عظة التاريخ

بقلم رئيس التحرير

ورحل طاغية آخر.. والطغاة يرحلون دائماً، كما يرحل غيرهم بالطبع.. ولكنّ لرحليهم وقعاً، وعبرة!

أذكر أننا نشـرنا على غلاف مجلة الحوار، عند سقوط نظام صدام حسين، مانشيتاً عريضاً بعنوان: وأخيراً سقط النظام.. استبشاراً بما حدث، وكنوع من إيقاعات الأمل على لحن الوجود: [حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْـرُنَا].. وظللنا مدة نستبشـر بما سيأتي به التغيير القادم من خير وبركة على الشعب والوطن، ثم عدنا إلى دائرة الشك والترقب.. وها نحن اليوم – كشعوب ومجتمعات – نعاني من أوضاع غير صحية، وسياسات غير مرضية، وحقوق مضيّعة، ورفاهية ضائعة، وفساد عريض!

نعم، كان التغيير ضرورياً، وحتميّاً، لأن الفساد والظلم لا يمكن أن يدوما.. قد يستمران زمناً، وقد يرهقان جيلاً، أو اثنين، أو أكثر، ولكنه لا بد أن يزول..  فالزبد زائل، ولا يمكث في الأرض إلا ما ينفع الناس!

هذه هي سنّة الله في المجتمعات، وفي الأنفس.. فلا يمكن أن يستقيم الظل، والعود أعوج.. عندما يعمّ الظلم، ويسود التكبّر في الأرض، ويطغى الفساد، ويضجّ الناس إلى الله بالدعوات، فليس هناك أمل في إصلاح، أو عودة.. والتغيير آنذاك لا بد آتٍ.. آتٍ وإن تباطأ.. آتٍ في وقته المعلوم.. وهو وقت لا يمكن قياسه، ولكن يمكن إدراكه، وتوقّعه، والإحساس بمقدماته..

ولكن العجيب أن الجميع يدرك هذا، ويعلمه، إلا الطغاة.. فهم آخر من يدرك.. وآخر من يتعلّم الدرس.. وكأنهم من الذين قال الله عنهم في كتابه العزيز: [لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا].. فهل هم حقاً لا يدركون، أم أنهم لا يأبهون، أم تراهم يسوّفون، ويرون أنهم مستثنون، وأن ظروفهم غير ما قرأوا عنه وسمعوا؟ أم أن الله يعمي بصائرهم، ويطمس عقولهم، بما كانوا يظلمون، فلا يعودون يستفيدون من عبرة ولا عظة ولا تاريخ؟

وأخيراً رحل الأسد الذي روّج طويلاً أنه باق إلى الأبد.. رحل.. كما رحل غيره.. وكما سيرحل آخرون.. فهنيئاً للشعوب بانتصاراتها وأفراحها.. وتعساً للطغاة بتاريخهم ومآلاتهم..

    مجلة الحوار ǁ العدد 190 ǀ السنة الثانية والعشرون ǀ شتاء 2024

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى