الحاكم، سياق المفهوم والتطوّر

سرهد أحمد

 يعدّ مفهوم الحاكم في الفكر السياسي من أكثر الموضوعات التي أثارت الجدل والنقاش عبر العصور، إذ تعدّدت النظريات التي تناولت طبيعة الحاكم، سلطته، شرعيته، وطرق اختياره، وذلك وَفْقاً للسياقات الفلسفية، الدينية، والاجتماعية التي نشأت فيها هذه النظريات.

فمن الحاكم الفيلسوف عند (أفلاطون)، إلى الحاكم المستند إلى العصبية عند ابن خلدون، ثم الحاكم الواقعي عند (مكيافيلي)، وصولاً إلى المفهوم الديمقراطي الحديث، ويعكس هذا التطوّر صراعاً مستمراً بين السلطة، الأخلاق، والشرعية.

لذا، فإن مفهوم الحاكم في الفكر السياسي شهد تطوّراً متنامياً، بدءاً من الفلسفة اليونانية مروراً بالفكر الإسلامي، ثم الفكر السياسي الكلاسيكي، وما بعد الحداثة.

 ففي الفلسفة السياسية القديمة، طرح أفلاطون؛ في كتابه (الجمهورية)، فكرة (الملك الفيلسوف)، حيث يرى أن الحاكم يجب أن يكون فيلسوفاً حكيماً يمتلك المعرفة والفضيلة، ممّا يؤهّله لحكم المدينة وفقاً لمبدأ العدالة، معتبراً أن الحكم لا ينبغي أن يكون بيد عامّة الشعب، بل بيد نخبة مثقفة قادرة على اتخاذ قرارات صائبة لصالح الجميع.

وأما (أرسطو)، فقد قدّم في كتابه (السياسة)، تصنيفاً لأنظمة الحكم، مميّزاً بين الحكم الصالح (الملكية، الأرستقراطية، الحكومة الدستورية)، والفاسد (الاستبداد، الأوليغارشية، الديمقراطية الفوضوية)، ورأى أن الحاكم ينبغي أن يسعى لتحقيق الخير العام، وأن يكون مختاراً وفق أسس عقلانية وعملية.

أمّا في الفكر السياسي الإسلامي، فقد استندت شرعية الحاكم إلى المبادئ الدينية، حيث ينظر إلى الحاكم كخليفة لله في الأرض، مسؤول عن تحقيق العدالة وإقامة الشـريعة. وكان النموذج الإسلامي الأول للخلافة يتمثل في مبدأ الشورى، كما حدث في اختيار الخلفاء الراشدين.

فـ(الفارابي) طرح في كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) نموذجاً لحاكم مثالي يجمع بين المعرفة الفلسفية والدين لتحقيق المدينة الفاضلة.

وكذلك ابن خلدون حلل في كتابه (المقدمة)؛ تطوّر الدولة ودور الحاكم، معتبراً أن السلطة تستند إلى العصبية (الروابط القبلية والاجتماعية) والقوة، مشيراً إلى أن الحاكم يبدأ بتأسيس حكم عادل، ولكنه قد يتحوّل إلى الاستبداد مع الزمن.

وظلّ مفهوم الحاكم يمرّ بتطوّر تاريخي حتّى جاء الفكر السياسي الكلاسيكي ليعرض هذا المفهوم من خلال مقولات منظّرين وساسة غربيين، أمثال (نيكولا مكيافيلي)، ففي كتابه (الأمير)، اعتبر أن الحاكم يجب أن يكون قوياً وذكياً ومستعداً لاستخدام أيّ وسيلة للحفاظ على السلطة والاستقرار، وقد فرّق بين الأخلاق الشخصية والسياسية، مشدّداً على أن السياسة تتطلّب البراغماتية والواقعية.

ومن ناحيته، قدّم (جون لوك) مفهوم العقد الاجتماعي، حيث تكون سلطة الحاكم مستمدة من رضا المحكومين، مع التأكيد على الحريات والحقوق الفردية، إذ رأى أن الحاكم يجب أن يحكم وفقاً للقانون، وليس وفقاً لإرادته المطلقة.

وأما (جان جاك روسو)، فأكد في كتابه (العقد الاجتماعي)؛ أنّ الحاكم يجب أن يعكس الإرادة العامة للشعب، وأن الحكم يجب أن يكون ديمقراطياً تشاركياً.

وكذلك في النظرية الماركسية، ينظر إلى الحاكم كأداة للطبقة المسيطرة (البرجوازية)، وهي ترى أن الحل يكمُن في إقامة دكتاتورية البروليتاريا، تمهيداً لإلغاء الدولة وقيام مجتمع شيوعي بلا حاكم مطلق.

وجاء مفهوم الحاكم في الفكر السياسي الحديث متجسداً في الديمقراطية الليبرالية، الذي يؤكد أن الحاكم يتم اختياره عبر الانتخابات، وأنه يمثّل الشعب، ويكون خاضعاً لدستور يحدّد صلاحياته، أي ينظر إلى الحاكم كممثّل للإرادة العامة، وليس كمالك للسلطة.

أمّا في الفكر السياسي ما بعد الحداثة؛ فهناك اتّجاهات تشكّك في مفهوم الحاكم التقليدي، داعية إلى نماذج جديدة، مثل الحكم التشاركي، والحوكمة اللامركزية، ودور المجتمع المدني في الإدارة السياسية. وعلى هذا الأساس تطوّرت فكرة الحاكم إلى مؤسسات الحكم الديمقراطية، حيث لم يعد الحاكم فرداً واحداً، بل نظاماً مؤسسياً.

إذن، فقد تغيّر مفهوم (الحاكم) عبر التاريخ وفقاً للسياقات الثقافية والسياسية لكل عصـر. وفي عصـرنا الراهن، لا زال الفكر السياسي يواجه تحديات جديدة تتطلّب إعادة النّظر في طبيعة الحاكم، ودوره في المجتمعات الحديثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى