الأكراد والعلويّون؛ حُزمة سلام واحدة

شوان زنكنة

بدأتِ الأحداثُ في الساحل السوري، وبدأتْ معها مرحلةٌ جديدة من تاريخ سوريا الحديث، إذ بَدَتْ هذه الأحداثُ وكأنّها تشيرُ إلى طبيعة علاقةٍ استراتيجيةٍ بين الأكراد والعَلويّين، من جهةٍ، وإلى شكلِ النظام السياسي المستقبلي لسوريا، من جهةٍ أخرى.
فقد صرّحَ الرئيسُ التركي أردوغان، فور اندلاع الأحداث، قائلا: إنّ كلَّ المشاكل التي حصلت في الساحل، وراح ضحيَّتها مدنيّون وعسكريّون، كان مخطّطًا لها مع قيادات حزب العمال الكوردستاني الإرهابي في شرق الفرات. كما وحذّر، في الوقت نفسه، حزبَ الشعب الجمهوري، وجهاتٍ أخرى، من محاولاتٍ لإثارة التوتّر في تركيا، مستغلِّين الأحداثَ التي شهدها الساحلُ السوري، مشيرًا إلى وجود “كمين خبيث” يستهدف وحدةَ الشعب التركي.
ورغم غرابة هذا الاتهام المُبكِّر من أردوغان لقوات سوريا الديمقراطية، إذ لم تشارك هذه القوات في أحداث الساحل السوري، ولم تكن من المخطِّطين لها، إلّا أنه يمكن اعتبارُه استباقًا من أردوغان لتلافي مخطّطٍ خارجيٍّ يهدف إلى صياغة تحالفٍ كورديٍّ عَلويٍّ في شمال سوريا، يمتدُّ من الحدود العراقية إلى البحر الأبيض المتوسط.
وتجلّت ملامحُ هذا المخطّط، حينما نقلتْ (تولاي هتيم أوغوللاري)، الرئيسةُ المشارِكةُ لحزب الديمقراطية ومساواة الشعوب الكردي (Dem Parti) رسالةَ عبد الله أوجلان؛ المحتجَز في جزيرة (إمرالي)، إلى المجتمع العَلويِّ التركيِّ، في المؤتمر العام للجمعيات العَلويّة الثقافية، المُنعقِد في أنقرة بتاريخ 16/3/2025، والتي أفادت بأنّ العَلويِّين يتواجدون بقوةٍ في قلب نداء “السلام والمجتمع الديمقراطي”، الذي أطلقه في 27 شباط الماضي، مما يشير، بوضوحٍ، إلى تعاونٍ مستقبليٍّ لترسيخ الديمقراطية في تركيا، ومُستقبلٍ مشترَكٍ للطرفين في سوريا، كامتدادٍ لآثار هذا النداء على شرق الفرات والساحل السوري. وتأتي المساعداتُ الإنسانيةُ المرسَلةُ من شرق الفرات إلى الساحل السوري لتُثْبتَ هذا الدعمَ والإسنادَ للمجتمع العَلويِّ.
وكان (مظلوم عبدي) قد اشترطَ على (أحمد الشرع)، تشكيلَ لجنةِ تحقيقٍ خاصّةٍ بأحداث الساحل السوري، قبل التوقيع على اتفاق السلام المُبرَم بينهما بتاريخ 10/3/2025، وعلى أثرِ ذلك، وفي اليوم التالي، أعلن مكتبُ رئيس الجمهورية تشكيلَ لجنة التحقيق المذكورة، مما يُوحي باهتمام قيادة قوات سوريا الديمقراطية بالمجتمع العَلويّ، بالتناغُمِ مع رسالة عبد الله أوجلان الموجَّهة للعَلويّين في تركيا.
وفي خِضَمِّ هذه الأحداث، أثارت الصحُفِيةُ التركيةُ المعارِضةُ (بانو آفار)، قبل أيام، المسألةَ العَلويّةَ في سوريا، وعلاقتَها بالأكراد، من خلال الإشارة إلى التقرير الاستخباراتي المنشور في مجلة (كيفونيم) الاستخباراتية عام 1982م، والمُعَدِّ من قبل موظف الاستخبارات (عوديد إينون)، وهو تقرير استراتيجي يتحدّث عن تقسيم الدول العربية من المنظور الإسرائيلي الاستراتيجي؛ ويشير إلى تقسيم سوريا إلى أربعة أقسام، الشمال السوري (الكوردي العلوي)، وحلب السنّية، ودمشق السنّية المعادية لسنّة حلب، والجنوب الدرزي المتاخم لحدود إسرائيل.
المثير في التقرير، حسب التصور الاستراتيجي الإسرائيلي، هو وجودُ كيانين سُنّيَّين مُتعادِيَين، وهو ليس موضوع مقالنا هنا، ووجودُ كيان واحد (كوردي-علوي)، يمتدُّ من الحدود العراقية ولغاية الساحل السوري. والأكثر إثارة، هو التذكير بهذا التقرير، في هذه المرحلة الحسّاسة، الذي يُوحي بأن فكرةَ التحالف بين الأكرادِ والعَلويِّين هي في الأصل جزءٌ من استراتيجيةٍ إسرائيليةٍ سابقةٍ، يتمُّ تنفيذُها حالياً.
ومعلوم أن الدعوةَ التي أطلقها (دولت باهجلي) في 1 أكتوبر من العام الماضي، لم تأتِ من منطلق تغييرٍ فكريٍّ إيديولوجيٍّ، وإنما بسبب ضروراتٍ داخلية، وتوجُّهاتٍ خارجية، دفعتْ باتّجاه تَبنّي مسارٍ سِلميٍّ، بالتناغُم مع التغييرات المُستجَدَّة، والتفاهماتِ التي ستُبنى، لرسم خارطة المنطقة، والدورِ التركي فيها.
ويبدو أن مخاوفَ أردوغان من تعاونٍ كورديٍّ-عَلويٍّ مستقبليٍّ، لم تأتِ من فراغ، وإنما جاءت بسبب يقينه من وجود مشروع إسرائيلي في المنطقة يؤسّسُ لدولةٍ يهوديةٍ، مما دفعَه إلى الإسراع في تثبيتِ وجود النظام التركي، وتحقيقِ المصالح التركية في الشرق الأوسط، وفي سوريا، خصوصًا. لذلك، تمَّ التوقيعُ على جملة اتفاقاتٍ، أمنية واقتصادية وثقافية، بين النظامَين التركي والسوري؛ وعلى أساسها، سمحت الحكومةُ السورية لتركيا بإنشاء مطارَين عسكريّين في (تدمر) و(بالميرا) بسوريا.
وقبل أيام، ضربتْ إسرائيلُ التجمّعاتِ التركيّةَ في تلك المطارات، وشتَّتْ استعداداتِها العسكريةَ، ومنعت استخدامَ منشآتِ هذه المطارات، وساحاتِها، من قبل القوات المسلحة التركية، لأغراض التّمرْكز العسكري في وسط سوريا، وطلبتْ إسرائيلُ، في الوقت نفسه – وبالتعاون مع أمريكا – من روسيا، العودةَ إلى إشغال منشآتِها العسكرية في اللاذقية، إمعانًا، في حَصْرِ التّواجُدِ الأمنيِّ والعسكريِّ التركيِّ في سوريا.
ارتفعت وتيرةُ التوتّر بين تركيا وإسرائيل على الساحة السورية، وسترتفعُ أكثر في قادم الأيام، بسبب سعيِ الطرفين إلى تحقيق أكبر قدرٍ من المصالح في أقرب فُرصةٍ ممكنة، وهذا ما سيجعلُ العلاقةَ التركية الإسرائيلية على المِحَكِّ: إمّا الوقوعُ في حربٍ، حسب التوقُّعاتِ التي وردتْ في تقريرِ لجنةِ (ناغل الأمني)، المُعَدِّ لرئاسة الوزراء الإسرائيلية، في حينِه.. أو التَّوصّلُ لصيغةِ تفاهمٍ في سوريا، خصوصًا، والشرق الأوسط، عمومًا، يتحقّقُ من خلالها تحالفٌ كورديٌّ-عَلويٌّ، من جهةٍ، وتحالفٌ كورديٌّ-تركيٌّ، من جهةٍ أخرى.
ورغم تقاطُعِ المصالح بين تركيا وإسرائيل في المنطقة، وبالأخصّ في البقعة الاستراتيجية الكوردية، ومخاوفِ الطرفين من نوايا ومخطّطات الطرف الآخر، إلّا أن المصلحةَ الاستراتيجية العليا لكليهما تَتطلّبُ قدْرًا كبيراً من الحكمة في صياغة شراكةٍ حقيقيةٍ في المنطقة، تعودُ بالنّفع الكبير على الجهتَين، وهو ما سيتحقّقُ على الأغلب، فيما أعتقدُ.
وما يجري من أحداثٍ سياسيةٍ داخل تركيا، تجاهَ (أكرم إمام أوغلو)، وحزب الشعب الجمهوري، إنما هو جزءٌ من مخطّطٍ لِتَرويضِ الأصوات المُعارِضة، من اليمين القومي المُشتَّتِ خارج الائتلاف الحكومي، ومن اليسار الاشتراكي الأتاتوركي، استعدادًا للتغْيّرات الدستورية، والسياسية، والاجتماعية، التي ستَتحقَّقُ في المدى المنظور، وبدعمٍ واضحٍ وصريحٍ من الإدارة الأمريكية، ومن ترامب شخصيًّا، وليست إسرائيل من ذلك ببعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى