مفاهيم ينبغي أن تصحح (القسم الثالث)

سالم بابه شيخ عبد الله

خطأنا في مفهوم تطبيق الحدود الشرعية:

كثير من المسلمين يرون الصورة الكاملة للشـريعة الإسلامية في تطبيق الحدود والعقوبات الشـرعية، وهذا خطأ، بل وهم! فالشـريعة، مقارنة بالدين ككل، جزء يسير، جاء لمعالجة بعض الأمور والحالات التي ينعدم عندها الإيمان أو يضعف، أو لا يعالجه الإيمان والتقوى لضعفه ووهنه، وكذلك جاءت الشـريعة لتحديد العبادات من حيث الكم والكيف والنوع.

إذاً، الأحكام إمّا متعلّقة ببيان العبادات، وإمّا متعلقة ببيان المعاملات، أي إن الشـريعة جاءت لتنظم تلك الأفعال، وتضع لها أحكاماً وحدوداً وعقوبات، فالأحكام بنوعيها وظيفتها الإصلاح والتنظيم، وتحقيق العدالة، ورفع الضرر.

ومع أن الأحكام ليست كلها متعلقة بالحدود والعقوبات والكفارات، إلا أن الكثير يتصوّر بأن الغرض من إنشاء دولة للإسلام تحكم بالشـريعة الإسلامية، هو تطبيق هذه الأحكام! ففي تصوّرهم أن الحدود والعقوبات؛ من جلد للزاني، وقطع ليد السارق، والقصاص، وما إلى ذلك هي الهدف الأسمى والأوج الأعلى للدين والشـريعة، وما سواها يعدّ سلّماً للوصول إليها.

لذا تراهم يدندنون دوماً حول ذكر العقوبات الشـرعية، ويخاصمون غيرهم بتنطّع وعنف وشدّة، وكأن هذه القضايا هي كل الدين، أو أن الدين ما هو إلا هذه الأحكام فقط، مع أن الدين هو عبارة عن كليات ومبادئ للسير الصحيح في حياة الإنسان، وإدارة شؤونه.

ولعل سؤالاً واحداً يوضح لنا الصورة الكاملة للدين والشـريعة، وخاصة الحدود والعقوبات منها، وهو: هل الإسلام دين المعالجة، أم هو دين المعاقبة؟

ففي الإسلام يلجأ إلى تطبيق هذه الحدود في حال انعدام طرق المعالجة المناسبة، أو عدم وجود البدائل التي يتحقق بها غرض الشارع في وضعه للشـريعة، وكذلك في حال عدم تطبيق هذه الحدود إذا أدّت إلى ضياع الحقوق والمطالبة بها، أو إذا أدّت إلى فساد أكبر.

ولكن، إذا وجدت طرق أخرى تسدّ مسدّ هذه الأحكام، وتحقّق الغرض منها، بصورة أو بأخرى، فعندئذ يتفادى الإسلام تطبيق هذه العقوبات. والرؤية العمرية لتطبيق الشـريعة، ونظره في مقاصدها، تؤكّد هذا.

فالغرض من وضع الحدود والعقوبات الشـرعية هو الردع والزجر، وعدم ضياع الحقوق، وإلا فلن تستقيم أحوال الناس، ولن يشعروا بالأمن والراحة، وستساورهم المخاوف والقلق على أموالهم وأنفسهم، وتضطرب أحوالهم. لهذه الأسباب وغيرها وضعت الأحكام، لكن الأحكام وتطبيقها لا تحل محل الإيمان؛ الذي يصلح صاحبه، وينجيه في الدنيا والآخرة، فلربما يطبّق المرء ما تمليه عليه الشـريعة وهو غير راض بها، أو يطبّق عليه حكم معين، وفي نفسه منه حرج.

إننا نريد أن ننقذ الإنسان من الضياع والهلاك، ونخرجه من الظلمات إلى النور، ونصلح له أمره، ونعينه على الهداية، غير ناظرين إلى ماضيه، وما فعله فيه، ولعل قول النبي ﷺ: (الإسلام يجبُّ ما قبله، والتوبة تجبّ ما قبلها)، جاء لتطييب الخاطر، ودفع المخاوف في الدخول في الإسلام، والحثّ على إتيان التوبة، وكأنه ﷺ يقول: لا تخافوا بأن نأخذكم بما فعلتم في ماضيكم، فتعالوا أسلموا وتوبوا، هذا كل ما ندعوكم إليه. وقوله تعالى أيضاً: [قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ] (الأنفال: ٣٨) يعطينا رؤيا واسعة لفهم الدين ومقاصد الشريعة.

فالإسلام يعالج، ويصلح، ويعلّم، ويعين، ويربّي، وينصح، ويعطي الفرص، ويتغاضى – في كثير من الأحيان – عن فعل الإنسان، قبل تطبيق حدّ من الحدود عليه. فالعقوبات في الإسلام – في غالب الأحوال – تطبّق للمصلحة العامة، أو لئلا يضيع حق له مطالب، ولا يتواجد عند تطبيق الحدّ طرق بديلة، لذا نراه يدعو للعفو والتسامح، حتى عندما يعطي الضوء الأخضـر لتطبيق الحدّ والعقوبة، ويدعو إلى عدم الإسراف في أخذ الحقوق والمبالغة في استردادها.

فالإسلام، وخاصة القرآن الكريم، يعطينا المفاهيم العامة لفهم الوجود وللحياة، ويعطينا المبادئ اللازمة لحلّ مشكلات الحياة، والسير نحو الأمام لعمران الأرض، وكذلك يعطينا القرآن الكريم عدة مناظير شاملة ننظر من خلالها إلى الإنسان ومشكلاته، وإلى الحياة وما فيها من مشكلات وواجبات، فالإسلام فيه عدة أنظمة قادرة على قيادة الناس في كل العصور؛ كالنظام الاقتصادي والمالي، النظام الأخلاقي، النظام الاجتماعي، النظام التشـريعي والقضائي، النظام السياسي، النظام الإداري. فالإسلام إذن منهج متكامل، وصالح لقيادة البشـرية نحو الهداية والأفضل، ولا ينحصر في جزء يسير من الشـريعة، أو بعض الأحكام اليسيرة من الشـريعة الغرّاء، ونحن لا نريد إنكار هذا الجزء من الدين، بل هو مهم للغاية، وضروري في وقته، فالدين الذي لا عقوبة فيه دين ناقص غير متكامل.

خطأنا في مفهوم الخلافة:

أولاً إن لفظ الخلافة لفظ استعمل لأبي بكر – رضي الله عنه – بعدما تولّى أمور المسلمين بعد وفاة النبي ﷺ، أي لم يكن اسماً يحمل طابعاً دينياً محضاً، بل سمّي أبو بكر بخليفة رسول الله ﷺ تيمّناً وتأنّساً، ولم تكن لهذه الكلمة مدلولات سياسية حينئذ. ويؤكّد هذا، ذهاب أبي بكر -رضي الله عنه – إلى السوق ليكسب قوته لعياله، والقصة معروفة. إذن، إن معنى لفظ الخلافة، كانت أقرب إلى معنى الإمام الروحي والرباني، أكثر من أن يكون لها معنى سياسي، لأن النبي ﷺ لم يكن ملكاً، حتى تحمل هذه الكلمة مدلولات سياسية.

ودليل آخر على أن لفظ الخلافة لم يكن يستعمل زمن الصحابة استخداماً سياسياً، عدم تعطيل الشورى طيلة الخلافة الراشدة، وإنما عطّلت الشورى بعدما انتقلت إدارة المسلمين إلى البيت الأموي، واستبدوا بالأمر دون غيرهم، وما كانت قومة الحسين – رضي الله عنه – إلا من أجل تفعيل الشورى، وإعادتها إلى دائرة إدارة أمور المسلمين.

وبعدما انتهت فترة الخلافة الراشدة، وانتقلت السلطة الدينية والإدارية إلى غير أصحابها، وصارت مَلَكيّة صرفة، بقي هذا الاسم مستخدماً لأغراض سياسية فحسب، دون المسمّى، وللتمويه أيضاً. ويبدو أن لاستخدام (مصطلح الخلافة) – بهذا المعنى المفرغ من مضمونه – أثره البالغ والسّـيء في النفوس والعقول على مستوى عال، وإلى حدّ كبير جداً، طبعاً مع تزيين علماء السلطة طيلة القرون الماضية.

فلنسأل أنفسنا هذا السؤال: هل نحن نريد إعادة الخلافة الراشدة، أم الخلافة السياسية الماضية، أم أي شكل من أشكال السلطة الموجودة في هذا العصـر؟ فكلنا نعرف جيداً بأن الخلافة الراشدة كانت فترة زمنية مضت وانقضت، لأن الذين وصفوا بالخلفاء الراشدين، كانوا أصحاب النبي ﷺ، بما تحمل كلمة الصحبة من معنى، أي أنهم كانوا – رضي الله عنهم – زعماء روحيين وربانيين، مما كان يشكّل سبباً قوياً ليجتمع الناس حولهم، ويعترفون بهم أئمة لهم في أمور دينهم ودنياهم.

لماذا نلبّس الأمر على الناس، وننادي بإقامة الخلافة بين الناس، مع أننا نعرف جيداً بأننا لا نستطيع إعادة الخلافة الراشدة، وإنما فقط نستطيع تشكيل وصنع نظام عام لإدارة المسلمين يحكم بالعدل والشـريعة الإسلامية، ويعطي كل ذي حقّ حقّه، فمن الطبيعي تسمية هذا النظام بأي اسم آخر غير الخلافة، وإننا عندما ننادي بإقامة الخلافة نخدع أنفسنا، ونخدع غيرنا، مع أن هذا الادعاء باطل من أساسه.

فبحسب دراستي واطلاعي على كتب التاريخ، لا أرى فرقاً جوهرياً بين النظم التي سمّيت بالخلافة في الماضي – حاشا الخلافة الراشدة – وبين النظم السياسية التي لها أسماء خاصة بها، وحدود سياسية وسيادية على منطقة جغرافية معينة لأي دولة من الدول الإسلامية الآن، إلا فرقاً واحداً ليس بكبير، وهو النظام القضائي في السابق، ولعل بقاء هذا النظام القضائي كسا الخلافة في الماضي بكساء الخلافة الدينية.

ولا ننسـى بأن الدور الأكبر في إبقاء الخلافة السياسية على صورة دينية كان للناس وللعلماء، الذين لم يسمحوا بأن تخرج خروجاً كاملاً عن الدين والشـريعة، بحيث إن الغالبية أو السواد الأعظم من المسلمين كانوا يريدون الإسلام، ولا يقبلون بغيره، وقد تحوّل هذا الموقف إلى جدار منيع بوجه السلطة، أجبرها على إدامة النظام القضائي، وإقامة الشعائر الدينية، وعدم الخروج عن الإسلام بالكلية، وحتى اليوم نرى الحكومات تخشى من الناس، إن هي أظهرت كفراً بواحاً.

والناظر في التاريخ يرى بأن العلماء الكبار والفقهاء الربانيين نالوا ما نالوا من التعذيب والإهانات بسب مواقفهم ووقوفهم بوجه السلطة، المسمّاة باسم الخلافة، والمكتسية بالكساء الديني، بل وقتل البعض منهم بأبشع طريقة، وأصيب آخرون بالشلل في بعض أعضائهم بسبب الضـرب، والبعض مات في السجن، فهل هذه هي الخلافة التي ننادي بإرجاعها، أم نريد أن نقارن أنفسنا بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي في الدين والدنيا؟ وهيهات!

ومع إننا لا ننكر وجود بعض ملوك المسلمين، المعروفين بالصلاح والتديّن، والقريبين من العلماء والصالحين والوعاظ والزهاد، فإن ذلك لا يغيّر شيئاً من القاعدة العامة، والسمة الغالبة على ذلك النمط من السلطة التي عرفت في التاريخ الإسلامي تحت مسمى الخلافة!

يجب أن نكون واضحين مع أنفسنا، ومع غيرنا من الناس، بأننا نريد خلق نظام أساسه العدل، يفعّل وينشط فيه النظامان: القضائي الرائع، والنظام الشوروي المهم في الإسلام، وإقامة الشعائر الدينية وتعظيمها، وإبقاء شجرة الدعوة خضـرة مثمرة، تعلّم وتربّي.

ما أريد أن أقوله بالضبط هو أن الخلافة، أو الملك، في الماضي، كثيراً ما كانت سياسية وبيتوية لا أكثر، مع عدم الالتزام الكامل بالإسلام وشعائره، فالذي نريد قوله هنا أننا يجب أن نعلن للناس بأننا نريد الإسلام دستوراً للحياة، ونريد نظاماً يقوم على أساس الشورى، ونريد تحقيق العدالة الاجتماعية للجميع، وإيجاد نظام آمن يشعر الناس في ظلّه بالراحة والاطمئنان، أمّا اسم هذا النظام، فغير مهم بتاتاً.

مجلة الحوار ǁ العدد 190 ǀ السنة الثانية والعشرون ǀ شتاء 2024

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى