بين التعبّد الحقيقي والتعبّد الافتراضي
د. يحيى عمر ريشاوي

سهّلت التكنولوجيا – من بين ما سهّلت – في أداء الشعائر التعبّدية، وجعلتها أسهل وأسرع وأيسـر، وتحاول الأديان السماوية والأرضية كافة؛ الاستفادة من هذه التطوّرات التكنولوجية لنشـر مبادئها ومعتقداتها، وخلق تواصل (افتراضي) بين المنتمين لها؛ وتتسابق المساجد، والكنائس، والمؤسسات الدينية الأخرى، في العالم، من أجل استغلال التطوّرات التكنولوجية خدمة لأهدافها وغاياتها الدينية والدنيوية.
وفيما يتعلّق بالدين الإسلامي، فالتكنولوجيا تساعدك في معرفة أوقات الصلاة، وتحديد اتّجاه القبلة، بصورة أدقّ، وتعلّمك كيفية أداء مناسك العمرة والحج، من دون حاجة إلى مرشد أو عالم دين، كذلك تعينك على رؤية وسماع عشـرات القرّاء من أنحاء العالم كافة، وتضع بين يديك – كذلك – مجلّدات ضخمة من التفاسير والكتب الشارحة لأسس ومبادئ الدين الحنيف، كما أنها تساعدك في معرفة العلماء والدعاة، والتعرّف على نشاط المؤسسات الإسلامية في أرجاء المعمورة..
ولكن، أليس من حقّنا أن نتساءل: يا ترى إلى أين ستؤدّي بنا هذه التطوّرات التكنولوجية الجنونية؟! ألا يؤدّي الإكثار من استخدامها في الشعائر التعبدية إلى نوع من اضمحلال اللذّة النفسية، وغياب الأجواء الروحية الصادقة والحقيقية للعبادات والأذكار؟ فمثلاً لو فكّر البعض في أداء صلاة الجماعة بصورة افتراضية، أو عن بعد – كما هو الحال مع بعض النشاطات الإنسانية والاجتماعية –، أو تطوّرت التكنولوجيا في نمط أداء مناسك الحج، وغيرها من العبادات، ألا يؤدّي ذلك كلّه إلى نوع من الخواء الروحي والجمود الشعوري؟!
كلّنا عايشنا؛ أيّام وباء فايروس (كورونا)، والاشتياق الروحي -الذي خلقته أجواء الحجر الصحي – إلى خطب الجمعة، ومناسك الحج، وصلاة التراويح، وغيرها من العبادات.. وبالرغم من أننا كنّا نمارس معظم هذه العبادات في بيوتنا، وبين أهلينا، ألا أننا كنّا في شوق وترقّب دائمين لزوال الوباء، والرجوع – مرّة أخرى – إلى أروقة المساجد، والطواف حول الكعبة المشـرفة، والتواجد بين إخواننا في صفوف صلاة التراويح، وغيرها وغيرها من العبادات الروحية الجماعية.
ما سبق ليس معناه رفض التطوّرات التكنولوجية، أو خلق جدار بينها وبين الشعائر التعبّدية، ولكن – وكما يقول المثل –: ما زاد عن حده، ربما انقلب إلى ضده؛ فالمبالغة في الاعتماد على التطوّرات التكنولوجية في دقائق الشعائر التعبّدية، ربما تجعلنا أسرى لهذه التطوّرات، وبدل أن تكون التكنولوجيا في خدمة الأجواء الروحية، ووسيلة لخلق بيئة ملائمة للشعائر التعبدية، تتحوّل إلى غاية وهدف بحدّ ذاتها.
هذا الكلام ليس المقصود به الشعائر التعبّدية فقط، بل المقصود به – كذلك – نمط علاقاتنا الاجتماعية؛ والاستخدام المفرط للتكنولوجيا في العملية التربوية، والتعليمية، وغيرها من النشاطات الإنسانية والاجتماعية؛ التي صارت التكنولوجيا – شئنا أم أبينا – جزءاً لا يتجزأ منها.