الاختلاف حول صحة إمامة المتغلب وتحقيق نصوص طاعة ولي الأمر (من كنوز قلائد الجمان شرح اللؤلؤ والمرجان) (القسم الرابع)

صالح شيخو الهسنياني

  تحليل عصري لأحاديث السمع والطاعة

  وفيما يلي نستعرض أحاديث حذيفة وابن عباس وأبو هريرة وجندب وغيرهم، وما ورد من أحاديث السمع والطاعة للأمراء في المنشط والمكره، وكيفيّة التعامل مع الظالمين منهم، مستشهدًا بآيات من القرآن، وأحاديث من السنّة النبوية، بأسلوب عصري يجمع بين الآراء المتضاربة في القديم والحديث.

1. إذا تجاوز فساد واستبداد الحكام حده:

  اعتبر القرآن الكريم أن الابتلاء والمحنة سُنّة لا محيص عنها لعباده الصالحين، كأداة صقل وتنظيف أخلاقي واستنفار للطاقة وصهر الجماعة في نار المحنة، ولهذا اعتبر للمشقة محاسن وفضائل، وأن انبعاث الحضارات وولادتها في العادة لا تأتي من ظروف الراحة والدعة؛ بل في وسط التحدي ومواجهة الصعوبات وتجاوزها بنجاح، وعقل نيّر لتولّد الأفكار المبدعة التي تولد من رحم المعاناة، لتتجاوز الترسبات والأفكار المنحلة، والعودة من جديد إلى إدارة الحياة..

  لكن الفساد بأنواعه، والاستبداد بجوانبه ومجالاته، إن لم توضع له حدود، فالعواقب ستكون وخيمة، والخسائر جسيمة؛ ألا ترى بأن واقع العالم العربي والإسلامي، ومن الأمس البعيد وإلى اليوم (ما عدا فسحات هنا وهناك في زمان ومكان ما، العيش فيها بين المطرقة والسندان؛ من صيحات بتهديد خارجي، ودعوات بتفسخ داخلي) يمرّ بأوضاع يرثى لها؛ من فساد يسري بجسم الأمّة ليشلّ حركتها نحو النهوض والريادة؛ ومن استبداد سياسي واقتصادي واجتماعي وإعلامي، وحتى عائلي وإداري وفني.. يخرج النشء إلى الدنيا وقد غطّى هذا الاستبداد الحياة بكذبه ونفاقه ودَجَله، ويتربّى وكأن الحياة صراع بين وحوش مفترسة لا مجال للفقير والضعيف للعيش، وإن وجد فهو إمّا تابع ذليل؛ أو فخور عليل، “وإنك لترى أركان الفساد الاجتماعي مقترنة، يزجي بعضها بعضاً إلى جهنّم، فيما رواه النبي – صلى الله عليه وسلم -: (عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ: أَمِيرٌ مُسَلَّطٌ، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنْ مَالٍ، لَا يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ)([1])، الأوّل يمثّل الاستبداد السياسي، والثاني يمثّل الطغيان الرأسمالي، والثالث – وهو الفقير الفخور- يمثّل خدم النظامين من الأتباع الذين يمشون في ركاب الكبراء والأغنياء، إنهم صعاليك، ولكنهم يفخرون بسادتهم الذين التحقوا بهم. فإذا انضمّ إلى هذا الفساد الاجتماعي تأييد المحترفين من رجال الدين، فقد تمّت سوأته، وطاشت رميته. عن عوف بن مالك: سَمِعت رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم – يَقُول: (إِنِّي أَخَاف على أمتِي من أَعمال ثَلَاثَة)، قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: (زلَّة عَالم، وَحكم جَائِر، وَهوى مُتّبع)([2]). وليس هذا التحذير من الولاية العامة فحسب، بل إن كل رئيس لعمل – دقّ أو جلّ – ينبغي أن يستعظم حقّ الناس في رعايته، وحسن القيام عليه، حتى لو كان رئيس ثلاثة كتبة في ديوان، أو رئيس ثلاثة عساكر في قرية، أو أقلّ أو أكثر من ذلك. فإن توفّر العدالة في أمّة من الأمم لا يبلغ تمامه إلَّا إذا حسن الإشراف على شؤونها كلّها، وصينت حقوق الناس في نواحي الحياة جميعاً([3]).

وفي ظلّ هذه الأنظمة “يمكن لحبل الكذب أن يفوق سور الصين في الطول، وليس في القوّة والصنعة، عندما يترك الشعب للمفسدين ليفسدوا في الأرض، ويهلكوا الحرث والنسل، حيث يلجؤون إلى تكميم الأفواه، والربط على العيون، حتى يصاب الناس بعمى الألوان، ويفقدوا القدرة على التمييز بين الحابل والنابل. ولأن الجزاء من جنس العمل، فإن مثل هذا الأمر لا يحدث في العادة إلَّا عندما لا يعتصم الشعب – وخاصة قطاعاته الصفوية- (بحبل الله) المتين، ويندفع للتردِّي في حبائل الشيطان، الذي يصبح سجّاناً للإنسان، حيث يقيّد يديه وإرادته بحباله، ويغلّ قدميه (حركته) بحبائله، ويخوّفه حتى يصبح جباناً يخاف من كل شيء، ويصل الأمر إلى أن يرى (الحبل) فيهتزّ رعباً ظانّاً أنه ثعبان. وممّا يساعد السلطة في تطويل حبل كذبها، تقصير المناوئين والمعارضين في أداء دورهم، وخاصة القضايا التي تهوى تسلّق السلطة بـ(الحبال الصوتية) و(الحبائل السوطية)، حيث إن هذا الصنيع يطيل عمر الحاكم الذي يريد أن يدمّر حريات أيّ شعب، وهو يستطيع أن يفعل ذلك بسهولة، عندما ينثر بين أفراد الشعب الهبات والمنح والعطايا. وهكذا من لم يأت بسيف المعزّ جاء بذهبه، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره.. تعدّدت الأسباب والموت واحد. والموت الذي نعنيه هنا هو الاسترقاق، ودخول حظيرة الحاكم، والتحوّل إلى فرد في القطيع، الذي يضمّ أكثر بطانات المستبدّين، وحواشي الطغاة، وتضمّ هذه البطانات كل ذي ناب، وذي ظفر، وكل ذي مخلب من البشر، وهم من مختلف الألوان والأطياف. إذ لا يهمّ المستبدّ أن يكون الذئب أبيضاً أم أسوداً، المهم أن يصطاد فرائسه، وفرائسه في هذه الحالة هم أبناء الشعب ممّن لم يدخلوا (بيت الطاعة)، أو ينضمّوا إلى القطيع!”([4]).

2. حياة الأغلال:

  هذه هي صفات النفس المنهزمة داخلياً، والمستعبَدة، التي تهيئ تربة المجتمع لاستنبات بذور الاستعباد، التي تنشئ في النفوس والقلوب أخلاقيات وسلوكيات الضعف والخوف، والخور والجبن… “كما كان بعض العبيد يرجعون باختيارهم إلى خدمة سادتهم في أمريكا، بعد تحريرهم كلّهم، ومنع الاسترقاق بقوّة الحكومة؛ لأنهم ألفوا تلك الخدمة والعبودية، وصارت العيشة الاستقلالية شاقّة عليهم”([5]).

 إن الممارسات والهموم اليومية الفردية والعائلية.. تُفقد الإنسان الطموح وعشق الحرية، وحتى التفكّر بها، “ويهرب من تضحيات التحرّر بإلقاء الثقل على السلطة المستبدة ليرتاح.. ويكون ثمن هذه الراحة هو حياة الأغلال التي يرى الإنسان من خلالها التحرّر تمرّداً، والاستعلاء شذوذاً، والعزّة جريمة، ومن ثم يصبّ نقمته الجامحة على الأحرار، الذي لا يسيرون في قافلة الرقيق.. التي تجري وراء من استغنى عنها، وتطلب محبّة من ترفّع عنها”([6]).

  ولهذا نرى أن المناداة بالحرية ودعوات الإصلاح لا تنجح بين العبيد، لأنهم ألفوا الذّل والهوان، والرضا بالحياة الدونية، حتى قيل في المثل (لو أن أمطرت السماء الحرية، لرفع العبيد المظلات فوق رؤوسهم)؛ وذلك لأن الحرية تحتاج إلى العقل والتفكير، والتفكير من أخصّ خصائص الإنسان، فإذا فقد العبد الفكر بإرادته، فإنه لا يستطيع أن يغيّر معتقده ونمط حياته، وأن يعيش بحرّية. وهنا نتساءل: “لماذا يحتمل الناس طاغية لا يملك من السلطان إلَّا ما أعطوه، ولا من القدر على الأذى إلَّا بقدر احتمالهم الأذى منه؟ ولماذا يتحوّل الإنسان إلى كائن مسخ، يتقن الكذب والتمثيل؟ ولماذا لا يرى عيباً في عبوديته، ويشعر أنها طوق يستحيل كسره.. بل ربما رأى التحرّر انتحاراً؟!… إنه لا يوجد شيء يبرّر الحطّ من مكانة البشر، ولا يبرّر البؤس ولقمة العيش الاستسلام للعبودية.. بل من حقّ البؤساء التمرّد في وجه الانتهاك الإنساني، الذي كانوا ضحاياه المعذّبين طويلاً.. لأنهم إن لم يقوموا بذلك فسيدخلون في حالة الإحباط وعدم الفاعلية، ومن ثم لا يستطيعون تقديم الشهادة العلمية للحرّية، ولا البقاء في ميدان الصراع من أجلها دون استسلام.. ليس لأنهم مكبّلون بأغلال الحديد، وإنما لأنهم مكبّلون بفقدان المبادأة والمقاومة”([7]).

3. سموم العبودية:

  الإنسان الذي لا يمارس الحرية، ولا يسعى لانتزاعها، يضمحل فكرياً، وينهزم نفسياً، ولا يجرؤ على المواجهة، ويرضى بذلّ العبودية تسري في عروقه، ولا يشعر بآلام الاستبداد المحيطة به، لأنه لا يقدّر قيمة الحرّية.

  الذين يصنعون الطغاة هم الذين يرضون بالعبودية من العبيد، “الذين يقفون بباب سيدهم، ويتزاحمون وهم يرون بأعينهم كيف يركل السيّد عبيده الأذلاء في الداخل بكعب حذائه، وكيف يطردهم من خدمته دون إنذار أو إخطار.. يطأطئون هاماتهم له، فيصفع أقفيتهم باستهانة، ويأمر بإلقائهم خارج الأعتاب، ولكنهم بعد هذا كله يظلّون يتزاحمون على الأبواب، يعرضون خدماتهم بدل الخدم المطرودين، وكلما أمعن السيد في احتقارهم، زادهم تهافتاً كالذباب!!

 إنهم يهربون من الحرّية، فإذا طردهم سيّد بحثوا عن سيّد آخر، لأنّ في نفوسهم حاجة ملحّة إلى العبودية. لأن لهم حاسّة سادسة، أو سابعة.. حاسّة الذلّ.. لا بدّ لهم من إروائها، فإذا لم يستعبدهم أحد، أحسّت نفوسهم بالظمأ إلى الاستعباد، وتراموا على الأعتاب، يتمسّحون بها، ولا ينتظرون حتى الإشارة من إصبع للسيّد حتّى، ليخرّوا له ساجدين!!

  إنهم إذا أطلقوا، حسدوا الأرقّاء الباقين في الحظيرة… لأن الحرية تخيفهم، والكرامة تثقل كواهلهم، لأن حزام الخدمة في أوساطهم، هو شارة الفخر التي يعتزّون بها… إنهم لا يجدون أنفسهم إلَّا في سلاسل الرقيق، وفي حظائر النخّاسين، فإذا انطلقوا تاهوا في خضمّ الحياة، وضلّوا في زحمة المجتمع، وفزعوا من مواجهة النور، وعادوا طائعين يدقّون أبواب الحظيرة، ويتضرّعون للحراس أن يفتحوا لهم الأبواب”([8]).

4. بنيان الاستبداد في العالم العربي والإسلامي:

 بنيان الاستبداد بنيان مرصوص، وجذوره ضاربة في عمق التاريخ، حتى صار عقيدة وفقهاً وكتباً ومنابرَ وجامعاتٍ ودور نشر ووزارات تشرف على بنيانه، وعتاداً دينياً متكاملاً بكل أنواع الأسلحة لمواجهة بدائل الاستبداد والملك العضوض.

لم يدّخر المستبدّ وسيلة أو فكرة تشيّد بنيانه، وترصّ صفوفه، إلَّا أولاها العناية، وفتح لها الخزائن والأموال، معتمداً على:

– جهازه الأمني والاستخباراتي في القمع والاضطهاد والاعتقال وصنوف التعذيب..

– وعلى جهازه القضائي، وهيئات التحقيق، في تغطية جرائمه وقمعه باسم الشرع..

– وعلى جهازه الإعلامي، لإلباس الباطل لبوس الحق.

– وعلى درعه الديني الضخم، في الأدلجة والتدجين([9]).

5. نصوص طاعة (أُوْلِي ٱلأَمرِ) في القرآن الكريم:

 قال تعالى: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمرِ مِنكُم، فَإِن تَنَٰزَعتُم فِي شَيءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱليَومِ ٱلأٓخِرِ ذَٰلِكَ خَير وَأَحسَنُ تَأوِيلًا](النساء: 59)، وقال سبحانه: [وَإِذَا جَآءَهُم أَمر مِّنَ ٱلأَمنِ أَوِ ٱلخَوفِ أَذَاعُواْ بِهِۦ وَلَو رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلأَمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَستَنبِطُونَهُۥ مِنهُم](النساء: 83).

قال الطبري:”واختلف أهل التأويل في (أولي الأمر) الذين أمر الله عبادَه بطاعتهم في هذه الآية، فقال بعضهم: هم الأمراء”([10]).

ثم قال: “وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالأمر بطاعة الأئمة والولاة، فيما كان [لله] طاعةً، وللمسلمين مصلحة”([11]). 

وقال الواحدي: “وهم العلماء والفقهاء، وقيل: الأمراء والسَّلاطين، وتجب طاعتهم فيما وافق الحقَّ”([12]).

وذكر السمعاني، فقال: “اختلفوا في أولي الأمر، قال ابن عباس، وجابر – وهو قول جماعة -: هم العلماء والفقهاء، وقال أبو هريرة: هم الولاة والسلاطين…”([13]). 

وقال الشوكاني: “وأولي الأمر: هم الأئمة، والسلاطين، والقضاة، وكل من كانت له ولاية شرعية، لا ولاية طاغوتية، والمراد طاعتهم فيما يأمرون به، وينهون عنه، ما لم تكن معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله. وقال جابر بن عبد الله ومجاهد: إن أولي الأمر: هم أهل القرآن والعلم، وبه قال مالك والضحاك. وروي عن مجاهد: أنهم أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن كيسان: هم أهل العقل والرأي، والراجح: القول الأول”([14]).

وقد جمع العيني أقوال أهل العلم في معنى [أُوْلِي ٱلأَمرِ]، فقال:

في تفسيره أحد عشر قولاً:

الأول: الأمراء، قاله ابن عباس، وأبو هريرة، وابن زيد، والسدي.

الثاني: أبو بكر وعمر – رضي الله عنهما -، قاله عكرمة.

الثالث: جميع الصحابة، قاله مجاهد.

الرابع: الخلفاء الأربعة، قاله أبو بكر الورّاق، فيما قاله الثعلبي.

الخامس: المهاجرون والأنصار، قاله عطاء.

السادس: الصحابة والتابعون.

السابع: أرباب العقل الذين يسوسون أمر الناس، قاله ابن كيسان.

الثامن: العلماء والفقهاء، قاله جابر بن عبد الله، والحسن، وأبو العالية.

التاسع: أمراء السرايا. قاله ميمون بن مهران، ومقاتل، والكلبي.

العاشر: أهل العلم والقرآن، قاله مجاهد، واختاره مالك.

الحادي عشر: عامّ في كل من ولي أمر شيء، وهو الصحيح([15]).

الثاني عشر: قد يحتمل: السلطة التشريعية في الحكومات البرلمانية والنيابية التي جعلت الإسلام المصدر الرئيس من مصادر التشريع في الدستور، أو ما يصدر نتيجة الاجتهاد الفقهي الجماعي.

6. متى تجب طاعة [أُوْلِي ٱلأَمرِ]؟

  أهل السنّة – حسب قول شيخ الإسلام ابن تيمية -: “لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به، بل لا يوجبون طاعته إلَّا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة، فلا يجوّزون طاعته في معصية الله، وإن كان إماماً عادلاً؛ وإذا أمرهم بطاعة الله فأطاعوه، مثل أن يأمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصدق والعدل والحج والجهاد في سبيل الله، فهم في الحقيقة إنما أطاعوا الله. والكافر والفاسق إذا أمر بما هو طاعة لله، لم تحرم طاعة الله، ولا يسقط وجوبها لأجل أمر ذلك الفاسق بها، كما أنه إذا تكلّم بحقّ، لم يجز تكذيبه، ولا يسقط وجوب اتّباع الحق، لكونه قد قاله فاسق. فأهل السنّة لا يطيعون ولاة الأمور مطلقاً، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، كما قال تعالى: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمرِ مِنكُم]، فأمر بطاعة الله مطلقاً، وأمر بطاعة الرسول، لأنه لا يأمر إلَّا بطاعة الله: [مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَد أَطَاعَ ٱللَّهَ](النساء: 80)، وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك، فقال: [وَأُوْلِي ٱلأَمرِ مِنكُم]، ولم يذكر لهم طاعة ثالثة؛ لأن وليّ الأمر لا يطاع طاعة مطلقة، إنما  يطاع في المعروف”([16]).

وقال أيضًا: “الواجب اتّخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرّب بها إلى الله؛ فإن التقرّب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال كثير الناس لابتغاء الرياسة أو المال بها… وإن انفرد السلطان عن الدين، أو الدين عن السلطان، فسدت أحوال الناس”([17]).  

7. تشريع الملك الجبري:

قال الدكتور محمد العبد الكريم: “الإطلاق في الآيتين [النساء: 59 ، 80] أُستفيد منه في تشريع الملك العضوض والملك الجبري، الملك الذي يتولّى فيه فرد يسمّى وليَّ الأمر، فجاءت توجيهات العلماء والمفتين بنقل الأقوال عن الصحابة عن ابن عباس وعن أبي هريرة… الذين قضوا معظم حياتهم في جلباب الحكم الراشد، وأنزَلوا كلام الصحابة على واقع الحكام المتغلّبين، فأجازوا طاعتهم وهم مغتصبون محتكرون للسلطة، دون تفريق بين متغلّب وغير متغلّب، ودون دراسة لطبيعة تاريخ الاجتماع السياسي في كل حقبة تاريخية، ودون وضع فروق بين الحالة الطبيعية والحالة الطارئة، وجعلوا أُولِي الْأَمْرِ في الآيتين – وهم الأمّة – جعلوه في الحاكم الفرد الذي تغلّب بالجبر والقوة، أو في العلماء والفقهاء، فأمروا الناس بطاعته وهو لا يمثّلهم، وإنما يمثّل نفسه، واستدلّوا على الطاعة بالآية الكريمة، ونقلوا فيها أقوال الصحابة، فكلّ من قرأ كلامهم ظنّ أن الصحابة أجازوا طاعة الملك العضوض والملك الجبري، وهم الذين حاربوا جبروت السادة والملأ في قريش… إن الصحابة في الجملة لم يعرفوا إلَّا سنن الخلافة الراشدة، وسنن الشورى والعدل، والتصدّي للحاكم الجائر على سلطة يكون الحكم فيها للأمّة.

  وحتى من لحق منهم بزمن الدولة الأموية – حيث بدأت معالم الحكم العضوض – فقد اشمأزت نفوسهم من الحكم العائلي، وثار بعضهم عليه بالسيف، ولم يرتضوا تبديل سنن الحكم الراشد، فهم في خير القرون، وخير القرون لم تظهر فيه معالم الاستبداد الذي يرهن الفرد للدولة، ولم يكن لطبيعة الحكم طبيعة التفرّد والشمول، فمن أنزل كلام الصحابة على واقع الدولة الشمولية المعاصرة: دولة الحدّ الأعلى، التي تتحكّم بكلّ مفاصل الحياة وأنفاس الخلق، وتحتكر كل أدوات الرقابة والعنف، فإنزاله لا يستقيم”.([18])

روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: “حقّ على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدّي الأمانة، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه، لأن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته”([19]).

قال الدكتور علي الوردي: “يكرّر الوعّاظ قول القرآن [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمرِ مِنكُم]، وهم بذلك يأمرون الناس بطاعة السلطان مهما كان ظالماً. إن القرآن يأمر بطاعات ثلاث: الله، ورسوله، وأولي الأمر. أمّا الوعّاظ، فينسون طاعة الله ورسوله، ويصبّون جلّ اهتمامهم على طاعة أولي الأمر”([20]).

8. نصوص الإمارة والطاعة والصبر والنصيحة في السنة النبوية:

 قال الدكتور العبد الكريم: “لقد كانت السنة النبوية ساحة التشريع الكبرى في منظومة الاستبداد التشريعية. وكان من أهمّ النصوص- التي تمّ تداولها على نطاق واسع في ساحات التشريع، وصرفها للدلالة على بقاء جور الحاكم، واستبداده، وتفرّده بالحكم، وعدم المطالبة بالحقوق الواجبة على الحاكم، ما يلي: 

      – حديث عبادة بن الصامت: “… فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا، أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأُثْرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ (إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ)([21]).

 – وحديث: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ)، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: (لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ)([22]). وقال: (إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ)([23]).

 فهذان حديثان من أشهر الأحاديث التي اعتمد عليها في:

  • ديمومة جبروت الحاكم المستبد.
  • والاستشهاد بهما عند الجهر بكفّ الظلم.
  • إيرادهما عند المطالبة بالحقوق التي تجب عليه”([24]).                     


 ويضيف العبد الكريم، فيقول: “وجواباً على ما سبق:

9. إن ما تقرّر في الشرع في الموقف من الظلم، ما يأتي:

  أ- أن الله تعالى حرّم الظلم على نفسه، فهو من أشدّ الموبقات: 

عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم-، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا…)([25]).

  ب- عدم جواز إمامة الظالم ابتداءً:

 قال تعالى لنبيّه إبراهيم – صلى الله عليه وسلم-: [وَإِذِ ٱبتَلَىٰٓ إِبرَٰهِـمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهدِي ٱلظَّٰلِمِينَ] (البقرة: 124).

 قال الطبري: “هذا خبر من الله – جلّ ثناؤه – عن أن الظالم لا يكون إماماً يقتدي به أهل الخير.. عن مجاهد في قوله: [لَا يَنَالُ عَهدِي ٱلظَّٰلِمِينَ] قال، لا أجعل إماماً ظالماً يقتدى به”([26]).

وقال سعيد بن جبير: [لَا يَنَالُ عَهدِي ٱلظَّٰلِمِينَ]، المراد به المشرك، لا يكون إمامٌ ظالم. يقول: لا يكون إمام مشرك([27]).

وقال ابن عاشور: “وفي الآية أن المتّصف بالكبيرة ليس مستحقاً لإسناد الإمامة إليه، أعني سائر ولايات المسلمين: الخلافة والإمارة والقضاء والفتوى ورواية العلم وإمامة الصلاة ونحو ذلك”([28])([29]).

ج- تقرّر في كتاب الله: عدم الركون إلى الظالمين:

قال تعالى: [وَلَا تَركَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ] (هود: 113).

تفسير الآية:

[تَركَنُوٓاْ]: مِنْ رَكِنَ يَرْكَنُ رُكوناً، إِذَا مَالَ إِلَى الشَّيْءِ واطمأَنَّ إِلَيْهِ، ورَكَنَ: رَكِنَ إِلَى الشيءِ؛ أَي مَالَ إِلَيْهِ وَسَكَنَ([30]). 

معنى: [وَلَا تَركَنُوٓاْ]: أي لا تعدلوا ولا تنزعوا إليهم ولا تميلوا، ويقال: ركنت إلى قولك، أي: أردته، وأحببته، وقبلته([31]).

عن ابن عباس، يعني: الركون إلى الشرك.

عن أبي العالية، يقول: لا ترضوا أعمالهم.

عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا.

عن قتادة، يقول: لا تلحقوا بالشرك، وهو الذي خرجتم منه.

عن ابن زيد، قال: “الركون”، الإدهان، وقرأ: [وَدُّواْ لَو تُدهِنُ فَيُدهِنُونَ] (القلم: 9)، قال: تركنُ إليهم، ولا تنكر عليهم الذي قالوا، وقد قالوا العظيمَ من كفرهم بالله وكتابه ورسله. قال: وإنما هذا لأهل الكفر وأهل الشرك، وليس لأهل الإسلام. أما أهل الذنوب من أهل الإسلام، فالله أعلم بذنوبهم وأعمالهم. ما ينبغي لأحد أن يُصَالح على شيء من معاصي الله، ولا يركن إليه فيها([32]).

 قال الزمخشري: [وَلَا تَركَنُوٓاْ]، من أركنه إذا أماله، والنهي متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبّه بهم، والتزيّي بزيّهم، ومدّ العين إلى زهرتهم. وتأمّل قوله: [وَلَا تَركَنُوٓاْ]، فإن الركون هو الميل اليسير([33]).

 وقال القرطبي: الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به([34]).

وقال البيضاوي: فإن الركون هو الميل اليسير، كالتزيّي بزيّهم، وتعظيم ذكرهم واستدامته. [فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ] بركونكم إليهم. وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمّى ظلماً كذلك، فما ظنّك بالركون إلى الظالمين، أي الموسومين بالظلم، ثم بالميل إليهم كل الميل، ثم بالظلم نفسه والانهماك فيه([35]).

وقال الرازي: قال المحقّقون: الركون المنهيّ عنه هو الرضا بما عليه الظلمة من الظلم، وتحسين تلك الطريقة وتزيينها عندهم، وعند غيرهم، ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب. فأمّا مداخلتهم لدفع ضرر، أو اجتلاب منفعة عاجلة، فغير داخل في الركون([36]).

معنى: [إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ]:

قيل: أهل الشرك. وقيل: عامّة فيهم وفي العصاة… وهذا هو الصحيح في معنى الآية، وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإنّ صُحْبَتهم كفرٌ أو معصية، إذ الصحبة لا تكون إلَّا عن مودّة([37]).

قال سيد قطب: لا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا.. إلى الجبارين الطغاة الظالمين، أصحاب القوّة في الأرض، الذين يقهرون العباد بقوّتهم، ويعبّدونهم لغير الله من العبيد.. لا تركنوا إليهم.. فإن ركونكم إليهم يعني إقرارهم على هذا المنكر الأكبر الذي يزاولونه، ومشاركتهم إثم ذلك المنكر الكبير، [فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ] جزاء هذا الانحراف([38]).

وقال الزحيلي: “والآية تدلّ على عاقبة الرّكون، وعلى أن الميل إلى الظّالمين موقع عادة في الظّلم، ومزلقة تستدعي إقرارهم على ما يفعلون، والرّضى بما هم عليه من الظّلم، واستحسان طريقتهم، وتزيينها عندهم وعند غيرهم، ومشاركتهم في أعمالهم الظّالمة. قال البيضاوي: ولعل الآية أبلغ ما يتصوّر في النّهي عن الظّلم، والتّهديد عليه.

وإذا كان الرّكون إلى الظّلم موجباً لعذاب النّار، فكيف يكون حال الظّالم في نفسه؟”([39]). 

د. تهديد الأمّة بمجموعها، إذا لم تفزع لأخذ الحقّ، والأخذ على يد الظالم:

 عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْآيَةَ [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيكُم أَنفُسَكُم لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهتَدَيتُم] (المائدة: 105)، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ: (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ)([40]).

قال الشوكاني في تفسير الآية: “لا يضرّكم ضلال من ضلّ من الناس، إذا اهتديتم للحقّ أنتم في أنفسكم. وليس في الآية ما يدلّ على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركه – مع كونه من أعظم الفروض الدينية- فليس بمهتدٍ، وقد دلّت الآيات القرآنية، والأحاديث المتكاثرة، على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوباً مضيّقاً متحتّماً، فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال، أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضرّه ضرراً يسوغ له معه الترك”([41]).

وفي رواية أخرى، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: (مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا، ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا، إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ)([42]).

 وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: (إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ، فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ)، ثُمَّ قَالَ: [لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيٓ إِسرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبنِ مَريَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعتَدُونَ](المائدة: 78)، ثُمَّ قَالَ: (كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا)([43]).

 وفي رواية أخرى، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): (لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي، نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ، فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ)، قَالَ يَزِيدُ: أَحْسِبُهُ قَالَ: (وَأَسْوَاقِهِمْ، وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ، فَقَالَ: (لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا)([44]).

وفي رواية: (أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ)([45]).

 وهذه الأحاديث العامة يستشهد بها كثير من الوعّاظ في منكرات العامة السلوكية، حتى ارتسم في المخيّلة أن تلك الأحاديث اختصّت بهم، ولا شأن لها بمظالم السلطان وانتهاكه للحقوق، وكل ذلك بسبب إسقاط الأحاديث على منكرات السلوك والفساد الأخلاقي من وجه، والصبر على جوره وفساده، من وجه آخر.

هـ. أن التهيّب من الظلمة، والخوف من جبروتهم، قد يجوز في حق الأفراد، لكن الأمّة بمجموعها لا يجوز في حقّها إلَّا العزيمة على مقارعة الجبارين:

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ: (إِذَا رَأَيْتُمْ أُمَّتِي تَهَابُ الظَّالِمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ: إِنَّكَ أَنْتَ ظَالِمٌ، فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ)([46]).

وفي رواية، قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): (إِذَا رَأَيْتُ أُمَّتِي تَهَابُ فَلاَ تَقُولُ لِلظَّالِمِ يَا ظَالِمُ، فَقَدْ تُودِّعَ مِنْهُمْ)([47]).

فَقَدْ تُودِّعَ مِنْهُمْ: أي أسلموا إلى ما استحقّوه من النكير عليهم، وتركوا وما استحبوه من المعاصي، حتى يكثروا منها فيستوجبوا العقوبة.

وهو من المجاز، لأن المعتني بإصلاح شأن الرجل، إذا يئس من صلاحه، تركه واستراح من معاناة النصب معه([48]).

وقيل: أي أهملوا وتركوا وما يرتكبون من المعاصي حتى يكثروا منها، ولم يهدوا لرشدهم حتى يستوجبوا العقوبة فيعاقبهم الله. وأصله من التوديع وهو الترك([49]).

10. وفي نصوص الشرع المنزل الوعيد لمن يقبل ظلماً أو يرضى بوجوده:

قال تعالى: [إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِم قَالُواْ فِيمَ كُنتُم قَالُواْ كُنَّا مُستَضعَفِينَ فِي ٱلأَرضِ قَالُوٓاْ أَلَم تَكُن أَرضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأوَىٰهُم جَهَنَّمُ وَسَآءَت مَصِيرًا] (النساء: 97).

وظلم النفس أن يفعل أحد فعلاً يؤول إلى مضرّته، فهو ظالم لنفسه، لأنه فعل بنفسه ما ليس من شأن العقلاء أن يفعلوه لوخامة عقباه. والظلم هو الشيء الذي لا يحقّ فعله، ولا ترضى به النفوس السليمة والشرائع. واشتهر إطلاق ظلم النفس، في القرآن، على الكفر وعلى المعصية”([50]).

هذه النصوص السابقة تفيد شيئاً واحداً: إمّا أن ترفع الأمّة الظلم، وإلَّا فهي مهدّدة بالهلاك والزوال والمقت من الله.

11. إن حديث: (إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا): دليل على إباحة كل قوّة تردع الظلم، ما عدا قوّة السلاح. ولا توجد قوّة تكفي شرّ الظلم إلَّا الوسائل السلمية، التي تثبت فاعليتها داخل المجتمعات التي انتهجت أسلوب العمل السلمي في الضغط على الحاكم ليستجيب لمطالب الحق والعدل.

 فهو حديث يحمل المجتمع على ابتكار الوسائل السلمية التي تجبر الظالم على ترك ظلمه بقوّة السلم، وليس بقوّة العنف.

 وعليه، فيجب إزالة ظلمه وجوباً كفائياً على الأمّة بكل وسيلة لا تدخل في مسمّى العنف والسلاح، فإن لم تقم الأمّة بواجب رفع الظلم، فهي آثمة، بدلالة النصوص التي تتوعد بالهلاك.

والأمّة إن ألزمت نفسها بإزالة جور الحاكم بالوسائل السلمية، فهي تجمع بين النصوص المتعارضة بأقلّ الخسائر، فيكون السلاح مخصوصاً في حالة كفر الحاكم وترك الصلاة، والوسائل السلمية لإزالة الجور والظلم والفساد([51]).

  12. أفضل الجهاد:

– عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم)، وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ: أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ)([52]).

– وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) رَجُلٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمَّا رَمَى الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، سَأَلَهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمَّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ لِيَرْكَبَ، قَالَ: (أَيْنَ السَّائِلُ؟)، قَالَ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ جَائِرٍ)([53]).

– وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم-: (أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ)([54]).

– وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: (أَحَبُّ الْجِهَادِ إِلَى اللهِ كَلِمَةُ حَقٍّ تُقَالُ لِإِمَامٍ جَائِرٍ)([55]).

قال ابن بطال: (قال الطبري: قد اختلف السلف قبلنا في تأويل هذا الحديث، فقال بعضهم: إنما عني النبي (صلى الله عليه وسلم) بقوله: (كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ جَائِرٍ)، إذا أمن على نفسه القتل، أو أن يلحقه من البلاء ما لا قبل له به. هذا مذهب أسامة بن زيد.

 وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وحذيفة، وروي عن مطرف بن الشخير أنه قال: والله لو لم يكن لي دين حتى أقوم إلى رجل معه ألف سيف، فأنبذ إليه كلمة، فيقتلني، إن ديني إذاً لضيّق([56]).

وقال آخرون: الواجب على من رأى منكراً من ذي سلطان أن ينكره علانية، وكيف أمكنه. روي ذلك عن عمر بن الخطاب، وأبيّ بن كعب.

وقال آخرون: من رأى من سلطانه منكراً فالواجب عليه أن ينكره بقلبه دون لسانه.

قال الطبري: والصواب: أن الواجب على كل من رأى منكراً أن ينكره، إذا لم يخف على نفسه عقوبة لا قبل له بها؛ لورود الأخبار عن النبي (صلى الله عليه وسلم) بالسمع والطاعة للأئمة، وقوله (صلى الله عليه وسلم): (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ). قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: (أَنْ يَتَعَرَّضَ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُطِيقُ)([57]))([58]).

وقال العيني: فيه الأدب مع الأمراء، واللطف بهم، ووعظهم سراً، وتبليغهم قول الناس فيهم، ليكفّوا عنه، هذا كلّه إذا أمكن، فإن لم يمكن الوعظ سراً، فليجعله علانية لئلا يضيع الحق؛ لكن إن خشي ضرراً عاماً للمسلمين فلا ينكر، وإن خشي على نفسه فله الإنكار، ولكن يسقط الوجوب([59]).

وقال الطيبي: أي من تكلّم كلمة حقّ؛ لا كلمة حقّ تحمله، قال الخطابي: وإنما صار ذلك أفضل الجهاد؛ لأن من جاهد العدو، وكان متردداً بين الرجاء والخوف، لا يدري هل يَغلب، أو يُغلب؟ وصاحب السلطان مقهور في يده، فهو إذا قال الحق، وأمره بالمعروف، فقد تعرّض للتلف، فصار ذلك أتلف أنواع الجهاد؛ من أجل غلبة الخوف. وقيل: وإنما كان أفضل؛ لأن ظلم السلطان يسري في جميع من تحت سياسته، وهو جمّ غفير، فإذا نهاه عن الظلم، فقد أوصل النفع إلى خلق كثير، بخلاف قتل كافر. ا.هـ. ويمكن أن يقال: وإنما كان أفضل؛ لأنه من الجهاد الأكبر؛ وهو مخالفة النفس؛ لأنها تتبرأ من هذا القول، وتبعد من الدخول في هذا الهول، مع ما فيه من النصيحة للراعي والرعية”([60]).

وقال أبو حامد الغزالي: الأمر بالمعروف مع السلطان التعريف والوعظ، وأمّا المنع بالقهر؛ فليس ذلك لآحاد الرعية؛ لأن ذلك يحرّك الفتنة، ويهيج الشر، ويكون ما يتولد منه من المحذور أكثر. وأمّا التخشّن في القول، كقولكم: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، وما يجري مجراه؛ فذلك إنْ كان يتعدى شره إلى غيره لم يجز، وإن كان لا يخاف إلَّا على نفسه، فهو جائز، بل مندوب إليه. فلقد كان من عادة السلف التعرّض للأخطار، والتصريح بالإنكار، من غير مبالاة بهلاك المهجة، لعلمهم بأن ذلك جهاد وشهادة([61]).

13. جهاد الكلمة: 

  وحول جهاد الكلمة يحدّثنا الدكتور محمد بن عبد الله الشباني، فيقول: “من أنواع الجهاد في تغيير المنكر، هو جهاد الكلمة، الذي يمثّل أفضل الجهاد؛ لما للكلمة من تأثير في تغيير المجتمعات، فجميع الحركات التي حدثت في التاريخ، كان للكلمة المكانة الأوفر في إحداث تلك التغيرات. لقد وجّه الرسول (صلى الله عليه وسلم) الأمّة إلى أهمية جهاد الكلمة، وأعطاها المنزلة الرفيعة؛ حيث إن لها دوراً مؤثراً وفاعلاً في تغيير المجتمعات، وتحويلها من مجتمعات مسلوبة الإرادة إلى مجتمعات حية متفاعلة، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتردع الظالم، وتمنع الظلم أن يكون له مرتع في كيان الأمة. من تلك الأحاديث الموجهة لجهاد الكلمة: منها قوله – صلى الله عليه وسلم -: (أَحَبُّ الْجِهَادِ إِلَى اللهِ كَلِمَةُ حَقٍّ تُقَالُ لِإِمَامٍ جَائِرٍ)([62])، وقوله – صلى الله عليه وسلم-: (أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ)([63])، وقوله – صلى الله عليه وسلم – للذي سأله: أيّ الجهاد أفضل؟، قال: (كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ جَائِرٍ)([64])، وقوله – صلى الله عليه وسلم-: (سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ، فَنَهَاهُ وَأَمَرَهُ، فَقَتَلَهُ)([65]). ومن جملة هذه الأحاديث يتّضح ما للكلمة من مكانة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبط أشد الارتباط بالجهاد من خلال الكلمة الصادقة الجريئة، بل إن لها دوراً أكثر تأثيراً على تغيير المجتمعات وإصلاح أحوالها، بدلاً من حمل السلاح، والعمل على تغيير المنكر باليد. لهذا، نجد كثيراً من الأحاديث تنهى عن الخروج على الحاكم الجائر ذي المنعة والقوة؛ لأن الخروج عليه لا يحقّق الهدف من إقامة المعروف وإزالة المنكر؛ حيث إن للحاكم المقيم للمنكر، والمساند له، وسائل عديدة للتأثير على الناس، يفوق ما تملكه الفئة التي تسعى إلى تغيير المنكر وإقامة الحق؛ لهذا جاءت الأحاديث تنفر من هذا المسلك في المجتمع، الذي يقلّ فيه العلم، وتمارس فيه شعائر الإسلام التعبدية. فقد روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ)([66])، وقوله (صلى الله عليه وسلم) كما رواه الإمام أحمد من حديث أم سلمة أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: (إِنَّهُ سَتَكُونُ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ، فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ، فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: (لَا، مَا صَلَّوْا لَكُمُ الْخَمْسَ)([67])؛ وفي رواية: (لَا، مَا صَلَّوْا)([68]) وحديث ابن عباس الذي رواه مسلم والبخاري أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال: (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا، فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا، فَمَاتَ عَلَيْهِ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)([69]).

  إن هذه الأحاديث تؤكّد حقيقتين:

الأولى: أن الخروج المسلح لا يجوز، إلَّا إذا وصل الأمر بالحاكم إلى الكفر البواح، أو منع الشعائر التعبدية التي ترتبط بالحياة الفردية المباشرة. أما إذا كان الأمر يتّصل بالمظالم المادية: فإنه لا يجوز ذلك، حيث أرشد الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى ذلك، كما رواه أبو داود عن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله: (كَيْفَ أَنْتُمْ وَأَئِمَّةٌ مِنْ بَعْدِي يَسْتَأْثِرُونَ بِهَذَا الْفَيْءِ؟) قُلْتُ: إِذَنْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ أَضَعُ سَيْفِي عَلَى عَاتِقِي ثُمَّ أَضْرِبُ بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ، أَوْ أَلْحَقَكَ، قَالَ: (أَوَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ: تَصْبِرُ حَتَّى تَلْقَانِي)([70]).

الثانية: ضرورة الإنكار باللسان، وتبيان الحق لأولئك المخالفين؛ فإن البراءة من المسؤولية أمام الله لا تكون إلَّا بقول الحق. والتاريخ الإسلامي شاهد على تأثير الكلمة، ودورها في إنكار المنكر، وتحقيق التغيير، وردع الباطل، أكثر من استخدام القوة.. ففي عهد المأمون، ومن جاء بعده من خلفاء بني العباس، حيث ظهرت بدعة خلق القرآن، وإجبار الناس على ذلك، فقد كانت هناك جبهتان للمناهضة:

الأولى: جبهة أحمد بن نصر الخزاعي ~ صاحب الإمام أحمد بن حنبل، وأحد العلماء المشهورين، حيث عمد إلى استخدام القوّة لإزالة المنكر ومجابهته، فانتهى أمره إلى قتله، وصلبه، وتفرّق أصحابه.

أما الثانية: فكانت بقيادة الإمام أحمد بن حنبل، الذي ناهض هذه البدعة، وأنكرها بلسانه، وتحمّل المشقّة والسجن، وانتهى الأمر بانتصاره، والرجوع إلى الحق، وحماية عقيدة الإسلام من التبديل والتشويه، وكان لصلابته وتحمّله الأذى الأثر البالغ بأن تتابع المجاهدون بالجهر بقول الحقّ، فقتل منهم أعداد كثيرة، وسجن أعداد كثيرة، ولكن كانت النهاية هزيمة فكر المعتزلة، الذي تبنّته الدولة العباسية في عهد المأمون والمعتصم والواثق، وانتصار نهج السلف الصالح أخيراً.

14. أهمية الجهاد بالكلمة:

 إن قيمة جهاد الكلمة، وبلوغ ممارسها منزلة سيد الشهداء في سبيل الله، كما أخبر بذلك الرسول (صلى الله عليه وسلم)، إنما تعود إلى الأمور التالية:

أ- إن الكلمة الشجاعة القوية تعرّض صاحبها للمخاطر والمهالك؛ لأن المجاهد في الميدان ضد الكفار يجاهد في معركة جليّة، وهو بين احتمالين: نصر وعزّة في الدنيا، أو شهادة يذوق فيها الموت مرة واحدة، أما مجاهد الكلمة: فهو فرد أعزل أمام سلطة ذات بأس شديد، واحتمال هلاكه أكثر من سلامته.

ب- المجاهد بالكلمة الصادقة في معركة خفية مبهمة عند الناس، ولا سيّما في زمن انتشار البدع، وضعف الإسلام، وقلّة حماته، وبالتالي: فهو يتعرّض ميِّتاً وحيّاً للتشويه والتجريم، فهو عند السلطة التي لا تحكم بالإسلام مرتكب خيانة، ومجرم سياسي خطير [إرهابي]، فيتسنّى لها إلصاق التهم به، واستخدام كل الوسائل المؤثّرة لديها لتحقيق ذلك، من خلال الشرطة، والإعلام، وتحريف الكلم والحقائق، واعتبار قول الحق انحرافاً ورجعيةً.. والاحتساب بذلك في نظرها فتنة وجريمة وخروج على السلطة الحاكمة بأمرها.

ج- إن مجاهد الكلمة معرّض للفتنة أكثر من مجاهد السلاح واليد، والنجاة من الفتنة أشقّ؛ لأن فتنة التعذيب والسجن قد تسبب الانهيار العصبي والكآبة، فقد ينقلب من صفّ المصلحين إلى نقيضهم.

ومن هنا: ندرك مغزى ورود نصوص الجهاد والأمر بالمعروف، مثل قوله تعالى: [وَلتَكُن مِّنكُم أُمَّة يَدعُونَ إِلَى ٱلخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِٱلمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ](آل عمران: 104)، ومن هذه الآية يفهم أن كلمة الحق واجب عيني على جماعة القادرين من أهل العلم والدراية؛ كالعلماء ورجال الفكر والمختصين في الميادين التي يشيع فيها المنكر.

إن جهاد الكلمة لا يمكن أن يحقّق هدفه في إزالة المنكر وإشاعة المعروف، إلَّا إذا تعاون المجتمع كله، تحقيقاً لقوله تعالى: [وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلبِرِّ وَٱلتَّقوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثمِ وَٱلعُدوَٰنِ](المائدة: 2). إن من المفاهيم الخاطئة حول جهاد الكلمة عند بعض الناس: تحميل العلماء فقط كل مسؤولياتهم، ليريحوا أنفسهم من عناء المجاهدة، والرسول – صلى الله عليه وسلم – لم يشترط أن يكون قائل كلمة الحق والعدل فقيهاً مجتهداً، أو عالماً، أو مفكراً، أو طالب علم؛ لأن قول كلمة الحقّ واجب عامّ على الخاصة والعامّة، كلٌّ بحسب حاله، والشريعة لم تشترط أن يكون المجاهد بالكلمة والآمر بالمعروف عالماً، وإنما يُشْتَرط أن يكون الآمر بالخير على بصيرة فيما يأمر به، عالماً بالحكم الشرعي فيما يأمر به أو ينهى عنه.

إن مفهوم السلطان الجائر، كما جاء في الأحاديث، يشمل كل متسلّط لا تتوافر فيه العدالة والكفاية والعدل والمشاورة، فغالباً ما يكون السلطان طائفة مذهبية، أو هيئة حزبية، [أو عائلة متوارثة]، لا يستطيع أحد معارضتها، ومن فعل ذلك؛ فقد يتعرّض للأذى والمطاردة. فعبارة (السلطان الجائر) تتضمن أمرين:

الأوّل: السلطة التي يخضع لها رغبة فيها، أو رهبة منها، فكل من خافه الناس، ورجوه، فهو سلطان.

والثاني: الجور، وكل من حاد عن الطريق المستقيم فهو جائر، وكل جائر لا يتوقع منه المعاملة بالعدل والإنصاف([71]).

15. قوله – صلى الله عليه وسلم -: (تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)([72]):

 كتب يحيى جغمان: “الجلد وسلب المال بظلم، ذلّة تستنكرها الفطر السليمة، كما إن الفطرة السليمة تحفّز الإنسان للدفاع عن ماله وعرضه ضد أي متعدٍّ، وهو ما دلّ عليه الشارع.

فالحديث، حتى لو لم يكن سنده منقطعاً – وهو منقطع – معلول شاذّ مَتْناً، لأن الأدلّة المحكمة، تقطع بأن وظيفة الدولة في الإسلام حماية ظهور الناس وأموالهم وأعراضهم، فيفهم منه أن الحديث يخالف ذلك، فيجيز للحاكم أن يعتدي على نفوس الناس وأموالهم. ولا يفهم هذا من الحديث، إذ معنى الحديث: الأمر بالسمع والطاعة للأمير في غير معصية الله، وهذا هو الذي يتّفق مع بقية النصوص الشرعية.

كما أنه لا يفهم من الحديث أن نبقى مستكينين خانعين للطواغيت، وهل يعقل أن يقرّ النبي – صلى الله عليه وسلم – للفرد مقاتلة من يريد سرقة دينار منه، وفي نفس الوقت، يسلب هذا الحق من الأمّة التي تقدّر بالمليارات!

إن السبب في شيوع الفهم الخاطئ لهذا الحديث، وغيره من الأحاديث، يعود لأمرين اثنين:

الأوّل: عدم الجمع بين الروايات التي وردت عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فهو قد قال في موضع آخر: (مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ)([73])، وكذلك قوله: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فَهُوَ شَهيدٌ)([74]).

الثاني: عدم فهم السياق التاريخي لهذا الحديث، وغيره من الأحاديث، مما أورث عند البعض فهماً مغايراً لروح التشريع الإسلامي. والحديث السابق- على فرض صحته- يعني -كما قال بعض العلماء-: وإن قضى بمالك بحكم لخصمك، أو أقيمت عليك عقوبة لجنايتك، أو جريمتك، أو لحدّ من حدود الله، فلا يسقط هذا حقّ الطاعة. فهذا الحديث يدلّ على مبدأ السمع والطاعة، وعدم الخروج على السلطان، وإن أخذ المال بالحقّ، أو أقام الحقّ الواجب عليك.

ولهذا قيّد العلماء هذا السمع والطاعة بالحقّ، جمعاً بين الروايات، التي ترفض الظلم، وأخذِ المال بغير حق، وبين هذه الرواية”([75]).

قال ابن حزم: “إذا تولى الإمام ذلك بحقّ. وقال أيضاً: المسلمُ مَالَه للأخذِ ظلماً، وظهره للضرب ظلماً، وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأيّ وجه أمكنه، معاونٌ لظالمه على الإثم والعدوان، وهذا حرام بنص القرآن، الذي يقول: [وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلبِرِّ وَٱلتَّقوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثمِ وَٱلعُدوَٰنِ] (المائدة: 2)”([76]).

وقال يحيى جغمان: “الأمير الذي ذكره الحديث هو الأمير المسلم، فهذا هو المعنى الذي يتماشى مع مقاصد الشريعة، والذي يجب على المسلم أن يطيعه، لأنه – أي الأمير- متقيّد بالشـرع، خاضع لأمره، لكن قد يرى المسلم منه ما يكره، أي بعض السلوكيات الخاطئة، لكن ليس هذا مبرراً شـرعياً لعزله. ومن هنا، فإن الصبر المَراد بالحديث هو نطاق ما ذكر، والكراهية التي لا تتجاوز حدود الفرد إلى حدود الجماعة”([77]).

 16. قوله – صلى الله عليه وسلم-: (لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ): 

  قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن خلع الحكام: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ)، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: (لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ)([78]).

 وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): (يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِمُ الْقُلُوبُ، وَتَلِينُ لَهُمُ الْجُلُودُ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَشْمَئِزُّ مِنْهُمُ الْقُلُوبُ، وَتَقْشَعِرُّ مِنْهُمُ الْجُلُودُ)، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنُقَاتِلُهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (لَا مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ)([79]).

وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: (إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أَئِمَّةٌ، تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ أَوْ تَابَعَ). قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَا نَقْتُلُهُمْ؟ قَالَ: (لَا، مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ)([80]).

قال القرطبي: “قوله (صلى الله عليه وسلم): (وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ)؛ أي: تدعون لهم بالمعونة على القيام بالحقّ والعدل، ويدعون لكم بالهداية والإرشاد، وإعانتهم على الخير، وكل فريق يحبّ الآخر؛ لِمَا بينهم من المواصلة، والتراحم، والشفقة، والقيام بالحقوق، كما كان ذلك في زمن الخلفاء الأربعة، وفي زمان عمر بن عبد العزيز. ونقيض ذلك في الشرار؛ لِتَرْك كل فريق منهما القيام بما يجب عليه من الحقوق للآخر، ولاتّباع الأهواء، والْجَوْرِ، والبُخل، والإساءة، فينشأ عن ذلك التباغض، والتَّلاعن، وسائر المفاسد”([81]). 

قوله – صلى الله عليه وسلم-: (وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ)، أي: تدعون عليهم بالطرد من رحمة الله تعالى، ويدعون عليكم بذلك. وأصل اللعن من الله تعالى: هو الطرد والإبعاد من رحمته، ومن الخلق: السبّ والدعاء به([82]). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ أي: أفلا ننبذ إليهم عهدهم؛ أي: ننقضه، كما قال تعالى: [فَٱنبِذ إِلَيهِم عَلَىٰ سَوَآءٍ] (الأنفال: 58)، ونخرج عليهم بالسيف([83]).

قوله (صلى الله عليه وسلم): (لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ)، أي: مدّة إقامتهم معكم الصلاة؛ لأنها علّة اجتماع الكلمة، ووحدة الصفوف.

وفيه إشعار بتعظيم أمر الصلاة، وأن تَرْكها موجب لنزع اليد من الطاعة، كالكفر، على ما سبق في حديث عبادة بن الصامت في قوله: (إلَّا أن تروا كفرًا بَوَاحًا)؛ الحديث([84]).

وقال القرطبي: قوله: (لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ): ظاهرهُ: ما حافظوا على الصلوات المعهودة بحدودها، وأحكامها، وداموا على ذلك، وأظهروه. وقيل: معناه: ما داموا على كلمة الإسلام؛ كما قد عبَّر بالمصلّين عن المسلمين؛ كما قال (صلى الله عليه وسلم): (نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ)([85])؛ أي: المسلمين، والأوَّل أظهر([86]).

17. الصلاة عماد الدين:   

 حديث: (الصلاة عماد الدين…)، قال السخّاوي في (المقاصد)([87]): “رواه البيهقي في (الشعب)، بسند ضعيف، من حديث عكرمة عن عمر مرفوعًا.

ولفظ البيهقي في (شعب الإيمان)، كما في أوائل (شرح الموطّأ) للسيوطي، عن عمر – رضي الله عنه – قال: “جاء رجل فقال: يا رسول الله، أيّ شيء أحبّ عند الله في الإسلام؟ قال: الصلاة لوقتها، ومن ترك الصلاة فلا دين له، والصلاة عماد الدين”. انتهى.

وأورده الغزالي في (الإحياء) بلفظ: “الصلاة عماد الدين، فمن تركها فقد هدم الدين”([88]).

قال ابن الصلاح: إنه غير معروف. وقال النووي: منكر، باطل. قال المناوي: ردّه ابن حجر، أي لأن فيه ضعفًا وانقطاعًا فقط، وليس بباطل.

وروي عن أبي ذر مرفوعاً: “الصلاة عماد الدين، والجهاد سنام العمل…”([89]).

وروى أبو نُعيم؛ شيخ البخاري، في كتاب الصلاة، عن حبيب بن سليم، عن بلال بن يحيى، قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يسأله عن الصلاة، فقال: (الصلاة عمود الدين)، وهو مرسل، ورجاله ثقات.

ورواه بعض الفقهاء بلفظ: “الصلاة عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين”.

روى الطبراني عن معاذ بلفظ: رأس هذا الأمر الإسلام، ومن أسلم سلم، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ولا يناله إلَّا أفضلهم([90]).

18. الانتصار من البغاة:

قال تعالى: [وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلبَغيُ هُم يَنتَصِرُونَ. وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثلُهَا فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ. وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَا عَلَيهِم مِّن سَبِيلٍ. إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبغُونَ فِي ٱلأَرضِ بِغَيرِ ٱلحَقِّ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيم] (الشورى: 39-42).

قوله تعالى: [وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلبَغيُ هُم يَنتَصِـرُونَ]، أي بالعدالة، احترازاً عن الذلّة والانظلام، لكونهم في مقام الاستقامة، قائمين بالحقّ والعدل، الذي ظلّه في نفوسهم([91]). 

قال ابن جرير الطبري: “اختلف أهل التأويل في الباغي الذي حمد تعالى ذكره، المنتصـر منه بعد بغيه عليه. فقال بعضهم: هو المشـرك إذا بغى على المسلم. وقال آخرون: بل هو كل باغ بغى، فحمد المنتصـر منه. وإليه ذهب السّدّي حيث قال: ينتصرون ممن بغى عليهم، من غير أن يعتدوا.

قال ابن جرير: وهذا القول الثاني أولى من ذلك بالصواب. لأن الله لم يخصّص من ذلك معنى دون معنى. بل حمد كل منتصـر بحقّ ممن بغى عليه.. فإن قال قائل: وما في الانتصار من المدح؟ قيل: إن في إقامة الظالم على سبيل الحق، وعقوبته بما هو له أهل، تقويماً له. وفي ذلك أعظم المدح”([92]). 

وكذا قال الزمخشـري: فإن قلت: أهُم محمودون في الانتصار؟ قلت: نعم. لأن من أخذ حقّه غير متعدّ حدّ الله، وما أمر به؛ فلم يسـرف في القتل، إن كان وليّ دم، أو ردّ على سفيهٍ، محاماةً على عرضه، وردعاً له، فهو مطيع. وكل مطيع محمود. قال النخعي: كانوا يكرهون أن يذلّوا أنفسهم، فيجترئ عليهم الفسّاق([93]). 

19. مراتب العقوبات:

 قوله تعالى: [وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثلُهَا فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ. وَلَمَنِ ٱنتَصَـرَ بَعدَ ظُلمِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَا عَلَيهِم مِّن سَبِيلٍ. إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبغُونَ فِي ٱلأَرضِ بِغَيرِ ٱلحَقِّ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيم].

ذكر الله في هذه الآيات، مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل، وفضل، وظلم.

فمرتبة العدل، جزاء السيّئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص؛ فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله.

ومرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، ولهذا قال: [فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ] يجزيه أجراً عظيماً، وثوابا ًكثيراً. وشرط الله في العفوِ الإصلاحَ فيه، ليدلّ ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأموراً به.

وفي جعل أجر العافي على الله، ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخَلْق بما يحبّ أن يعامله الله به، فكما يحبّ أن يعفو الله عنه، فَلْيَعْفُ عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل.

وأما مرتبة الظلم، فقد ذكرها بقوله: [إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ]، الذين يجنون على غيرهم ابتداءً، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته؛ فالزيادة ظلم.

[وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ]، أي: انتصر ممّن ظلمه، بعد وقوع الظلم عليه [فَأُوْلَٰٓئِكَ مَا عَلَيهِم مِّن سَبِيلٍ]، أي: لا حرج عليهم في ذلك.

ودلّ قوله: [وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلبَغيُ]، وقوله: [وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ]، أنه لا بدّ من إصابة البغي والظلم ووقوعه.

وأمّا إرادة البغي على الغير، وإرادة ظلمه، من غير أن يقع منه شيء، فهذا لا يجازى بمثله، وإنما يؤدّب تأديباً يردعه عن قول أو فعل صدر منه.

[إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ]، أي: إنما تتوجه الحجّة بالعقوبة الشرعية [عَلَى ٱلَّذِينَ يَظلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبغُونَ فِي ٱلأَرضِ بِغَيرِ ٱلحَقِّ]، وهذا شامل للظلم والبغي على الناس، في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. [أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيم]، أي: موجع للقلوب والأبدان، بحسب ظلمهم وبغيهم([94]).

20. ما يستفاد من هذه الآيات:

– إذا كان من حقِّ المبغي عليه أن يدفع عنه البغي، ويقابله، فينبغي أن يكون ذلك في حدود المماثلة، دون تجاوز ولا إسراف، فجزاء السيئة سيئة مثلها. ومع ذلك، فإذا عفي وأصلح، فذلك خير له، وأجره على الله.

  • والله لا يحب الظالمين الذين يبدأون الناس بالعدوان، أو يسرفون في المقابلة، بحيث يكون في إسرافهم جور وجنف.
  • وليس من سبيل ولا لوم على الذين يدفعون الظلم عنهم، إذا ما بغي عليهم، وإنما ذلك على الذين يبدأون الناس بالظلم والعدوان، ويبغون ويفسدون في الأرض بغير حق، فهؤلاء جديرون بكل لوم، ومستحقون للعذاب الأليم.
  • ومع ذلك، فإن التحلّي بالصبر والمغفرة والإغضاء، خلق عظيم، ومزيّة كبرى، على كل حال([95]).

([1]) – صحيح ابن حبان: (16/523؛ رقم: 7481).

([2]) – الترغيب والترهيب: (3/122؛ رقم:3332)، وفيه: رواه البزار والطبراني من طريق كثير بن عبد الله المزني، وهو واهٍ، وقد احتج به الترمذي، وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه. وبقية إسناده ثقات.

([3]) – محمد الغزالي، الإسلام والاستبداد السياسي: (ص68).

([4]) – فؤاد البنا، الإيدز الأسود: (ص6-7). للمزيد يراجع تأملاتنا في آية التيه، مجلة الحوار العددان (141، 142، كانون الأول والثاني: 2014؛ 2015م) أربيل- كردستان – العراق.

([5]) – تفسير المنار: (6/275).

([6]) – محمد محمد بدري، نحو مجتمع الحرية: (ص15-16).

([7]) – نفسه.

([8]) – سيد قطب، دراسات قرآنية: (ص129-131)، بتصرف يسير.

([9]) – محمد العبد الكريم، تفكيك الاستبداد: (ص27-33)، باختصار، الشبكة العربية للأبحاث والنشر – بيروت، ط1، 2013م.

([10]) – جامع البيان: (8/496).

([11]) – نفسه: (8/502).

([12]) – الوجيز: (1/271).

([13]) – تفسير القرآن: (1/440).

([14]) – فتح القدير: (1/556).

([15]) – عمدة القاري: (18/176).

([16]) – منهاج أهل السنة: (3/387).

([17]) – مجموع الفتاوى: (28/391، 394).

([18]) – تفكيك الاستبداد: (ص41-42).

([19]) – القرطبي، الجامع لإحكام القرآن: (5/259).

([20]) – وعاظ السلاطين: (ص105).

([21])- اللؤلؤ والمرجان: (رقم: 1207).  عَنْ جُنَادةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ، قُلْنَا: أَصْلَحَكَ اللهُ، حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِ، سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا، أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأُثْرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ (إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ). اللؤلؤ والمرجان: (رقم: 1207).

غريب الحديث:

بَايَعْنَاهُ: المراد بالمبايعة المعاهدة، وهي مأخوذة من البيع، لأن كل واحد من المتبايعين كان يمدّ يده إلى صاحبه، وكذا هذه البيعة تكون بأخذ الكفّ. وقيل سمّيت مبايعة لما فيها من المعاوضة لما وعدهم الله تعالى من عظيم الجزاء. شرح النووي لمسلم: (6/473).

أَخَذَ عَلَيْنَا: اشترط علينا. صحيح البخاري: (9/47)، الحاشية السفلية.

مَنْشَطِنَا: في حالة نشاطنا.

مَكْرَهِنَا: أي: في الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به.

قال السندي: الْمَنشَطُ، والْمَكْره: مَفْعلٌ بفتح الميم والعين، من النشاط، والكراهة، وهما مصدران؛ أي: في حالة النشاط والكراهة؛ أي: حالة انشراح صدورنا، وطيب قلوبنا، وما يُضادّ ذلك. حاشية السندي على سنن النسائي: (7/138).

أُثْرَةٍ عَلَيْنَا: استئثار الأمراء بحظوظهم واختصاصهم إياها بأنفسهم، أي ولو منعنا حقوقنا. صحيح البخاري: (9/47)، ا الحاشية السفلية.

 وقيل: أي: تفضيل غيرنا علينا في الفيء، أو في غيره. والمراد: أن طواعيتهم لمن يتولّى عليهم لا تتوقّف على إيصالهم حقوقهم إليهم، بل عليهم الطاعة، ولو منعوهم حقّهم. البحر المحيط: (32/91).

الأَمْرَ: الملك والإمارة. البحر المحيط: (32/91).

بَوَاحًا: أي جهاراً، من باح بالشيء يبوح به إذا أعلنه. النهاية: (1/161).

بُرْهَانٌ: نص، آية، أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل. صحيح البخاري: (9/47)، الحاشية السفلية.

وعنه في رواية أخرى، قَالَ: ” بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ”. صحيح مسلم: (3/1470؛ رقم: 1709)؛ مسند الإمام أحمد: (24/411؛ رقم: 15653).

([22]) – صحيح مسلم: (3/1481؛ رقم: 1855).

([23]) – اللؤلؤ والمرجان: (رقم: 1207).

([24]) – تفكيك الاستبداد: (ص45).

([25]) – صحيح مسلم: (4/1994؛ رقم: 2577).

([26]) – جامع البيان: (2/20).

([27]) – تفسير ابن كثير: (1/410).

([28]) – التحرير والتنوير: (1/707).

([29]) – تفكيك الاستبداد: (ص46)، بتصرف.

([30]) – لسان العرب: (13/185).

([31]) – أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري، مجاز القرآن: (1/300)، المحقق: محمد فواد سزگين، مكتبة الخانجي- القاهرة، طبعة: 1381 هـ.

([32]) – جامع البيان: (15/ 501).

([33]) – الكشاف: (2/433).

([34]) – أحكام القرآن: (9/108).

([35]) – أنوار التنزيل: (3/151).

([36]) – مفاتيح الغيب: (18/407).

([37]) – أنوار التنزيل: (3/151).

([38]) – في ظلال القرآن: (4/1931).

([39]) – التفسير المنير: (12/167).

([40]) – مسند الإمام أحمد: (1/208؛ رقم: 30)؛ سنن أبو داود: (4/122؛ رقم: 4338)؛ سنن الترمذي: (رقم: 2168)؛ صحيح ابن حبان: (1/530؛ رقم: 304)، حديث صحيح. عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيكُم أَنفُسَكُم لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهتَدَيتُم][المائدة: 105]، قَالَ: سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: (بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا يَدَانِ لَكَ بِهِ، فَعَلَيْكَ خُوَيْصَّةَ نَفْسِكَ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامِّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا، يَعْمَلُونَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ). سنن ابن ماجه: (2/1330؛ رقم: 4014)؛ سنن أبو داود: (4/123؛ رقم: 4341)، وفيهما حكم الألباني: ضعيف؛ سنن الترمذي: (رقم: 3058)، وفيه: حديث حسن غريب.

([41]) – فتح القدير: (2/96).

([42]) – سنن أبو داود: (4/122؛ رقم: 4338)، حكم الألباني: صحيح.

([43]) – سنن أبو داود: (4/121؛ رقم: 4336)، حكم الألباني: ضعيف؛ المعجم الكبير للطبراني: (10/146؛ رقم: 10268)؛ مجمع الزوائد: (7/269؛ رقم: 12153)، قريب من هذا المعنى، وقال البيهقي: ورجاله رجال الصحيح.

([44]) – مسند الإمام أحمد: (6/251؛ رقم: 3713)، وفي: إسناده ضعيف؛ سنن الترمذي: (رقم: 3047)، وفيه: هذا حديث حسن غريب. تَأْطُرُوهُمْ: أطر: الأَطْرُ: عَطْفُ الشيءِ تَقْبِضُ عَلَى أَحَدِ طَرَفَيْهِ فَتُعَوِّجُه. لسان العرب: (4/24).

([45]) – سنن أبو داود: (4/122؛ رقم: 4337)، حكم الألباني: ضعيف.

([46]) – مسند الإمام أحمد: (11/72؛ رقم: 6521)، وفيه: إسناده ضعيف، رجاله ثقات رجال الصحيح إلَّا أبا الزبير…

([47]) – المستدرك على الصحيحين: (4/195؛ رقم: 7115)، وفيه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

([48]) – النهاية: (5/166).

([49]) – لسان العرب: (8/383).

([50]) – التحرير والتنوير: (5/174).

([51]) – تفكيك الاستبداد: (ص46-57)، بتصرف واختصار.

([52]) – مسند الإمام أحمد: (31/ 126؛ رقم: 18829)؛ صحيح الجامع الصغير وزيادته: (1/248؛ رقم: 1100).  يراجع: نظريات المواجهة، النظرية العندية.

([53]) – سنن ابن ماجه: (2/1330؛ رقم: 4012)؛ صحيح الجامع الصغير وزيادته: (1/248؛ رقم: 1100).

([54]) – سنن ابن ماجه: (2/1329؛ رقم: 4011)، حكم الألباني: صحيح.

([55]) – صحيح الجامع الصغير وزيادته: (1/96؛ رقم: 168)؛ حديث حسن. جور: الجَوْرُ: نقيضُ العَدْلِ، جارَ يَجُورُ جَوْراً. وَقَوْمٌ جَوَرَةٌ وجارَةٌ أَي ظَلَمَةٌ. والجَوْرُ: ضِدُّ القصدِ. والجَوْرُ: تركُ القصدِ فِي السَّيْرِ، وَالْفِعْلُ جارَ يَجُورُ، وَكُلُّ مَا مَالَ، فَقَدْ جارَ. وجارَ عَنِ الطَّرِيقِ: عَدَلَ. والجَوْرُ: المَيْلُ عَنِ القصدِ. لسان العرب: (4/153).

([56]) – حلية الأولياء: (2/209).

([57]) – السلسلة الصحيحة: (2/170؛ رقم: 613).

([58]) – فتح الباري: (10/51). انظر: فتح الباري لابن حجر: (13/53).

([59]) – عمدة القاري: (16/166، 7/224).

([60]) – شرح المشكاة: (8/2581).

([61]) –  إحياء علوم الدين: (2/343).

([62]) – تقدم تخريجه.

([63]) – تقدم تخريجه.

([64]) – تقدم تخريجه.

([65]) – صحيح الجامع الصغير وزياداته: (1/685؛ رقم: 3675)، حديث حسن.

([66]) – صحيح مسلم: (3/1467؛ رقم: 1836).

([67]) – مسند الإمام أحمد: (44/149؛ رقم: 26528)، إسناده صحيح على شرط مسلم.

([68]) – مسند الإمام أحمد: (44/202؛ رقم: 26577)؛ صحيح مسلم: (3/1480؛ رقم: 1854).

([69]) – صحيح مسلم: (3/1478؛ رقم: 1849)؛ اللؤلؤ والمرجان: (رقم: 1212).

([70]) – سنن أبو داود: (4/241؛ رقم: 4759)، حكم الألباني: ضعيف.

([71]) – تأملات في فقه الجهاد، مجلة البيان: (العدد 109/ص32)، تصدر عن المنتدى الإسلامي، بتصرف وزيادات.

([72]) – تقدم تخريجه.

([73]) – صحيح مسلم: (1/69؛ رقم: 50).

([74]) – اللؤلؤ والمرجان: (رقم: 85).

([75]) – الطرق السلمية في تغير الحاكم الفاسد: (ص43-44).

([76]) – الفصل في الملل: (4/133)

([77]) – الطرق السلمية في تغيير الحاكم الفاسد: (ص46).

([78]) – صحيح مسلم: (3/1481؛ رقم: 1855).

([79]) – مسند الإمام أحمد: (17/321؛ رقم: 11223)، صحيح لغيره، وهذا إسناده ضعيف.

([80]) – المعجم الأوسط للطبراني: (5/85؛ رقم: 4745).

([81]) – المفهم: (4/65).

([82]) – البحر المحيط: (32/219).

([83]) – المفهم: (4/65).

([84]) – البحر المحيط: (32/219).

([85]) – عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَّبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): (مَا بَالُ هَذَا؟) فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ: (إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ). سنن أبو داود: (4/282؛ رقم: 4928)، حكم الألباني: صحيح.

([86]) – المفهم: (12/108).

([87]) – السخاوي، المقاصد الحسنة: (1/427- 428).

([88]) – إحياء علوم الدين: (1/147).

([89]) – ابن زنجويه، الأموال: (2/769)، تحقيق الدكتور: شاكر ذيب فياض، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، السعودية، ط1، 1406 هـ /1986 م.

([90]) – ينظر: المقاصد الحسنة: (1/428)؛ كشف الخفاء للعجلوني: (2/34- 35)، المكتبة العصرية- بيروت، تحقيق: عبد الحميد بن أحمد بن هنداوي، ط1، 1420هـ /2000م. بتصرف.

([91]) – محاسن التأويل: (8/372).

([92]) – جامع البيان: (21/547).

([93]) – الكشاف: (4/229).

([94]) – تفسير السعدي: (ص760-761).

([95]) – التفسير الحديث لدروزة: (4/471-472).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى