الثورة الرابعة

د. عمار وجيه زين العابدين

منذ مدة كنت أهمّ بتسليط الضوء على هذا الموضوع الحساس والمهم، إلا أن تقلّبات الحياة السريعة لا شك تشغل البال، وتشلّ القلم.

باختصار، بعد الاحتلال قامت أربع (ثورات)، إن صحّ أن نسميها ثورات ربما مجازاً؛ الثورة الأولى: ٢٠٠٤ – ٢٠٠٥ كانت ضدّ الاحتلال بالأساس، وضدّ من سار في ركبه من الساسة العراقيين الذين استخدموا العنف ضد شعبهم، وتمّ التعبير عنها بفعاليات جماهيرية وسياسية وإعلامية ومجتمعية، وانطلقت منها أربع تظاهرات واحتجاجات:

–  الأولى: مقابل سجن أبو غريب.

–  والثانية: مقابل سجن بوكا في البصـرة، وكلتاهما تطالبان بإطلاق سراح الأبرياء، ورجال المقاومة الشرفاء.

–  والثالثة: قرب وزارة الدفاع، تطالب بوقف استهداف جمهور السنة من قبل بعض قوى الأمن.

–  والرابعة: في (اليرموك) تطالب بإنصاف جبهة التوافق العراقية وجمهورها، والحقيقة أنها لم تكن سياسية، بل ثورة حقيقية ضد التهميش والاستهداف الممنهج.

هذه الثورة؛ بكل تفاصيلها، أجهضت بحادث تفجير المرقدين في ٢٢-٢-٢٠٠٦، وتحولت إلى مجازر طائفية أودت بحياة مئات الألوف من العراقيين، وكانت هناك نيّة مبيّتة لإذابة (جبهة التوافق)، لأنها كانت الممثل القوي، ليس للسنة فحسب بل للمشـروع الوطني الرافض للتبعية.

الثورة الثانية: ٢٠١٢- ٢٠١٣، تمثّلت بالاعتصامات والاحتجاجات ضد دكتاتورية الأغلبية، التي تحمّل مسؤوليتها رئيس الوزراء المالكي، بإرخاء الحبل للقسوة المفرطة، واستهداف أهم الرموز السنية؛ الدليمي والهاشمي والعيساوي، وما يزال ألوف المعتقلين الأبرياء في السجون إلى يومنا هذا.

وهذه الثورة أجهضت باختراق المتشددين داخل مخيمات الاعتصام، لتنتهي بمطاردة المشايخ الذين طالبوا بحقوق جمهورهم المنكوب، بل إن الإعلام نجح في شيطنتهم أمام جمهورهم.

الثورة الثالثة: ٢٠٢٠- ٢٠٢٢، وهي الثورة التشـرينية التي كانت ضدّ الفساد والتبعية والتسييس الخاطئ للدين، وكانت تطالب بالعدالة الاجتماعية، وإنهاء الطبقية ومعاناة الأغلبية المنكوبة.

  وهذه أيضاً انتهت بتصفية المئات من الناشطين؛ من جهة، واختراقها بأحد التيارات السياسية؛ من جهة أخرى، إلى أن تمّ تفريغها من محتواها، كما أنها – للأسف – لم تنجح في إنتاج مشـروع وطني جديد، بل كانت ترفض وترفع (اللاءات)، دون أن يكون لشبابها فكرة واضحة عن مشروع وطني جامع.

الثورة الرابعة: ٢٠٢٣- ٢٠٢٤، وهي تختلف عن سابقاتها، فهي ليست ضدّ الحكومة، بل مدعومة – ولو بشكل محدود – منها، وموجّهة ضدّ الكيان الصهيوني؛ الذي لم يقتصـر ظلمه وتآمره على فلسطين المحتلة، بل شمل المنطقة بأسرها.

 وهذه الثورة، وإن كانت محدودة وبطيئة التقدُّم، إلا أنها واضحة الأهداف، متفاعلة ومتكاملة مع العمق الإسلامي، لذا فهي أرسخ قدماً، وأرجى ثمراً.

مما لا شك فيه أن الثورات الثلاثة السابقة قد أجهضت من قبل التفاعل السياسي المتمثّل بحالة الصـراع بين أمريكا وإيران، فكلاهما له أصابع واضحة في تفجير المرقدين، وتسليح المجاميع الخارجة عن القانون، وكلاهما له دور مهم في صناعة الدواعش والمتشددين وتدريبهم، وكلاهما لا يرغب في نجاح ثورة تشرين.

أمّا الثورة الرابعة، فتختلف.. فهي ثورة إنسان ينتصـر لقضية الإسلام الكبرى.. وحين تتقدم وتنجح سيعود خيرها على الجميع.. ومن يدري فقد لا نحتاج إلى ثورات داخلية ضدّ الأحزاب، بقدر ما نحتاج إلى ثورة إصلاح للفرد والأسرة والمجتمع والحكومة والأمة بأسرها!

مجلة الحوار ǁ العدد 190 ǀ السنة الثانية والعشرون ǀ شتاء 2024

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى