التحولات المنهجية والاستراتيجية في توجهات الحزب الشيوعي الصيني قيادة “شي جين بينغ”

محمد صادق أمين

 ظهر الرئيس الصيني (شي جين بينغ) نهاية عام 2022 مرتدياً الزي العسكري لأول مرة، خلال تفقده قيادة عمليات اللجنة العسكرية المركزية للحزب الشيوعي المشتركة، ووجّه حديثه لقيادات الجيش بالقول؛ إن على الجيش الصيني تكريس طاقته القصوى، وتعزيز إمكانياته القتالية، لتحقيق الانتصار، بما يتناسب مع تحديات العصـر الجديد بشكل فاعل.

وكالة الأنباء الصينية، المعروفة اختصاراً بـ(شينخوا)، قالت: إن (بينغ) تحدّث عن أن التغيرات العالمية تحدث بوتيرة كبيرة لم يشهد العالم مثلها منذ قرن، واعتبر أن أمن الصين يواجه المزيد من عدم الاستقرار.

اللافت أن تصـريحات (بينغ) جاءت بعد أن أصدر توجيهاً للجيش الصيني، بدراسة المبادئ التوجيهية للمؤتمر الوطني العشـرين للحزب الشيوعي، الذي عقد قبل ذلك بأسبوعين، وانتخبه فيه المؤتمر لولاية ثالثة.

(بينغ) دعا الجيش إلى نشـر المبادئ التوجيهية وتنفيذها على نحو كامل، واتخاذ إجراءات ملموسة لتحديث القوات المسلحة، مع الإشارة إلى أنه تم خلال المؤتمر – ولأول مرة – إدراج فقرة بميثاق الحزب تؤكّد على معارضة الصين لاستقلال (تايوان).

هذه الظوهر الاستثنائية، وهذه التصـريحات اللافتة، تؤشر إلى بداية عهد جديد تخرج فيه الصين من دائرة الانكفاء على الذات إلى دائرة السباق نحو ريادة العالم، وهي لم تأت فجأة بل جاءت بناءً على سياق تحوّلات آيديولوجية ومنهجية في مسيرة الحزب الشيوعي وتوجهات الصين، أحاول تتبعها في هذا المقال.

ماذا حدث في المؤتمر الـ20:

كي نفهم هذه التصـريحات، وندرك مسار التحولات التي تأخذ الصين لزعامة العالم، لا بد أن نضعها في سياقها، ولا بد أن نفهم مجريات ما حدث في المؤتمر الوطني الـ20 للحزب الشيوعي، الذي يعقد بشكل دوري كل خمس سنوات.

وقد شهد الحزب الشيوعي الصيني تحوّلات جوهرية في طريقة إدارته، واتخاذ القرار فيه، بعد وفاة الزعيم الشيوعي الملهم (ماو تسـي تونغ)، وخلَفِهِ الإصلاحي الشيوعي الكبير (دونغ شياوبنغ)، الذي أسّس لإصلاحات اقتصادية جوهرية، حوّلت الاقتصاد الصيني إلى اقتصاد سوق مختلط، الأمر الذي ساهم في تحقيق نمو كبير، نتج عنه تحسن هائل في مستوى الحياة والرفاه للشعب الصيني، حيث تم تبني أسلوب الإدارة الجماعية للحزب والدولة، بعد أن اختفت الزعامة الكاريزمية للرجلين. وبناء على ذلك، تم توزيع الأدوار بين قيادات الحزب والدولة، فيما يمكن تشبيهه بنمط خاص من الممارسة الديمقراطية داخلياً، حيث بدأت أجهزة الحزب بانتخاب قياداتها بدل التعيين، وتوّج ذلك كله بتحديد فترة الولاية للقيادة في دورتين متتاليتين فقط.

هذه التغيّرات أسّست لظهور تيار تغريبي، يقود الحزب بخطى بطيئة نحو الليبرالية الغربية، ويبتعد به رويداً رويداً عن الأصولية الشيوعية.

ولا بد أن نشير هنا إلى أن (الماركسية اللينينية) آيديولوجية رسمية معتمدة منذ عام 1949 في الصين، وما فعله الزعيم (دنغ شياو بينغ)، هو تنحية هذه العقيدة اللينينية خلال سبعينيات القرن الماضي، منحازاً إلى شكل معدّل من أشكال الرأسمالية الغربية وضروبها.

وقد لخّص الرجل هذا التوجّه في مؤتمر الحزب الذي عقد عام 1981، حين قال للحاضرين: “دعونا نتخلص من النظرية والتنظير”، في إشارة إلى النظرية الشيوعية. ثم ما لبث أن سار على دربه خليفته الرئيس الخامس للصين (جيانغ زمين)، والرئيس السادس (هو جينتاو)، اللذان وسّعا من دور السوق في الاقتصاد المحلي الصيني بشكل سريع، وتبنّيا سياسة وسّعت من مشاركة الصين في النظام الاقتصادي العالمي الذي يقوده الغرب.

(بينغ) يقلب الطاولة:

عندما وصل (شي جين بينغ) للسلطة قلَب الطاولة على تيار التحوّل الليبرالي داخل الحزب الشيوعي، وعمد إلى مهاجمة النظام العالمي الذي تقوده أمريكا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وانتقد بقوة تقديس الديمقراطية والليبرالية السياسية، موجّهاً نقده الحاد إلى كل ما يخصّ مبادئ حقوق الإنسان، التي جعلتها واشنطن معياراً لتقسيم العالم إلى أنظمة ديمقراطية وأخرى استبدادية، وطبّقت ذلك تطبيقاً انتقائياً يراعي مصالحها ومصالح الغرب الجيوسياسية.

ومن هذا المنطلق سعى (بينغ) لترسيخ الأصولية الشيوعية داخل الحزب، واتّخذ لهذه الغاية عدة خطوات، على رأسها: تعديل ميثاق الحزب الشيوعي، وتكريس دوره الشخصـي باعتباره قائداً محورياً وزعيماً ملهماً في الحزب والدولة. وفي عام 2018 ألغى البرلمان الصيني القانون الذي يقيّد ولاية الرئيس بدورتين، وفتح الباب أمام (بينغ) للبقاء في المنصب مدى الحياة.

فمهد ذلك له الطريق لولاية ثالثة أقرّها المؤتمر العشـرون، مدّتها خمس سنوات، ليصبح الحاكم الأقوى للصين، والزعيم الكارزمي الذي يأتي بعد (ماو تسـي تونغ)؛ مؤسس جمهورية الصين الشعبية، فأصبح يشغل أقوى ثلاثة مناصب في البلاد: الأمين العام للحزب الشيوعي، والقائد العام للقوات المسلحة، إلى جانب رئاسة الجمهورية الصينية الشعبية.

ولتعزيز نفوذه عمد (شي) إلى إقصاء التيار الليبرالي الذي تأسس في عهد سلفيه، وتم إبعاد أربعة أسماء تشكّل ثقلاً تنظيمياً داخل الحزب، كما أنها شغلت مناصب حساسة في الدولة، وتم إبعادهم من اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، وهم؛ (هان تشنغ)، الذي شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء، و (وانغ يانغ) رئيس المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، و(لي تشان شو) رئيس مجلس نواب الشعب، و(لي كه تشيانغ)، الذي شغل منصب رئيس الوزراء.

وأقرّ المؤتمر العشـرون، بعد انتخاب (بينغ)، تعديلات في ميثاق الحزب الشيوعي تعزّز من سلطته ومرجعيته، وأضاف نصوصاً واضحة لا لبس فيها اعتبرته زعيماً ومرجعية مطلقة للحزب، وأي أفكار تنطلق منه تعدّ مبادئ توجيهية لمستقبل الصين.

وفي ختام المؤتمر الذي عقد في العاصمة الصينية (بكين)، اتّخذ قراراً – تمّ تبنّيه بإجماع المندوبين – نصّ على أنه من واجب أعضاء الحزب الشيوعي الصيني، البالغ عددهم 97 مليوناً، أن “يدعموا الدور المحوري للرفيق (شي جين بينغ) داخل الحزب ولجنته المركزية”.

الصين الجديدة تطير بجناحين:   
وبهذه السلطة والصلاحيات المطلقة، دفع (بينغ) نحو تكريس العقيدة اللينينية في ممارسة العمل السياسي، كما دفع بالاقتصاد باتجاه اليسار الماركسـي، وعمل على تعزيز البعد القومي الصيني، وحوّل ذلك إلى منهجية في ممارسة السياسة الخارجية.

ولتفعيل هذه الدوائر، عمل على إعادة نفوذ الحزب الشيوعي وسيطرته على كل مرافق الدولة، وكل مجالات السياسات العامة، وكافة تفاصيل الحياة الخاصة، وعمل على تعزيز قوة الشـركات المملوكة للدولة، فيما وضع قيوداً على شركات القطاع الخاص، لتحلّق الصين في عهده بجناحي الشيوعية والقومية الصينية.

وفي عام 2019 أعلن الرئيس الصيني (شي بينغ) عن حملة تثقيفية داخل الحزب الشيوعي، تحت شعار (لا تنس هدف الحزب الأصلي، وأبق المهمة في ذهنك)، جاء في أدبيات هذه الحملة الرسمية أن الهدف منها: أن “يحصل أعضاء الحزب على تعليم نظري، وأن يصبغوا بصبغة الحزب الآيديولوجية والسياسية”.

وقد أعلن (بينغ) عام 2013 عن رؤيته الاستراتيجية، حين دشّن ما أسماه (الحلم الصيني)، تحت شعار(التجديد العظيم للأمة الصينية)، معتبراً أن بلاده دخلت مرحلة التأهيل للصعود لأخذ موقع الولايات المتحدة الأمريكية، التي تؤكّد الأدبيات الصينية المعاصرة على أنها في مرحلة الأفول والزوال.

وقد اتّخذت الذكرى المئوية الأولى، التي توافق عام 2049 لجمهورية الصين الشعبية، التي تأسست عام 1949 على يد الزعيم (ماو تسـي تونغ)، لإنجاز الرؤية التي ستحوّل الصين إلى القوة العظمى الأولى في عالم متعدد الأقطاب. ومن أهم المشاريع التي ستحقّق الريادة للصين: مبادرة (الحزام والطريق)، التي ستجعل من الصين قوة مؤثرة عالمياً.

وفي ذات السياق، نشـرت مؤسسة (كارنيغي للسلام الدولي)، عام 2020، تقريراً مطولاً تحدثت فيه عن أن الطموح الصيني لا يتوقف عند الريادة الاقتصادية، بل يتعداه نحو الريادة العسكرية. وأشار التقرير إلى أن (بكين) تعمل على فرض نفوذها على الممرات المائية قبالة سواحل الصين، لتحقيق تفوّق جيوسياسي في محيطها الإقليمي، وجعل ذلك مرتكزاً لها لتكون قوةً عظمى عالمياً.

ويرى مراقبون أن السياسة الصينية في الصعود التدريجي، تأتي محاكاةً لصعود الولايات المتحدة الأمريكية، التي هيمنت على محيطها الإقليمي في منطقة الكاريبي بداية القرن الثامن عشـر، ثم انطلقت بعد ذلك لتصبح القوة العالمية الأولى، لذلك تسعى (بكين) للهيمنة على بحر الصين الجنوبي، وتنطلق منه نحو الريادة العالمية.

تربّص أمريكي:

لا تقف الولايات المتحدة الأمريكية من الصعود الصيني موقف المتفرج، بل هي تراقب عن كثب وتعيد حساباتها الاستراتيجية لمواجهة الصعود الصيني، وتتربص ببكين الدوائر لمحاولة عرقلة صعودها في العالم الجديد.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية أبقت أمريكا على (روسيا) كعدو منافس وخصم متربص، إلا أن (واشنطن) أدخلت تعديلات بالوثائق التي تحدّد توجّهاتها الاستراتيجية، إذ وضعت (بكين) كعدو على ذات المستوى من عداوة (روسيا).

وقد عكس تصـريح وزير الخارجية الأسبق (مايك بومبيو)، الذي أدلى به بتاريخ  ٢٤ يوليو 2020، هذه الرؤية، في تصـريح اعتبره المراقبون حينها بمثابة إعلان الحرب الباردة ضد الصين، وتم تشبيهه بإعلان تشـرشل عن بدء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي عام 1946.

أعلن (بومبيو) عن انهيار سياسة ما أسماها بالـ(تعاون الأعمى) مع (بكين)، التي انتهجتها أمريكا على مدار نصف قرن، ودعا إلى إنشاء تحالف دولي ضدها. هذا الخطاب الرسمي الذي لا يجرؤ على التصـريح بمثله علناً إلا اليمين الجهوري المتطرف، الذي يمثّله الرئيس المنتخب (دونالد ترامب)، أعلن أن الصين تتخذ موقع الخصم الاستراتيجي الأول لأمريكا بدل الاتحاد السوفيتي السابق. ومن الصعوبة بمكان التنبؤ بنتائج هذه الحرب الباردة التي لا زالت فصولها مستعرة.

إلا أن انشغال الولايات المتحدة الأمريكية خلال العقديين الماضيين بحروب الشـرق الأوسط، استنزفها اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، فحربي غزو العراق وأفغانستان اللتان نجحتا على المستوى التكتيكي، وفشلتا على المستوى الاستراتيجي، أتاحت الفرصة أمام (بكين)، التي تنعم بالاستقرار السياسي والاقتصادي، بعيداً عن الحروب والنزعات العالمية، في تحقيق تقدم نوعي في مساقات التقدم على (واشنطن)، على مختلف الصعد، وقد أدركت دوائر صناعة القرار في أمريكا هذا الأمر، لذلك ومنذ عهد الرئيس (باراك أوباما) توجّه الخطاب نحو إنهاء تلك الحروب، وإيقاف تبعاتها، والتعهد بعدم خوض الولايات المتحدة أي حرب جديدة، وقد وجدنا أثر هذا الخطاب في الحملة الانتخابية للرئيس المنتخب (دونالد ترامب) الأخيرة.

طوفان الأقصى يغيّر المعادلات:

معركة (طوفان الأقصـى)، التي خاضتها المقاومة الفلسطينية في (غزة)، قلبت الموازين رأساً على عقب، لتجد واشنطن نفسها أمام خيارين؛ الأول التمترس وراء مصالح أمريكا الاستراتيجية، وعدم التورّط في نزاع جديد بالشـرق الأوسط، أو الانسياق وراء مصالح ما يفترض أنها دولة ثانية (حليفة)، يقودها مغامرون صهاينة، يعلون مصالحهم الذاتية فوق أي اعتبار آخر.

ولكون الرئيس المنتهية ولايته (جو بادين) صهيوني، بحسب ما ذكر  ذلك هو بنفسه صراحة، فقد غلّب الخيار الثاني على الأول، ودفع بلاده للانخراط في الصـراع ضد المقاومة، مع التركيز والعمل بكل وسيلة ممكنة على عدم توسع دائرة الحرب؛ من الحلقة الأضعف (المقاومة الفلسطينية)، إلى الحلقة الأوسع (الدائرة الإقليمية)، سواء كانت هذه الدائرة هي إيران ومحورها في المنطقة، أو أي دولة أو جماعة في الشـرق الأوسط، وخصوصاً في دول الطوق، وهذه الأخيرة في سبات عميق لا يؤمّل أن تخرج منه على المديين القريب والبعيد، لا من حيث الدول كتشكيلات رسمية، ولا من حيث الجماعات والأحزاب، التي تم احتواءها منذ عقود، لتكون خارج دائرة الفعل.

أما طهران ومحورها؛ التي أثبتت حضوراً وتأثيراً في هذا الصراع، فقد تمكنت (واشنطن) من استيعاب الضـربات التي انطلقت من هذا المحور، وتعاملت بصبر، وفسحت المجال أمام السياسة والتفاوض في لجم المحور، وعدم الدخول في حرب موسعة، حرص كلا الطرفين على عدم وقوعها، ولكل طرف حساباته.

تقدير موقف:

استثمرت الصين غرق أمريكا في وحل الشـرق الأوسط، واتخذت خطوة جريئة في محاصرة (تايوان)، بعد أن تخلّت (واشنطن) عن مصالحها في أعالي البحار لتحقيق مصالح الصهاينة. فقد أدركت القيادة الصينية أن انشغال الولايات المتحدة الأمريكية بحماية الكيان الغاصب لفلسطين، وتوفير مظلة لمغامرات (نتنياهو)، فرصة ذهبية لتحرك أكثر صرامة حول جزيرة (تايوان)؛ لذلك أطلقت مناورات واسعة غير مسبوقة، تحت اسم (السيف المشترك 2024 B)، اعتبرها المراقبون في (واشنطن) محاكاةً لغزو الجزيرة، والسيطرة عليها.

شملت المناورات القوات الجوية والبحرية وخفر السواحل، حيث طوّقت الجزيرة بقوة مشكّلة من دوريات على جاهزية عالية للقتال البحري والجوي، وأربعة أساطيل، مهمتها إجراء عمليات تفتيش بمياه تايوان الإقليمية، إلى جانب عدد من المدمرات والمقاتلات والقاذفات وطائرات حربية متنوعة.

 الأمر الأكثر إثارة في هذه المناورات؛ أن (بكين) لم تعلن موعداً لانتهائها في حينها، كما جرت العادة في مثل هذه المناورات التي تجريها الدول الكبرى، مرسلة إشارة مشوّشة للجانب الآخر، مفادها؛ أنها يمكن أن تطوّر المناورة إلى عملية سيطرة على (تايوان)، في حال اندلاع حرب واسعة في الشـرق الأوسط، وهو الأمر الذي استدعى “قلق” واشنطن، الذي عبر عنه (البنتاغون) على لسان المتحدث الرسمي (باتريك رايدر)، حيث أشار إلى أن المناورات “غير مسؤولة، وغير متناسبة، ومزعزعة للاستقرار”، موضحاً أن “بلاده تضمن الردع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وأن العالم أجمع لديه مصلحة في تحقيق السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان”.

الصين تدرك أن انشغال واشنطن فرصة ذهبية لتحقيق نقلة نوعية في الصـراع للسيادة على الجزيرة، وخلق واقع جديد لن تتمكن بعده واشنطن من إعادة عقارب الساعة للوراء.

(نتياهو) يدرك أن إدارة (بايدن) ضعيفة وغير قادرة على اتخاذ القرارات، ويخشـى الديمقراطيون من سخط اللوبي الصهيوني الداعم لـ(ترامب)، إلى درجة أن الحزب الديمقراطي سمح في مؤتمره العام بكلمة لضحايا السابع من أكتوبر الصهاينة، ورفض منح المسلمين والعرب كلمة في ذات المؤتمر، لذلك يتمادى (نتياهو) في مغامراته، غير مكترث بمصالح واشنطن في أعالي البحار؛ والتي تهدّد بقوة سيادتها العالمية في مواجهة الصين.

أخيراً،

بعد فشل الكيان الغاصب لفلسطين في تحقيق أهداف الحرب التي أعلن عنها، تدرك (واشنطن) أن استمرار الصـراع قد يجلب مفاجآت أقسـى من مفاجئة سقوط بشار الأسد في (سوريا)، وتحرّر واحدة من أهم دول الطوق من الاستعمار الداخلي، لذلك تعمل بكل ما تبقى لإدارة بايدن من وقت، وبالتنسيق مع إدارة ترامب الفائز، على إنهاء الحرب في غزة بأسرع وقت ممكن، ولو قبل تنصيب (ترامب) المرتقب، تجنّباً لأي سيناريو غير محسوب يمكن أن يقلب معادلات الشـرق الأوسط، ويشغل واشنطن بحرب طويلة، ستكون – على الأرجح – مثل حرب الاتحاد السوفيتي في (أفغانستان)، وسترسم نهاية إمبراطورية العم سام لصالح (الصين). لذلك، نشهد تسارعاً غير مسبوق للحراك الدبلوماسي الأمريكي في سبيل التوصل لاتفاق مع المقاومة قبل نهاية عام 2024.

المشكلة الأساسية أن العالم كله يدرك حتمية هذه المعادلات، وتوظف الدول المتصارعة كل مفرداتها في تحقيق مكتسبات على الأرض، ما عدا العرب والمسلمين الغائبون عن روح الصـراع، القانعون بدور المفعول به، ظناً منهم أن السلامة تكمن في الوقوف تحت الظل، والفرجة على العالم المتصارع، فيما تثبت حقائق التاريخ ووقائعه أن الجالس في الظل سيكون مستعبداً لأيّ متفوق على حلبة الصراع.

مجلة الحوار ǁ العدد 190 ǀ السنة الثانية والعشرون ǀ شتاء 2024

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى