رهان خاسر

بقلم رئيس التحرير

من يقرأ التاريخ يرى أن طغيان المستبدين بالحكم والسلطة قديم، وأنه حالة ملازمة للإنسان.. فهل هو قدر لازم، أم هي فطرة بشـرية، أم ظاهرة اجتماعية، أم ماذا؟!

لا ريب أن الإنسان في أصل خلقته مجبول على قدرة الاختيار بين الخير والشـر، ومن ثَمَّ فإن الميل نحو الشـر هو اختيار، وليس قدراً لازماً، ولا هو بالفطرة البشـرية، وإلا لكان بنو آدم جميعاً من جنس الشياطين..!

ولا ريب أن وجود مثل هذه الظاهرة في المجتمعات البشـرية منذ القدم، يعود إلى توافر أسبابها ومقدماتها، والبيئة الملائمة والحاضنة لها، لا سيّما وأن حب الشهوات من المال والمتاع، مغروس في فطرة الإنسان، وأن التفاوت الطبقي والاجتماعي، بل والتفاوت في بسطة الجسم والعلم، هي أمور قدّرها الله لبني البشـر، فتنةً لهم واختباراً، ليتبيّن الصالح منهم من غيره!

وهكذا، وفي ظلّ حاجة بني البشـر لبعضهم البعض، وضرورة عيشهم في مجتمعات، ووجود هذا التفاوت في أسباب القوّة، ومظاهر السطوة، نجد أن هناك دائماً من يميل إلى الاستبداد والقسوة والبطش بالآخرين، من أجل مصالحه الخاصة، وهو في سبيل ذلك، يجد من يكون له عونـاً وسنداً في تحقيق ذلك، فيتخذ منهم أولياء وأعواناً، يتقوى بهم على الآخرين، وينتفعون هم كذلك من سلطته وسلطانه!

ولكن.. ولأن هذه الحالة ليست هي الحالة المثلى، ولا هي مما يليق ببني البشـر.. نجد أن مثلها لا يدوم طويلاً.. وسرعان ما يزول الطغيان، ويرحل الطغاة.. وغالباً ما يكون هذا الرحيل مكلفاً.. لأن من يتشبّث بالسلطة، وينتشـي بالقوّة والثروة، يعزّ عليه أن يفارقها بسهولة.. بل كثيراً ما يدمّر من أجلها مجتمعات كاملة، ويشنّ حروباً مرهقة، ويقتل الآلاف بل الملايين من البشـر، ولا يبالي.. ولكن المحصّلة النهائية هي الرحيل، والغروب.. لأن الطغاة والطغيان عرض زائل.. وأمّا ما يبقى فهو الشعوب بأصالتها وحضارتها وحميميّتها و… لكن يبقى السؤال قائماً: لماذا يميل الإنسان إلى الطغيان؟ ولماذا لا يتّعظ الطغاة من مصير من سبقهم؟ ولماذا هم في رهان دائم على الجانب الخاسر من التاريخ؟

فهل هم سكارى أوهامهم في امتلاك السلطة والقوّة، وأنهم استثناء لا ينطبق عليهم ما جرى على غيرهم؟ أم بعبارة عبد الوهاب المسيري: هم ضحايا نموذجهم الإدراكي المغلق، بما يجعلهم عاجزين عن الاتّعاظ بمصير من سبقهم، مما يؤدّي بهم في النهاية إلى مصيرهم الحتمي: السقوط الذي كانوا يعتقدون أنهم محصّنون منه؟!r

r

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى