رأي العلامة ناصر في الاجتهاد، وشروطه، وحكم اتّباع المذاهب الفقهية (الحلقة 24)
د. عمر عبد العزيز

مقدمة:
في مقدمة هذا المقال لا بد من الإشارة إلى أن الفقهاء قد اختلفوا في أصول الاستنباط، وطرق الاستدلال، وحجية المصادر التبعية؛ كالعرف والقياس والاستحسان والاستصحاب وقول الصحابي وغيرها، كما اختلفوا في التعامل مع القواعد اللغوية والضوابط الأصولية؛ كالاختلاف في الحديث من ناحية الاحتجاج بأنواع منه، أو التعارض بين نصّ ونصّ؛ كما اختلفوا في الاجتهاد بالرأي فيما لا نصّ فيه، عن طريق العمل بمصدر من المصادر التبعيّة([1]).
وهناك جهود خاصة في إبراز أثر أسانيد الأحاديث، ومتونها، في اختلاف الفقهاء، فتحدّثوا عن أثر التدليس، وأثر التفرّد في الحديث، ثم أثر رواية الحديث بالمعنى، ومخالفته للقرآن، أو معارضته لحديث أقوى منه، أو مخالفته لفتوى راويهِ، أو لعمله، وكذلك لمخالفته للقياس، أو لعمل أهل المدينة ـ عند بعض ـ، أو للقواعد العامة. كما تحدّثوا عن الاختلاف في السند والمتن، مما يجعل الحديث مضطرباً، وكذلك احتمال الإدراج، أو احتمال خطأ الراوي، أو حدوث القلب في المتن، أو احتمال التصحيف والتحريف، سواء في المتن أو السند أو المعنى ([2]).
هذا جانب أساسي من ظهور الاجتهادات المتباينة والمذاهب المتعددة([3])، التي اندرس بعض منها، وبقي عدد كبير منها. وسأحاول في هذا المقال أن ألقي ضوءاً على الاجتهاد: تعريفه، وظهوره، ثم شروطه ومتطلباته، ورأي الشهيد ناصر في تلك الشـروط، وكذلك سأتحدث عن المذاهب واتّباعها، ورأي الشهيد في ذلك:
أولاً/ تعريف الاجتهاد، وظهوره:
1ـ اتّفقت مصادر اللغة أن الاجتهاد من الجَهد أو الجُهد ـ بفتح الجيم وضمّها ـ بمعنى: الطاقة والمشقّة، أو الوسع. يقال: جَهد دابّته وأجهدها، إذا حمل عليها في السّيْر فوق طاقتها، وجهد في كذا: أي جدّ فيه وبالغ. والاجتهاد افتعال من الجهد بمعنى: بذل الوسع المجهود، وأخذ النفس ببذل الطاقة وتحمّل المشقة، يقال: جهدت رأيي وأجهدته: أتعبته بالفكر، كما يقول الراغب([4]).
وللاجتهاد ـ لدى الأصوليين ـ تعاريف عديدة، يدور جميعها حول محور واحد، مفاده: “بذل الفقيه جهده، للوصول إلى حكم شرعي، من دليل تفصيلي، من الأدلة التي يضعها الشارع، للدلالة على الأحكام”. وهناك تعاريف أخرى، والذي اخترناه في كتب الأصول هو التعريف الجامع المانع في نظري. أمّا العلامة سبحاني، فيقول في تعريف الاجتهاد: “إنه سعيِ العالم المجتهد لاستنباط الأحكام الجزئية في نصوص الكتاب والسنة، وفق القواعد اللفظية والأصولية”([5]).
ويعرّف بعض العلماء الاجتهاد في اصطلاح الأصوليين بأنه: استفراغ الجهد، إمّا في استنباط الأحكام، أو في تطبيقها. وبهذا يصبح الاجتهاد قسمين: ما يتعلّق بالاستنباط، وما يتعلّق بالتطبيق. وبناءً عليه رأى بعض المحققين أن “الاجتهاد الأول هو الكامل، وهو الخاص بطائفة العلماء، الذين تعرّفوا أحكام الفروع العلمية من أدلّتها التفصيلية. وقد قال بعض العلماء إن هذا النوع من الاجتهاد الخاص قد ينقطع في زمن من الأزمان، وهو قول الجمهور، أو على الأقل طائفة كبيرة من العلماء. وقال الحنابلة: إن هذا النوع من الاجتهاد لا يخلو عصـر منه، فلا بدّ من مجتهد يبلغ هذه المرتبة. والقسم الثاني اتّفق العلماء على أنه لا يخلو منه عصـر من العصور، وهؤلاء هم علماء التخريج، وتطبيق العلل المستنبطة على الأفعال الجزئية، فعملهم على هذا هو تطبيق ما استنبطه السابقون”([6]).
2- أما بالنسبة لظهور الاجتهاد: فيرى الشهيد سبحاني بأن سببه هو عدم ذكر الأحكام الجزئية المتجددة في الكتاب والسنّة، لكثرتها وصعوبة تلقّيها من قبل الناس، في حال إذا أنزل الله رسالات تضمّ كل ما يحتاج إليه الناس في أمور دينهم ودنياهم. ثم إن الله سبحانه شاء أن يدع كثيراً من المسائل للناس يعملون فيها بتفكيرهم، كي لا يسدّ الطريق أمام العقل البشـري.. ولهذا لم تمرّ مرحلة من مراحل عمر الأمة الإسلامية إلا كان فيه عمل الاجتهاد، بشكل أو بآخر. وهذا الأمر مما لا ينفك في يوم من الأيام عن واقع المجتمعات المسلمة”([7]).
ثانياً/ حول المجتهد، وشروط الاجتهاد، ورأي الأستاذ سبحاني فيها:
لقد تحدّث المحقّقون من علماء الأصول عن الشـروط اللازم توفرها في من يقوم بمهمّة الاجتهاد. وقسّمها بعضهم إلى الحدّ الأدنى والحدّ الأوفر، الأمر الذي يساعد على تحديد مراتب المجتهدين. وأكثر ما يذكر من الشروط كحدّ أدنى هي:
1 – العلم بالقرآن، لا سيّما آيات الأحكام فيه، وتفسير ألفاظه، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وأوجه القراءات الصحيحة فيه.
2 ـ العلم بالسنّة: لا سيّما أحاديث الأحكام، وما كان عليه العمل حتى وفاة الرسولﷺ.
3 ـ العلم باللغة العربية: خاصة مدلولات الألفاظ، وقواعد اللغة، وأصولها.
4 – وأضاف بعضهم: الاطّلاع على أقوال العلماء، ومواطن الاتّفاق والخلاف. واشترط آخرون: معرفة القياس، ومقاصد الأحكام، وحسن التقدير، مع صحة النيّة وسلامة الاعتقاد([8]).
وقد لخّص الشاطبي الشـروط في أمرين: “الأول: فهم مقاصد الشـريعة على كمالها. والثاني: التمكّن من الاستنباط، بناءً على فهمه فيها”([9]). ورغم أن سبحاني يؤيّد شروط المحقّقين من علماء الأصول التي وضعوها للمجتهد، لكنه يرى أن أفضل ترتيب لها كالآتي:
الشـرط الأول: الإلمام باللغة العربية. ويؤكّد في ذلك على ضرورة الاطّلاع على دقائق الألفاظ، والبحث عن مدلولاتها في كتب اللغة المعتمدة، والاطّلاع على ما يتعلّق باللغة في علوم الصـرف والنحو والبيان والبديع، واستخدامها أثناء تناول النصوص الشـرعية.. وكل هذا يعين على فهم مراد الله ورسوله ﷺ.
الشـرط الثاني: الاطّلاع على أسرار التشريع، ومقاصد الشارع، لمعرفة مواطن المصالح والمفاسد في الحياة البشـرية، لجلب المصالح للناس، ودرء المفاسد عنهم، بمقتضـى مقاصد الشـريعة في الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وما يُسمّى بمكمّلات كل منها.
الشـرط الثالث: الاختصاص في مجال من مجالات الحياة المتعلّقة بالعصـر الذي يعيش فيه المجتهد، والاطّلاع على المجتمع، وطبائع الناس فيه، ونوع مشاكله؛ كالاختصاص في مجال اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، أو غير ذلك([10]).
الشـرط الرابع: الإلمام بالحديث، وعلومه، ليأخذ بالصحيح ويترك غيره”([11]).
الشـرط الخامس: وفي ضوء الشـروط الأربعة ـ المذكورة آنفا ـ يستنبط الشهيد شـرطاً خامساً، فيقول: “الاستنباط إنما هو من شأن الراسخين العارفين بكلام العرب، وبكليّات الشـريعة ومقاصدها. ومن كان كذلك فإنه بعيد عن الابتداع، فمن كان أهل الابتداع، فإنه ليس من شأنه الاستنباط”. ثم يمثّل لأعمال المبتدعين، قائلاً: “ومن شأن المبتدع اتّباع المتشابه، ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، لكونه في قلبه زيغ، على خلاف الراسخين الذين إنما يتّبعون المحكم، وأما المتشابه فيردّونه إلى المحكم”([12]).
موضوع غلق باب الاجتهاد:
يصـرّح الشهيد سبحاني بأن الأصل هو ترك باب الاجتهاد مفتوحاً، لأنه من المفروض أن يلبّي الإسلام متطلبات كل عصـر على حدة، فماذا ينفع اجتهاد مجتهد مضى عصره، وأكل على فتواه الدهر وشرب، ولا يفيد عصـر غيره؟ وذلك في المسائل المستجدّة المتعلّقة بكل عصر. فالمجتهد ـ كما يقول الشهيد لا يسـرد التاريخ، فلا يتحدث عن الماضي، ولا يتكهّن، فلا يتكلم عن المستقبل، إنما هو يجتهد لعصـره، ويعالج مشكلات الناس الذين يعيش معهم، فكيف يمكن غلق الباب أمامه؟([13]). وهذا -بطبيعة الحال – في حال إذا كان هناك مجتهدون يتوافر فيهم شروط الاجتهاد.
ثالثاً/ حول المذاهب، واتباعها:
يرى الشهيد سبحاني أنه ليس هناك – في الأساس – شيء يسمّى مذهباً، في حال إقامة الحكم الإسلامي، بل هناك الاجتهاد، واستنباط الأحكام في إطار مجالس الشورى، ومؤسسات أولي الأمر. ولهذا، يرى أن ظهور المذاهب يتعلّق بما آل إليه أمر الخلافة، وذلك لما تحوّلت من كونها (راشدة) تتبنى الإجماع والشورى، إلى كونها (مُلْكاً عضوضاً)، تشتّت فيه أمر المجتهدين، فلم تتمكن السلطة من جمعهم، ولم تَسْعَ لتوفير أجواء الاجتماع، لوضع الأحكام المستجدّة التي اقتضاها تطوّر الظروف وتغيّرها. وهو يوافق على أن في تعدّد المذاهب سعة ويُسـراً على الأمّة، وهي – في هذه الناحية – نعمة يستفاد منها، إلا أنه يرى أن تعدّد الآراء والاجتهادات لا يعني بالضـرورة تعدّد المذاهب، فلم يكن هدف أيّ من كبار المجتهدين من الأئمة الأربعة وضع مذهب يشتهر باسمه وينسب إليه، وما تصوّروا ولا توقّعوا أصلاً أن استنباطاتهم، وما توصّلوا إليه من الاجتهادات، ستصبح يوماً ما مذهباً، وهو أمر اصطنعه العلماء والمقلّدون المنتمون إلى كل من أولئك الأئمة([14]).
ومن ناحية أخرى، يعتقد الشهيد سبحاني أن الأئمة الأربعة الكبار كانوا يجاهدون لكي يستقرّ الحال على مذهب واحد، ولا يحدث تشتّت في الآراء والاجتهادات. والدليل على ذلك قناعتهم التامّة بأن أمر المؤمنين شورى بينهم، وكذلك بدليل تغيّر فتاواهم بتغيّر أحوالهم، وبانتقالهم من بلد إلى بلد. بل يرى العلامة سبحاني أن إماماً كأبي حنيفة لم يكن راضياً عن السلطة القائمة في زمنه، وبرهان ذلك أنه كان يدعم المعارضين لها وينصـرهم، ويدعو المسلمين لمناصرتهم، كي يعود عهد الشورى كما كان زمن الراشدين([15]). كما وللإمام الشافعي آراء وفتاوى في العراق، هي غير ما عليه في بلاد مصر، والذي يعبّر عنه في كتب مذهب الشافعية بـ(القول القديم، والقول الجديد). بل أكثر من هذا، فلقد ألّف الشافعي كتابه الشهير بـ(الرسالة) في العراق، ثم كتبه من جديد، وهذّبه، وغيّر فيه ما غيّر لما استقر في مصر ([16]).
ويرى العلامة سبحاني أنه لا يجوز الاجتهاد الفردي إلا في حالات اضطرارية، كالتي طرأت على الأئمة بعد حدوث المشاكل في عهود الأمويين والعباسيين. كما يرى أن على المجتهد – فرداً كان، أو أفراداً – أن يسعوا لإقامة شرع الله، وأن يجتهدوا لكي يصلوا لوضع آلية تجمع كلمتهم، وتهيّئ لهم أرضية الإجماع بمفهومه الكامل. ومن هنا، لا ينكر الشهيد أن الحاجة والضـرورة تلزمان أبناء الأمّة الإسلامية اتّباع مذهب من المذاهب، إلا بحقّ من يصل منهم إلى درجة الاجتهاد بصورة كليّة أو جزئية، فليس عليه أن يتبّع مذهباً، بل عليه أن يجتهد كما يرى، وفقاً للشـروط المذكورة سابقاً. وهو في هذا يقول عن نفسه بصراحة ووضوح وجرأة عالم: “أنا أقلّد المذهب الشافعي، ما لم أطلّع على الأدلّة بنفسـي، فإن فهمت الأدلّة ـ في حكم معيّن ـ فأجتهد لنفسي، ولكن لا أفتي الناس ـ في مثل هذه الظروف ـ إلا بمذهبهم الشائع، وهو الشافعية”([17]).
ومن ناحية أخرى، أخذ سبحاني ـ كغيره من كثير من العلماء ـ على بعض الفقهاء ولَعَهم في تكثير المسائل الفقهية، والمبالغة في تصوير الافتراضات والتخمينات قبل حدوثها، والانشغال الكثير بما ليس مبنيّاً للعمل. وكان يرى أن هذا يدخل في إطار ما نُهي عنه من كثرة السؤال، والقيل والقال. وكان يرى أن الأولى هو انشغال الفقيه بما يستجدّ من الأمور، وما يطرأ من الحوادث، والتصدّي للإفتاء بعد الاستفتاء، والإسفار عن الرأي بعد الاستفسار.
ومن الجدير بالذكر أن ذمّ التفريعات الفقهية منهج كثير من المحقّقين من علماء الأمّة، فحجّة الإسلام الغزالي يتّهم كثيراً ممن انتحلوا مذاهب السلف، وأكثروا من التفريعات الفقهية، بالظلم، قائلاً: “إن الذين انتحلوا مذاهب فقهاء السلف ظلموهم، وإنهم من أشدّ خصمائهم يوم القيامة، فإنهم ما قصدوا بالعلم إلا وجه الله تعالى. وقد شوهد من أحوالهم ما هو من علامات علماء الآخرة.. فإنهم ما كانوا متجرّدين لعلم الفقه، بل كانوا مشتغلين بعلم القلوب، ومراقبين لها.” وبعد أن يشيد الغزالي بدور كبار أئمة المذاهب، ويصفهم بأنهم كانوا عبّاداً زهاداً، علماءَ بعلوم الآخرة، وفقهاءَ بمصالح الخلق في الدنيا، ومريدين بذلك وجه الله، ينتقد فقهاء عصـره ـ العصـر السادس الهجري ـ، ويصفهم بأنهم اتّبعوا أولئك الأئمة في خصلة واحدة، وهي التشمير والمبالغة في تفاريع الفقه([18]).
رابعاً/ ملاحظات سبحاني على منهج علماء الأصول:
للعلامة سبحاني جملة ملاحظات تتعلق بالمواضع الخاصة بعلم أصول الفقه، ومنهجية علماء الأصول، لا سيّما من المتأخرين منهم. بعض هذه الملاحظات يتعلّق بتصنيف العلماء للأدلّة، وترتيبها، ومنزلة كل منها. وبعضها يتعلّق بحجيّة حديث الآحاد، وكذلك فهمه للسنّة، وتعريفه لها. وبعضها يتعلّق بتناول العلماء لموضوع حجيّة القرآن، وجوانب التحدّي فيه. وأمور أخرى، مثل: تعريف (الصحابي)، و(التابعي)، وظاهرة الولع في تكثير فروع الأحكام. وادّعاء الإجماع في كثير من المسائل التي لم يثبت بحقّها الإجماع:
أولاً/ حول حقيقة الإجماع، وكيفية تحقيقه:
1- أمّا بالنسبة لتسلسل مواضيع علم الأصول، فيرى الشهيد سبحاني في البداية أنه كان من الضـروري أن يشير علماء الأصول إلى أن هذا العلم لا يتعرّض بالبحث لأمرين، أولهما: ما يتعلّق بأمور العقيدة والتصوّرات، وثانيهما: الأحكام الثابتة التي تحدّث عنها القرآن وبيّنها. فكان ينبغي أن يؤكّدوا على أن (أصول الفقه) يتعامل – فقط – مع أمر ثالث، وهو القواعد الشـرعية، والضوابط العامة التي تستخدم لاستنباط الأحكام الجزئية التفصيلية، التي قد يتغيّر كثير منها من وقت لآخر، ومن ظرف لظرف، نظراً للتطوّرات الطارئة، ونظراً للحاجة الماسّة إلى اجتهادات جديدة([19]).
2- ويؤكّد – في هذا الجانب – أن الإجماع هو ما يتعلّق بمحاولة مجتهدي عصـر من العصور استخراج حكم جزئي من القواعد الكلية، متعلّق بذلك العصـر، فلقد يتغيّر في عصـر آخر، أو ظرف مكاني آخر. فالإجماع – في نظره – مخصّص للأحكام المستنبطة غير المنصوص عليها، ومن الخطأ استعمال مصطلح الإجماع لما يتعلّق بالاعتقاديات، وكذلك الأحكام التفصيلية الثابتة في القرآن الكريم([20]).
3- وفي هذا السياق، يؤكّد أن الأصل هو الاجتهاد الجماعي الذي ينتج عنه الإجماع، ولا مجال للاجتهاد الفردي، إلا في حالات الاضطرار التي لا يمكن اجتماع المجتهدين فيها. ولهذا فرض الله سبحانه على أولي الأمر أن يتشاوروا فيها بينهم، لاستخراج أحسن رأي بين الآراء. وإذا تعارضت الأدلّة ـ في نظر المجتهدين ـ فلا بدّ من رجوع الأقلّية إلى الأكثرية، ولو رأوا ـ بل تيقّنوا ـ أنهم على صواب، فلا يُتَصوّر انعقاد الإجماع – لديه – دون وجود أمر الشورى.
4ـ والعلامة سبحاني استدلّ – لحجيّة الإجماع – بقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا] النساء/٥٩، وقوله: [وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون] الشورى/38. ورأى أن استدلال الشافعي بقوله تعالى: [وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا] النساء/ ١١٥، هو استدلال ضعيف ليس في محلّه، حيث إن السياق لا يحتمل جعلها مستنداً لحجّيّة الإجماع([21]). وهو يرى ـ باختصار – أن حديث علماء الأصول عن حجيّة الإجماع ينقصه القول: أن الإجماع حجّة لزمانه ومحيطه الخاص، وأن مخالفته مخالفةٌ للكتاب والسنّة، وفق تلك الآيات. إلا أن الإجماع على أمر معيّن، في ظرف خاص، ليس بالضرورة حجّة لكل عصـر، لا سيّما إذا رأى المجتهدون فيه أن الحكم بحاجة إلى إعادة النظر فيه.. فهذا مما لم يقله الأصوليون، في نظره([22]).
5 ـ وهو يرى – كذلك – أن للدوافع السياسية والإدارية – في عصور السلف – تأثيراً على عدم التمكّن من الإجماع الحقيقي، أو الاجتماع على أمر متقارب في الأحكام الجزئية التفصيلية، وهي نفسها المانع الحقيقي لحصول الإجماع. فالذي حصل للأئمة والفقهاء أنهم حاولوا أن يجتمعوا، وقاوموا الواقع المفروض على الأمّة بحكم الظروف الطارئة، وسعوا لجمع الكلمة، وعدم الانفراد بحكم واحد، كالذي فعله الإمـام مالك مع الخليفة المنصور؛ لمّا طلب منه أن يجعل من كتابه (الموطأ) مرجعاً موحّداً للخلافة، فرفض مالك لأنه كان على إدراك تام بأن العلم ليس محصوراً عنده. وكالذي فعله الإمام أبو حنيفة لمّا رفض أن يصبح قاضياً للخلافة، لمعرفته بأن ذلك لا يمهّد لجمع الأئمة في عصره على حالة واحدة. ومن هنا ـ ولهذا ـ يرى الإمام أحمد أن الإجماع لم يحصل بعد الخلافة الراشدة، لأن أهل الحلّ والعقد والفقهاء تفرّقوا في الأمصار، ولم يتمكن لهم الاجتماع. والعلامة سبحاني يرى أن أمر الإجماع انتهى بانتهاء عمر الخليفة عثمان (رضي الله عنه)، كما أشرنا إلى ذلك في مقال سابق([23]).
ثانياً/ حول ترتيب مباحث الأصول:
ومن ملاحظاته على منهج علماء الأصول: انتقاده لبعض المصنّفين تقديم الحديث عن موضوع المفهوم والمنطوق، على المواضيع الأخرى. فهو يرى أن أصحّ تسلسل لمواضيع الأصول هو كالآتي:
الحديث في البداية عن الحكم، أي ما يفهمه الفقيه ويستنبطه، ويليه بحوث الحاكم والمحكوم فيه أو المكلّف به، والمحكوم عليه أو المكلّف. ثم أدلّة الأحكام ومصادرها. ثم طرق استنباط الحكم من الأدلة، ورعاية ضوابط العربية، ورعاية مصالح التشـريع. ثم مباحث التعارض والترجيح. ثم المسائل المتعلّقة بالمجتهد والمقلّد.
هذا هو أنسب ترتيب وتسلسل لمواضيع علم الأصول – في نظره -، وهو ما عليه كبار المحقّقين، إلا أن بعضاً منهم كالسبكي، في كتابه (جمع الجوامع)، قدّم الحديث عن مواضيع المفهوم والمنطوق ـ أثناء حديثه عن ضوابط اللغة ـ، وهو خطأ منهجي في رأي الشهيد سبحاني، فكان ينبغي أن يتحدّث عن العام والخاصّ والمشترك، ثم عن الاستعمال، أي أساليب الحقيقة والمجاز، ثم الحديث عن الدالّ، ثم كيفية الدلالة، وهي عبارة النص ومفهوم المخالفة([24]).
ثالثاً/ جوانب الإعجاز في القرآن الكريم:
وكذلك من ملاحظاته الجوهرية: أن علماء السلف من الأصوليين اهتموا ـ أثناء حديثهم عن دلالات الألفاظ ـ بالكلام عن جانب إعجاز الفصاحة والبلاغة في القرآن الكريم فقط، ولم يهتموا بأمر آخر هو أن القرآن معجز من كافة النواحي، وليس من ناحية لفظه فقط. فالقرآن تحدّى العالمين، ولم يتحدّ العرب وحدهم، حتى ينحصـر التحدّي في الناحية البلاغية فقط، فالقرآن يتحدّى أن يأتي خصومه بسورة من مثله، سواء من ناحية التصوّرات التي أتى بها، أو التشريعات التي ذكرها، فإعجاز القرآن أوسع وأشمل من الألفاظ والمباني.
ويأتي الشهيد لذلك بأمثلة من (سورة الطور)، فيؤكد أن الله يذكر العديد من آيات الله في الآفاق والأنفس في السورة، ثم يقول: [فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ] الطور/34، وكذلك في (سورة المرسلات)، التي يذكر فيها عديداً من آيات الترغيب والترهيب، والتذكير بربوبية الله، ثم يقول سبحانه: [فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ] الأعراف/185. بل يذهب سبحاني إلى أبعد من هذا، فيرى أن فيما يسمّى بالموسيقى التصويرية في القرآن الكريم إعجازاً أيّما إعجاز، الأمر الذي اهتم به لأول مرة ـ في نظر سبحاني ـ الشهيد سيد قطب في كتابه (التصوير الفني في القرآن)، وفي مواقع من تفسيره القيّم (في ظلال القرآن). ويرى سبحاني أن لنغمة الألفاظ القرآنية، وإيقاعاتها الموسيقية، دور مهم وتأثير ملموس في تبيين معاني الألفاظ والمفردات، ويمثّل لذلك بأمثلة، منها ـ مثلاً ـ اختيار القرآن لكلمة (اثَّاقَلْتُمْ)، أثناء الحديث عن سؤال الله عباده حول النفور في سبيل الله، وذلك في قوله تعالى: [أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ] التوبة/ ٣٨. فيتساءل: لماذا لم يختر الله كلمة تثاقلتم؟ مجيباً ومؤكداً على أن اختيار كلمة (اثَّاقَلْتُمْ)؛ بتركيبتها الخاصة، وإيقاعها المتميّز، يوحي بما يحصل للمتثاقل من الالتصاق بالأرض وصعوبة نهوضه.!
وبعد أن يأتي العلامة سبحاني بأمثلة أخرى في سورتي (الضحى والنجم) – اللتين نزلتا للتهدئة النفسية لرسول الله ﷺ وتطمينه، وحكمة اختيار الله لكلمات قصار، وحروف خاصة – يرى أنه لو تمّ التحقيق في هذا العلم (علم الموسيقى اللغوية القرآنية)، لثبت أن النغمة الوحيدة المنسجمة تماماً مع روح الإنسان هو نغمة تركيبة الألفاظ القرآنية، وإيقاعات الكلمات الواردة في السياقات القرآنية، وسيأتي زمان – في نظره – يثبت هذا المدّعى، وهو أمر يساعد المجتهد لفهم جانب من دلالات ألفاظ القرآن([25]).
رابعاً/ موضوع النسخ في القرآن:
ومن ملاحظاته على الأصوليين ما يتعلّق بموضوع النسخ في القرآن، فأكّد أنهم توسّعوا في موضوع النسخ في القرآن، ولم يتعاملوا معه في إطاره المحدود، حيث هناك من نفى النسخ أصلاً ـ كأبي مسلم الأصفهاني([26])، ومنهم من عدّ عشرين موضعاً فقط في القرآن؛ كالسيوطي في كتابه (الإتقان). كما أكّد على أنه قد حدث خلط في بعض الأحيان بين العام والخاص، والمطلق والمقيّد، من جانب، والنسخ، من جانب آخر. كما أنهم لم يراعوا كثيراً موضوع التدرّج في نزول الأحكام، الذي لا يعتبر نسخاً. بل هناك من اعتبر الاستثناء في بعض الآيات نسخاً، ومثّل لذلك بقول من قال: إن الإنسان لفي خسر، مستثنى بقوله في تتمة الآية: إلا الذين آمنوا. ورأى أن ذلك حرص زائد، وولع لتكثير نماذج النسخ، دون مستند، ودون مسوّغ.
يقول العلامة سبحاني ذلك، بينما يؤكّد أن حديثهم عن شرطي النسخ ــ وهما: 1ـ حصول تعارض بين نصّين لا يمكن الجمع بينها، 2ـ ومعرفة تاريخ نزول المتقدم منهما عن المتأخر ـ أمر في غاية الدقة، لولا أنه يؤخذ على كثير منهم أنهم تصوّروا أن النسخ أمر ثابت ونهائي، ولا علاقة له بتدّرج الأحكام، ورعاية المرحلية، تيسيراً على الناس، الأمر الذي قد يتكرّر في الظروف المشابهة لظروف النسخ، وذلك إذا ثبت النسخ بأدلة قطعية لا تبقي شكاً([27]).
قول الشهيد ناصر هذا متقارب مع ما أقرّه الإمام الشاطبي من “أن الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعمّ منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخاً، وعلى تخصيص العموم – بدليل متصل أو منفصل- نسخاً، وعلى بيان المبهم والمجهول نسخاً. كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخاً، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخراً”([28]).
ثم ذكر الشاطبي لذلك أمثلة عديدة من التقييدات والتخصيصات، والأخبار والاستثناءات، التي سمّوها نسخاً، كمن قال بأن قوله تعالى: [مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ](الشورى/٢٠)، منسوخ بقوله: [من كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا](الإسراء/١٨)، بينما هو تقييد مطلق. أو من قال بأن قوله: [وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا](النور/٣١)، منسوخ بقوله: [وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ](النور/٦٠)، بينما هو تخصيص عام. أو من قال بأن قوله تعالى: [وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ](الشعراء/224)، منسوخ بقوله: [إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات]، في تكملة الآية نفسها، بينما هو استثناء خاص لعموم قبله.. وهكذا.
ولقد أوجز الشاطبي في هذا وأجاد، لمّا قال: “القواعد الكليّة من الضـروريّات والحاجيّات والتحسينيات، لم يقع فيها نسخ، وإنما وقع النسخ في أمور جزئية، بدليل الاستقراء، فإن كل ما يعود بالحفظ على الأمور الخمسة ثابت، وإن فرض نسخ بعض جزئياتها، فذلك لا يكون إلا بوجه آخر من الحفظ، وإن فرض النسخ في بعضها إلى غير بدل، فأصل الحفظ باق، إذ لا يلزم من رفع بعض أنواع الجنس رفع الجنس”([29]). ثم يؤكد ـ في تحقيق علمي رائع ـ أن الضـروريات محفوظة في كل الملل والشـرائع، دون فرق جوهري بينها، وأن الشرائع قد اتّفقت في الأصول – رغم وقوع نسخ جزئي فيها -، فهي في الملّة الجامعة لمحاسن الملل أولى، ويقصد بها ملّة الإسلام.
خامساً/ حول طريقة إثبات حفظ القرآن وتواتره:
ومن ملاحظات الشهيد سبحاني على منهج أهل الأصول، ما يتعلّق بإثبات حفظ القرآن وتواتره، حيث يستشهدون بآيات من القرآن نفسه، كاستشهادهم بقوله تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ](الحجر/9). فأشار الشهيد إلى أن هذا منهج ضعيف، حيث بإمكان المنكرين أن يشكّكوا في الآية نفسها، والقول بأنها مفتراة. وكان الأولى والأقوى أن يستدلّوا بمقدمات أخرى، وفق المنهجية القرآنية، فالقرآن يستدلّ بمظاهر الربوبية لإثبات الألوهية وما يتعلّق بها. وعن طريق إثبات صفات الرحمة والقدرة والعلم والحكمة وغيرها، يسهل إثبات ضرورة هداية البشـر – كونها أعظم مظهر للرحمة -، ومن ثم إثبات النبوّة التي تقتضيها الهداية، حيث هي طريق إرسال الهدى الإلهي إلى البشـر. ثم بإثبات النبوّة والرسالة، تثبت مصداقية القرآن، وكونه من عند الله. وبالاستدلال بكون رحمة الله دائمة، واصلة، غير منقطعة، وقدرته لا متناهية، وعلمه غير محدود، يسهل إثبات ضرورة حفظ القرآن، كونه خاتم الشـرائع، والنسخة الأخيرة المكتملة لهديه في الأرض، ممّا يتطلب حفظه أبد الآبدين، كونه رحمة للعالمين. هذا هو منهج العلامة سبحاني في إثبات حفظ القرآن الكريم وتواتره، أثناء تدريسه لمادة أصول الفقه([30]).
وفي سياق الحديث عن القرآن كأوّل مصدر للأحكام، وأوّل دليل من الأدلة الشـرعية الأساسية، يؤكّد على أن كثيراً من متأخري الأصوليين قد أخطأوا لما أقرّوا بأن القراءات السبع([31]) كلّها متواترة، بينما لم يقل بذلك المتقدّمون منهم، والقرّاء، بل يرون أنها ثبتت عن طريق الآحاد، ولا تعطي اليقين. وهو يرى في هذا أن جامع القرآن الأول هو أبو بكر الصديق (رضي الله عنه)، ولكن عثمان (رضي الله عنه) هو جامع الناس على رسم خط واحد موحّد، وذلك حينما جمع كبار الصحابة وشاورهم في ذلك الأمر. فالذي بين يدينا من المصاحف متواتر، أما الأداء في القراءات فآحاد، ولا إشكال في هذا الأمر، في نظره. وهو يؤيّد ما فعله ابن الجزري لما وضع – لثبوت كون آية قرآناً – شـروطاً ثلاثة، هي: 1ـ الرواية الصحيحة.2ـ توافق المنقول مع أساليب اللغة العربية. 3ـ موافقة رسم المصحف العثماني. فابن الجزري يؤكّد: إن لم يوافق شيء هذه الشـروط، فاحكم بشذوذه، ولو ورد في القراءات السبعة([32]).
سادساً/ القرآن الكريم، ثم السنة المطهرة:
ومن مآخذ العلامة سبحاني على بعض الأصوليين والفقهاء، تقديم البحث عن الأدلة في الأحاديث والروايات، على النظر في الكتاب، فيقول: “كان عليهم أن لا يُقْدموا على استنباط شيء إلا بعد بذل الجهد في البحث عن القواعد الكلية المتعلّقة بباب ذلك الشـيء في ثنايا آيات كتاب الله سبحانه، واستفراغ الوسع في إدراك غايات تلك القواعد، ثم في استقراء ما جاء في كتاب الله – أيضاً – من الأحكام التفصيلية الحكيمة التي تحقّق الغايات المذكورة، الأمرُ الذي يعلمون به طرق الوصول إلى تحقيق تلك الغايات، فيتمكنون به من معرفة الحق من المرويّات – وهو ما يماثل الحكمة القرآنية – عمّا يخالف ذلك، مفرّقين بين الثابت من الحكمة والمتطوّر فيها. ثم في الكشف عن غير الأحكام المرويّة، من أحكام تفصيلية لا بدّ منها في تحقيق تلك الغايات في الظروف القائمة”([33]).
وفي نهاية حديثه عن هذه الظاهرة، يشير إلى طبيعة كثير من الفقهاء بافتتاح أبواب كتبهم الفقهية بالمرويّات، بل يمثّل ببعض من يتعب نفسه في محاولة إثبات ما يسميه أصلاً عظيماً في الإسلام، بالبحث عن الروايات، بينما هناك آيات بيّنات في كتاب الله بين يديه، لا يلتفت إليها، ولا يذكرها.
وكنّا قد أشرنا إلى جانب آخر من ملاحظاته على مصادر التشـريع بصورة عامة، وموضوع حجيّة السنة بصورة خاصة، في مقال مستقل، فليراجع.
سابعاً/ عدم الاعتناء بعلم الاشتقاق اللغوي، ومدلولات الألفاظ:
وكذلك يأخذ على العلماء كونهم لم يهتموا كثيراً بما يسمّى بعلم الاشتقاق في اللغة، حيث إن للألفاظ – في اللغة العربية – دلالاتها وخصوصياتها التي تعين على فهم المعاني، ومن ثم وضع الأحكام، بينما اهتمّوا – في نظره – بأمور ليست داخلة مباشرة في إطار علم الأصول. وذكر ـ كمثال لذلك ـ بباب الحروف؛ الذي أدخله السبكي صاحب (جمع الجوامع) في كتابه، بينما يرى أن ذلك الموضوع يخصّ علم النحو، وبإمكان الفقيه أن يتقنه من مصادره. وكذلك مباحث مثل: الحقيقة والمجاز، اللذيْن يتعلّقان بعلم البيان، وكالوضع الذي يتعلّق بعلم الوضع، وهكذا.. والمهم – كما يؤكد هو – دلالة اللفظ على الحكم فقط، وهذا هو شأن الفقيه والمجتهد، وتخصّصهما. ويذكر الشهيد أن خصوصيات الألفاظ والمصطلحات ودلالاتها على المعاني، وجانب الصيغة والهيئة في اللفظ، لها تأثير على المعنى، ويمثّل لذلك بمثال الفرق اللغوي بين الصوم والصيام، والرّجع والرّجوع، والشهود والشهادة([34]).
ومن الجدير بالذكر هنا أن موضوع (المباحث اللفظية) من الأبواب المهمّة المفصّلة في علم أصول الفقه، بل هو مادة علم الأصول الأساسية.
[1] ينظر لتفصيل أمر الاختلاف بين الفقهاء وأسبابها وآثارها: د. مصطفى الزلمي، أسباب اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية، مطبعة شفق، بغداد، 1406هـ/1986م. و: مصطفى ديب البغا، أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الاسلامي، دار القلم، دمشق، ط4، 2007م.
[2] وأحسن ما رأيته في هذا ـ من الكتب الحديثة ـ كتاب: أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء، للدكتور ماهر ياسين الفحل، بيروت، دار الكتب، 2009م.
[3] ينظر: مادة (جهد)، في: الراغب الأصفهاني، المفردات، ص: 208. والفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص: 351. والرازي، مختار الصحاح، ص: 114.
4 ينظر: الغزالي، المستصفى، 2/350. والشوكاني، إرشاد الفحول، ص: 350.
5 ناصر سبحاني، المناظرة العلمية، الساعة الأولى. وكتاب: نظرة حول المفاهيم القرآنية، 23 و26.
[6] محمد أبو زهرة، أصول الفقه، ص: 379.
[7] ينظر: ناصر سبحاني، معرفة الله، ص: 500.
[8]ينظر: محمد أبو زهرة، أصول الفقه، ص: 385-388. ود.مصطفى الزلمي، أصول الفقه في نسيجه الجديد، ص: 473-474.
[9] الشاطبي، الموافقات، ص: 105.
[10] يراجع: ناصر سبحاني، المناظرة العلمية العامة، الساعة الثانية.
[11] يضيف هذا الشرط في مقدمة دروسه في أصول الفقه.
[12] ناصر سبحاني، زبدة الاعتصام، السليمانية، مؤسسة (برهم)، 1328هـ/2007م، ص: 24.
[13] ينظر: ناصر سبحاني، حول المفردات والمفاهيم القرآنية، ص: 135.
[14] ناصر سبحاني، معرفة الله (باللغة الكوردية)، أربيل العراق، 2011م، ص: 511، وهو دروس للشهيد حول معرفة الله، طبع بصورة كتاب.
[15] المصدر نفسه، ص: 513.
[16] الرسالة: هي أول مصنّف في علم الأصول، ولقد كتبها الإمام الشافعي لما كان في بغداد، إذْ طلب منه شاب باسم عبد الرحمن بن مهدي أن يكتب له شرائط الاستدلال بالقرآن والأدلة الأخرى، فوضع كتاب الرسالة، وأرسلها إليه، وهو السبب في تسميتها بالرسالة. ثم لما خرج إلى مصر أعاد تصنيف كتابه الرسالة، وزاد فيه وترك. والراجح أن الرسالة الأولى قد ضاعت. ينظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 20/304. وأحمد محمد شاكر، مقدمة كتاب الرسالة للشافعي، ص: 11.
[17] ناصر سبحاني، المناظرة العلمية العامة، الساعة الثانية.
[18] ينظر: الغزالي، إحياء علوم الدين، ص: 36.
[19] ينظر: ناصر سبحاني، دروس في علم أصول الفقه، الدرس الخامس.
[20] ينظر: ناصر سبحاني، نظرة حول المفردات والمفاهيم القرآنية، ص: 26.
[21] ناصر سبحاني، دروس في علم الأصول، الدرس الرابع.
[22] ناصر سبحاني، المصدر نفسه، الدرس الرابع.
[23] ينظر: ناصر سبحاني، دروس في أصول الفقه، الدرس الرابع.
[24] ينظر: ناصر سبحاني، دروس في أصول الفقه، الدرس الأول. ولقد أيّد الشهيد الترتيب الذي قام به الدكتور عبد الكريم زيدان، في كتابه حول أصول الفقه، في درسه ذلك.
[25] ينظر: ناصر سبحاني، دروس في أصول الفقه، الدرس الثاني. أقول: هناك مؤلفات حديثة حول ما يتعلق بالدلالة الصوتية والظاهرة الإيقاعية ونظام الأصوات والموسيقى في القرآن، مثل: جماليات التناسب الصوتي والجرس الموسيقي في القرآن، تأليف: عماد الدين دحدوح. والصوت اللغوي في القرآن، د. محمد حسين علي. وعلاقة الموسيقى بالقرآن، لفؤاد زكريا. واهتم به مصطفى صادق الرافعي في حديثه عن إعجاز القرآن..
[26] هو: أبو مسلم، محمد، بن بحر، الأصفهاني، عالم معتزلي كبير، ولد سنة 254هـ/ 868م، وتوفي في آخر سنة (322هـ/933م). عالم بالتفسير وبغيره من صنوف العلم، كاتب مترسل، وبليغ شهير في الجدل والكلام. صار عامل مدينة (أصبهان)، وعامل بلاد فارس، للخليفة المقتدر، يكتب له ويتولى أمره. له كتاب (جامع التأويل لحكم التنزيل)، على مذهب المعتزلة، في (14) مجلداً، ذكره ابن النديم في الفهرست، والسيوطي في (بُغية الوعاة). وهو الذي يعتمد عليه الفخر الرازي فيما ينقله في تفسيره من أقوال قوية. وله أيضا كتاب (الناسخ والمنسوخ)، وأكثر ما اشتهر به أبو مسلم هو إنكاره للنسخ، بغضّ النظر عن آراء عبقرية أخرى ذكرها في تفسيره للقرآن. آراؤه مبثوثة في كتب التفسير، وقام بعض الباحثين بتجميع آرائه من كتب التفسير، وجعلها في كتاب واحد، هو الدكتور خضر محمد نبها، الذي سماه تفسير أبي مسلم الأصفهاني. قدّم له رضوان السيد، وطبع في دار الكتب العلمية عام (2006م).
29 ناصر سبحاني، دروس في علم الأصول، الدرس السادس.
[28] الشاطبي، الموافقات، 3/ 108.
[29] المصدر نفسه، 3/ 117.
[30] ينظر: ناصر سبحاني، دروس في أصول الفقه، الدرس الرابع.
[31] القرءات العشر: تنوّع في قراءة بعض كلمات القرآن، رويت عن عشرة قرّاء شهيرين، هم: 1- نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي (ت: 169هـ) 2- ابن كثير المكي، عبد الله بن كثير بن عمرو بن راذان (ت:120هـ) 3- أبو عمرو زبان بن العلاء بن عمار البصري (ت:154هـ) وقيل غير ذلك 4- عبد الله بن عامر الشابي تابعي، (ت 118هـ) 5- أبو بكر عاصم بن أبي النجود (ت: 127هـ) 6- حمزة بن حبيب بن عمارة التيمي (ت: 156هـ) 7- أبو الحسن على بن حمزة الكسائي (ت: 189هـ) 8- يزيد بن القعقاع، أبو جعفر المدني (ت: 130هـ) 9- يعقوب بن إسحق بن زيد الحضرمي البصري (ت: 234هـ) 10- حلف بن هشام بن طالب البزار البغدادي (ت: 229هـ) (ولتفاصيل القراءات، والفرق بينها، وخصوصياتها. ينظر: أحمد عيسى المعصراوي، الكامل المفصل في القراءات الأربعة عشر، دار الإمام الشاطبي، القاهرة، 1430هـ/ 2009م، 7-26.
32 دلّني ـ مشكوراً ـ أ. د. محيي هلال السرحان على نصّ هذا الذي نقله الشهيد عن ابن الجزري، فقال: ورد في كتاب (النشر في القراءات العشر، لابن الجزرى، 1/9): “.. وكل قراءة وافقت العربية ـ ولو بوجه ـ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ـ ولو احتمالاً ـ، وصحّ سندها، فهي القراءة الصحيحة، التي لا يجوز ردّها، ولا يحلّ إنكارها..” ووجدتُ أن ابن عبد البر قال: “الذي عليه جماعة الأمصار من أهل الأثر والرأي أنه لا يجوز لأحد أن يقرأ في صلاته ـ نافلة كانت أو مكتوبة ـ بغير ما في المصحف المجتمع عليه. ويؤكد النووي أن ما قاله ابن عبد البر هو قول جمهور العلماء”. النووي، المجموع، شرح المهذب، 3/ 392.
[33] ناصر سبحاني، رسالة في علوم الحديث، ص: 64- 65.
[34] ناصر سبحاني، دروس في علم الأصول، الدرس الثالث.