السنن الإلهية في المجتمعات عند العلامة النورسي.. رؤية قرآنية
د. عبد اللطيف ياسين - دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن

مقدمة
خلق الله الوجود بما فيه، وفق سنن وقواعد تتحكّم بهذا الكون تحكّماً محكماً، بحيث لا تحابي لا نبياً ولا رسولاً، وهذه السنن متحكّمة بهذا الكون، ومن ضمنه هذا الإنسان وأفعاله كلها. ولا أقصد هنا الدخول إلى عالم المنطق والفلسفة وعلم الكلام، والحديث عن اختيارات الإنسان وإرادته!! وهل هو مسير أو مخيّر؟ وإنما القصد هو هذه السنن والقواعد المتحكمة في السلوك الإنساني والمجتمعات، والتغيّرات المبنيّة على هذه القواعد والسنن، فنحن نعلم أن النار حارقة، وأنها مجمع للطاقة، التي هي اليوم محلّ للنزاع والهيمنة، ويجب التعامل معها على أساس الاحتراق وليس السلام، وما كانت سلامة النار إلا لوقت معلوم ومكان معلوم، ومخصّص لسيدنا إبراهيم – عليه السلام-، وهذا ما يسمّى – كما هو معروف بين المسلمين – بالمعجزة، وفي القرآن بالآيات، ولو أن سيدنا إبراهيم دخل النار قبل هذا التحدي، أو بعده، لاحترق كغيره من المخلوقات!
ومن دخل بطن الحوت لم ينج، إلا ما كان من سيدنا يونس – عليه السلام -، وهو ليس إلا معجزة وخروجاً من الثوابت! وعصا سيدنا موسى – عليه السلام – ما انقلبت ثعباناً إلا من قبيل المعجزة! وقميص يوسف عندما ألقي على وجه يعقوب، ليس إلا معجزة وخروجاً عن المألوف.. إذن نحن أمام سنن وقواعد سارية على الكون، وجميع الخلائق، دون استثناء لأحد، فمتى ما تم إيقاف أيّ قاعدة، فهو من قبيل الإعجاز لا غير.
والسنن النفسية أو السايكولوجية كغيرها لها سنن تتحكم فيها، فسلوكنا وقراراتنا واختياراتنا كلها متحكمة وفق سنن ثابتة، وهنا في هذا البحث الموجز أشير إلى بعض من هذه السنن.
السنن الاجتماعية في فكر سعيد النورسي
أولاً : التعاون والتكافل الاجتماعي:
– أكّد النورسي على أهمية التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع كسنّة اجتماعية أساسية أودعها الله بين عباده، وهو يؤمن بأن التضامن والمساعدة المتبادلة يعززان الروح الجماعية، ويساهمان في بناء مجتمع قوي ومترابط. “ﺃﻣﺎ ﺣﻜﻤﺔ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ، ﻓﻬﻲ ﺗﻘﺒﻞ (ﺍﻟﺤﻖَّ) ﻧﻘﻄﺔَ ﺍﺳﺘﻨﺎﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺎﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، ﺑﺪﻟﺎً ﻣﻦ (ﺍﻟﻘﻮﺓ).. ﻭﺗﺠﻌﻞُ (ﺭﺿا ﺍﻟﻠّﻪ)، ﻭﻧﻴﻞَ ﺍﻟﻔﻀﺎﺋﻞ، ﻫﻮ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ، ﺑﺪﻟﺎً ﻣﻦ (ﺍﻟﻤﻨﻔﻌﺔ).. ﻭﺗﺘﺨﺬ ﺩﺳﺘﻮﺭَ (ﺍﻟﺘﻌﺎﻭﻥ) ﺃﺳﺎﺳﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﺑﺪﻟﺎً ﻣﻦ ﺩﺳﺘﻮﺭ (ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ)”([1]). كان النورسي يروّج لمفهوم العدالة الاجتماعية، وضرورة تحقيق المساواة بين أفراد المجتمع، ويعدّ العدل والمساواة سننًا اجتماعية تضمن استقرار المجتمع وسلامته. “ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﻫﺬه ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺗﻜﻮّﻥ ﻭﺗﻤﺜّﻞ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻌﻘﻮﻝ ﺃﺳﻤﻰ (ﻣﺪﺭﺳﺔ)، ﻭﺑﻨﻈﺮ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﻭﺍﻟﻮﺟﺪﺍﻥ ﺃﻗﺪﺱ ﺯﺍﻭﻳﺔ (ﺗﻜﻴﺔ)، ﻭﺫﻟﻚ ﺑﻤﺎ ﺗﻨﺸﺮه ﻣﻦ ﺛﻤﺮﺍﺕ، ﻭﻣﺎ ﺗﻌﻤّﻪ ﻣﻦ ﺿﻴﺎﺀ، ﻭﻣﺎ ﺗﻘﺪّﻣﻪ ﻟﻠﺈﺳﻠﺎﻡ ﻣﻦ ﺧﺪﻣﺎﺕ ﺟﻠﻴﻠﺔ. ﺃﻱ ﻓﻜﻤﺎ ﻫﻲ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﺩﻳﻨﻴﺔ، ﻓﻬﻲ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﺣﺪﻳﺜﺔ، ﻭﺗﻜﻴﺔ ﺃﻳﻀًﺎ. ﻭﺣﻴﻨﻬﺎ ﻳﺘﻮﺟّﻪ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻗﺴﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺬﻭﺭ ﻭﺍﻟﺼﺪﻗﺎﺕ، ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﻦ ﺟﻤﻠﺔ ﺍﻟﺘﻜﺎﻓﻞ”([2]).
والعلامة النورسي يمضـي أبعد وأعمق، كما هو دأبه: “ﻓﻬﺬﺍ ﺍﻟﺘﺴﺎﻧﺪ، ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻌﺎﻭﻥ، ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺠﺎﻭﺏ، ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻌﺎﻧﻖ، ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺴﺨﻴﺮ، ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺎﻧﺘﻈﺎﻡ، ﺍﻟﺠﺎﺭﻱ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻮﻥ، ﻳﺸﻬﺪُ ﺷﻬﺎﺩﺓ ﻗﺎﻃﻌﺔ، ﺃﻥ ﻣﺪﺑّﺮﺍً ﻭﺍﺣﺪﺍً ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺪﻳﺮه، ﻭﻣﺮﺑّﻴﺎً ﺃﺣﺪﺍً ﻳﺴﻮﻕ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﻮﻥ. ﺯﺩ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔَ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﺑﺪﺍﻫﺔ ﻓﻲ ﺧﻠﻖ ﺍﻟﺄﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺒﺪﻳﻌﺔ، ﻭﻣﺎ ﺗﺘﻀﻤﻨﻪ ﻣﻦ ﻋﻨﺎﻳﺔ ﺗﺎﻣﺔ، ﻭﻣﺎ ﻓﻲ ﻫﺬه ﺍﻟﻌﻨﺎﻳﺔ ﻣﻦ ﺭﺣﻤﺔ ﻭﺍﺳﻌﺔ، ﻭﻣﺎ ﻋﻠﻰ ﻫﺬه ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﻣﻦ ﺃﺭﺯﺍﻕ ﻣﻨﺜﻮﺭﺓ ﺗﻔﻲ ﺑﺤﺎﺟﺔ ﻛﻞ ﺫﻱ ﺣﻴﺎﺓ، ﻭﺗﻌﻴّﺸﻪ ﻭﻓﻖ ﺣﺎﺟﺎﺗﻪ.. ﻛﻞ ﺫﻟﻚ ﺧﺘﻢ ﻋﻈﻴﻢ ﻟﻠﺘﻮﺣﻴﺪ، ﻟﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻈﻬﻮﺭ ﻭﺍﻟﻮﺿﻮﺡ ﻣﺎ ﻳﻔﻬﻤﻪ ﻛﻞُّ ﻣَﻦ ﻟﻢ ﺗﻨﻄﻔﺊ ﺟﺬﻭﺓُ ﻋﻘﻠﻪ، ﻭﻳﺮﺍه ﻛﻞُّ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳَﻌْﻢَ ﺑﺼَﺮه”([3]).
“ﻓﺨﻀﻮﻉُ ﻫﺬه ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺍﺕ ﺍﻟﺠﺎﻣﺪﺓ، ﺍﻟﻔﺎﻗﺪﺓ ﻟﻠﺸﻌﻮﺭ، ﻭﺍﻧﻘﻴﺎﺩﻫﺎ ﻟﺪﺳﺘﻮﺭ ﺍﻟﺘﻌﺎﻭﻥ، ﻭﺍﺭﺗﺒﺎﻃﻬﺎ ﻣﻌﺎً ﺍﺭﺗﺒﺎﻁ ﺗﻔﺎﻫﻢ ﻭﺗﺠﺎﻭﺏ، ﻓﻲ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ، ﻭﻓﻲ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺍﻟﺈﻳﺜﺎﺭ ﻭﺍﻟﻜﺮﻡ، ﻭﺟﻌﻞ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﻳﺴـﻌﻰ ﻟﺈﻏﺎﺛﺔ ﺍﻟﺂﺧﺮ، ﻭﺇﻣﺪﺍده ﺑﻠﻮﺍﺯﻡ ﺣﻴﺎﺗﻪ، ﻭﻳﻬﺮﻉ ﻟﻘﻀﺎﺀ ﺣﺎﺟﻴﺎﺗﻪ ﻭﺇﺳﻌﺎﻓﻪ، ﺗﺤﺖ ﻇﻞ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻜﺮﻡ، ﻭﻧﺎﻣﻮﺱ ﺍﻟﺮﺃﻓﺔ، ﻭﺩﺳﺘﻮﺭ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ.. ﻛﻞ ﺫﻟﻚ ﻳﺪﻝّ ﺑﺪﺍﻫﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺟﻤﻴﻌﻬﺎ ﻣﺨﻠﻮﻗﺎﺕ ﻣﺄﻣﻮﺭﺍﺕ ﻭﻣﺴﺨﺮﺍﺕ ﻋﺎﻣﻠﺎﺕ ﻟﻠﻮﺍﺣﺪ ﺍﻟﺄﺣﺪ، ﺍﻟﻔﺮﺩ ﺍﻟﺼﻤﺪ، ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ، ﻭﺍﻟﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﺍﻟﻌﻠﻢ، ﻭﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﺍﻟﻜﺮﻡ”([4]).
“ﻓﺎﻧﻈﺮ ﻳﺎ ﺃﺧﻲ ﺑﻤﻨﻈﺎﺭ ﺍﻟﺘﻌﺎﻭﻥ، ﻭﺍﺳﺘﻤﻊ ﺑﺼﻤﺎﺥ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ، ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﻳﻘﻮﻝ: ﻧﺤﻦ ﺃﻳﻀﺎً ﺧﺪّﺍﻡ ﻣﺴﺨﺮﻭﻥ”([5]).
ثانياً: الأسرة والتربية:
– ركّز النورسي على دور الأسرة؛ كمؤسسة أساسية في تنمية وتربية الأفراد، وتحقيق التوازن الاجتماعي. يعتبر الزواج وتكوين الأسرة سنّة اجتماعية مهمة تحافظ على استمرار الجنس البشـري، وتعزّز الروابط الاجتماعية. “ﺇﻥ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻳﺠﺪ ﺍﻟﺤﻠﻮﻝ ﻟﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ، ﻭﻳﺮﺑﻂ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺄﺧﻠﺎﻗﻲ، ﻭﻳﺴﻌﻰ ﺇﻟﻰ ﺧَﻠﻖ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ، ﻭﺍﻟﻮﺣﺪﺓ ﺍﻟﺎﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، ﻭﺇﻟﻰ ﺗﺨﻔﻴﻒ ﺍﻟﺒﺆﺱ ﻭﺍﻟﻘﺴﻮﺓ ﻭﺍﻟﺨﺮﺍﻓﺎﺕ. ﺇﻧﻪ ﻳﺴﻌﻰ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺄﺧﺬ ﺑﻴﺪ ﺍﻟﻤﺴﺘﻀﻌﻔﻴﻦ، ﻭﻳﻮﺻﻲ ﺑﺎﻟﺒﺮ، ﻭﻳﺄﻣﺮ ﺑﺎﻟﺮﺣﻤﺔ.. ﻭﻓﻲ ﻣﺎﺩﺓ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﻭَﺿَﻊَ ﻗﻮﺍﻋﺪَ ﻟﺄﺩﻕّ ﺍﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ ﻟﻠﺘﻌﺎﻭﻥ ﺍﻟﻴﻮﻣﻲ، ﻭﻧﻈّﻢ ﺍﻟﻌﻘﻮﺩ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﺭﻳﺚ، ﻭﻓﻲ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺄﺳﺮﺓ ﺣﺪّﺩ ﺳﻠﻮﻙ ﻛﻞ ﻓﺮﺩ ﺗﺠﺎه ﻣﻌﺎﻣﻠﺔ ﺍﻟﺄﻃﻔﺎﻝ ﻭﺍﻟﺄﺭﻗّﺎﺀ ﻭﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ ﻭﺍﻟﺼﺤﺔ ﻭﺍﻟﻤﻠﺒﺲ.. إﻟﺦ”([6])، ومن سنن الله في هذا الوجود الحرص على سلامة الأسرة وأواصر العلاقة بين أعضاء هذه المؤسسة الكبيرة والعظيمة، وإننا إذا فرّطنا في بناء هذه المؤسسة، أو في حمايتها، أو تنميتها، أو تطويرها، فإننا نكون قد أهملنا سنناً، وأعطينا المجال للأعداء أن يهدموا هذه القلعة، ويشـرّدوا أهلها، ويطمسوا معالم وجودهم، ويمسخوا هويتهم. ومن المعلوم اليوم أن الحضارة الخبيثة الحديثة تحاول جاهدة، وعلى الدوام، تغيير تعريف الأب والأم، والابن والبنت، والأخ والأخت..
تريد أن يعرف الأب أنه كلب أو حصان، أو يغيّر جنس الأب من ذكر إلى أنثى، وهلّم جرّاً، فقد أجازوا الزواج بين الحيوان والإنسان، وبين الذكر والذكر، وبين الأنثى والأنثى، فهم يريدون تغيير خلق الله سبحانه، والكون مبنيّ على هذه السنن، وإذا ما أريد لها التغيير فالنتيجة هي نهاية الإنسانية والبشرية.
ومن السنن أن الإنسان يمرّ بمراحل متعددة حتى يصل إلى أرذل العمر، وجميع تلك المراحل لها سننها، ولكل سنّة مميزاتها ومعطياتها، والخروج على هذه السنن يؤثّر على تلك المميزات والمعطيات، لأن تلك المميزات تتأثر وتؤثّر على التفاعلات الاجتماعية والسلوكية، فمثلاً:
مرحلة الرضاعة تتميز بالضعف وضعف الإدراك من جانب الطفل، أمّا من جانب الأبوين، فتحظى بالاهتمام الكبير والدلال، حتى تنظيف فضلاته متعة يمليها الحنان والحب، وبعد ثلاث سنوات أو أربع يبقى الحب والحنان، ولكن مفهوم الاهتمام يأخذ أبعاداً أخرى، فعليه أن يأكل طعامة بيديه، وأن لا يتبرز في جميع الأماكن، وجميع الحالات.. تتغير سمات التفاعلات، وما يبنى على هذه التفاعلات.. فيمكن أن يكون الزجر والمحاسبة من مقتضيات العناية والحب.. فالتفاعلات تابعة لسمات ومميزات السنن الخاصة بتلك المرحلة.
وكذلك مرحلة الخطوبة والزواج، ومن ثم إدارة المنزل والعائلة، لكل مرحلة مميزاتها وسماتها وفق سنن معينة، ولها تفاعلاتها ومعطياتها الخاصة لكل مرحلة من تلك المراحل، وكذا الوظيفة، وإدارة الدولة، والبناء، والتطور، والدفاع، والتوسع والانكماش، والصعود والهبوط، والارتقاء والسقوط.
فمن مقتضيات التربية، وسمات المربي، أن يطّلع على تلك السنن، وكيفية الحفاظ على أواصر العائلة، وأن يعرف هذه السنن المتحكمة في جميع تلك المراحل، والتفاعلات الناتجة عنها؛ فهناك تحديات داخلية للأسرة، وهناك تحديات خارجية، ومعرفة هذه السنن تكون إبصاراً وعوناً لإدارة تلك المراحل.. وعلى الإنسان – ذكراً أو أنثى – أن يلمّ بهذه السنن، وفق أسئلة تفرض نفسها على حياتنا اليومية النفسية والاجتماعية، منها:
- السنن المادية للجانب العضوي للمرأة، “من طفولتها إلى تنمية جسدها، ومرحلة المراهقة، وما تفرز من غدد وهورمونات، وحتى الزواج وما تفرزه الغدد من هورمونات، والتفاعلات الناتجة من ذلك النمو، وأثر هذه التفاعلات على انسيابية الحركة والعطاء، فتقييم المرأة المراهقة مع امرأة مسنة في ميزان واحد؛ خطأ منهجي مدمر للحياة الزوجية والأسرة، فالجانب العضوي والنفسـي متلازمان لهذا الكائن، يتفاعلان ويتأثران ببعضهما، فتنتج ردود أفعال وقرارات ومواقف داخل المنزل والأسرة والروابط التابعة لهذه الأسرة من العوائل الأخرى”.
- السنن المادية للجانب العضوي للرجل، أو ما يسمى بالجانب الفسلجي، له نفس التفاعلات والاستنتاجات، ولكن بسمات أخرى مغايرة، فتربية الطفل تختلف عن الطفلة، والفتى والفتاة، والرجل والمرأة.
- وسنن الاقتصاد، ودورها في حياة الفرد والأسرة، أمر في غاية الأهمية، ولا يمكن تجاهلها أو تغافلها، لأن التفاعلات تكون حاضرة، فمثلاً: للاقتصاد دور مؤثّر على الفرد، وليس بالضـرورة أن يكون هذا التأثير إيجابياً أو سلبياً، فقد يكون الغنى سبباً للارتقاء، وقد يكون سبباً للسقوط والرذيلة، وكذا الحال فيما يخص الأسرة، فقد يكون غنى الأب سبباً لفقر الأبناء، أو العكس، وقد يكون غنى الأب سبباً لغنى الأولاد، ولكن يضيع عنهم الأمان الاجتماعي والفكري، ولكن يبقى التأثير حاضراً ومؤثراً، والنتائج تختلف بحسب معرفة السنن المتحكمة، وسبل حسن التوظيف والإرشاد.
- ومن السنن: تفاعلات بين الأسرة وما يلحق بهم من حولهم من الأفراد والأُسر والمجتمع، وهذه أيضاً تحتاج إلى المعرفة والدراية بهذه السنن.
ومعرفة كل هذه السنن تسهّل علينا عملية الحفاظ على الأسرة، وبيان دورها في الصـراع الدائر بين الخير والشـر. ويلخّص العلامة النورسي هذه السنن، وما ينتج عنها من تفاعلات، في النقاط التالية:
1 – ﺇﻥ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ جامع وحاوٍ لجميع ﺍﻟﺤﻠﻮﻝ، وﻟﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ.
2 – ﻭﻳﺮﺑﻂ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺄﺧﻠﺎﻗﻲ، ﻭﻳﺴﻌﻰ ﺇﻟﻰ ﺧَﻠﻖ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ، أي البعد عن الفوضى، ﻭﺍﻟﻮﺣﺪﺓ ﺍﻟﺎﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، والبعد عن الاختلاف والشتات.
3 – ﻭﺇﻟﻰ ﺗﺨﻔﻴﻒ ﺍﻟﺒﺆﺱ، والذهاب نحو الانشـراح والاستبشار والمصابرة والتكافل. والابتعاد عن القسوة، والذهاب نحو الرحمة والمودة والعفو والتسامح، ﻭالبعد عن ﺍﻟﺨﺮﺍﻓﺎﺕ، لأن ذلك يخدّر عقول السذّج والمجتمع، ويزيد من جشع المستغلين، ومزاعم المستهترين، فالمجتمع الذي يسترزق على الخرافة، لا تجد له موضع شبر في التقدم والرقي.
4 – والسعي ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺄﺧﺬ ﺑﻴﺪ ﺍﻟﻤﺴﺘﻀﻌﻔﻴﻦ بكل قناعة وقوة.
5 – ﻭالتواﺻﻲ ﺑﺎﻟﺒﺮ، ﻭﺑﺎﻟمرﺣﻤﺔ.
6 – ﻭﻓﻲ ﻣﺎﺩﺓ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﻭَﺿَﻊ الإسلام القواعدَ ﻟﺄﺩﻕّ ﺍﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ ﻟﻠﺘﻌﺎﻭﻥ ﺍﻟﻴﻮﻣﻲ، ﻭﻧﻈّﻢ ﺍﻟﻌﻘﻮﺩ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﺭﻳﺚ. ﻭﻓﻲ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺄﺳﺮﺓ ﺣﺪّﺩ ﺳﻠﻮﻙ ﻛﻞ ﻓﺮﺩ ﺗﺠﺎه ﻣﻌﺎﻣﻠﺔ ﺍﻟﺄﻃﻔﺎﻝ ﻭﺍﻟﺄﺭﻗﺎﺀ ﻭﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ ﻭﺍﻟﺼﺤﺔ ﻭﺍﻟﻤﻠﺒﺲ.. إﻟﺦ.
ثالثاً: التسامح والاحترام المتبادل:
يشجّع النورسي على التسامح والاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع، سواء فيما يتعلّق بالدين أو الثقافة أو العرق. ويعتبر الاحترام المتبادل، وتقدير الآخرين، سنّة اجتماعية تساهم في تعزيز السلام والتعايش السلمي. “ﺇﻥ ﻣﺎ ﺗﺘﺤﻠّﻮﻥ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺇﺧﻠﺎﺹ ﻭﻭﻓﺎﺀ ﻭﺛﺒﺎﺕ ﻛﺎﻑٍ ﻟﻐﺾّ ﺍﻟﻄﺮﻑ ﻋﻦ ﻧﻘﺎﺋﺺ ﺑﻌﻀِﻜُﻢ ﻟﻠﺒﻌﺾ ﺍﻟﺂﺧﺮ، ﻭﺳﺘﺮﻫﺎ، ﻭﺃﻧﺘﻢ ﺗﺮﺯﺣﻮﻥ ﺗﺤﺖ ﺛﻘﻞ ﻫﺬه ﺍﻟﻤﻀﺎﻳﻘﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﺸﻘﺎﺕ. ﻭﺇﻥ ﺭﺍﺑﻄﺔ ﺍﻟﺄﺧﻮﺓ ﺍﻟﻤﻮﺛﻮﻗﺔ ﺑﺴﻠﺴﻠﺔ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﻟَﺤﺴﻨﺔٌ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﺗﺬﻫﺐ ﺑﺄﻟﻒ ﺳﻴﺌﺔ. ﻓﻴﻨﺒﻐﻲ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﺑﺎﻟﻤﺤﺒﺔ ﻭﺍﻟﺼﻔﺢ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻨﻜﻢ، ﺣﺴﺐ ﺭﺟﺤﺎﻥ ﺍﻟﺤﺴﻨﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻴﺌﺎﺕ، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺸﺮ ﺍﻟﺄﻋﻈﻢ، ﺣﻴﺚ ﺗُﺬﻫﺐ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔُ ﺍﻟﺈﻟﻬﻴﺔ ﺍﻟﺴﻴﺌﺎﺕ ﺑﺮﺟﺤﺎﻥ ﺍﻟﺤﺴﻨﺎﺕ. ﻭﺑﺨﻠﺎﻑ ﺫﻟﻚ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺎﻧﻔﻌﺎﻝ، ﻭﺳَﻮﺭﺓ ﺍﻟﻐﻀﺐ، ﺇﺯﺍﺀ ﺳﻴّﺌﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ، والآثار ﺍﻟﻤﻀﺮﺓ ﺍﻟﻨﺎﺟﻤﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺠﺮ ﻭﺍﻟﻀﻴﻖ، ﻳﻜﻮﻥ ﻇﻠﻤﺎً ﻣﻀﺎﻋﻔﺎً.. ﻧﺴﺄﻝ ﺍﻟﻠّﻪ ﺃﻥ ﺗﺰﻳﻠﻮﺍ ﺍﻟﻀﺠﺮ ﻭﺍﻟﺴﺂﻣﺔ، ﺑﻤﻌﺎﻭﻧﺔ ﺑﻌﻀﻜﻢ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﺍﻟﺂﺧﺮ، ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺮﺍﺀ ﻭﺑﺚ ﺍﻟﺴﻠﻮﺍﻥ“([7]).
وكسنن ثابتة في إدارة الجانب الاجتماعي، وتنصيب هذه السنن في جميع الخانات:
- التحلّي بالإخلاص والوفاء.
- والتمسّك بثبات كافٍ يمكننا من غضّ الطرف عن نقائص بعضنا البعض، ونستر عيوب وهفوات بعضنا، “ﻭﺃﻧﺘﻢ ﺗﺮﺯﺣﻮﻥ ﺗﺤﺖ ﺛﻘﻞ ﻫﺬه ﺍﻟﻤﻀﺎﻳﻘﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﺸﻘﺎﺕ”.
- ويؤكد على أهمية رابطة الأخوة: “ﻭﺇﻥ ﺭﺍﺑﻄﺔ ﺍﻟﺄﺧﻮﺓ ﺍﻟﻤﻮﺛﻮﻗﺔ ﺑﺴﻠﺴﻠﺔ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﻟَﺤﺴﻨﺔٌ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﺗﺬﻫﺐ ﺑﺄﻟﻒ ﺳﻴﺌﺔ”.
- “ﻓﻴﻨﺒﻐﻲ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﺑﺎﻟﻤﺤﺒﺔ ﻭﺍﻟﺼﻔﺢ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻨﻜﻢ، ﺣﺴﺐ ﺭﺟﺤﺎﻥ ﺍﻟﺤﺴﻨﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻴﺌﺎﺕ، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺸﺮ ﺍﻟﺄﻋﻈﻢ، ﺣﻴﺚ ﺗُﺬﻫﺐ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔُ ﺍﻟﺈﻟﻬﻴﺔ ﺍﻟﺴﻴﺌﺎﺕ ﺑﺮﺟﺤﺎﻥ ﺍﻟﺤﺴﻨﺎﺕ”.
- فإن السنّة المتحكمة من الانفعالات ﻭﺳَﻮﺭﺓ ﺍﻟﻐﻀﺐ ﺇﺯﺍﺀ ﺳﻴّﺌﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﻭﺍﻟﺈﺛﺎﺭﺓ ﺍﻟﻤﻀﺮّﺓ ﺍﻟﻨﺎﺟﻤﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺠﺮ ﻭﺍﻟﻀﻴﻖ، ﻳﻜﻮﻥ ﻇﻠﻤﺎً ﻣﻀﺎﻋﻔﺎً، وسبباً في التشتت والابتعاد والتفكيك بين المجتمع. وإذا نظرنا إلى كتاب الله سبحانه وتعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾([8])، ﴿فبما رحمة من الله﴾، أَيْ: فَبِرَحْمةٍ أَيْ: فبنعمةٍ من الله، وإحسانٍ منه إليك، ومعيّته وإعانته لك ﴿لِنت لهم﴾، يا محمد: أنا سهّلت أخلاقك لهم، وأنا أعنتك على أن يزيد حلمك وتحمّلك لكل ما يبدر من الناس حولك، من جميع أنواع المواقف والطبائع، ولو لم تكن ليناً هيّناً، وكنت عكس ذلك، وحاشا أن يكون الرسول المرسل من قبل الله أن يكون غير ذلك ﴿ولو كنت فظاً﴾، وهو الأذى في القول؛ إيماءً وإيحاء، أو الغلظة في القول، و﴿غليظ القلب﴾ في الفعل والسلوك، ﴿لانْفَضُّوا من حولك﴾ أي: تفرَّقوا وأدبروا، وسلكوا شعباً أخرى، وتركوك قائماً وحيداً دون أنس أو أنيس. ﴿فاعف عنهم﴾: ولكنك أنت، يا من مقامك في قمة الأخلاق، أنت صاحب العفو والصفح والاستغفار لمن حولك، ﴿واستغفر لهم﴾ شافع لهم، محسن إليهم، ﴿وشاورهم في الأمر﴾ ومشاور لهم، وسامع لآلامهم وأوجاعهم ومعاناتهم، وطبيباً لنفوسهم وقلوبهم، ورافعاً لأقدارهم، ولتصير سنَّةً من بعدك: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾[9]
رابعاً: التعليم والتعلّم المستمر:
ولا نستغرب عندما يكون إيمان النورسي بأهمية التعليم والتعلّم المستمر، على رأس قائمة السنن الإلهية، كسنّة اجتماعية تساهم في تطوير المجتمع، وتحقيق التقدم الفكري والتكنولوجي والاقتصادي. “إذا كانت النظريات التربوية الحديثة، والمقاربات التعليمية، تركز بشكل أساسي على ما يسمّى بالهرم الديالكتيكي المكوّن من ثلاث عناصر رئيسة، هي: التلميذ، المعلم، المعرفة. فإن الشيخ النورسي كذلك لا يخرج عن هذه الدائرة في منهجه التربوي التعليمي، مستمدًّا إيّاه من الكتاب والسنة، باسطًا بذلك منهجًا تربويًّا فريدًا متكامل الأطراف”([10]).
أولاً: اعتقدَ النورسي بأن العلوم الإسلامية، والعلوم الحديثة، كلتيهما ضرورية للمسلم المعاصر. فدعا المسلمين إلى أن يستفيدوا من العلوم الغربية، دون أن يتأثروا بآثار فلسفتها الجاحدة([11]).
ثانياً: أكّد النورسي على الأخذ بأسباب الحضارة الغربية الصناعية، والحصول على العلوم والتكنولوجيا الحديثة، وقال إن الاختراعات العلمية الحديثة إنما تؤيّد الدين الإسلامي. ولكنه لم يرد العلوم الحديثة على حساب الإسلام، فهو يقول: إن «ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو الفنون المدنية، وبامتزاجهما تتجلى الحقيقة، وبافتراقهما تتولد الحيل والشبهات في هذا، والتعصب الذميم في ذلك»([12]).
ثالثاً: وضع النورسي مقاييس في تقييم العلم: «سيتّبع المسلمون البرهان حسب تعليم القرآن، وأسمى هدف لهذا الكون هو العبودية الإنسانية أمام تجلّي الربوبية، والغاية القصوى للإنسان الوصول إلى هذه العبودية بالعلوم وبالكمالات، وإن خلق العالم يتبع قانون التكامل، والإنسان من ثمرات هذا العالم، ولذا يميل إلى إحراز التقدم والتكامل، وهذا الميل ينمو بتلاحق الأفكار، وهذا التلاحق الفكري يتوسّع بمبادىء التكامل، ومبادىء التكامل تلقي بذور علوم الكون إلى الأرض التي يربّيها الزمان، وهذه البذور تنمو في ظل تجارب تدريجية». وقال أيضاً: «أساس جميع العلوم الحقيقية هو معرفة الله». وبيّن مفهوم وحدة العلوم قائلاً: إن القرآن هو المصدر الأساسي لها، وجميع العلوم تنبثق منه، وترتكز أصلاً على أسماء الله الحسنى. وفي هذا تأثّر النورسي بنظرة الإمام الغزالي؛ لكنه طوّر هذه النظرة. وتتضح نظرته هذه في محاولته الجادة لإنشاء جامعة لتكون معملاً ومختبراً لأسلمة العلوم وتأصيلها وفق المنظور القرآني للكون والحياة والإنسان، وفي دعوته إلى فرض رقابة قرآنية أو شرعية على العلوم الوافدة من الغرب.
رابعاً: يرى ضرورة إصلاح المدارس الدينية، إذ لم تعد الطرق القديمة لعلم الكلام قادرة على إرساء أسس الإيمان في العصـر الذي عاشه؛ لأن هذه المدارس كانت قد أهملت العلوم الطبيعية. وقد اعتقد أنه ليس هناك تناقض بين العلم الكوني وبين العلم القرآني، فالحقيقة واحدة.
خامساً: دعا النورسي علماء الإسلام، وفقهائه، إلى تجنّب الخلافات الفقهية، وقال «إن معدن أعمدة الألماس وكنزها: الكتاب والسنة، وفيها ملكهما، ولا تطلب إلا منهما»([13]).
خامساً: ومما لا شك فيه، وهو الجواب الكافي والشافي لبيان اهتمام العلامة النورسي بالعلم والتعلّم، حرصه وتمسّكه ببناء مدرسة الزهراء، وهذا مما لا يخفى على كل من تابع جهوده المبذولة في هذا الصدد.
تتجلى فلسفة النورسي في تركيبة المجتمع الإسلامي، الذي يعكس القيم والمبادئ الإسلامية، ويتمحور حول التكافل والعدالة والتسامح وتقدير الآخرين.
السنن النفسية في فكر النورسي:
أولاً: أن الدنيا دار ابتلاء:
مما لا شك فيه أن الدنيا دار ابتلاء للجميع، للمؤمن والكافر على سواء: [إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا]([14]). [الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ]([15])، والإنسان بدوره – وبما فطر عليه – مهيّأ لحمل وتحمّل الابتلاء، وتبعية تلك الابتلاءات. عند النورسي يُعتبر الابتلاء جزءًا من قوانين الحياة، ويُفهم عادةً على أنه اختبار من الله يهدف إلى تطهير النفوس وتقويتها، وتحفيز الفرد على النمو الروحي والتطوّر الشخصـي. وهو يشجّع على استخدام الابتلاءات كفرص للتأمّل والتطوير الذاتي، وتعزيز الثقة بالله، والصبر والصمود في وجه التحديات.
“ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺎﺑﺘﻠﺎﺀ ﻭﺍﻟﺎﺧﺘﺒﺎﺭ ﻣﻦ ﻣﻘﺘﻀﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻜﻠﻴﻒ ﺍﻟﺈﻟﻬﻲ، ﻓﻠﻢ ﺗﻌﺪ ﺍﻟﻤﻌﺠﺰﺓ ﻣﺮﻏﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺼﺪﻳﻖ -ﺃﻱ ﺳﻮﺍﺀ ﺃﺭﺍﺩ ﺍﻟﺈﻧﺴﺎﻥ ﺃﻡ ﻟﻢ ﻳﺮﺩ -، ﻟﺄﻥ ﺳﺮ ﺍﻟﺎﻣﺘﺤﺎﻥ ﻭﺣﻜمةَ ﺍﻟﺘﻜﻠﻴﻒ ﻳﻘﺘﻀﻴﺎﻥ ﻣﻌﺎً ﻓﺘﺢ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻟﺎﺧﺘﻴﺎﺭ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﻌﻘﻞ، ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﺳﻠﺐ ﺍﻟﺈﺭﺍﺩﺓ ﻣﻨﻪ. ﻓﻠﻮ ﻇﻬﺮﺕ ﺍﻟﻤﻌﺠﺰﺓ ﻇﻬﻮﺭﺍً ﺑﺪﻳﻬﻴﺎً ﻣﻠﺰﻣﺎً ﻟﻠﻌﻘﻞ، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﺷأن ﺍﻟﺒﺪﻳﻬﻴﺎﺕ، ﻟﻤﺎ ﺑﻘﻲ ﻟﻠﻌﻘﻞ ﺛﻤﺔ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ، ﻭﻟﺼﺪّﻕ ﺃﺑﻮ ﺟﻬﻞ ﻛﻤﺎ ﺻﺪّﻕ ﺃﺑﻮ ﺑﻜﺮ ﺍﻟﺼﺪﻳﻖ -ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ-، ﻭﻟﺎﻧﺘﻔﺖ ﺍﻟﻔﺎﺋﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻜﻠﻴﻒ، ﻭﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺎﻣﺘﺤﺎﻥ، ﻭﻟﺘﺴﺎﻭﻯ ﺍﻟﻔﺤﻢ ﺍﻟﺨﺴﻴﺲ ﻣﻊ ﺍﻟﺄﻟﻤﺎﺱ”([16]). والابتلاء يتحرّك وفق سنن أخرى أودعها الله في الفطرة الإنسانية، بمعنى أن الإنسان له ميول وغرائز، وإذا ما تمّ اجتثاث هذه الميول والغرائز لما كان للابتلاء أثر يبان، لأن: الإنسان يستجيب لتلك النداءات؛ كحب الشهواب والنساء والخيول، واكتناز الفضة، والسلطة، وبهذه الأمور المفطورة يدخل الإنسان إلى عالم الابتلاء. ولو فرضنا أنك لا تحب المال، ولا تحب النساء، ولا تكترث لأي من تلك الميول والغرائز، فإنك آنذاك من ملائكة الرحمن، وغير قابل للامتحان والابتلاء! إذن، من مقتضيات الامتحان والابتلاء هو وجود هذه الميول والغرائز. والنورسي يُعتبر السنن النفسية جوانب هامة من تطور الإنسان ورقيّه الروحي، والضمان الأوحد والأمثل هو الإيمان بالله واليوم الآخر، “ﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﺣﺎﺟﺎﺕ ﺍﻟﺈﻧﺴﺎﻥ ﺗﻤﺘﺪ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻟﺎ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺄﺷﻴﺎﺀ، ﻓﺮﺃﺱُ ﻣﺎﻟﻪ ﻓﻲ ﺣُﻜﻢ ﺍﻟﻤﻌﺪﻭﻡ. ﻭﺭﻏﻢ ﺃﻧﻪ ﻣﻌﺮَّﺽ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻟﺎ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺼﺎﺋﺐ، ﻓﺎﻗﺘﺪﺍره ﻛﺬﻟﻚ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﻟﺎ ﺷﻲﺀ، ﺇﺫ ﺇﻥّ ﻣﺪﻯ ﺩﺍﺋﺮﺗَﻲ ﺭﺃﺱ ﻣﺎﻟﻪ ﻭﺍﻗﺘﺪﺍره ﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﺗﺼﻞ ﺇﻟﻴﻪ ﻳﺪه، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺩﻭﺍﺋﺮ ﺁﻣﺎﻟﻪ ﻭﺭﻏﺎﺋﺒﻪ ﻭﺁﻟﺎﻣﻪ ﻭﺑﻠﺎﻳﺎه ﻭﺍﺳﻌﺔ ﺳﻌﺔ ﻣﺪِّ ﺍﻟﺒﺼﺮ ﻭﺍﻟﺨﻴﺎﻝ”([17]).
وتشمل مفاهيم مثل:
أولاً: الاعتراف بالذات: فهو يشجّع على فهم الذات، وقدراتها، ونقاط ضعفها، والسعي لتطويرها. والنورسي يولّي أهمية كبيرة للاعتراف بالذات، كخطوة أساسية في رحلة التطوّر الروحي. وقبل هذا الاعتراف يحتاج الإنسان إلى معرفة الذات، “ﺇﺫ ﺍﻟﺈﻧﺴﺎﻥ ﻋﺪﻭ ﻟﻤﺎ ﻳﺠﻬﻞ، ﻭﻟﻤﺎ ﻳﻘﺼﺮُ ﻋﻨﻪ”([18]). فمعرفة الذات تبعد بالإنسان إلى متاهات المفاهيم والمصطلحات، فمن سنن الله – جل جلاله – معرفة الذات، وبعد ذلك نأتي إلى فهم الذات. فهو يرى أن فهم الذات، وقدراتها، ونقاط ضعفها، هو أساس للنمو الشخصـي والروحي. وبعد المعرفة والفهم يعتبر الاعتراف بالذات أساساً للتحوّل الإيجابي والتطوّر، إذ يمكّن الفرد من التعرّف على نقاط الضعف، والعمل على تحسينها، كما يعزّز الثقة بالنفس، والوعي بالمسؤولية الشخصية، “ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺈﻧﺴﺎﻥ ﺳﻠﻄﺎﻥَ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ، ﻭﺳﻴّﺪَ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ، ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻭﺍﻟﺄﺧﺮﻭﻳﺔ، ﺑﻤﺎ ﺃﻭﺩﻉ ﺍﻟﻠّﻪ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﻋﻠﻢٍ ﺑﻪ، ﻭﺍﻓﺘﻘﺎﺭ ﺇﻟﻴﻪ، ﻭﻗﻴﺎﻡ ﺑﻌﺒﺎﺩﺗﻪ”([19]).
ثانياً: التوازن النفسي: يؤمن النورسي بضـرورة تحقيق التوازن بين العقل والقلب والروح، لتحقيق السلام الداخلي. التوازن النفسـي عند النورسي يشمل تحقيق التوازن بين الجوانب المختلفة للشخصية البشرية، مثل العقل والقلب والروح. “ﺛﻢ ﺇﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺴﺎﺋﺢ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻐﻴﺐ ﻣﻦ ﻗﺮﻳﺐ، ﻭﺗﺠﻮّﻝ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻤَﻲ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻘﻠﺐ، ﺃﺧﺬ ﻳﻄﺮﻕ ﺑﺎﺏ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻨﻤﻂ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ: ﻳﺎ ﺗﺮﻯ ﻣﺎﺫﺍ ﻳﻘﻮﻝ ﻋﺎﻟَﻢ ﺍﻟﻐﻴﺐ؟”. ﺇﺫ ﻣﺎﺩﻣﻨﺎ ﻧﺮﻯ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ ﺍﻟﺠﺴﻤﺎﻧﻲ ﻫﺬﺍ، ﺃﻥَّ ﺍﻟﻤﺤﺘﺠﺐ ﻭﺭﺍﺀ ﺳﺘﺎﺭ ﺍﻟﻐﻴﺐ – ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ – ﻳﻌﺮّﻑ ﻧﻔﺴﻪ ﻟﻨﺎ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﺍﻟﻬﺎﺋﻞ ﻣﻦ ﻣﺼﻨﻮﻋﺎﺗﻪ ﺍﻟﻤﺰﻳﻨﺔ ﺍﻟﻤﺘﻘﻨﺔ، ﻭﻳﺴﻮﻗﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﻣﺤﺒﺘﻪ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻘﺪﺭ”([20]). يؤمن النورسي بأن تحقيق هذا التوازن يسهم في تحقيق السلام الداخلي والراحة النفسية. على سبيل المثال، يرى أن التوازن بين العقل والعواطف يمكن أن يحقّق الحكمة والتفكير السليم، وأن التوازن مع الروحانية يمكن أن يعزّز الروحانية والتقدم الروحي. بشكل عام، يعتبر النورسي التوازن النفسـي أساسيًا لتحقيق السعادة، والتوفيق في الحياة، “ﺛﻢ ﺇﻥ ﺭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﻟﺎ ﺗﺴﻴﺮ ﺳَﻴْﺮَ ﺍﻟﻌﻘﻞِ ﻭﺍﻟﻨﻈﺮِ ﻭﺣﺪه، ﻛﻤﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻓﻲ ﻣﺼﻨّﻔﺎﺕ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ، ﻭﻟﺎ ﺗﻨﺤﻮ ﻣَﻨْﺤﻰ ﺍﻟﻜﺸﻮﻓﺎﺕ ﻭﺍﻟﺄﺫﻭﺍﻕ ﺍﻟﻘﻠﺒﻴﺔ ﻭﺣﺪَﻫﺎ، ﻛﻤﺎ ﻫﻲ ﺣﺎﻝُ ﺍﻟﺄﻭﻟﻴﺎﺀ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺗَﻨْﻬﺞ ﻧﻬﺞَ ﺍﻟﺎﺗﺤﺎﺩ ﻭﺍﻟﺎﻣﺘﺰﺍﺝ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻘﻠﺐ، ﻭﺍﻟﺘﻌﺎﻭﻥِ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﻭﺳﺎﺋﺮِ ﺍﻟﻠﻄﺎﺋﻒ، ﻓﺘُﺤﻠِّﻖ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺄَﻭﺝ ﺍﻟﺄﻋﻠﻰ، ﻭﺗَﺒﻠُﻎ ﻣﺒﻠﻐًﺎ ﻟﺎ ﺗَﺒﻠﻐﻪ ﺧﻄﻮﺍﺕُ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻤﻌﺘﺮﺿﺔ، ﺑﻞ ﻟﺎ ﻳَﻄﻤﺢ ﺇﻟﻴﻪ ﻧﻈﺮُﻫﺎ، ﻓﺘَﻌﺮِﺽ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖَ ﺍﻟﺈﻳﻤﺎﻧﻴﺔَ ﺟَﻠِﻴَّﺔً ﺣﺘﻰ ﻟِﻌَﻴﻦِ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔِ ﺍﻟﻌﻮﺭﺍﺀ”([21]).
ثالثاً: التسامح والصفح: يشجّع على قبول الآخرين، وتقبّل الفوارق، والعفو عن الآخرين:
التسامح والصفح تعتبر قيمًا مهمة في فلسفة الحياة لدى النورسي. فهو يؤمن بضـرورة التسامح مع الآخرين، وقبول الفوارق والتنوّع البشـري. ويرى النورسي أن التسامح يعزّز السلام والتعايش الإيجابي في المجتمع، ويسهم في بناء جسور التفاهم والتعاون بين الناس. بالإضافة إلى ذلك، فهو يحثّ على الصفح عن الآخرين، والعفو عنهم، مع التركيز على البناء والتطوير بدلاً من الانتقام أو العقاب، ويعتبر الصفح وسيلة لتحقيق السلام الداخلي والتوازن النفسي.
رابعاً: العزيمة والتصميم: يدعو إلى الإصرار على تحقيق الأهداف، وتجاوز الصعوبات والعوائق: العزيمة والتصميم تعتبران جوانب أساسية في فلسفة الحياة لدى النورسي. فهو يعتقد أن العزيمة القوية والتصميم الثابت يمكن أن تساعد الفرد على تحقيق النجاح والتقدم في الحياة. ويرى النورسي أن العزيمة تعتبر وسيلة لتحقيق الأهداف والطموحات، وأن التصميم الثابت يمكن أن يساعد في تجاوز الصعاب والتحديات التي قد تعترض طريق الفرد. ومن ثم فهو يشجّع على الاستمرارية والإصرار في سعي الفرد نحو تحقيق أهدافه، والعمل بجد لتحقيقها، مع التفاؤل والثقة بأن الجهود المبذولة ستؤتي ثمارها.
خامساً: التفاؤل: يؤمن بأهمية النظر إلى الحياة بتفاؤل وثقة في رحمة الله وعدالته.
هذه بعض الجوانب التي يركّز عليها النورسي في السنن النفسية لتحقيق التطور الروحي والنمو الشخصي.
الخاتمة:
توصّل الباحث إلى أن السنن الكونية من أهم الدراسات التي غفل عنها المسلمون – مع الأسف الشديد – في العصور الأخيرة، وقد تناول هذا الموضوع نخبة من العلماء المعاصرين، جزاهم الله عنّا خير الجزاء، منهم: الدكتور عبد الكريم زيدان، والدكتور نعمان السامرائي، والدكتور علي القراداغي؛ في كتابه الأخير المعنون: (فقه الميزان). وفي هذا البحث تناولت ما تناوله وعرضه العلّامة النورسي في ثنايا رسائله، وقد خلصت إلى:
أولاً: القرآن الكريم، وهو الوحي الإلهي، تناول هذا العلم كموضوع محوري في بناء النفس الإنسانية والمجتمع والصناعة والاقتصاد.
ثانياً: أن العلامة النورسي أشار إلى هذا العلم إشارات واضحة لا تحتاج إلى تأويل.
ثالثاً: أن السنن الإلهية محكمة لأفعالنا وسلوكنا وأفكارنا وحياتنا، جملة وتفصيلاً.
رابعاً: يرى النورسي أن لهذه السنن أثرها الواضح والبيّن على جميع نواحي حياتنا.
خامساً: من السنن الاجتماعية: (الصدق، وأهمية الأسرة، والتعليم المستمر، والتكافل الاجتماعي، والاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي).
سادساً: وكذلك للنفس الإنسانية سنن متحكمة فيها، وتوجهها، وفي النتيجة إذا لم يعلم الإنسان أو تجاهل أنه في داخل الابتلاء، لما نفعه شيء من الفهم.
سابعاً: ومن السنن النفسية: الاعتراف بالذات، وفهمها، والتسامح والصفح والعفو.
ثامناً: يؤمن النورسي بأن تحقيق هذا التوازن يسهم في تحقيق السلام الداخلي والراحة النفسية.
تاسعاً: أن رصيد الفطرة هو أهم ركيزة من ركائز النفس، وتتوافق مع الشـريعة الإسلامية، وبهذا تسمو النفوس.
عاشراً: التزكية أهم عوامل السعادة والسكينة.
الحادي عشـر: وجميع هذه الأمور تمرّ داخل ممرّ ضامن، وهو التعليم والتعلّم في ظلّ معرفة الخالق.
الثاني عشـر: ومما لا شك فيه، في ظل هذه التطورات الاجتماعية والصناعية، أن هذه العلمية تحتاج إلى مؤسسات تتبنى هذا المشروع النهضوي.
الثالث عشـر: وفي غياب هذا العلم في أذهاننا وعقولنا، وقعنا في التخلف والفرقة في جميع الميادين.
الرابع عشـر: أستطيع القول إننا في ظل هذا الفهم الخاطىء ركبنا القطار متأخرين لذا لم تسعنا المقطورة الأخيرة.
الخامس عشـر: وما تركيز القرآن الكريم على كلمة (إقرأ)، وشيخنا النورسي على مدرسة (الزهراء)، إلا عنوانٌ لأهمية هذا البعد.
المصـــــــــــــــادر
- السيرة الذاتية، تأليف بديع الزمان، سعيد النورسي، دار سوزلر للنشـر، ط الأولى، إعداد وترجمة: إحسان قاسم الصالحي.
- (الإسلام في تركيا الحديثة بديع الزماني النورسي) ، شكران واحدة، ترجمة: محمد فاضل، سوزلر للنشر والتوزيع، ط الأولى، 2007.
- رجل الإيمان والتجديد في وجه العلمانية والتقليد بديع الزمان سعيد النورسي، الأستاذ الدكتور عبد الحليم عويس، شركة سوزلر للنشر/ ط الأولى، 2003م.
- (نظرة عامة عن حياة بديع الزمان سعيد النورسي)، إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر/ ط الأولى 2010.
- الإسلام على مفترق الطرق رحلة في حياة وفكر بديع الزمان سعيد النورسي، حرّره وقدّم له: الأستاذ الدكتور (إبراهيم أبو ربيع)، نقله إلى العربية: (محمد فاضل)، ط الأولى، 2005، شركة سوزلر للنشر.
- جهود سعيد النورسي في تجديد الفكر الإسلامي، بحوث الندوة العالمية الدولية المنعقدة بتاريخ 17و18 مارس 1999 في مدرج الشـريف الأدريسي – الرباط – المغرب، ط الأولى، 1426هـ – 2005 م، دار سوزلر للطباعة والنشر، إستانبول، ص 13.
- مجلة المنار، بقلم: عبد الله الطنطاوي، مجلة المنار، العدد 63، شوال 1423هـ.
- التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد، من تفسير الكتاب المجيد، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسـي (ت: ١٣٩٣هـ) الدار التونسية للنشر – تونس: ١٩٨٤ هـ.
- الاعتصام، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (ت ٧٩٠هـ)، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، دار ابن عفان، السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ – ١٩٩٢م.
- الرؤية القرانية في رسائل النور، د. رشيد أركيبي، كلية الآداب والعلوم الإسلامية الجديدة.
- التربية والتعليم عند النورسي https://hiragate.com/12312/ .
- فكرة التعليم عند النورسي ومنهجه للإصلاح.
- منهج الإصلاح والتغيير عند النورسي للأستاذ عبد الله الطنطاوي، مدير مؤسسة يمان- ورقة قدمها في مؤتمر عقد في الأردن.
[1] – الكلمات – 143
[2] – سيرة ذاتية – 570
[3] – الكلمات – 338
[4] – الكلمات – 777
[5] – الكلمات – 881
[6] – إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز – 258
[7] – الشعاعات – 365
[8] – آل عمران – 159
[9] – الأحزاب 21
[10] – التربية والتعليم عند النورسي https://hiragate.com/12312/
[11] – فكرة التعليم عند النورسي ومنهجه للإصلاح
[12] – المثنوي- ص 14.
[13] – منهج الإصلاح والتغيير عند النورسي للأستاذ عبد الله الطنطاوي، مدير مؤسسة يمان- ورقة قدمها في مؤتمر عقد في الأردن.
[14] – سورة الانسان الآية 3
[15] – سورة الملك الاية 2
[17] – الكلمات – 14
[18] – الكلمات – 52
[19] – الكلمات – 20
[20] – الشعاعات – 153
[21] – مُلحَقُ قَسْطَمُونِي – 13
مجلة الحوار ǁ العدد 190 ǀ السنة الثانية والعشرون ǀ شتاء 2024