إشكالية الزي الموحد.. القيم والدلالات
د. سعد صهيب خضر

أُثيرَ جدلٌ واسِع في الآونةِ الأخيرة بعدَ أنْ قرَّرتْ رِئاسةُ جامعةِ صلاحِ الدِّين؛ إلزامَ الطّلبةِ والطّالباتِ بارتداءِ الزِّي المُوحَّد، وقد تمخّضَ عن هذا القرارِ اختلافُ النَّاسِ إلى مُؤيِّدينَ ومُعارِضينَ؛ شأنُهم في ذلك شأنُ النَّاسِ دائِماً معَ القراراتِ الجديدة المُسْتحدَثة. ولا جَرَم أنّ هُناكَ فلسفةً عقلانيّةً من وراءِ إصدارِ مثلِ هذا القرارِ الرَّشيد، فقد ذهبَ المُناصِرُون لهذه الفِكْرة إلى أنّ “الزِّيَ المُوحَّد” يَقْضـي على آفةِ الطّبقيّةِ الّتي بدأتْ تنخرُ في كيانِ المُجتمعِ في الصَّميم، وأنّ الطّلبةَ والطّالِباتِ بدأُوا يُعانونَ حقّاً من سِمَاتِ هذه الطّبقيّة المُقِيتة الجائِرة الّتي أحدثتْ شَرْخاً واسِعاً في بِنية المُجتمعِ الكُورديِّ، وكانتْ سبباً في توسيعِ الفَجْوةِ بينَ الأثرياءِ وذوي الدَّخْلِ المحدُود. ولمُناهضةِ الطّبقيّة البَغِيضة، وإزالةِ آثارِها النّاتِئة؛ وجدُوا أنّهم في حاجةٍ مُلِحّة إلى تمريرِ قانونِ “الزِّي المُوحَّد”، الّذي يُسْهِمُ في اجتثاثِ شأفةِ الطّبقيّة المُدمِّرة في تلافيفِ وعي مُجتمعِنا الكُورديِّ المُعاصِر، أو يُقَلِّلُ مِنْ آثارِها، ويُقلِّصُ من سِمَاتِها في أحسنِ الفُرُوض. وقد أكّد المعارِضُون أنّ إقرارَ الزِّي المُوحَّد يَحُدُّ من الحُريَّةِ الشّخصيَّة، ويُقلِّل مِنَ الثِّقةِ بالنَّفْس، ويُعزِّز قَوْلَبة الأفكار، مُتناسينَ أنّ لِكُلِّ مؤسَّسةٍ مدنيَّةٍ قواعِدَ عملٍ حازِمة، تُعلِّم مُنْتَسِبيها؛ الجِديّةَ، والالتزامَ، والضّبْطَ والانْضِباط، والزِّيُ المُوحَّد يُسْهمُ – كذلك – في ترسيخِ هذه المبادئِ القيِّمة في أذهانِ الطّلبة، ويُعينُهم على الالتزامِ بالأنظمةِ والقواعِد المَرعيَّة واتِّباعِها، ويَدْعَمُ قُدْرتَهمْ على التَّأقلُمِ مع مُقْتضياتِ الحياةِ العمليَّةِ القادِمة، فَضْلاً عن نَشـْرِ قِيَمِ المُساواةِ فيما بَيْنَهم، ولا مِراءَ أنّ اختيارَ اللِّباسِ حقٌّ شخصـيٌّ مُصَان، لا يَحِقُّ لأحدٍ أنْ يعملَ على مُصادَمتِهِ أوْ مُصادرَتِهِ، إنْ لم يتجاوَزِ الأعرافَ والآدابَ العامَّة، ولكنْ عِندَما يتعلّقُ الأمرُ بالعملِ؛ فلا بُدَّ أنْ يلتزِمَ المُنْتَسِبُونَ بالقوانينِ والأعرافِ السَّائِدة في بيئاتِ عملِهم!
ومِمَّا استدلُّوا به أيضاً أنّ مكافحةَ الطّبقيّةِ، وإزالةَ الفوارِقِ الاجتماعيّة، أو التّقليلَ مِنْ سِماتِها وقسماتِها؛ ليستْ وظيفةَ الجامِعة، فالجامِعةُ لها أهدافُها وخُطَطُها واستراتيجيَّاتُها وأغراضُها، فليسَ من شأنِها البتّة أنْ تتوغّلَ عميقاً في مجالاتٍ اجتماعيّةٍ لا تمسُّها من قريبٍ أو بعيد، وهذا الاعتراضُ مُتهاوٍ ومردُودٌ في الآنِ نفسِه، فهُناكَ تأثيرٌ وتأثرٌ واضِح بينَ الجامِعة والمُجتمع، فالجامِعةُ ليستْ مجتمعاً مُغْلقاً يعيشُ أبناؤه في مناراتٍ عالية وأبراجٍ عاجِية، فالجامِعاتُ تعدُّ إحدى وسائِلِ التّنشئةِ الاجتماعيّة الّتي تُؤدِّي دَوْراً إنسانيّاً نبيلاً في توجيهِ الطّلبة، والإشرافِ على سلُوكِهم، وتعليمِهم المهاراتِ الحياتيّة اللّازِمةَ، وإكسابِهم القِيمَ والمثُلَ العُليا، وهذا الأمرُ في النّهايةِ يُفْضِـي إلى تطويرِ المُجْتمع ككُلّ. فالتّنشِئةُ الاجتماعيّةُ لها دورُها الفاعِل في تشكيلِ ذهنيةِ الأفرادِ، وإكسابِهم سلوكيّاتٍ ناجِعة ومعاييرَ ضابِطة، وقواعِدَ مُنظِّمة للعمل؛ لكَيْ يتمكّنُوا من أداءِ دورِهم المنُوطِ بهِم على الوَجْهِ الأمثل. ومَنْ عاشَ في الجامِعة كُلَّ فصُولِها، ومارسَ كُلَّ أدوارِها، ليسَ شأنُه كشأنِ مَنْ عاشَ فيها طالِباً؛ كُلُّ همِّه أنْ يتجلّى بمظهرٍ يثيرُ إعجابَ الآخرين، أو يُفجِّر حفيظتَهُم، ذَكَراً كان أو أُنثى، فالإغواءُ والإغراءُ قد يأتيانِ مِنْ ارتداءِ ما غلا ثمنُه، وارتفعَ سِعْره! فالّذي يستميتُ في الدِّفاع عنِ الزِّي المُتعدِّد المُتحرِّر؛ هو نفسُه الّذي يدعُو إلى التحرُّرِ مِنَ القِيَم والثّوابِت تحرُّراً كامِلاً، فالزِّي المُوحَّد في الجامِعة؛ هو بمثابةِ ضَرْبٍ من القِيَم الّتي تُنْشِئ الطّالِبَ على الالتزامِ الإنسانيِّ النّبيل، وتُكرِّس مُشاركتَهُ الوجدانيّة الرَّاقية مع كُلِّ الطّلبةِ الآخرين الّذينَ لا يملِكُون ما يُعِينهم على شِراءِ ما لا يكونُ مثارَ سُخريةِ الطّلبةِ، أو مَصْدرَ شَفقتِهم. وبِحُكْمِ التّجِربة الذّاتيّة المُعمَّقة في الكُليّة؛ وجدتُ أنّ إلزامَ الطّالِب بالزِّي المُوحَّد يدخُلُ في صميمِ الوظيفةِ التربويّة، فقد رأيتُ – وما زلتُ أرى – في الجامِعة أزياءَ صاخِبةٍ تشعُّ بألوانٍ صارِخةٍ تَجْعلُني أُفكِّر مليّاً: هل أنا حقَّاً في أرْوِقةِ الجامِعة أم في مِهْرَجانِ عَرْضِ الأزياءِ البَاهِرة؟! وفي كُلِّ يومٍ أراهُمْ يتجمَّعُون في النّوادِي الخاصَّةِ بِهم؛ وهُمْ بهذه الأزياءِ المُثيرة حقّاً لنفُوسِ طلبتِنا الخامِدة، المُفجِّرة لمشاعرِهم الكامِنة، وبأوضاعٍ مُخِلّة مُذِلّة، ويتحدَّثُون في كُلِّ شيء إلّا الدَّرْسَ والتَّحْصِيل! أبهذه الصُّورةِ المُزرية البائِسة المائِسة – الّتي نراها بأمِّ أعيُنِنا كُلَّ يوم -؛ نُسْهِم في تطويرِ مُجتمعِنا، ونُشارِك في نهُوضِه المنشُود؟! وإذا قُدِّم مشـرُوعٌ إنسانيٌّ نَهْضوِيِّ واعِد؛ وَجَدْنا العديدَ من الاتِّهاماتِ الجاهِزة، والشَّائعاتِ المُتهافِتة، والادِّعاءاتِ المجانيّة، في حقِّ القائِمين عليه! ألَا نرى اليومَ في جامعاتِنا العريقةِ من الطّلبةِ الأثرياءِ؛ وهُمْ يتمايلُون زَهْواً وتفاخُراً، ويتبَاهَون فَرِحينَ مُخْتالينَ بما يلبسُونه من أزياءَ، وما يحيطُ بهم من أضواء. ألَا يدعُو هذا التّظاهُر والتّفاخُر لدى بعضِ الطّلبة إلى ترسيخِ قيمِ الطّبقيّة المُتهافتة في البِنية الاجتماعيّة العميقة، وإنتاجِ نوعٍ من العصبيّة البغيضة الّتي ما أنزل الله بها من سُلطان؟ وليسَ سِرَّاً أنّ الكثيرَ مِنَ النَّاسِ قد جعلُوا مِنَ الزِّي طريقةً ناجِعةً للتَّعبيرِ عن مُسْتواهُم الاجتماعيّ، فلا يرتدُون إلَّا علاماتٍ تجاريّةً غاليةَ الثَّمَن، تُعبِّر عن انتمائِهم الطّبقيِّ لشريحةٍ اجتماعيّة أعلى من غيرِها، الأمرُ الّذي يثيرُ ضَرْباً من الكُرهِ والمَقْتِ والحِقْدِ والغَيْرة عند طّلبةِ آخرينَ ينتمُون لطبقاتٍ اجتماعيَّة أدنى، وقد رأينا بأمِّ أعيُنِنا طلبةً تعرَّضُوا إلى ضرُوبٍ من التنمُّرِ والازدراءِ والاستخفافِ من قِبَل أقرانِهم؛ بسببِ مظاهرِهم المُتواضِعة! ولِهذا؛ فإنّ إقرارَ الزِّيِّ المُوحَّد؛ يجعلُ الطّلبةَ الجامعيِّينَ يظهرُون بمظهرٍ واحِد ملؤه المُساواة، لا التّفاوت والتّمايُز، ويُنْظرَ إليهم بعينٍ واحِدة في التَّقييمِ والتَّقويمِ!
وما لفتَ انتباهي في هذه المسألةِ الرّاهِنة، وحزَّ في نفسـي كثيراً؛ هو مُشاركة إحدى الطّالِبات – في برنامج لإحدى القنواتِ الكورديّة المعرُوفة – بأسلُوبٍ تهكُّمي ازدرائيّ استهزائيّ ساخِر، وقد انتشـرتْ مشاركتُها الهازِئة – كالنّارِ في الهَشيم – في وسائِل التّواصُل الاجتماعيِّ، ولا غَرْوَ أنّها استطاعَتْ – بلَحْنِ قَوْلِها، لا بِحُنْكَتِها، وقُوّةِ مَنْطقِها – أنْ تستقطبَ ميُولَ الجمُهورِ المُشارِكِ في الجَلْسةِ الحِواريّة المفتوُحة، وتَسْتحوِذَ على مَشَاعرِهم، بما طرحَتْهُ مِنْ آراءٍ سطحيّةٍ عَرضيّة واهِية لا تكادُ تقفُ على سُوْقِها، فضلاً عن استمالةِ مُقدِّمِ البرنامجِ نفسِه إلى جانبِها. وكنتُ أقولُ في نفسـي إنّ المُناظرةَ في شأنِ هذه المسألةِ الإنسانيّة؛ تَقْتضِـي مُطارحةَ أهلِ الفِكْر والرَّأي والتَّجْرِبة والبَصِيرة، وليسَ أهلَ الهُزْءِ والازدراءِ والسُّخرية؛ لأنَّ أسلُوبَ الهُزْءِ والتهكُّمِ والتهجُّم لا يليقُ أبداً بالقَضَايا المصيريّة الخَطِرة الّتي يطرحُها ذَوُو الشّأنِ في الجامِعة، لأنَّ هذا الضّـَرْبَ مِنَ الأساليبِ السَّاخِرة؛ يُفْضـي إلى إلهاءِ المُجْتمعِ وإغوائِه وإغرائِه. وما أحرى بالقائمينَ على شؤُونِ الجامِعة أنْ يُكلِّفُوا – لخَوْضِ غِمارِ هذِه الجَلَساتِ – نُخْبةً من النّاطِقينَ المُحنَّكِينَ المُتمرِّسينَ في مُواجهةِ مَطاعنِ المُتفلسفينَ، ومُقارعةِ هفواتِ المُتشدِّقينَ، وكلُّ ذلِك بالفكرِ والعِلْم والمَنْطِق فحَسْب!
نحنُ نعلمُ جميعاً أنّ الإلزامَ بالزِّي المُوحَّد مُنْحَصِـرٌ بسَاعاتٍ مُحدَّدة – أثناءَ الدَّوامِ الرَّسميِّ فقط -، وهذا الإلزامُ؛ هُو بمثابةِ طَقْسٍ أكاديميّ، له مُستلزماتُه ومُقتضياتُه، ولن تتحقّقَ هذه المُقتضياتُ إلّا بالأخذِ بالأسبابِ اللّازمة الّتي تُعِينُ المُتعلِّمينَ على تلقِّي العِلْم بصُورةٍ مُثْلى. فالتزامُ الطّالِبِ بالزِّي المُوحَّد – طِيْلةَ بَقائِه في الكُليّة – يُشْعِره بأنَّهُ مُلْزَمٌ بعُرْفٍ جامعيّ، فلا يُفكِّر حينَها إلّا بِما جاءَ من أجلِه؛ وهو التّحصيلُ الدِّراسيّ، ولا ينظرُ إلّا إلى غايةٍ واحِدة؛ وهو التَّعليم، ويشعرُ أنّه أمامَ مسؤوليَّةٍ كبيرة، وأنّهُ يُمارِسُ عَمَلاً رَسْميّاً، يُعطيِه الطّابعَ الرَّسميَّ الّذي يُميِّزه عن غيره، أمَّا الأزياءُ الأُخرى؛ فهِيَ قد تُذكِّرُ الطّالِبَ بكُلِّ ما هُو خارجٌ عنِ الإطارِ العلميِّ – التّعليميِّ. فهذه الأزياءُ الّتي نراها كُلّ يومٍ في الجامِعاتِ لا يتزيّا بها أغلبُ النّاسِ إلَّا في الحَفَلاتِ والمُناسَباتِ والمِهْرَجانات. ومِمّا لا شَكَّ فيهِ أنّ الزِّي المُوحَّد يعينُ الطّالِبَ – بصُورةٍ أو بأُخرى – على توجيه تركيزه في الدَّرْسِ والتَّعليم، بَدَلاً مِنَ الانشغالِ بالمَظْهرِ الفَاتِن، والأناقةِ الخارجيّة الآسِرة، الأمرُ الّذي يُوفِّر عليه جُهداً ذِهنيّاً في البناءِ المعرفيِّ، وليسَ في التّزيينِ الخارجيِّ، ويُعْطيِه شعُوراً بالمسؤُوليّة، ولا شَكَّ أنّ تواضُعَ الطّالِب على اختيارِ زِيٍّ مُناسِبٍ ومقبُول – بعيداً عن الزِّي المُوحَّد – من بينِ عددٍ من الخِيَاراتِ المفتُوحَة، سيأخذُ منه وَقْتاً طويلاً، فَيتشتَّتُ ذِهْنُه، ويتلاشى تَرْكيزه، ويَنْفرِطُ فِكْره؛ نتيجةَ انهماكِه في اختيارِ الزِّي المطلُوب الّذي يُساعِده في الخرُوجِ بالمَظْهرِ المَنْشُود، والحصُولِ على حدُودِ الأناقةِ المَقْبُولة، فنحنُ جميعاً نقعُ – في كُلِّ يومٍ تقريباً – في مَأْزِقِ المُقْارَنةِ بينَ الأزياءِ الّتي يَنْبغي علينا اختيارُها. هذا إذا كُنّا مَيْسُوري الحالِ، فكيفَ يا تُرى سيكونُ حالُ مَنْ لا يَمْتلِكُ إلّا قِطْعتَيْنِ من الأرديةِ البالية؟! هذه هِيَ عِلّةُ تَوْحيدِ الزِّي عالميّاً في الكثيرِ مِنَ المُؤسَّساتِ العريقةِ، بوصفِه حلّاً عمليّاً منطقيّاً لهذا المَأْزِقِ النَّكِد، وطريقةً مُثْلى لضَبْطِ التّفاوُتِ في الأذواقِ العامَّة.
ومِمَّا لا شكَّ فيهِ أنّ لِكُلِّ فئةٍ أو طبقةٍ أو شريحةٍ اجتماعيَّة أزياءَها الخاصَّةَ بها، وكلُّ مهنةٍ تَقْتضـِي أنْ يرتديَ أصحابُها زِيَّاً مُعيَّناً يَعْكِسُ طبيعةَ عَملِهم، ولِكُلِّ زِيٍّ – إضافةً إلى ذلِك – لونُه وشَكْلُه الخاصُّ الّذي يتناسَبُ مع الوظيفةِ الّتي يُمثِّلُها. فالأطِبّاءُ، ورِجالُ الإطْفَاءِ، والقُضَاة، والضُّبّاطُ، والعسكرِيُّون، والطُّهاةُ، والمُحامُون، والمُهندِسُون، والرِّياضيُّون؛ لهم أزياؤُهم الخاصَّة الّتي تُحدِّد هُويَّتهم، ويُمْكِننا أنْ نتعرّفَ على مِهَنِهم من خِلالِ أزيائِهم، حتّى الّذين يُمارِسون (اليُوغا)؛ نراهُم يُؤدُّون طقُوسَهُم؛ وهُمْ يَتَحلَّوْنَ بأزياءَ خاصَّةٍ بِهم، ومع هذا لا نَجِدُ مثلَ هذا التّخصيصَ العُرفيَّ؛ مُثِيراً لحَفيظةِ أحدٍ واستيائِه، ومُفجِّراً لنِقْمَتِه وامْتِعاضِه؟! فلكُلِّ مناسبةٍ أزياؤُها الّتي لا يَحِيدُ النّاسُ عنها قَيْدَ شَعْرة، فإذا كانتْ للمُنَاسَباتِ والحَفَلاتِ والمِهْرَجاناتِ أزياءٌ خاصّة بها؛ فَلِمَ يَسْتَنكِفُون ويأنَفُون ويمتنِعُون إذا أُلْزِمَ الطّلبة في الجامِعاتِ بالزِّي المُوحَّد الّذي يُميزِّهم عن غيرِهم؛ تَمْييزاً حضاريّاً، وليسَ تَمْييزاً عُنْصـريّاً؟! فالزِّيُ المُوحَّدُ قد أصبحَ اليَوْمَ أداةً تعريفيّةً مُثْلى للمُوظَّفينَ في وظائِفِهم، والعاملِينَ في مُؤسَّساتِهم، ويُعَدُّ رَمْزاً من رمُوز المِهْنة الّتي يُمارِسُونها! وأداةَ تمييزٍ فارِقة بين مِهْنةٍ وأُخرى، ودليلاً على التزامِ الأشخاصِ بقواعِد العملِ وقوانينِه المَرْعيَّة، واحترامِ الأصُولِ المِهْنِيَّة. ولتَحْقيقِ هذه الأغراضِ النَّبيلة؛ وَضَعتِ الكثيرُ مِنَ المُؤسَّساتِ والمُنظَّماتِ قواعِدَ وقوانينَ خاصَّةً بها، ومِنْ هذه القواعِدِ ما يُعرَف عالَميّاً بـ”مَعاييرِ اللِّباس” (Dress Code)، حتَّى تكُونَ أجواءُ الوظيفةِ مُهيَّأةً للعَمَل، وليسَ مكاناً لعَرْضِ الأزياءِ، وتَشْتيتِ انتباهِ الآخرين. “ولا شكَّ أنَّ وجُودَ زِيٍّ مُوحَّدٍ أنيق، والتزامَ جميعِ العاملِينَ به، يُعْطِي صُورةً مُميّزة للمكانِ، صُورةً يَظْهرُ فيها الانضباطُ والالتزامُ والتَّرتِيب. وأنّ ما ترتديِه في مكانِ عملِكَ، يَعْكِسُ جانِباً مِنْ شخصيَّتِكَ، ومِهْنِيَّتِكَ، واحْتِرامِكَ لبيئةِ العَمَل”!
فالتزامُ الطّالِب بالزِّي الواحِد في الجامعةِ؛ دليلٌ واضِحٌ على احترامِه لنَفْسِه، ومِهْنتِه، وأساتذتِه، وتعبيرٌ جَلِيٌّ عن ولائِه لمؤسَّستِه الّتي يَعْملُ فيها، وتَباهِيه بها، لتقليده شرفَ ارتداءِ هذا الزِّي الّذي يُكرِّسُ تميُّزه، ويَحْفَظُ حقُوقَه، ويُبيِّنُ واجباتِه، فهو وحدهُ له الحقّ في ارتدائِه. ولكُلِّ جامعةٍ أعرافٌ وتقاليدُ يَنْبغي مُراعاتُها والالتزامُ بها، وكُلُّ طالِبٍ يَلْتزِمُ بهذه الأعرافِ، ويُراعِي هذه التَّقاليد؛ يَحْظى باحترامٍ وتقديرٍ كبيرينِ لدى الجَميع. وأنا أقترح ها هُنا: أنْ يُكلَّف الطّلبةُ والطّالِباتُ بتعليقِ شارةٍ أو بِطاقةٍ رَسميَّة؛ تتضمَّنُ معلُوماتٍ شخصيَّةً من قبيلِ: (الاسم، والعُنْوان، والكُليّة، والقِسْم) طِيلةَ بقائِهم في الكُليّة، وهذا الإجراءُ يفيدُ في تحقيقِ الهَدَفِ الأمنيِّ، فَضْلاً عن تحقيقِ التميُّز المَعْنويِّ.
وإذا أردنا أنْ نُفسـِّرَ عِلّةَ مُمَالأةِ المُعارِضينَ ومُسايرتِهم للزِّي المُتعدِّد بمنظُورٍ سوسيُولوجي؛ فإنَّنا لا نراهُم إلَّا مَحْكُومينَ بعامِل الأُلفةِ والتعوُّدِ على الشـّيء، وهذه الفرضيّةُ قد تكُونَ حاسِمةً لفَهْمِ مَوْقِفِ المُعَارِضينَ إزاء هذا القرارِ المُسْتحدَث! إذ إنَّ من سِماتِ المَحْكُومينَ بعُقْدة الأُلفةِ والعَادة؛ بقاؤُهم مُتمسِّكينَ بأفكارِهم وإنْ كانتْ خاطِئةً، ومُتشبِّثينَ بقناعاتِهم وإنْ كانتْ مُتهافِتةً، كونُهم تشبَّعُوا بها منذُ نعُومةِ أظْفارِهم، فهي مُلازِمة لَهُم، ومن الصَّعْبِ عليهم الفِكَاكُ عنها! وهُناكَ نُقْطةٌ جوهريَّة أُخرى نريدُ إلقاءَ الضّوءِ عليها هَا هُنا؛ وهِيَ أنّ تَقْييمَ الأساتذةِ الجامعيِّينَ للطّلبةِ والطّالباتِ؛ سيتركَّزُ بصُورةٍ أفضل – بعدَ تمريرِ القرارِ – على الأداءِ والقيمةِ العِلميّة المَحْضة، وليسَ على الأزياءِ والسِّمةِ الماديَّة البَحْتة!
مجلة الحوار ǁ العدد 190 ǀ السنة الثانية والعشرون ǀ شتاء 2024