“ترمب” والتهجير الخبيث!
بكر أبو بكر – فلسطين *

فكرة أو مقترح أو خطة الرئيس الأمريكي (ترَمب) المتخبط، والمتآمر مع (نتنياهو)، بتهجير الفلسطينيين من سكان غزة، (وسرقة الضفة الفلسطينية، كما كان بصفعة القرن) هي فكرة خبيثة تهدف بوضوح إلى قتل فلسطين العربية، وإنهاء القضية وتركيع أمة العرب.
إنها فكرة خبيثة مسمومة تهدف إلى قتل الدولة الفلسطينية القائمة بالحق الطبيعي والقانوني والسياسي (وهي تحت الاحتلال)؛ والتي يعترف بها العالم، إلا هو وأمثاله من المتخبطين والرعناء ومجرمي الحرب. ومن هنا، دعنا نقول بداية إننا واثقون كل الثقة بسقوط مشـروعه المناقض لقوانين العالم كافة، والذي يمثّل جريمة ضد الإنسانية، كما حال المشروع (الإبراهامي) التتبيعي الوضيع للأمة تحت أرجل الصهيونية والتسيّد الإسرائيلي.
نفس الرجل كان قد أعطى الجولان السوري هدية لـ(نتنياهو)، كما نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وهو ذاته – بعقله المتخبط، ضعيف الوعي والثقافة – كان قد صرّح -برعونة أيضًا – قبل تصـريحه الأخير، مطالبًا بما أسماهُ (حقّ إسرائيل) في التوسّع، لضيق مساحة أراضيها، مقارنة بكثافة عدد سكانها!
إن الهجوم الترمبي على العالم العربي هو للتعمية على عمليات التطهير العرقي، وجرائم الحرب والإبادة الجماعية – المدانة عالميًا -، التي ارتكبها الجيش الصهيوني بقيادة (نتنياهو)، وحاليًا بالضفة الغربية.
فالغبار حول اليوم التالي بغزّة، يهمل النظر بحقّ الناجين من غزة، ويعمي العيون عن ضرورة تفعيل محاسبة المحتل والغازي الذي قام بالعدوان وما زال، وتصبح القضية كأنها إغاثة، أو ماذا نفعل بالمساكين، المخطوفين للإرهابيين بغزة؟! دون أدنى اعتبار أو إشارة إلى ضرورة معاقبة القاتل والمجرم الواقف بجوار (ترَمب)، وهما معًا المتهمان بما تشاء من جرائم!
يقوم صاحب المفاجآت الرئاسية بإرهاب الدول كافة، وتهديدها، ويقوم بسـرقة موارد كل الشعوب، تحت ادعاء أنه يقود أمن العالم، فيبادل الأمن والحماية العسكرية (الذي يرى بذاته سيده وقائده بلا منازع) بسـرقة خيرات الشعوب، إلى الدرجة التي يستهين فيها بحجم القتل والجرائم ضد الإنسانية؛ سواء من نظامه، أم نظام صديقه، أم غيرهما.
غبار ترمب الجديد، وتطبيله حول شراء غزة، بعد طرد أهلها، أو توزيعها! (يغطّي على حقيقة ضمّ الضفة الفعلي، ممّا هو واضح مع استمرار العدوان اليومي فيها، والقتل، وتدمير المخيمات، وسرقة الأرض يوميًا)، يجب أن يقابل بتشديد الطلب العربي لمعاقبة ومقاطعة الجاني (نتنياهو) وحكومته الفاشية، وليس الترحيب بها، ممّا هو حاصل، وكأنها لم تفعل شيئًا!؟ وطردها من الأمم المتحدة!؟
جزار غزة الصهيوني هو الذي دمّر قطاع غزة، وقتل وأباد وجرح وحطم الأرواح، والذي يقوم يوميًا بتدمير الضفة، وهو سياق عربي يجب أن يرتبط بالمطالبة بتحرير دولة فلسطين القائمة (لكنها تحت الاحتلال)، وتشريع عقد مؤتمر السلام لتثبيت الاستقلال الفلسطيني.
وبالتالي، وكما قال الكاتب (جمعة بوكليب) يمكن وضع تصريحه بتهجير الفلسطينيين من سكان القطاع إلى بلدين عربيين مجاورين (مصـر والأردن) في السياق نفسه، تصـريحات غرائبية لن تصمد. مضيفًا وأنه بالضفة الغربية يتم ذلك من خلال عدة سيناريوهات ربما جاهزة، “تبدأ بتوطين مزيد من المستوطنين الإسرائيليين، من خلال التمادي في عمليات اغتصاب الأراضي وبناء المستوطنات، وبهدف خلق وضعية أمر واقعي على الأرض، تجعل من أمر قيام دولة فلسطينية مستحيلاً.
عدد من المعلّقين قالوا للرئيس الأمريكي الخبيث: ألم يكن من الأفضل لك أن تنقل المستوطنين إلى إحدى الولايات الأمريكية الخمسين، أو يعودوا لبلادهم الأصلية أفضل، فتحلّ القضية! وبالنسبة لغزة ألم يكن الأجدر بك بناء قطاع غزة بالفلسطينيين، أهل البلد المَهَرة، بدلاً من عمالة مستوردة!؟
يقول الصديق الكاتب والمحامي علي أبو حبله: إن “مقترح الرئيس (ترمب) يحتوي على العديد من الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي، بما فيها انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، وحقوق الإنسان، والقانون الجنائي الدولي، والقانون العرفي الدولي، إضافة إلى قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.”
وفيما رفضت فلسطين كلها؛ بسلطتها ومنظمتها وفصائلها وشعبها، مقترحات (ترمب)، أكّد الرئيس المصـري “رفض مقترح التهجير”، قائلاً إن “تهجير الشعب الفلسطيني ظلم لن تشارك فيه مصـر التي لديها موقف ثابت وتاريخي من تلك القضية”. كما قال وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، إن “الأردن للأردنيين، وفلسطين للفلسطينيين، ورفضنا للترحيل ثابت ولا يتغير”. وأيضاً كانت هناك تصـريحات غربية وأوروبية رافضة للمقترح بشكل واسع.
دعنا نقول إنه مهما فكّر (ترَمب) بإعادة ترتيب العالم بصفاقة المزهو بسطوته وسلطانه، مما صرّح به من غرائب وعجائب طافت العالم (بنما، غرينلاند، كندا، المكسيك، فلسطين، السعودية، الصحة العالمية… إلخ)، تدلّل على عقلية هذا الرجل القادم من بين أكوام المال والفضائح، والصفقات، والنزق، إضافة لخرافات المسيحية الصهيونية، ظانًا كل الظن أن أحلامه أو رغباته وصفقاته بالعالم، ومنها بسـرقة المنطقة العربية، وفلسطين، وإعادة هندستها، ستكون إملاءً على كل الشعوب العربية والزعماء، فإن ذلك هو مما لن يتم قط، فهذه منطقة الحضارة العربية الإسلامية، بالمسيحية المشـرقية المتميزة، التي لفظت كل الغزاة وأحلامهم عبر التاريخ، فحوّلتها إلى كوابيس.
يجب إعادة النظر سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، من دول أمّة العرب والمسلمين، بعلاقاتها مع دولة الاحتلال!؟ فكيف لا يفطن العرب أنهم المستهدفون من السـرقة والاستتباع والإخضاع الأمريكي – الصهيوني، فيما تصدّر لهم فلسطين وغزة كمشكلة! صارفين النظر عن أن الوجود الصهيوني الغاصب هو المشكلة العظمى بالمنطقة العربية المشـرقية المسماة (الشـرق الأوسط)، المفترض الالتفات إليها، والتصدِّي لها، بوحدة عقدية ثقافية حضارية، واقتصادية سياسية، واضحة المعالم.
دعني ألخّص بالقول إن مثل هذه الأساليب الترمبية – الفرعونية الإبهارية، أو التضليلية، أو التخويفية، المصنعّة، أو للتعمية على حقيقة المخطط القادم، وبالتحالف مع الحكومة الإسرائيلية الفاشية، وهي التي يطرق فيها أذن العالم، ليست دلالة على وعي، بقدر ما هي دلالة على سوء طويّة، وانحراف خلق، وانجراف فكري تآمري، وشـرهٍ اقتصادي، وجوع قاروني فرعوني للهيمنة والجبروت والسلطة. وفيما يتعلّق بفلسطين العربية، يجب مواجهة ذلك بوحدة فلسطينية آن أوانها، قبل أن يغفو الفجر، وتسقط القضية في هوة بلا قرار!؟ وبتضامن عربي حقيقي، وليس إنشائي كلامي متواصل بلا قطران، وبذلك ربما قد نسير نحو النصر والتحرير، شاء من شاء، وأبى من أبى.
ودعنا نختم بكلمة من تقرير لصحيفة القدس، إذ يقول (فراس ياغي) فيه: إن” كل المحاولات السابقة لتصفية القضية الفلسطينية باءت بالفشل، وأن ترمب سيذهب كما ذهب غيره، لكن الشعب الفلسطيني سيبقى، والقضية الفلسطينية ستظل حية، لأن الهجرة غير واردة في قاموس الفلسطيني، فمن يحلم بالعودة، ويعمل لأجل العودة، لا يمكن أن يهاجر لا طوعاً ولا قسراً”.
ولنؤكد نحن بلا ريب لدينا إن الشعب العربي الفلسطيني المتجذر في وطنه فلسطين منذ بداية الحضارات الناطوفية والكبارية (من 20 ألف عام) هنا في منطقته العربية، مازال ينبض بالحياة رغم الدمار، وهو قائم صائل جائل منذ وجدت الخليقة، وسيظل ويذهب الأغراب “إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم”[1].
[1] بعضنا يقول اكتفاء: “إلى حيث ألقت”، وبعضنا يقول القول كما في الأصل: “إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم”. والقول من شعر زهير بن أبي سُلمى: فشدَّ فلم تَفْزَعْ بيوت ٌ كثيرة/لدى حيث ألقت رحلها أم قَشْعَمِ
(أم قشعم) هي المنيّة أو الحرب، وتستعمل شطرة بيت زهير في الدعاء على الغائب ألا يرجع، أو هي دعاءٌ على الذي يسوءك ليذهب عنك إلى غير رجعة، أو على من ينصرف عنا بعد أن كان ثقيلاً. (في العامية- ستين قلعة)! ويستعمل أحيانًا بمعنى= إلى الداهية، أو إلى جهنم، وقد ذكرت سابقًا على غرار ذلك حكاية أم عمرو، والقول: فلا رجعت ولا رجع الحمار! (فاروق مواسي في ديوان العرب على الشابكة).