أحداث الساحل السوري، واتفاق الشرع وعبدي
شوان زنكنة

اِندلعتْ أحداثُ قتلٍ وتهجير وفوضى في الساحل السوري قبل أيام، وتعرّضتْ قواتٌ تابعةٌ لحكومة الشرع إلى هجمات وكمائن من قبل عناصر مسلّحة علوية، كما تعرّضتِ المناطقُ العلوية إلى أعمال عنفٍ قاسية من قبل بعض العناصر الحكومية المُسلّحة التابعة لوزارة الدفاع، وراح ضحيّتها أكثر من ألف قتيل، بين مدني وعسكري، من الجانبين.
ويبدو أن إيران قامتْ بتسليح مجموعاتٍ علوية منذ فترة، بهدف زعزعة النظام في سوريا، وهو ما أشار إليه الرئيسُ التركي ووزيرُ خارجيته، والذي تسبّب بارتفاع مستوى التوتّر بين تركيا وإيران، إذ اعتبرتْ تركيا هذا النشاطَ الإيراني جَمْعًا لفلول نظام بشار، بهدفِ الانقلاب على حكومة الشرع، وألحقتْ قواتَ سوريا الديمقراطية بهذا النشاط، على لسان الرئيس أردوغان، وبشكل غريب، ودون سابقِ مؤشِّراتٍ، أو إثباتٍ بدليل، ناهيك عن بُعْدِ قواتِ سوريا الديمقراطية عن الساحل السوري، وعدمِ قيامها بتحرّكاتٍ عسكرية فيه، بل، وبشكلٍ غريب ومُفاجِئ، عاودَتْ قواتُ الجيش الوطني (الجيش السوري الحر) بشنِّ هجمات استباقية على قوات سوريا الديمقراطية، وقوات حماية الإدارة الذاتية، في حي الشيخ مقصود بحلب، وفي منبج، والرقة.
وقد دلّتِ الوقائع الجارية في الساحل السوري، أنّ العناصرَ الحكومية التي تورَّطتْ في هذه الأحداث تابعةٌ لمجموعتَين من المجموعات المنضوية تحت شمسية هيئة تحرير الشام، وهما “فرقة السلطان سليمان شاه”، بقيادة أبو عمشة (محمد حسين الجاسم)، و”فرقة الحمزة”، بقيادة أبو بكر (سيف بولاد)، وهما فصيلان أسّستْهما تركيا، ولا زالتا تابِعتَين لها، رغم انضوائهما تحت خيمة الجيش السوري الحكومي الجديد.
ولإخماد الفتنة في الساحل السوري، لا بُدَّ لأحمد الشرع أن يتحرّكَ باتّجاه طَمأَنةِ المواطنين العلويِّين الهاربين من مناطقهم، وإعادتِهم إلى أماكنهم، بعد تحقيق الاستقرار فيها، من جهةٍ، وملاحقةِ العناصرِ المسلّحة الموالية لإيران، وتصفيتِهم، من جهةٍ أخرى، وهذا لن يتحقَّق إلا بعد إخراج الفصيلَين الموالِيَين لتركيا من المنطقة، إذ لا يمكن عودةُ المواطنين إلى مساكنهم بوجودهما.
لا تستطيعُ قواتُ الجيش السوري الجديد إجبارَ هذين الفصلَين على الخروج، ولا تَقوى على الدخول في حربٍ معهما في هذا الوقت العَصيب، لذلك، لا بُدَّ من تدخُّلٍ تركيٍّ عاجلٍ في هذا الشأن، ودفعِ الفصيلَين إلى الخروج، والمساهمةِ في حفظ السلام والاستقرار في الساحل السوري، ولا أظنُّ القيادة التركية ستأمُر هذين الفصيلَين بالخروج، فقد تُساهِمُ أحداثُ الساحل السوري في عرقلة المفاوضات، وجهود السلام بين قوات سوريا الديمقراطية وحكومة الشرع، والتي لم تأتِ وفقَ ما تشتهيهِ السفنُ التركيةُ.
أجرى مظلوم عبدي محادثات سلام مع أحمد الشرع منذ دخوله دمشق، وجرتْ عدةُ لقاءات بينهما، وحصل تفاهمٌ في الكثير من المواضيع، وخاصةً في إدارة وتوزيع النفط، إذ بدأتْ سَوقِيّاتُ النفط إلى دمشق منذ فترة، على ضوء تلك التفاهمات.
وقد تكلَّلتْ تلك المباحثات بتوقيع اتفاقٍ، عاجلٍ ومُفاجِئٍ، الإثنين، 10/3/2025، بين الشرع وعبدي في دمشق، يتمخَّضُ عنه تحالفٌ استراتيجي قوي بين أكبر قوّتَين عسكريَّتَين، تَحكمان سوريا، ويبدو أن الشرع فهمَ رسالةَ الساحل السوري، وخطورتَه على نظامه، ويَئِسَ من المساهمة التركية في إخماد الفتنة العلوية، لذلك، وَقّعَ، وعلى عَجلٍ، اتفاقًا استراتيجيا مع قوات سوريا الديمقراطية، والذي سيرسمُ مستقبلَ سوريا، وفقَ الأجِندةِ الوطنيةِ، والتي يمكن ملاحظتُها، بكلِّ وضوحٍ، في البنود الثمانية للاتفاق الذي نشرتْهُ الرئاسةُ السورية، الإثنين، في بيانٍ لها، والتي جاءت كما يأتي:
1 – ضمان حقوق جميع السوريين في المشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة بناءً على الكفاءة، بغض النظر عن خلفيتهم الدينية أو العرقية.
2- الاعتراف بالمجتمع الكوردي كجزء أصيل من الدولة السورية، وضمان حقوقه في المواطنة والحقوق الدستورية.
3- وقف إطلاق النار في جميع الأراضي السورية.
4- دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية، والمطارات، وحقول النفط، والغاز.
5 – تأمين عودة جميع المهجرين السوريين إلى مدنهم وقراهم، وضمان حمايتهم من قبل الدولة السورية.
6- دعم الدولة السورية في مواجهة فلول الأسد وجميع التهديدات التي تستهدف أمن سوريا ووحدتها.
7 – رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفرقة بين كافة مكونات المجتمع السوري.
8 – تعمل وتسعى اللجان التنفيذية إلى تطبيق الاتفاق بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي.
ومن هذه البنود، يتّضح أن هناك شراكةً حقيقيةً، في جمهورية سوريا الديمقراطية، بين القوّتَين العسكريَّتَين الحاكمتَين، وأن هناك تمثيلًا حقيقيًّا لكلِّ أطياف الشعب في السلطة، وشراكةً في الحقوق والمواطنة والثروات، وعودة آمِنة للمُهَجَّرِين والمُهاجِرين إلى أماكنهم، كما أن هناك اعترافاً بالمجتمع الكوردي، ودعماً كورديّاً للدولة السورية في مواجهة فلول الأسد، وغيرَها.
ستكون هناك قِوى محليةٌ وإقليميةٌ وعالميةٌ داعمةٌ لهذا الاتفاق، وقوى أخرى، محليةٌ وإقليميةٌ وعالميةٌ، مناهِضَةٌ له وساعيةٌ إلى إفشاله، وسنشهدُ أحداثًا جديدة، إيجابيةً وسلبيةً، وطنيًّا، خلال فترة الاتّفاق، التي يجب ألّا تتجاوزَ نهاية هذا العام، حسب الاتّفاق.
آملُ، أنْ تَنطفئَ نارُ الفتنة في سوريا، قريبًا، وأنْ لا تتمكّن القوى المناهضةُ لمصالح الشعب السوري من تحقيق مآرِبهم، فأيّةُ فوضىً في سوريا، يعني انتشارها في العراق أيضا، وأملُ أنْ تَنأى الحكومةُ العراقيةُ بنفسِها عمّا يجري في سوريا، وتحافظَ على حيادِها في هذا الشأنِ.
10/3/2025