ظهير الدين الهكاري)، الذي أصبح بعد التحرير والي القدس، وشهيد القدس (بدر الدين الهكاري).. وغيرهم، ممن شاركوا في الجهاد والإدارة، ونحوها. وكذلك بيّن بوضوح دور علماء الموصل الأكراد مثل: (ابن شداد)، و(عبد اللطيف السهروردي).. الذين ساندوا صلاح الدين قبل التحرير وبعده.
فالحق يقال: إن كتاب: (دور الكورد في تحرير المسجد الأقصـى)؛ كتاب نافع في مادته، مفيد في محتواه، ثريّ في معلوماته، نابع من الفكر الإسلامي الصحيح؛ الذي يأمرنا بالصدق والوفاء، وعدم إنكار المعروف لأيّ شعب، أو أيّ فرد، وفيه الجديد من حيث إبراز دور شعب يعشق فلسطين، ويحب الحرية، ويريد أن تسود العدالة والمساواة جميع الشعوب والأفراد؛ كما يبتغي الإسلام.
فجزى الله تعالى أخانا العزيز، العالم المفكر، الدكتور دحّام إبراهيم الهسنياني، على جهوده المباركة والعلمية؛ الموفّقة لخدمة تاريخنا الإسلامي، ولإبراز الوجوه المشرقة للشعب الكوردي؛ الذي كان وسيظل – بإذن الله تعالى – قائماً بدوره في خدمة الإسلام والمسلمين وقضاياه الكبرى، ولا يضّـره ما يكتبه الأعداء، أو بعض الجهلة من أبنائه، لتشويه صورتهم الناصعة في التاريخ الإسلامي، بل والإنساني.
نفع الله تعالى بهذا الكتاب، واقرّ أعيننا بتحرير المسجد الأقصـى مرة أخرى، الذي وعدنا الله تعالى به، وعد الحق، وقد بدت بشائره من خلال (طوفان الأقصـى) آمين يارب العالمين…
([1]) رواه البخاري في صحيحه، كتاب (بدء الوحي) باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، (13)، ومسلم في صحيحه، كتاب (الإيمان) باب: الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير (45)، ورواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح: 3/278، رقم (17874)، والترمذي في سننه، في كتاب (صفة القيامة) باب: 59، (2515)، والنسائي في سننه، كتاب (الإيمان وشرائعه) باب: علامة الإيمان، (5016)، وابن ماجه في سننه، (المقدمة) باب: في الإيمان (66).