الوسطية والاعتدال في فكر سيد قطب (القسم الثاني)
دحام إبراهيم الهسنياني

الوسطية في المعاملات:
لقد تجلّت وسطية القرآن في المعاملات، حيث البعد عن التشدّد والغلوّ من جهة، والتسيّب والتميّع من جهة أخرى، فللقرآن منهج وسطي يضبط جميع المعاملات من طعام وشراب، وبيع وشراء، وطلاق وزواج، حتى في معاملاتنا مع غير المسلمين.
قال الله تعالى: [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ](المائدة: 8).
قال الطبري: “يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله، شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حدّدت لكم في أعدائكم لعدواتهم لكم، ولا تقصـّروا فيما حدّدت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدّي، واعملوا فيه بأمري”([1]).
ودلّت هذه الآية على العدل، الذي هو ملمح أساس من ملامح الوسطية، ليس مع النفس والأقارب فحسب، بل مع الأعداء، حيث حثّنا على العدل وعدم إيثار العدوان على الحق، فلقد أمر بالعدل مع العدو وإن أبغضناه، وألا نتجاوز العدل إلى العدوان مع كل أحد؛ صديقًا كان أو عدوًا([2]).
يقول سيد قطب رحمه الله: “ومن الميثاق الذي واثق الله به الأمة المسلمة، القوامة على البشرية بالعدل.. العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه مع المودة والشنآن؛ ولا يتأثر بالقرابة أو المصلحة أو الهوى في حال من الأحوال. العدل المنبثق من القيام لله وحده، بمنجاة من سائر المؤثرات، والشعور برقابة الله وعلمه بخفايا الصدور.. ومن ثم فهذا النداء: [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ](المائدة: 8).
لقد نهى الله الذين آمنوا من قبل أن يحملهم الشنآن لمن صدّوهم عن المسجد الحرام، على الاعتداء. وكانت هذه قمة في ضبط النفس والسماحة يرفعهم الله إليها بمنهجه التربوي الرباني القويم. فهاهم أولاء يُنهون أن يحملهم الشنآن على أن يميلوا عن العدل.. وهي قمة أعلى مرتقى وأصعب على النفس وأشق، فهي مرحلة وراء عدم الاعتداء والوقوف عنده؛ تتجاوزه إلى إقامة العدل مع الشعور بالكره والبغض! إن التكليف الأول أيسـر، لأنه إجراء سلبي ينتهي عند الكفّ عن الاعتداء. فأمّا التكليف الثاني، فأشقّ، لأنه إجراء إيجابي يحمل النفس على مباشرة العدل والقسط مع المبغوضين المشنوئين!
والمنهج التربوي الحكيم يقدر ما في هذا المرتقى من صعوبة. فيقدم له بما يعين عليه: [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ…].. ويعقب عليه بما يعين عليه أيضاً: [وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ].. إن النفس البشـرية لا ترتقي هذا المرتقى قط، إلا حين تتعامل في هذا الأمر مباشرة مع الله، حين تقوم لله، متجردة عن كل ما عداه، وحين تستشعر تقواه، وتحسّ أن عينه على خفايا الضمير وذات الصدور…
وبهذه المقوّمات في هذا الدين كان الدين العالمي الإنساني الأخير؛ الذي يتكفّل نظامه للناس جميعاً، معتنقيه وغير معتنقيه، أن يتمتعوا في ظلّه بالعدل؛ وأن يكون هذا العدل فريضة على معتنقيه، يتعاملون فيها مع ربّهم، مهما لاقوا من الناس من بغض وشنآن.. وإنها لفريضة الأمّة القوّامة على البشرية، مهما يكن فيها من مشقة وجهاد.
ولقد قامت هذه الأمّة بهذه القوامة؛ وأدّت تكاليفها هذه؛ يوم استقامت على الإسلام. ولم تكن هذه في حياتها مجرد وصايا، ولا مجرد مثل عليا، ولكنها كانت واقعاً من الواقع في حياتها اليومية، واقعاً لم تشهد البشـرية مثله من قبل ولا من بعد، ولم تعرفه في هذا المستوى إلا في الحقبة الإسلامية المنيرة.. والأمثلة التي وعاها التاريخ في هذا المجال كثيرة مستفيضة، تشهد كلها بأن هذه الوصايا والفرائض الربانية، قد استحالت في حياة هذه الأمة منهجاً في عالم الواقع يؤدّى ببساطة، ويتمثّل في يوميات الأمّة المألوفة.. إنها لم تكن مثلاً عليا خيالية، ولا نماذج كذلك فردية، إنما كانت طابع الحياة الذي لا يرى الناس أن هناك طريقاً آخر سواه…
وقيمة الدعوة الدينية إلى المبادىء التي تدعو إليها، هو سلطان الدين المستمد من سلطان الله، فما يقوله فلان وعلان علام يستند؟ وأيّ سلطان له على النفوس والضمائر؟ وماذا يملك للناس حين يعودون إليه بكدحهم وكدّهم في تحقيق هذه المبادىء؟.. يهتف ألف هاتف بالعدل، وبالتطهّر، وبالتحرّر، وبالتسامي، وبالسماحة، وبالحب، وبالتضحية، وبالإيثار.. ولكن هتافهم لا يهزّ ضمائر الناس؛ ولا يفرض نفسه على القلوب، لأنه دعاء ما أنزل الله به من سلطان! ليس المهم هو الكلام.. ولكن المهم من وراء هذا الكلام!…
ثم إن قيمة هذه (الوصايا) في الدين، أنها تتكامل مع (الإجراءات) لتكييف الحياة. فهو لا يلقيها مجردة في الهواء.. فأمّا حين يتحوّل الدين إلى مجرد وصايا؛ وإلى مجرد شعائر؛ فإن وصاياه لا تنفّذ، ولا تتحقّق! كما نرى ذلك الآن في كل مكان..
إنه لا بد من نظام للحياة كلّها وفق منهج الدين؛ وفي ظلّ هذا النظام ينفّذ الدين وصاياه.. ينفّذها في أوضاع واقعية تتكامل فيها الوصايا والإجراءات!.. وهذا هو (الدين) في المفهوم الإسلامي دون سواه.. الدين الذي يتمثّل في نظام يحكم كل جوانب الحياة”([3])…
لقد نهى الله – سبحانه – عن ترك الطيّبات تنسّكاً وعبادة، وطلب عدم تجاوز الحدّ إلى الإسراف الضارّ بالجسد، والإسراف الضارّ بالمال، وطلب عدم الاسترسال في الشهوات؛ من مطعم ومشرب وغيرهما، حتى لا تكون اللذات هي السهم الأكبر في الحياة، فإن للمؤمن في الحياة قصدًا أسمى هو العلم والمعرفة والعبادة، والإحسان إلى الناس، والنفع العام للجماعة، وإذا كانت اللذات مشغولًا بها إلى حد البحث والطلب والانتظار والألم عند فقدها، كان ذلك صارفًا عن المقاصد السامية للمؤمن.
وقد بيّن الله سبحانه ذلك فقال تعالى: [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ](المائدة: 87-88).
قال الزمخشـري: “لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم، أو لا تقولوا: حرّمناها على أنفسنا، مبالغة منكم في العزم على تركها؛ تزهّدًا منكم وتقشّفًا”([4]).
يقول سيد قطب رحمه الله: “[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..].. إن مقتضـى إيمانكم ألا تزاولوا أنتم، وأنتم بشـر عبيد لله، خصائص الألوهية التي يتفرّد بها الله. فليس لكم أن تحرّموا ما أحل الله من الطيّبات؛ وليس لكم أن تمتنعوا، على وجه التحريم، عن الأكل مما رزقكم الله حلالاً طيّباً.. فالله هو الذي رزقكم بهذا الحلال الطيّب، والذي يملك أن يقول: هذا حرام وهذا حلال.
إن قضية التشريع بجملتها مرتبطة بقضية الألوهية. والحق الذي ترتكن إليه الألوهية في الاختصاص بتنظيم حياة البشـر، هو أن الله هو خالق هؤلاء البشـر ورازقهم، فهو وحده صاحب الحق إذن في أن يحل لهم ما يشاء من رزقه، وأن يحرّم عليهم ما يشاء.. وهو منطق يعترف به البشـر أنفسهم، فصاحب الملك هو صاحب الحق في التصرّف فيه. والخارج على هذا المبدأ البديهي معتدٍ لا شك في اعتدائه! والذين آمنوا لا يعتدون بطبيعة الحال على الله الذي هم به مؤمنون. ولا يجتمع الاعتداء على الله، والإيمان به، في قلب واحد على الإطلاق!
هذه هي القضية التي تعرضها هاتان الآيتان في وضوح منطقي لا يجادل فيه إلا معتد.. والله لا يحب المعتدين.. وهي قضية عامة تقرّر مبدأ عاماً يتعلّق بحقّ الألوهية في رقاب العباد؛ ويتعلّق بمقتضـى الإيمان بالله في سلوك المؤمنين في هذه القضية.. وتذكر بعض الروايات أن هاتين الآيتين، والآية التي بعدهما، الخاصة بحكم الأيمان، قد نزلت في حادث خاص في حياة المسلمين على عهد رسول الله ﷺ، ولكن العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب، وإن كان السبب يزيد المعنى وضوحاً ودقة”([5]).
عن أنس – رضي الله عنه – قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أخبروا، كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ، وقد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر؛ قال أحدهم: أمّا أنا فإني أُصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني)([6]).
ويعلّق سيد قطب على هذا الحديث وأمثاله، فيقول رحمه الله: “والذي يحاول أن يعطّل طاقاته الجسدية الحيوية، هو كالذي يحاول أن يعطّل طاقاته الروحية الطليقة؛ كلاهما يخرج على سواء فطرته، ويريد من نفسه ما لم يرده الخالق له، وكلاهما يدمّر نفسه بتدمير ذلك المركب في كيانها الأصيل، وهو محاسب أمام الله على هذا التدمير. وقد أقام الإسلام شريعته للإنسان على أساس تكوينه ذاك؛ وأقام له عليها نظامًا بشريًا لا تُدَمَّر فيه طاقة واحدة من طاقات البشـر. إنما قصارى هذا النظام أن يحقّق التوازن بين هذه الطاقات، لتعمل جميعها في غير طغيان ولا ضعف؛ ولا اعتداء من إحداها على الأخرى. فكل اعتداء يقابله تعطيل، وكل طغيان يقابله تدمير”([7]).
قال الله تعالى: [وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا](الإسراء:29).
إن الطبقة الوسطى في المجتمع هي معدن الخير، وأهلها هم أهل العافية والرضا والاستقرار، والوسط خير الأمور في ميزان الإسلام، ولذا فإن من مظاهر الوسطية في القرآن الكريم الإنفاق بين الإفراط والتفريط، قال تعالى: [وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ].
يقول سيد قطب رحمه الله: “والقرآن يجعل لذي القربى والمسكين وابن السبيل حقاً في الأعناق يوفى بالإنفاق. فليس هو تفضيلاً من أحد على أحد؛ إنما هو الحق الذي فرضه الله، ووصله بعبادته وتوحيده. الحق الذي يؤدّيه المكلّف فيبرئ ذمته، ويصل المودة بينه وبين من يعطيه، وإن هو إلا مؤدٍّ ما عليه لله.
وينهى القرآن عن التبذير، الذي يفسّره ابن مسعود وابن عباس بالإنفاق في غير حق. قال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كلّه في الحق لم يكن مبذّراً، ولو أنفق مُدًّا في غير حق كان مبذّراً.
فليست هي الكثرة والقلة في الإنفاق، إنما هو موضع الإنفاق. ومن ثم كان المبذّرون إخوان الشياطين، لأنهم ينفقون في الباطل، وينفقون في الشـرّ، وينفقون في المعصية. فهم رفقاء الشياطين وصحابهم [وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا] لا يؤدّي حقّ النعمة، كذلك إخوانه المبذرون لا يؤدّون حقّ النعمة، وحقّها أن ينفقوها في الطاعات والحقوق، غير متجاوزين ولا مبذّرين.
فإذا لم يجد إنسان ما يؤدّي به حقّ ذوي القربى والمساكين وابن السبيل، واستحيا أن يواجههم، وتوجّه إلى الله يرجو أن يرزقه ويرزقهم، فليعدهم إلى ميسـرة، وليقل لهم قولاً ليّناً، فلا يضيق بهم صدره، ولا يسكت ويدعهم، فيحسّوا بالضيق في سكوته، ففي القول الميسور عوض وأمل وتجمّل.
وبمناسبة التبذير والنهي عنه، يأمر بالتوسّط في الإنفاق كافة: [وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا].. والتوازن هو القاعدة الكبرى في النهج الإسلامي، والغلو كالتفريط يخلّ بالتوازن. والتعبير هنا يجري على طريقة التصوير؛ فيرسم البخل يداً مغلولة إلى العنق، ويرسم الإسراف يداً مبسوطة كل البسط لا تمسك شيئاً، ويرسم نهاية البخل ونهاية الإسراف قعدة كقعدة الملوم المحسور.
والحسير في اللغة الدابة تعجز عن السير فتقف ضعفاً وعجزاً. فكذلك البخيل يحسره بخله فيقف. وكذلك المسرف ينتهي به سرفه إلى وقفة الحسير. ملوماً في الحالتين على البخل وعلى السرف، وخير الأمور الوسط.
ثم يعقّب على الأمر بالتوسّط، بأن الرازق هو الله، هو الذي يبسط في الرزق ويوسع، وهو الذي يقدر في الرزق ويضيّق، ومعطي الرزق هو الآمر بالتوسّط في الإنفاق: [إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ، إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا].
يبسط الرزق لمن يشاء عن خبرة وبصـر، ويقدر الرزق لمن يشاء عن خبرة وبصر، ويأمر بالقصد والاعتدال، وينهى عن البخل والسـرف، وهو الخبير البصير بالأقوام في جميع الأحوال؛ وقد أنزل هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم في جميع الأحوال”([8]).
إقرار مبادىء العدل والخلق على أساس منهج الله القويم السليم:
قال الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا](النساء:58).
وفيما يتعلّق بسلوك المؤمنين بعضهم مع بعض في حالة الخلافات، أوصى كتاب الله – عز وجل- بفضّ كل نزاع قد يقع بينهم، على أساس العدل المطلق، دون محاباة لطرف، وفي إطار الأخوة الإسلامية بالإنصاف بينهما، وهذا حكم الله في كتابه الذي جعله عدلًا بين خلقه([9]).
يقول سيد قطب رحمه الله: “هذا هو الموضوع الخطير الذي يتناوله هذا الدرس، بالإضافة إلى بيان وظيفة الأمة المسلمة في الأرض من إقرار مبادىء العدل والخلق على أساس منهج الله القويم السليم: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا].
هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة؛ وهذا هو خلقها: أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين (الناس) بالعدل، على منهج الله وتعليمه.
والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى.. الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان؛ والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها (الإنسان).. أمانة الهداية والمعرفة والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه.. فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة.. فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربّه الإيمان به، والاهتداء إليه، ومعرفته، وعبادته، وطاعته، وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد ولا إرادة ولا اتجاه. والإنسان وحده هو الذي وكّل إلى فطرته، وإلى عقله، وإلى معرفته، وإلى إرادته، وإلى اتجاهه، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله، بعون من الله: [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ](العنكبوت: 69)، وهذه أمانة حملها، وعليه أن يؤدّيها أوّل ما يؤدّي من الأمانات.
ومن هذه الأمانة الكبرى، تنبثق سائر الأمانات، التي يأمر الله أن تؤدّى:
ومن هذه الأمانات: أمانة الشهادة لهذا الدين.. الشهادة له في النفس أولاً، بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له، ترجمة حية في شعورها وسلوكها، حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس، فيقولوا: ما أطيّب هذا الإيمان وأحسنه وأزكاه؛ وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثّر بها الآخرون.
والشهادة له بدعوة الناس إليه، وبيان فضله ومزيّته، بعد تمثّل هذا الفضل وهذه المزيّة في نفس الداعية، فما يكفي أن يؤدّي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك، وما يكون قد أدّى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان، وهي إحدى الأمانات.. ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض؛ منهجاً للجماعة المؤمنة؛ ومنهجاً للبشـرية جميعاً.. المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة، وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة. فإقرار هذا المنهج في حياة البشـر هو كبرى الأمانات؛ بعد الإيمان الذاتي، ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة.. ومن ثم فـ(الجهاد ماض إلى يوم القيامة)([10])، على هذا الأساس.. أداءً لإحدى الأمانات..
ومن هذه الأمانات، الداخلة في ثنايا ما سبق، أمانة التعامل مع الناس؛ وردّ أماناتهم إليهم: أمانة المعاملات والودائع المادية، وأمانة النصيحة للراعي وللرعية، وأمانة القيام على الأطفال الناشئة، وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها… وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة، على وجه الإجمال.. فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدّى؛ ويجملها النص هذا الإجمال..
فأمّا الحكم بالعدل بين (الناس)، فالنصّ يطلقه هكذا عدلاً شاملاً (بين الناس) جميعاً، لا عدلاً بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب، ولا عدلاً مع أهل الكتاب، دون سائر الناس.. وإنما هو حقّ لكل إنسان بوصفه (إنساناً).. فهذه الصفة، صفة الناس، هي التي يترتّب عليها حقّ العدل في المنهج الرباني، وهذه الصفة يلتقي عليها البشـر جميعاً: مؤمنين وكفاراً، أصدقاء وأعداء، سوداً وبيضاً، عرباً وعجماً.. والأمّة المسلمة قيّمة على الحكم بين الناس بالعدل، متى حكمت في أمرهم، هذا العدل الذي لم تعرفه البشـرية قط، في هذه الصورة، إلا على يد الإسلام، وإلا في حكم المسلمين، وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشـرية… وذلك هو أساس الحكم في الإسلام؛ كما أن الأمانة، بكل مدلولاتها، هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي.
والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها؛ والحكم بين الناس بالعدل؛ هو التذكير بأنه من وعظ الله تعالى وتوجيهه، ونعم ما يعظ الله به ويوجّه: [إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ].. ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه، فالأصل في تركيب الجملة: إنه نعم ما يعظكم الله به، ولكن التعبير يقدّم لفظ الجلالة، فيجعله (اسم إن)، ويجعل نعم ما (نعما) ومتعلقاتها، في مكان (خبر إن)، بعد حذف الخبر.. ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله تعالى، وهذا الذي يعظهم به..
ثم إنها لم تكن (عظة)، إنما كانت (أمراً).. ولكن التعبير يسمّيه عظة، لأن العظة أبلغ إلى القلب، وأسرع إلى الوجدان، وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة الحياء!
ثم يجيء التعقيب الأخير في الآية؛ يعلّق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه: [إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا].. والتناسق بين المأمور به من التكاليف؛ وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس؛ وبين كون الله [سميعاً بصيراً] مناسبة واضحة ولطيفة معاً.. فالله يسمع ويبصـر قضايا العدل، وقضايا الأمانة. والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير، وإلى حسن التقدير، وإلى مراعاة الملابسات والظواهر، وإلى التعمق فيما وراء الملابسات والظواهر. وأخيراً فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور.
وبعد فالأمانة والعدل.. ما مقياسهما؟ ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما، في كل مجال في الحياة، وفي كل نشاط للحياة؟ أنترك مدلول الأمانة والعدل؛ ووسائل تطبيقها وتحقيقها إلى عرف الناس واصطلاحهم؟ وإلى ما تحكم به عقولهم، أو أهواؤهم؟
إن للعقل البشـري وزنه وقيمته، بوصفه أداة من أدوات المعرفة والهداية في الإنسان: هذا حق.. ولكن هذا العقل البشري هو عقل الأفراد والجماعات في بيئة من البيئات، متأثراً بشتى المؤثرات.. ليس هناك ما يسمّى (العقل البشـري) كمدلول مطلق! إنما هناك عقلي وعقلك، وعقل فلان وعلان، وعقول هذه المجموعة من البشـر، في مكان ما، وفي زمان ما.. وهذه كلها واقعة تحت مؤثّرات شتى؛ تميل بها من هنا، وتميل بها من هناك..
ولا بد من ميزان ثابت، ترجع إليه هذه العقول الكثيرة؛ فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوّراتها، ومدى الشطط والغلو، أو التقصير والقصور في هذه الأحكام والتصوّرات.. وقيمة العقل البشـري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان، ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان.. الميزان الثابت، الذي لا يميل مع الهوى، ولا يتأثر بشتى المؤثرات..”([11]).
قال الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ](النحل:90).
لقد جاء هذا الكتاب لينشئ أمة، وينظّم مجتمعاً، ثم لينشئ عالماً ويقيم نظاماً. جاء دعوة عالمية إنسانية، لا تعصّب فيها لقبيلة أو أمة أو جنس؛ إنما العقيدة وحدها هي الآصرة والرابطة والقومية والعصبية. ومن ثم جاء بالمبادئ التي تكفل تماسك الجماعة والجماعات، واطمئنان الأفراد والأمم والشعوب، والثقة بالمعاملات والوعود والعهود:
جاء [بِالْعَدْلِ] الذي يكفل لكل فرد، ولكل جماعة، ولكل قوم، قاعدة ثابتة للتعامل، لا تميل مع الهوى، ولا تتأثر بالود والبغض، ولا تتبدل مجاراةً للصهر والنسب، والغنى والفقر، والقوة والضعف. إنما تمضـي في طريقها تكيل بمكيال واحد للجميع، وتزن بميزان واحد للجميع.
وإلى جوار العدل.. [وَالْإِحْسَانِ].. يلطّف من حدة العدل الصارم الجازم، ويدع الباب مفتوحاً لمن يريد أن يتسامح في بعض حقّه إيثاراً لودّ القلوب، وشفاءً لغلّ الصدور…
والإحسان أوسع مدلولاً، فكل عمل طيّب إحسان، والأمر بالإحسان يشمل كل عمل، وكل تعامل، فيشمل محيط الحياة كلها؛ في علاقات العبد بربه، وعلاقاته بأسرته، وعلاقاته بالجماعة، وعلاقاته بالبشرية جميعاً.
ومن الإحسان [وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى]، إنما يبرز الأمر به تعظيماً لشأنه، وتوكيداً عليه. وما يبني هذا على عصبية الأسرة، إنما يبنيه على مبدأ التكافل، الذي يتدرّج به الإسلام من المحيط المحلي إلى المحيط العام، وفق نظريته التنظيمية لهذا التكافل.
[وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ].. والفحشاء كل أمر يفحش، أي يتجاوز الحد، ومنه ما خصص به غالباً وهو فاحشة الاعتداء على العرض، لأنه فعل فاحش فيه اعتداء، وفيه تجاوز للحدّ، حتى ليدلّ على الفحشاء ويختصّ بها. والمنكر كل فعل تنكره الفطرة، ومن ثم تنكره الشريعة، فهي شريعة الفطرة. وقد تنحرف الفطرة أحياناً فتبقى الشريعة ثابتة تشير إلى أصل الفطرة قبل انحرافها.. والبغي: الظلم، وتجاوز الحق والعدل.وما من مجتمع يمكن أن يقوم على الفحشاء والمنكر والبغي.. ما من مجتمع تشيع فيه الفاحشة بكل مدلولاتها، والمنكر بكل مغرّراته، والبغي بكل معقّباته، ثم يقوم… وأمر الله بالعدل والإحسان، ونهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي، يوافق الفطرة السليمة الصحيحة، ويقوّيها، ويدفعها للمقاومة باسم الله. لذلك يجيء التعقيب: [يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ]، فهي عظة للتذكّر؛ تذكّر وحي الفطرة الأصيل القويم”([12]).
وقال تعالى: [وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ، وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ](النحل:126-127).
يقول سيد قطب رحمه الله: “ولكي يطامن الداعية من حماسته واندفاعه، يشير النص القرآني إلى أن الله هو الأعلم بمن ضلّ عن سبيله، وهو الأعلم بالمهتدين. فلا ضرورة للّجاجة في الجدل، إنما هو البيان، والأمر بعد ذلك لله.
هذا هو منهج الدعوة ودستورها، ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان، والجدل بالحجّة. فأمّا إذا وقع الاعتداء على أهل الدعوة، فإن الموقف يتغيّر، فالاعتداء عمل مادي، يدفع بمثله، إعزازاً لكرامة الحق، ودفعاً لغلبة الباطل، على ألا يتجاوز الرد على الاعتداء حدوده إلى التمثيل والتفظيع، فالإسلام دين العدل والاعتدال، ودين السلم والمسالمة، إنما يدفع عن نفسه وأهله البغي، ولا يبغي: [وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ]، وليس ذلك بعيداً عن دستور الدعوة، فهو جزء منه. فالدفع عن الدعوة، في حدود القصد والعدل، يحفظ لها كرامتها وعزّتها، فلا تهون في نفوس الناس.. والدعوة المهينة لا يعتنقها أحد، ولا يثق أنها دعوة الله.. فالله لا يترك دعوته مهينة لا تدفع عن نفسها، والمؤمنون بالله لا يقبلون الضيم، وهم دعاة لله، والعزة لله جميعاً.. ثم إنهم أمناء على إقامة الحق في هذه الأرض، وتحقيق العدل بين الناس، وقيادة البشـرية إلى الطريق القويم، فكيف ينهضون بهذا كله وهم يعاقبون فلا يعاقبون، ويعتدى عليهم فلا يردون؟!.
ومع تقرير قاعدة القصاص بالمثل، فإن القرآن الكريم يدعو إلى العفو والصبر، حين يكون المسلمون قادرين على دفع الشـر ووقف العدوان، في الحالات التي قد يكون العفو فيها والصبر أعمق أثراً، وأكثر فائدة للدعوة، فأشخاصهم لا وزن لها إذا كانت مصلحة الدعوة تؤثر العفو والصبر.. فأمّا إذا كان العفو والصبر يهينان دعوة الله ويرخصانها، فالقاعدة الأولى هي الأوْلى.
ولأن الصبر يحتاج إلى مقاومة للانفعال، وضبط للعواطف، وكبت للفطرة، فإن القرآن يصله بالله، ويزيّن عقباه: [وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ]، فهو الذي يعين على الصبر وضبط النفس، والاتجاه إليه هو الذي يطامن من الرغبة الفطرية في رد الاعتداء بمثله، والقصاص له بقدره.
ويوصي القرآن الرسول ﷺ، وهي وصية لكل داعية من بعده، ألا يأخذه الحزن إذا رأى الناس لا يهتدون، فإنما عليه واجبه يؤدّيه، والهدى والضلال بيد الله، وفق سنته في فطرة النفوس واستعداداتها واتجاهاتها ومجاهدتها للهدى أو للضلال…”([13]).
العدل والتوازن في الإنفاق:
قال الله تعالى: [وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْـرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا](الفرقان:67).
يقول سيد قطب عند تفسيره لهذه الآية: “وهم في حياتهم نموذج القصد والاعتدال والتوازن… وهذه سمة الإسلام التي يحقّقها في حياة الأفراد والجماعات، ويتجه إليها في التربية والتشـريع، يقيم بناءه كله على التوازن والاعتدال. والمسلم – مع اعتراف الإسلام بالملكية الفردية المقيّدة – ليس حرًا في إنفاق أمواله الخاصة كما يشاء… إنما هو مقيّد بالتوسّط في الأمرين: الإسراف والتقتير، فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع، والتقتير مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به، وانتفاع الجماعة من حوله.. فالمال أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية، والإسراف والتقتير يحدثان اختلالًا في المحيط الاجتماعي والمجال الاقتصادي، وحبس الأموال يحدث أزمات، ومثله إطلاقها بغير حساب، ذلك فوق فساد القلوب والأخلاق”([14]).
التوازن بين الخوف والرجاء:
وبين مَنْ نزع إلى الخوف والوعيد، ونسـي الوعد والرجاء، ومن نزع إلى الرجاء والوعد، ونسـي الوعيد والتخويف، يقف الأستاذ سيد قطب موقف الوسط، موقف التوازن بين موجبات الخوف والرهبة، وموجبات الأنس والرجاء. يقول رحمه الله: “والتوازن في علاقة العبد بربه بين موحيات الخوف والرهبة والاستهوال، وموحيات الأمن والطمأنينة والأنس؛ فصفات الله الفاعلة في الكون، وفي حياة الناس والأحياء، تجمع بين هذا الإيحاء وذاك في توازن تام. ويقرأ المسلم في كتاب الله الكريم من صفات ربه ما يخلع القلوب، ويزلزل الفرائص، ويهز الكيان، من مثل قوله تعالى: [وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ](الأنفال: 24)… وصور النعيم في مشاهد القيامة رخيّة رخيّة!!.. ومن هذا وذاك يقع التوازن في الضمير بين الخوف والطمع، والرهبة والأنس، والفزع والطمأنينة، ويسير الإنسان في حياته، يقطع الطريق إلى الله، ثابت الخطو، مفتوح العين، حي القلب، موصول الأمل، حذرًا من المزالق، صاعدًا أبدًا إلى الأفق الوضيء، لا يستهتر ولا يستهين، ولا يغفل ولا ينسى، وهو في الوقت ذاته شاعر برعاية الله وعونه، ورحمة الله وفضله، وأن الله لا يريد به السوء، ولا يود له العنت، ولا يوقعه في الخطيئة ليتشفى بالانتقام منه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وحين نوازن بين هذا التصوّر وتصوّر الإغريق لكبير آلهتهم.. أو تصوّر الإسرائيليين المنحرف لإلههم الغيور المتعصب.. أو تصوّر أرسطو لإلهه المترفّع، الذي لا يُعني نفسه بأمر الخلق على الإطلاق.. أو تصوّر الماديين لإلههم (الطبيعة) الصماء العمياء الخرساء! عندئذ تبدو قيمة هذا الجانب المتوازن في التصوّر الإسلامي، وأثره الواقعي في حياة البشـر، وأثره كذلك في منهج حياتهم وأخلاقهم ونظامهم العملي”([15]).
الوسطية في التشريع:
جاء الإسلام وسطًا في التحليل والتحريم بين اليهودية، التي أسرفت في التحريم، وكثرت فيها المحرّمات؛ ممّا حرّمه (إسرائيل) على نفسه، وممّا حرّمه الله على اليهود، جزاء بغيهم وظلمهم. قال سبحانه وتعالى: [فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا] (النساء:160).. وبين المسيحية، التي أسرفت في الإباحة حتى أحلت الأشياء المنصوص على تحريمها في التوراة.
يقول سيد قطب رحمه الله: “فيضيف إلى ما سبق من مناكرهم هذه المنكرات الجديدة: الظلم. والصدّ الكثير عن سبيل الله، فهم ممعنون فيه، ودائبون عليه، وأخذهم الربا، لا عن جهل، ولا عن قلّة تنبيه، فقد نهوا عنه، فأصرّوا عليه! وأكلهم أموال الناس بالباطل، بالربا وبغيره من الوسائل. بسبب من هذه المنكرات، وممّا أسلفه السياق منها.. حرّمت عليهم طيبات كانت حلالاً لهم، وأعدّ الله للكافرين منهم عذاباً أليماً…
وما كان هذا التعريف بهذا الصنف من الخلق، ليقصـر على الجماعة المسلمة الأولى في المدينة، فالقرآن هو كتاب هذه الأمة ما عاشت، فإذا استفتته عن أعدائها أفتاها، وإذا استنصحته في أمرهم نصح لها؛ وإذا استرشدت به أرشدها. وقد أفتاها ونصح لها وأرشدها في شأن يهود، فدانت لها رقابهم.. ثم لما اتخذته مهجوراً دانت هي لليهود، كما رأيناها تتجمع فتغلبها منهم الشـرذمة الصغيرة، وهي غافلة عن كتابها.. القرآن.. شاردة عن هدية، ملقية به وراءها ظهرياً! متبعة قول فلان وفلان!! وستبقى كذلك غارقة في كيد يهود، وقهر يهود، حتى تثوب إلى القرآن”([16]).
يقول سيد قطب رحمه الله: “وهذه في المبادلات التجارية بين الناس في حدود طاقة، التحري والإنصاف، والسياق يربطها بالعقيدة؛ لأن المعاملات في هذا الدين وثيقة الارتباط بالعقيدة، والذي يوصي بها ويأمر هو الله. ومن هنا ترتبط بقضية الألوهية والعبودية، وتذكر في هذا المعرض الذي يبرز فيه شأن العقيدة، وعلاقتها بكل جوانب الحياة..
ولقد كانت الجاهليات، كما هي اليوم، تفصل بين العقيدة والعبادات، وبين الشـرائع والمعاملات، من ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن قوم شعيب: [قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ](هود: 87).
ومن ثم يربط السياق القرآني بين قواعد التعامل في المال والتجارة والبيع والشـراء، وبين هذا المعرض الخاص بالعقيدة، للدلالة على طبيعة هذا الدين، وتسويته بين العقيدة والشـريعة، وبين العبادة والمعاملة، في أنها كلها من مقوّمات هذا الدين، المرتبطة كلها في كيانه الأصيل.
[وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى].. وهنا يرتفع الإسلام بالضمير البشـري، وقد ربطه بالله ابتداء، إلى مستوى سامق رفيع، على هدى من العقيدة في الله ومراقبته.. فهنا مزلّة من مزلات الضعف البشـري، الضعف الذي يجعل شعور الفرد بالقرابة هو شعور التناصر والتكامل والامتداد؛ بما أنه ضعيفٌ ناقص محدود الأجل؛ وفي قوة القرابة سند لضعفه؛ وفي سعة رقعتها كمال لوجوده، وفي امتدادها جيلاً بعد جيل ضمان لامتداده! ومن ثم يجعله ضعيفاً تجاه قرابته، حين يقف موقف الشهادة لهم أو عليهم، أو القضاء بينهم وبين الناس.. وهنا في هذه المزلّة يأخذ الإسلام بيد الضمير البشـري ليقول كلمة الحق والعدل، على هدى من الاعتصام بالله وحده، ومراقبة الله وحده، اكتفاءً به من مناصرة ذوي القربى، وتقوىً له من الوفاء بحق القرابة دون حقّه؛ وهو – تعالى – أقرب إلى المرء من حبل الوريد.. لذلك يعقّب على هذا الأمر، وعلى الوصايا التي قبله، مذكراً بعهد الله: [وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا].. ومن عهد الله قولة الحق والعدل، ولو كان ذا قربى. ومن عهد الله توفية الكيل والميزان بالقسط. ومن عهد الله ألا يقربوا مال اليتيم، إلا بالتي هي أحسن. ومن عهد الله حرمة النفس إلا بالحق.. وقبل ذلك كله؛ من عهد الله ألا يشـركوا به شيئاً، فهذا هو العهد الأكبر، المأخوذ على فطرة البشـر، بحكم خلقتها متصلة بمبدعها، شاعرة بوجوده في النواميس التي تحكمها من داخلها، كما تحكم الكون من حولها.ثم يجيء التعقيب القرآني في موضعه بعد التكاليف: [ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ].. والذكر ضد الغفلة. والقلب الذاكر غير الغافل، وهو يذكر عهد الله كله، ويذكر وصاياه المرتبطة بهذا العهد، ولا ينساها”([17]).
وخلاصة القول: إن هذه الآيات تقرّر منهج الوسطية في التكليف، فهناك أوامر ونواهٍ، ولكنها في حدود الوسع، وعدم المشقة، وليس فيها تضييق وعسر وإحراج.
الوسطية والتوازن في خلق الله، وأمره:
إن من مظاهر الوسطية: العدل والتوازن في خلق الله، وأمره، قال تعالى: [أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ](الأعراف: 54)، فالخلق خلقه، والأمر أمره، وهو الحكيم الخبير الذي أحسن كل شيء خلقه، والذي قام خلقه وأمره على الحق والعدل والميزان المستقيم…
ويتحدث سيد قطب عن منهج الله القائم على العلم المطلق، والحكمة البالغة في الخلق والشـرع، فيقول: “إن شريعة الله تمثّل منهجًا شاملاً متكاملاً للحياة البشـرية؛ يتناول بالتنظيم والتوجيه والتطوير كل جوانب الحياة الإنسانية؛ في جميع حالاتها، وفي كل صورها وأشكالها.. وهو منهج قائم على العلم المطلق بحقيقة الكائن الإنساني، والحاجات الإنسانية، وبحقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان؛ وبطبيعة النواميس التي تحكمه، وتحكم الكينونة الإنسانية.. ومن ثم لا يفرّط في شيء من أمور هذه الحياة، ولا يقع فيه، ولا ينشأ عنه أيّ تصادم مدمّر بين أنواع النشاط الإنساني، ولا أيّ تصادم مدمّر بين هذا النشاط والنواميس الكونية؛ إنما يقع التوازن والاعتدال والتوافق والتناسق. وهو منهج قائم على العدل المطلق:
أولاً: لأن الله يعلم حق العلم بم يتحقق العدل المطلق، وكيف يتحقق.
وثانيًا: لأنه – سبحانه وتعالى – ربّ الجميع؛ فهو الذي يملك أن يعدل بين الجميع، وأن يجيء منهجه وشرعه مبرأً من الهوى والميل والضعف، كما أنه مبرأ من الجهل والقصور والغلو والتفريط، الأمر الذي لا يمكن أن يتوافر في أي منهج، أو في أي شرع من صنع الإنسان”([18]).
إن طرفي كل صفتين متقابلين كمثل الجناحين يحفظ بهما الطائر توازنه، حتى ولو كانا صغيرين، ويتمكن من الطيران، ولو إلى ارتفاعات محدودة. أمّا نموّ أحد الصفتين على حساب الأخرى، فهو كنموّ جناح كبير مع ضمور في الجناح الآخر، يعرقل الطائر عن الطيران، ويمنعه عن الركب المحلّق، ويصبح الجناح الممتد دون فائدة كبيرة.. فتقلّ قيمة الشجاعة، إذا لم يوازنها حذر، إذ تتحوّل إلى تهوّر واندفاع، ويتحوّل الكرم، دون توازن مع الاقتصاد، إلى تبذير، وتتحول الثقة – دون موازنتها بالتواضع – إلى تكبّر، ويتحوّل التواضع – دون موازنته بالحزم – إلى ذلّة واستكانة! ومع هذا، يجب أن يعلم أن هذا التوازن نسبي، إذ إن التوازن الرائع لا يملكه إلا فطاحل الرجال، بل إن المثل الكامل للتوازن لم يتحقق إلا بالأنبياء والمرسلين، وطليعتهم سيد الخلق المصطفى ﷺ، حيث يقول: (أنا نبي الرحمة، أنا نبي الملحمة)([19])، وقال: (أنا الضحوك القتّال([20]))([21]).
وكذلك، فإن الله حبّب هذه الوسطية النفسية لأمّة محمد ﷺ، فقال عنهم: […أشداء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ](الفتح: 29). وقال: [أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ](المائدة: 54).
يقول الإمام الطاهر بن عاشور: “اتفق حكماؤنا على أن قوام الصفات الفاضلة هو الاعتدال، أي التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، لأن ذينك الطرفين يدعو إليهما الهوى، الذي حذّرنا الله منه، والتوسط بينهما هو منبع الكمالات”([22]).
وعن خاصية التوازن في دين الإسلام يقول سيد قطب: “وقد صانته هذه الخاصية الفريدة من الاندفاعات هنا وهناك، والغلو هنا وهناك، والتصادم هنا وهناك؛ هذه الآفة التي لم يسلم منها أيّ تصوّر آخر، سواء التصوّرات الفلسفية، أو التصورات الدينية، التي شوّهتها التصوّرات البشـرية بما أضافته إليها أو نقصته منها، أو أوَّلته تأويلاً خاطئًا، وأضافت هذا التأويل الخاطئ إلى صلب العقيدة”([23]).
ويقول في موطن آخر: “إن التوازن ملحوظ في ملكوت السموات والأرض جميعًا… إنه ملحوظ في بناء الذرة، كما هو ملحوظ في بناء المجرّة! وملحوظ في التوازن بين الأحياء وبين الأشياء سواء، ولو اختل هذا التوازن شعرةً ما ظلّ هذا الكون قائمًا لحظة، فمن الذي يمسك بعجلة التوازن الكبرى في السموات والأرض جميعًا”([24]).
فوسطية الإسلام تسعى إلى تحقيق منهج في الحياة، لإيجاد التوازن في حياة الإنسان الروحية والمادية وفق فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ منهجٌ يلتقي فيه عالم الشهادة بعالم الغيب، لأن الإسلام دين عقيدة ترتكز على المادة والروح معاً. فتلك وسطية اكتملت أصولها في حياة الرسولﷺ، كما رسمها القرآن الكريم، ولم تحدث ظاهرة زيادة شيء جديد لها من بعد، وليس فيها سر ولا نقصان، ولا ما يصدم العقل أو العلم أو الفطرة.
والخلاصة أن التوازن يعني النظرة الوسطية للأمور، والاعتدال بين أطراف متناقضة، أي البعد عن طرف الإفراط والحماس الزائد والغلو والتشدد والمبالغة، وكذلك البعد عن الطرف الآخر، وهو التفريط والميوعة والتهاون. وقد عني ديننا العظيم ببناء وترسيخ عادة التوازن في كل جانب من جوانب حياتنا: في عباداتنا وفي معيشتنا، وفي سلوكياتنا وفي أخلاقنا، وفي علاقاتنا وفي الطريقة التي نفكّر بها. وقد بيّن لنا ديننا أن كل ما يصيب الإنسان في سعيه من شر وفساد، وفشل وانتكاس، وكل ما يصيبه من اضطراب وقلق وإحباط، هو نتيجة حتمية لفقدان التوازن في داخل النفس، وفقدانه – نتيجة لذلك – في واقع الحياة. وبهذا التوازن تكون الشخصية الإنسانية منتجة وفاعلة ومحققة لأهدافها في عبادة الله وعمارة الأرض.
الوسطية والتوازن بين المشيئة الإلهية المطلقة، والمشيئة الإنسانية المحدودة:
يقول سيد قطب؛ محدداً التوازن في التصوّر الإسلامي في هذه القضية التي عرفت في الفكر الفلسفي عامة، والفكر الكلامي الإسلامي، بقضية القدر: “والإسلام يثبت للمشيئة الإلهية الطلاقة، ويثبت لها الفاعلية التي لا فاعلية سواها، ولا معها، وفي الوقت ذاته يثبت للمشيئة الإنسانية، الإيجابية، ويجعل للإنسان الدور الأول في الأرض وخلافتها. وهو دور ضخم، يعطي الإنسان مركزاً ممتازاً في نظام الكون كله، ويمنحه مجالاً هائلاً للعمل والفاعلية والتأثير، ولكن في توازن تام مع الاعتقاد بطلاقة المشيئة الإلهية، وتفرّدها بالفاعلية الحقيقية، من وراء الأسباب الظاهرة، وذلك باعتبار أن النشاط الإنساني هو أحد هذه الأسباب الظاهرة، وباعتبار أن وجود الإنسان ابتداء، وإرادته وعمله، وحركته ونشاطه، داخل في نطاق المشيئة الطليقة، المحيطة بهذا الوجود وما فيه، ومن فيه”([25]).
الوسطية والتوازن في التصور والشعور:
يؤكّد سيد قطب أن ذلك التوازن بين المشيئة الإلهية والمشيئة الإنسانية، الذي يبنيه التصوّر الإسلامي في تصوّر وشعور الإنسان المسلم، يترتّب عليه توازن في الاعتقاد في نشاط وحركة الإنسان المسلم. يقول سيد قطب: «بهذا يتم التوازن في الاعتقاد والشعور، كما يتم التوازن في النشاط والحركة، فيثير التصوّر الإسلامي في الضمير الرغبة في الخير والاستقامة، وفي الحركة والفاعلية، مع الاستعانة بالله الذي بيده كل شيء([26]).
وبهذا يقطع التعطيل والإرجاء والسلبية، والإحالة على مشيئة الله في المعصية، أو الشلل والجمود والسلب.. وقد عُلم أن الله لا يرضى لعباده الكفر، وأنه لا يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ولا يرضى أن يترك المنكر بلا جهاد، ولا أن يترك الحق بلا نصـرة، ولا أن تترك الأرض بلا خلافة.
وسطية الأمة الإسلامية في الموقع والمكان:
وقد كان من تدبير الله الحكيم العليم في هذه الأمة أن جعل (وسطيتها) في كل مجال: فهي في موطن الرسالة الأولى، وفي ساحتها الحضارية المشعة مترامية الأطراف – من بعد –، في مناخ وسط محتمل، وجو مسعف، لا في مناطق بركانية زلزالية، ولا استوائية، ولا متجمدة قطبية، حيث تقعد قساوة الطبيعة بالإنسان عن الحركة والنشاط والإعمار الحضاري. فقد شاءت المقادير أن يكون حظ الأمة الوسط، في العدل والخير والاعتدال، أن تصبح وسطاً أيضاً على صعيد الجغرافيا. باعتبار أن موقع الأمة العربية جعلها في بقعة تمتد بين الشـرق والغرب، حتى قُدِّر لها أن تمزج بين السمت الأساسي لثقافات الطرفين، إذ امتزجت فيها والتقت روحانية الشـرق ومادية الغرب، الأمر الذي أضفى فرادة على طابعها الثقافي، عبّرت عنه ثقافة الوسط التي سادت تاريخياً في بلادنا.
قال أبو حيان في تفسير قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمةً وَسَطًا]: “أي كما جعلنا الكعبة وسط الأرض، كذلك جعلناكم أمة وسطاً، دون الأنبياء، وفوق الأمم”([27]).
يقول سيد قطب في هذا الشأن: [..“أمة وسطاً].. في المكان.. في سرة الأرض، وفي أوسط بقاعها.. وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة، هي الأمة التي تتوسّط أقطار الأرض بين شرق وغرب، وجنوب وشمال، وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعاً، وتشهد على الناس جميعاً؛ وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة؛ وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك؛ وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء..”([28]).
وهي وسط في موقعها الجغرافي المهم، حيث كان مهابط الوحي؛ أرض الإسلام، ومهد الأمة الإسلامية الأولى، ملتقى الجهات.. ومجمع القارات.. واليابسة التي تحفّها مسالك المواصلات المائية إلى جلّ العالم.. فهي الوسط بين الشمال والجنوب، والشـرق والغرب، وهي مركز الوصل بين إفريقية وآسيا، وطرف ممتد من أوروبا، وهي الرباط البري بين الطرق المائية.. وقد كان عدم اتصال المياه بين الشمال والجنوب سبباً في أن شبه جزيرة العرب كانت نقطة تغيير في وسائل المواصلات، وفي دور (الوساطة) الذي كتب للعرب أن يقوموا به، بل ودور الرسالة الخالدة الذي قضـى الله أن يضطلعوا به، لنزول الإسلام في بلادهم، على رسول منهم و[الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ](الأنعام: 124).
الوسطية في التعامل مع الخلاف الفقهي والإفتاء:
عوائق النهوض عند المسلمين كثيرة، ولكن تبقى أهم العوائق والتحديات التي تواجههم تلك التحديات النابعة من عند أنفسهم، ومن هذه العلل علّة التنازع والشقاق الذي ينخر في جسدهم، ويعطي أعداءهم القدرة على استغلالها في السيطرة عليهم، ذلك أن مؤدّى النزاع بين المسلمين دائمًا هو الفشل، وذهاب قوتهم وهيبتهم في قلوب أعدائهم: [وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ](الأنفال: 46).
والاختلاف سنة من سنن الله في خلقه؛ يقول سيد قطب: “إن من طبيعة الناس أن يختلفوا؛ لأن هذا الاختلاف أصل من أصول خلقتهم؛ يحقق حكمة عليا من استخلاف هذا الكائن في الأرض.. إن هذه الخلافة تحتاج إلى وظائف متنوعة، واستعدادات شتى من ألوان متعددة؛ كي تتكامل جميعها وتتناسق، وتؤدي دورها الكلي في الخلافة والعمارة، وفق التصميم الكلي المقدر في علم الله. فلا بد إذن من تنوّع في المواهب يقابل تنوّع تلك الوظائف؛ ولا بد من اختلاف في الاستعدادات، يقابل ذلك الاختلاف في الحاجات، [وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ](هود: 118-119)([29]).
([2]) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: 6/110.
([6]) رواه الإمام أحمد في مسنده: 3/241 و259و285، والبخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح: (5063). ومسلم (1401) في النكاح: باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد المؤونة، والنسائي: 6/60 في النكاح: باب النهي عن التبتل، والبيهقي في السنن: 7/77.
([9]) انظر: جامع البيان، الطبري 22/292، أنوار التنزيل، البيضاوي 5/135.
([10]) عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: (.. الجهادُ ماضٍ منذُ بعثني اللهُ إلى أن يقاتلَ آخِرُ أُمتي الدجالَ، لا يبطِلُه جَوْر جائرٍ، ولا عَدل عادلٍ) رواه أبو يعلى، رقم (4311)، والبيهقي في السنن: 9/ 156.
([14]) في ظلال القرآن: 5/2579.
([15]) خصائص التصوّر الإسلامي: 160-162، باختصار.
([19]) رواه ابن حبان في صحيحه. وذكره السيوطي في الجامع الصغير وقال: رواه ابن سعد عن مجاهد.
([20]) لم أقف على رواية الحديث، ولكن ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره: 2/403.
([21]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 28/257.
([22]) مقاصد الشريعة الإسلامية: 42.
([23]) خصائص التصور الإسلامي: 60.
([25]) خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، سيد قطب: 143.
([26]) الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء، ابن قيم الجوزية: 255.
([27]) تفسير البحر المحيط: 1/421.
([28]) في ظلال القرآن لسيد قطب: 1/131.
مجلة الحوار ǁ العدد 190 ǀ السنة الثانية والعشرون ǀ شتاء 2024