في تاريخ الصحافة الكوردية بلغة الأرقام والإحصائيات!

، أ. م. د. سيروان أنور شيخاني

إنّ للصِّحَافة سُلْطاناً كبيراً في تغيير الخارِطة الذهنيّة والعقليّة والفكريّة والتنموية في أيّ مجتمعٍ كان، فهي مِرْآة الحياة بتلوُّناتها وتقلُّباتها، ومِقْياس لرُقيِّ الشّعُوب وازدهارِها، إذ منذُ صدُورِ الصِّحافة في بداياتِ ربيعها؛ كانَ لها دويّ كبير في أسماعِ السّلاطين، وصَدًى عندَ الجماهير برُمَّتها! وسُلْطة الصِّحافة هي الّتي دفعتْ القيصـرَ الرُّوسي (نيكولاي ألكسندروفيتش) (1868 – 1918) إلى القَوْل: “جميلٌ أنتَ أيُّها القَلَمُ، ولكنّكَ أقبحُ مِنَ الشَّيْطانِ في مَمْلكتِي!”، و(نابليون بونابرت) (1769 – 1821): “إنّني أتوجّسُ خِيفةً من ثلاثِ جرائِد، أكثر مِمّا أتوجّسُ من مِائة ألفِ مُقاتِل”، و(دونالد رامسفيلد) (1932 – 2021) – وزير الدِّفاع الأمريكيّ الأسبق – في حرب الخليج الثّالثة: “انتهتِ الحَرْبُ العسكريّة، وبدأَتْ حَرْبُ الأفكار!”.

      أجل، فالصِّحافة كما يُسمِّيها (ليو تولستوي) (1828- 1910)؛ هي الرِّسالة الخالِدة، وفي لغة الدول الديمقراطية: هي السُّلْطة الرابعة، وفي الدُّوَل النّامية والدكتاتورية: أقبحُ من الشَّيْطان!

     ومن هنا، وانطلاقاً من سُلْطة الصِّحافة، ويوم الصِّحافة الكوردية؛ نحلق في سماءِ هذه الصِّحافة قلیلاً، ونُحاوِل أنْ نَقْطِفَ ثِماراً ناضِجة من شجرةِ الحِقَبِ الزمانيّة الكوردية اليانِعة، فالكورد على الرّغْم من تجزئتِهم جُغْرافيًّاً، قَسـْراً وقَهْراً، كُرْهاً وظُلْماً؛ إلّا أنّ هذا لم يَمنعْهُم من إصدارِ أوّلِ صحيفةٍ باسم “كوردستان” في القاهرة في 22- 4- 1898م، إذ طبع منها (3000) نُسْخة، وُزّع منها (2000) نُسْخة في كُوردستان مجّاناً على نفقة صاحبِها، فالتّاريخُ يُعلِّمُنا أنّ الصِّحافةَ الكوردية على الرّغمِ من تجزئةِ الكورد جغرافيّاً وإقليميّاً، وعدمِ وجُودِ دولةٍ مُستقِلّة تجمعُ شَمْلَهُم، وتلمُّ جَمْعَهُم؛ سبقُوا الكثير من الدُّوَل العربيّة:

      إذ سبقتِ الصِّحافةُ الكورديةُ المملكةَ العربيّة السعوديّة بـ(26) سنة، والأردن بـ(22) سنة، واليمن بـ(28) سنة، والكويت بـ(30) سنة، والبحرين بـ(38) سنة، وفلسطين بعَشـْرِ سنواتٍ، ففي فلسطين صدرَتْ جريدة “النّفير” عام 1908م، وفي المملكة العربيّة السعودية صدرَتْ أوّلُ جريدةٍ رسميّة باسم جريدة “القِبْلة”، ثُمّ غُيِّر اسمُها إلى جريدةِ “أمِّ القُرَى” عام 1924م، وفي اليمن صدرَتْ جريدة “الإيمان” عام 1926م، وفي الكويت صدرَتْ جريدة “الكويت” عام 1928م، وفي البحرين صدرَتْ جريدة “البحرين” عام 1936م.

وعليه، فإنّ صدُورَ أوّلِ صحيفةٍ كُورديّة في القاهرة؛ بعيداً عن أرضِ كُوردستان، حسبما ذكرَهُ الباحِثُ عبدالستّار رمضان روزبياني: ما هُو إلّا تأكيدٌ للمُعاناة والظُّلْم الّذي عاشَهُ الشّعْبُ الكوردي الّذي مُنِعَ من مُمارسةِ أبسطِ حقُوقِه المشـرُوعة على أرضِه وبلِسانه الّذي يُميّزه عن سائِر أقوامِ العالَم، لكنْ مع ذلِك؛ فإنّ صدُورَها في القاهرة؛ لم يخلّص صاحبها من المُضايقات والمُلاحقات الّتي أجبرتْهُ على إصدارِ سِتّة أعدادٍ فقط في (القاهِرة)، ثُمّ انتقلتْ إلى أوروبا (جنيف)، حيثُ صدرتِ الأعدادُ (7) إلى (19)، لكنّها عادَتْ ثانيةً إلى (القاهِرة)، فصدرَتْ الأعداد (20) إلى (23)، ثُمّ لتنتقِلَ إلى (لندن)؛ فصدرَ العدد (24) فيها، قبلَ أنْ ترحلَ من جديدٍ إلى مكانٍ آخَر؛ هُو مدينة (فولكستون)، في المملكةِ المُتّحدة، والّتي صدرَتْ فيها الأعداد (25) إلى (29)، وكانَتْ آخرُ رحلةٍ لهذه الصّحيفة الرّائدة؛ مدينة (جنيف)، الّتي صدر فيها العدد (31)، وهو العددُ الأخيرُ الّذي صدر في 14 نيسان 1904م، حيثُ توقّفتِ الجريدة عن الصّدُور بعد هذه الرِّحلة الطّويلة الشاقّة في بِقاع الأرضِ المُختلِفة والبعيدة عن أرضِ كُوردستان، لتؤكِّد مِقْدار الجُهْدِ والدّوْرِ الكبيرِ الّذي أدّتْهُ الأُسرةُ البدرخانيّةُ في خِدْمة الثقافةِ الكوردية، وتنميةِ الوعي والشّعُور القوميّ لدى الكورد.

  هذا، وإنّ صدُورَ الصّحيفة الكوردية باللّغة الكوردية؛ لا يعني أنّ الكورد في الأجزاءِ الأربعةِ لَمْ يكونُوا مُشارِكين ومُساهمِين في إصدارِ الصُّحف في تلك الدُّول الّتي ضمُوا إليها قَسْـراً، فلو أخذْنا العِراقَ – على سبيل المثال – قبلَ إصدارِ الصُّحف؛ كانَتِ المدارِسُ الدينيّة، والطّرُق الصوفيّة والقادريّة في أَوْج ازدهارِها، وكان لعلمائها اليَدُ الطُّولَى في إبلاغِ الرِّسالةِ الإنسانيّة؛ بمبادِئها وفضائِلها، وقِيَمها وآدابها، ولهم الدور في إغناءِ الصّحف العِراقيّة بمقالاتِهم وأبحاثِهم، وأفكارِهم وطرُوحاتهم، لِذا؛ فإنّ تاريخَ “الصِّحافة العِراقيّة، بل التركيّة، والإيرانيّة، والسُّوريّة؛  هُو تاريخٌ للنَّشاطِ الثقافيّ المُشْترَك للكُورد مع تلك الأقوامِ، بَلْ تجاوزَتْ تلك الدُّول: مِصـْر، ولبنان، ودولاً أوروبيّة وقتها”.

   وبعدَ جريدة “كوردستان” في القاهِرة؛ لو أخَذْنا جنُوب كوردستان (كوردستان العراق) فقط؛ لرأيْنا صحفاً كُورديّة كثيرة صدرَتْ في رُبْعِ النِّصف الأوّل من القرنِ الماضي، إذ صدرَتْ في مدينة السليمانية جريدةٌ علميّة اجتماعيّة أدبيّة أسبوعيّة باسم (بانك كردستان)؛ أي: نداء كوردستان باللّغات الكوردية، والتركيّة، والفارسيّة، وقد برز عددُها الأول في 2 آب 1922م، وكان صاحِبُ امتيازها ومديرها المسؤول؛ مصطفى باشا ياملكي، الّذي حاولَ جَعْلها إدارةً فعّالة لنشـرِ الوعي الثقافي بين العراقيِّين الكورد. كما صدرَتْ في السليمانية جريدة أُخرى باسم (روزى كوردستان)؛ أي شمسُ كُوردستان، وقد صدرَ عددُها الأوّل في 15 تشرين الثاني 1922م.

وفي أربيل صدرَ العددُ الأوّل من مجلّة (زاري كرمانجى) يوم 25 مايس سنة 1926م، وهي مجلّة اجتماعيّة أدبيّة تاريخيّة فنيّة شهريّة، صاحِبُها ورئيسُ تحريرِها الصحفيّ العِراقيّ الكوردي حسين حزني موكرياني، وقد قامتِ المجلّة بدورٍ بارِز في نَشـْرِ الوعي الوطنيّ والثّقافة الكوردية، وإضافةً إلى (موكرياني) وشقيقه (كيو)، أسهمَ في تحريرِ المُجلّة عددٌ من الكُتّاب هم كلٌّ من عبدالخالق أسيري، ومامن الكركوكي، والشّيْخ نُوري الشّيْخ صالح، وعبدالرّحمن نوري خان، وعبدالخالق قطب، وفائق بيكه س، وقد صدرَ منها خِلال سِتّ سنوات (24) عدداً فقط.

  هذا، وقد ذكرَ البَاحِث روزبياني – في بحثِه المنشُور في مجلّة “الصحفي” – أنّهُ صدر بأربيل في أيار 1954م؛ العددُ الأوّل من مجلّة (هه تاو)؛ أي: الشّمْس، وكانَتْ مُجلّةً أدبيّة اجتماعيّة تاريخيّة ثقافيّة تصدرُ ثلاثَ مرّات في الشّهْرِ باللّغة الكوردية، وصاحِبُ امتيازِها ومديرُ تحريرها (كيو موكرياني). حيثُ شَهِدَتْ أربيل – منذ سنة 1926م وحتّى أواخِر الثمانينات من القرنِ الماضي – صدُور أكثر من (25) جريدة ومجلّة كُورديّة وعربيّة، سياسيّة وثقافيّة، علنيّة وسِريّة. وقد يكونُ من المُناسِب أنْ نُذكِّر بأهميّةِ التّلاحُمِ المصيريّ بين العربِ والكورد، والتّداخُل الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ الّذي شَهِدَتْهُ مدينتا الموصل وأربيل، وأنّ عدداً من الصُّحُف الأربيليّة كان يُطْبَع في مطابِع الموصل، ولعلَّ من أبرزِ هذه الصُّحف (الإخلاص)، الّتي صدرَ عددُها الأوّل في أوائل سنة 1961م.

وقد مرّتِ الصِّحَافةُ الكوردية بمرحلةٍ جديدة بعد ثورة 14 تموز 1958م، وعودة الملا مصطفى البارزاني من روسيا إلى العراق، وقد تحسّنتْ أوضاعُ الكورد لفترةٍ قصيرة، ثُمّ انتكسَتْ ثانيةً بعدَ تخلِّي عبدالكريم قاسم، حاكِم العِراق آنذاك؛ عن وعُودِه واتفاقاتِه المعقُودة مع الكورد، ثُمّ دخلَ العِراقُ في النّفقِ المُظْلِم الّذي بدأ مع انقلاب 8 شباط 1963م، ووصُول البعثيِّين والقوميِّين العَرَب إلى السُّلطة في العِراق. وأهمُّ الصّحف الكوردية الصّادِرة خِلال هذه الفترة؛ كانتْ جريدةُ (التآخي) الّتي صدرَتْ عام 1976م، والّتي ما زالَتْ مُستمِرّةً بالصّدُور إلى يومِنا هذا، على الرّغم من فتراتِ الانقطاعِ الّتي توقّفَتْ فيها؛ بسببِ الظّرُوف السياسيّة الطّارِئة، وهذا ما سطّرهُ “الروزبياني” في طَرْحِه الصحفيّ.

        ويضيفُ الباحِثُ – باعتمادِه على مصادِرَ كُورديّة -؛ بأنّ السّنواتِ المُمتدّة بين آذار1970 و1974م من عُمر الصِّحافة الكوردية العِراقيّة؛ هي مرحلةٌ لها ما يُميِّزها عمّا قبل وبعد هذا التاريخ، إذْ تهيّأتْ لها الأجواءُ المُناسِبة للانتعاش، إثر اتفاقيّة السّلام في الحادي عشـر من آذار 1970م، ففي تلك المرحلة القصيرة؛ صدرَتْ أكثر من (22) مجلّة وجريدة، من ضِمْنها أوّل جريدة كُورديّة يوميّة رسميّة، ومجلّات مُختصّة عديدة في مختلفِ المجالات الأدبيّة والفنيّة والعِلْميّة، إذ كانَتْ بغدادُ وَقْتها مدينةً ذاتَ مكانةٍ مُهمّة وبارِزة في حياةِ الشِّعْبِ الكوردي الفكريّة، فقد استقطبتْ عَشـَراتِ المُثقّفين والصَّحَفيِّين الّذين أصدَرُوا فيها أوّلَ مجلّةٍ باللّغةِ الكوردية على صعيدِ العِراق، قبلَ نشُوبِ الحَرْبِ العالميّة الأُولى، ليُدشِّن ذلِك بدايةً مَرْمُوقة لتاريخِ الصِّحافة الكوردية العِراقيّة، وتطوّرها المُتواصِل، بحيثُ إنّ مجلّة (گلاوێژ)؛ (أي: الشعری)، الّتي صدرَتْ في بغداد – وكان رئيسُ تحريرِها إبراهيم أحمد – على مدى عَقْدٍ كامِل، تحوّلَتْ إلى أفضلِ مجلّةٍ كُورديّة أسبوعيّة في تاريخِ الصِّحافة الكوردية عموماً، لغاية أواخِر أربعينيّات القَرْنِ الماضي.

  وبعدَ إنهاء اتّفاقية آذار من طرفِ الحکُومةِ العِراقيّة عام 1974م، والسّيطرة على المناطِق الكوردستانيّة، فرضَ النِّظام العِراقيّ وَقْتها: مَنْطِق القُوّة على قُوّة المَنْطِق، وبذلِك بدأَتْ مرحلةٌ جديدةٌ في الصِّحافةِ الكوردية، عُرِفَتْ بصِحَافة النِّضال، وصِحَافة الجِبال، حيثُ اتّسمَتْ بإذكاء رُوحِ النِّضال والمُقاومة، ونَشْـرِ الوعي القوميّ والثقافيّ؛ فَضْلاً عن توعيةِ المُواطنين؛ بأنّ الحَرْبَ قَدْ فُرِضَت على الكورد، وأنّ حربَهُمْ هذه؛ ليسَتْ مع العَرَب، بَلْ مع النِّظام البعثي، وأنّ العَرَبَ المُناضِلِينَ مقهُورُون أيضاً، ففي هذه الفترة ظهرت صحفٌ ومنشُوراتٌ عديدة امتدّتْ حتّى عام 1991م.

  وقمينٌ ذكرُه في هذا السِّياق؛ أنّ أوّلَ إذاعةٍ كُورديّة في العراق؛ كانَتْ في 29 كانون الأوّل من عام 1939م، وهي بذلك تُعَدُّ ثالِثَ إذاعة في العِراق؛ بعدَ كُلٍّ من راديو بغداد، وراديو قصـر الزّهُور، والرّابعة على مُستوى الوطن العربيّ الكبير؛ بعدَ كُلٍّ من مِصْـرَ، والجزائِر، والمَغْرِب، فعلى الرّغمِ من أنّ بثها كانَ ساعتَيْنِ فقط، وكما يُؤكِّد جَمْعٌ مِنَ الباحثِين؛ كـ(د.هيرش رسول، كمال رؤوف، د. سيرجي ميخايلوف، نوشيروان مصطفى، د. مغديد سبان)، وكانَتْ تعبيراً عنِ السِّياسةِ الرّسميَّة للعِراق، مُكرِّرة عِباراتِ: هُنا بغداد! ولكن مع هذا، نقولُ: إنّها كانَتْ كَنْزاً لا يَفْنى في نَشـْرِ الثّقافة الكوردية، وتراثها الثرّ الغنيّ؛ ليَجِدَ الفردُ الكوردي ضالّتَهُ الجماليّة والإبداعيّة والوجودية في عالَمٍ حَكمُوا فيه عليهِ بالفناء، وطَمْس الهُويّة، ومحوِ الوجُود.

      وتتجلّى لنا تلك الأهميّة الثقافيّة أكثر؛ حينما أُسِّسَتْ (قناةُ تلفزيون كركوك) باللّغة الكوردية، عام 1967م، إذ كانَتِ الثّانيةُ بعدَ البثِّ التلفزيونيّ في العِراق، فالعِراقُ كانَ الأوّلَ في المِنْطقة العربيّة، وجاء بثّه في الثّاني من أيار/مايو عام 1956م، وبذلِك جاء البثّ باللّغةِ الكوردية في المَرْتبةِ الثّامِنة في الوطنِ العربيّ، بعدَ كُلٍّ مِنَ العِراق في 1956م، والجزائر في نهاية ديسمبر عام 1956م، ومصـر عام 1960م، ولبنان عام 1962م، وسوريا عام 1960م، والسُّودان عام 1962م، والسّعودية عام 1964م، وقد سبقتْ قناةُ (تلفزيون كركوك) جَمْعاً مِنَ الدُّوَلِ العربيَّة؛ كالأردن عام 1968م، وقطر عام 1970م، والبحرين عام 1973م، وهَلُمَّ جَرَّاً، فإلى جانبِ البثِّ باللّغةِ الكوردية كانَتْ هناك ساعاتٍ للتركمانيّة، والكلدوآشورية، والعربية، ولكن غالبيّتُها كانَتْ باللغةِ الكوردية، حيثُ تركَتْ تُراثاً ضَخْماً من التمثيليّاتِ، والأغاني، والأوبريتات الكوردية البارِزة، الّتي أثّرَتْ بشَكْلٍ كبير في المُتلقِّي الكوردي، وتركَتْ في ذاكرةِ هذا الجيلِ أجملَ الذِّكريات، ليسَ الكورد فحسب؛ بَلْ كانَتْ مِنْبراً لِكُلِّ الأطيافِ والأقوامِ في العِراق؛ بكُرْدِه وعَرَبِه وتُركمانه وآشوره.

   وفي عام 1991م، عندما انتهتْ حَرْبُ الخليج الثانية، وجرى إنشاء منطقة آمنة، بقرارٍ دوليّ بعد الانتفاضة المليونيّة في كوردستان، تشكّل إقليمُ كوردستان العِراق؛ حيثُ بدأَتْ تَجْرِبةُ هذا الإقليمِ في الإدارة والانتخابات بعدَ تشكيلِ البرلمانِ الكوردستاني، والحكُومة الكوردية المَحليّة، ووقتَها بدأَ الميلادُ الثّاني للصِّحافة الكوردية، ذلِك أنّ الميلادَ الأوَّلَ كانَ في خيمة الحكُومةِ العِراقيّة، ولكنّ الثّاني جاءَ في زمنِ الحُريّة، والحُكْم الكوردي؛ وفي ظلِّ الحكُومةِ الكوردية الفتيّة صدرَتْ العَشـَراتُ من الجرائِد والمجلّات، ففي السّنواتِ الأُولى اتّسَمَت الصُّحُف بالطّابِع القوميّ، والحُريّة، وإذكاء رُوح الحَماس، على الرّغم من تخلّل صِراعاتٍ حامية وبارِدة جَرَتْ بين الحِزْبين الرئيسين الحاكِمين في إقليم كوردستان، ثُمّ دخلَتْ مرحلةُ الهدُوءِ بعد عام 1997م، كما وصدرَتْ أوّلُ جريدةٍ مُستقِلّة باسم (هاولاتى) في السليمانية عام 1998، ثمّ تلتها صحفٌ أهليّة وحزبيّة أُخرى في أربيل، ومن هذه الصّحُف؛ جريدة (الأُفق الجديد)، الّتي صدرتْ باللّغةِ العربيّة في 6/ 6/ 2003، وصدرَ منها حوالي (520) عدداً، وكان يُطْبَع منها أسبُوعيّاً؛ حوالي (1200) نسخة.

  وظهرَتْ أوّلُ قناةٍ محليّة كُورديّة باسمِ قناة (شعب كوردستان) في عام 1992م، وأوّل قناةٍ فضائيّة في الإقليم؛ كانَتْ قناة (كوردستان تيفي) عام  1998م، وتلتها (كوردسات) عام 1999م، و(زاكروس) باللّغةِ الكوردية مع (التآخي) العربية في عام 2005م، ومِنْ ثَمَّ تلاها فتحُ قنواتٍ إسلاميّة؛ كقناةِ (بيام) الفضائيّة التّابعة لحزبِ الجماعةِ الإسلاميّة في كوردستان، عام 2007م، ومِنْ ثَمَّ قناة (سبيده) الفضائيّة التّابعة لحزب الاتحاد الإسلاميّ الكوردستاني، في عام 2008م. أمّا أوّلُ قناةٍ فضائيّة باللّغة الكوردية؛ فكانَتْ(MED TV) عام 1995م، في المَهْجر، وهي بذلك تأتي في المرتبةِ الثّانية على مستوى الوطن العربي بعدَ مجمُوعةِ MBC (عام 1991م)، وشبكة راديو وتلفزيون العرب ART، ومجموعة (عرب سات) الجيل الأوّل، وبذلك سبقتْ مجموعةَ (عرب سات) الجيل الثاني (عام 1996م)، و(نايل سات) عام 1996م، وقناة الجزيرة عام 1996م، وشبكة (روتانا)، و(العربية)، وغيرها.

      هذا، وبعد سقوط بغداد عام 2003م، وبالأخصِّ بعد أعوام 2007م؛ ظهرتْ قنواتٌ فضائيّة كوردية عديدة، ومنها: قناة NRT  عام 2010م؛ كمؤسّسةٍ أهليّة في بداية أمرها، أمّا شبكة (روداو) الإعلاميّة؛ فقد ظهرَتْ عام 2008م، وكقناة فضائيّة في عام 2013م، و(كوردستان 24) في عام 2015م، و(قناة 8) في عام 2023م، بالإضافةِ إلى شبكاتٍ إعلاميّة كثيرة، إلى جانب قناة (زاگرۆس) باللّغةِ العربيّة عام 2018م؛ فَضْلاً عن إصدارِ الصُّحف المُتخصِّصة، والقنوات المُتخصِّصة في بعضٍ مِنْ هذه الشّبكات؛ علاوةً على وجُودِ المِئات من الصُّحف، والمواقِع الإخباريّة الإلكترونية؛ بتعدُّد ألوانِها، واختلافِ مشاربها، بحيث وصلَتِ اليوم إلى حوالي (31) قناة فضائيّة، و(126) قناة محليّة، و(176) إذاعة مُسجّلة في وزارة الثقافة والشباب الكوردستانيّة؛ أمّا الصُّحف والمواقِع الإلكترونيّة؛ فحدِّثْ عنها ولا حَرَج! هذا إلى جانبِ حَشْدٍ من القنواتِ والإذاعاتِ باللّغةِ الكوردية خارِج الإقليم، بما فيه المدعومة من قبل الحكومتين التركيّة والإيرانيّة.

  وأخيراً وليسَ آخِراً؛ نستطيعُ القَوْلَ: إنّ بعضَ الشّبكاتِ الإخباريّة؛ من حيثُ التقنيّاتُ الإعلاميّةُ، والبَثُّ الموجُود، لا تَقِلُّ شَأْناً عن كُبْرى القنواتِ الفضائيّة في العالم، إنْ لم تتفوّقْ عليها أحياناً؛ ولكنّ الصِّحافة الكوردية بحاجةٍ إلى وجُودِ قنواتٍ إعلاميّة فضائيّة وطنيّة هادفة؛ باللّغاتِ الإنجليزيّة، والعربيّة، والتركيّة، والفارسيّة، والفرنسيّة والإسبانيّة…؛ كي يَسْمَعَ العالَمُ آهاتِنا ومآسِينا، وكذلك ثقافاتُنا وتطوّراتُنا، من أفواهِنا حَصْـراً، ويَرَوْا الصُّورة الحقيقيَّةَ كما هي، لا الصُّوَر المُفَبْرَكة المُلَفّقة الزّائِفة الّتي اشرأَبَّتْ بأعناقِها بلُغاتٍ أُخرى.

   وأخيراً.. بَقِيَ أنْ نقُولَ: إنَّ الصِّحافة الكوردية – وحسبما سَرَدْناهُ مِنْ سرديّاتٍ تاريخيّة – كانَتْ حاضِرةً بقُوَّة منذُ صدُورِ صحيفةِ “كوردستان” في القاهِرة عام 1898م، إذ إِنّ الصِّحافةَ باللّغةِ الكوردية بتنوُّع وسائلِها – على الرَّغْمِ من اضطهادِ الأمّة الكوردية وطَمْسِ هُويّتها -؛ كانَتْ موجُودةً بجلاء في كُلِّ العصُور والمفاصِل الزمنيّة؛ بَلْ قد تفوّقَتْ على العديدِ مِنَ الدُّولِ العربيّة؛ فَضْلاً عن بعضِ دُوَلِ المِنْطقة؛ قديماً وحديثاً، ولكِنْ مع ذلِك؛ نقولُ مرّةً أُخرى: نحنُ بحاجةٍ إلى فَتْحِ نوافِذَ إعلاميّة في كوردستان بلغاتٍ حيّة، لنخاطِبَ العالَم بلغاتِه، فيسمعُون من خِلالِها همُومَنا، وآهاتِنا، وكذلك ثقافاتِنا، وتطوّراتنا وازدِهارِنا؛ فَضْلاً عن رِسالاتِنا السِّلْمية الأخوية القائِمة على السّلام والوِئامِ والتّعايش، مِنْ أفواهِنا؛ لكي تكتَمِلَ الصُّورةُ الحقيقيّةُ كما هِيَ.

مجلة الحوار ǁ العدد 190 ǀ السنة الثانية والعشرون ǀ شتاء 2024

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى