-أسباب طوفان الأقصى ومبرراته -آلام الحقّ –
د. صلاح الدين بابكر

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين وإمام المجاهدين سيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًا بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِـرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)} (آل عمران).
مقدمة:
إن أرض فلسطين هي مهبط الوحي، موطن ومبعث غالبية الرسل والرسالات السماوية، لقد عاش إثنا عشـر نبياً في تلك البقعة المباركة، كما أن إمام الرسل سيدنا محمد ﷺ أُسري به إلى بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء، وكان الأقصـى قبلة المسلمين الأولى لمدة سبعة عشـر شهراً، وهو ثالث الحرمين الشـريفين، بعد الحرم المكي والمسجد النبوي، وقد استشهد نحو خمسمائة من الصحابة الكرام على أرض فلسطين إبّان تحريرها من حكم الرومان الجائر.
إن القدس والمسجد الأقصـى هما قلب فلسطين النابض، وفلسطين بدورها هي قلب الشرق الأوسط، والشـرق الأوسط يقع في قلب العالم، كما وتُشكّل فلسطين حلقة وصل بين قارات العالم الثلاث (آسيا وإفريقيا وأوروبا).
إن جذور القضية الفلسطينية، وأطماع الصهاينة في احتلال القدس والأقصـى، سلسلة تمتدُ من عمق التاريخ، وآخرُها الاحتلال البريطاني سنة (1917)، والذي دام نحو ثلاثين عاماً، وفي السنة نفسها صدر (وعد بلفور) المشؤوم؛ كأوّل خطوة اتخذتها الحكومة البريطانية آنذاك لإقامة كيان لليهود الصهاينة على أرض فلسطين، وبعد ذلك باشر الصهاينة – وبمساعدة بريطانيا، وآخرين – في احتلال قسم كبير من الأراضي الفلسطينية، وبدأوا بتشـريد سكانها الفلسطينيين، والاستحواذ على ممتلكاتهم ومنازلهم، وتوطين اليهود المهاجرين في منازل الفلسطينيين المهجَّرين، حتى انتهى الأمر بإعلان دولة الكيان الصهيوني سنة (1948).
وهنا؛ يتبیَّن بأننا أمام قضية ومعاناة عمرها أكثر من مائة عام، وليس كما يُشاع أو يُصورها البعض بأنها من نتائج عملية (طوفان الأقصى).
أسباب طوفان الأقصى، ومبرراته:
إن احتلال الكيان الصهيوني لفلسطين، يُشكل مبرّراً شرعياً وسبباً كافياً ودافعاً قوياً للفلسطينيين للانخراط في الجهاد والمقاومة لتحرير أرضهم ووطنهم، وأن لا يألوا جهداً في الوقوف بوجه المحتلين الصهاينة، وبذل الغالي والنفيس لتحقيق هذا الهدف السامي، فهو بلا شك واجب عليهم وفقاً لتعاليم الإسلام، والاستشهاد في هذا السبيل يكون من أسمى الأماني، لأن جزاءه الفردوس الأعلى، كما أَن القوانين والمواثيق الدولية تُعطي الشعوب الحق في الكفاح والمقاومة وتقديم التضحيات لتحرير أوطانهم من الاحتلال.
وعليه، فإن هذا السبب كان كافياً لحركة حماس والمقاومة الفلسطينية لمهاجمة الاحتلال الإسرائيلي في أي وقت، بهدف تحرير أرضهم ووطنهم.
وإلى جانب ذلك المبرر الشـرعي والوطني، هناك أسباب ومبررات أخرى لعملية طوفان الأقصـى، التي أطلقتها كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ضد الاحتلال الإسرائيلي، في السابع من أكتوبر من العام الماضي:
السبب الأول: حصار غزة:
إن قطاع غزة هو المنطقة الجنوبية من السهل الساحلي الفلسطيني على البحر المتوسط، وبذلك يعدُّ ذات أهميّة جيوسياسية كبرى، حیث یتجاوز تاریخ مدینة غزة ما یزید علی أربعة آلاف سنة، وتعتبر أكثر المناطق السكنية كثافة في العالم، حيث يقطنها أكثر من مليوني فلسطيني.
سحبت قوات الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة عام (2005)، وأخْلَتْ المستوطنات التي كانت فيه، ومنذ ذلك الانسحاب أعلنت إسرائيل غزة (كياناً معادياً).
تعرض قطاع غزة لحصار خانق ومستمر منذ أكثر من سبعة عشـر عاماً، ليتحوَّل إلى أكبر سجن مفتوح في العالم، كما عانى القطاع من خمسة حروب مدمّرة؛ في كلٍّ منها كانت إسرائيل هي البادئة فيها، سقط خلالها الآف الشهداء والمصابين، وتمّ تدمير المئات من الدور السكنية والمؤسسات العامة.
السبب الثاني: مواصلة اقتحام المسجد الأقصى، ومحاولات تهويده:
يقع المسجد الأقصـى شرق مدينة القدس، التي احتلتها إسرائيل في عام (1967).
إن القدس والمسجد الأقصـى هما المحور الرئيس للقضية الفلسطينية، لذلك تطمع الحركة الصهيونية – منذ نشأتها – إلى احتلالهما، بحجة وجود (هيكل سليمان) المزعوم تحت المسجد الأقصـى. وسلطة الاحتلال تقوم وباستمرار منذ أعوام بالحفر تحت أساسيات المسجد، ولكن لم تعثر على شيء يُثبت للصهاينة صحة مزاعمهم. إضافة إلى مخططات التهويد، هناك تقسيم زماني ومكاني للمسجد الأقصـى، وتصاعد وتيرة اقتحامات المستوطنين الاستفزازية لها.
السبب الثالث: أوضاع الأسرى الفلسطينيين:
منذ عام (1967) يُمارس الاحتلال الإسرائيلي سياسة الاعتقالات وزجّ آلاف الناشطين الفلسطينيين في السجون، فعلى سبيل المثال قام الاحتلال بين أعوام (1967 و2005) بإيقاف نحو ستمائة وخمسين ألف فلسطيني وزجّهم في معتقلات، من بينهم نساء وأطفال، ولا يزال الكثير منهم قابعين في سجون الاحتلال.
فالمادة الـ (111) من ما يسمّى (القانون الأساسي للكيان الصهيوني)، يسمح لقادة وجنود جيش الاحتلال باعتقال أي فلسطيني دون مسوّغ قانوني، والسجن لمدة عام، مع إمكانية تمديد الفترة لأجل غير مسمّى، فيما يعرف بالاعتقال الإداري.
يمارس الاحتلال في سجونه شتّى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بحق الفلسطينين، دون أي اعتبار لحقوق المعتقلين الذين يتعرضون لجميع أنواع الإهانات والشتائم، بعد تجريدهم من الملابس، وتعليقهم وهم معصوبو الأعيُن، وأحياناً تحصل تجاوزات خطيرة جداً، مثل: الاعتداء الجنسـي، ومن ثم تصوير المجني عليهم، كلّ هذا يحصل أمام مرأى ومسمع من القيادات السياسية والعسكرية والدينية للكيان الصهيوني، دون أن يعاقب أحد، بل على العكس فإنه يتم شكر وتكريم الجنود الفاعلين.
السبب الرابع: تطبيع العلاقات بين الدول العربية والإسلامية والاحتلال الإسرائيلي، ومحاولة تصفية القضيّة الفلسطينية:
يسعى الاحتلال الإسرائيلي منذ عام (1948)، إلى تحجيم القضية الفلسطينية تدريجياً، لِسلخها عن هويتها الإسلامية، مروراً بتحويلها إلى قضية عربية، ثمّ فلسطينيية بحتة. ويعمل الاحتلال على تحقيق هذا الهدف من خلال مخططات مدعومة من الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى.
ومنذ توقيع اتفاقية (كامب ديفيد – معاهدة السلام المصـرية الإسرائيلية) عام (1979)، تحاول إسرائيل وباستمرار تطبيع علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية؛ سرّاً وعلانية، وبالأخص مع المملكة العربية السعودية، وذلك لما تَحمِلُه من مكانة دينية وإقليمية، وجَعْلِها منطلقاً للتطبيع مع بقية الدول العربية والإسلامية، والهدف من ذلك تكريس نسيان القضية الفلسطينية وتصفيتها نهائياً.
ولهذا الغرض، عملت الإدارة السابقة للرئيس الأمريكي (دونالد ترامب)، في عام (2019)، على ترويج خطة عُرِفَت بـ(صفقة القرن) تحت عنوان السلام في الشـرق الأوسط، وإنهاء الصـراع الإسرائيلي الفلسطيني، والتي كانت في الأساس صورة من مقترح إسرائيلي مطروح منذ عام (2012).
إن الهدف الخفي لــ (صفقة القرن) هو نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، وتصفية القضية الفلسطينية نهائياً، لذلك رفضته الفصائل الفلسطينية كافة.
السبب الخامس: موقف اليمين الإسرائيلي المتطرف تجاه المصلين، خاصة النساء، في المسجد الأقصى:
يتعامل الاحتلال الإسرائيلي بكل صلف ووحشية مع المصلين في المسجد الأقصـى، خاصة النساء، بعيداً عن تعاليم جميع الأديان والأعراف الإنسانية والقوانين الدولية، إذ لا يسمح جنود الاحتلال للفلسطينيين بالوصول إلى داخل المسجد لأداء الصلاة، وإن سمحوا بذلك في بعض الأحيان يقومون بمهاجمة المصلين والاعتداء عليهم، كي لا يفكروا بالعودة إليه مجدداً.
وفي المقابل، حذَّرت حركة حماس الاحتلال مراراً وتكراراً من مغبة الاستمرار في اعتداءاته ضدّ المصلين، لكن سلطة الاحتلال ماضية في انتهاكاتها.
السبب السادس: مشروع المستوطنات الإسرائيلية:
المستوطنات الإسرائيلية، هي المجتمعات التي بنتها إسرائيل في جميع أنحاء الأراضي المحتلة، يسكنها مواطنون إسرائيليون مسلحون. وينطوي توسيع المستوطنات على مصادرة الأراضي والموارد الفلسطينية، مما يؤدي إلى تهجير المجتمعات الفلسطينية، ويُعيق بشكل خطير التنمية الاقتصادية وحرية الحركة للفلسطينيين، ويُعطل إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وغالباً ما تكون المستوطنات محمية من قبل الجيش الإسرائيلي، وقد تم بناؤها على أراضٍ احتلتها إسرائيل عسكريًا منذ حرب الأيام الستة عام (1967). ومع أن المجتمع الدولي يعدّ المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية، بموجب القانون الدولي، إلا أن إسرائيل لا تزال تعمل على توسيع وإنشاء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية وغلاف غزة.
السبب السابع: حق العودة:
العودة هي حقّ طبيعي لكلّ مواطن فلسطيني، أٌخرِج أو خَرج منذ عام (1948)، سواء كان رجلاً أم امرأة، وينطبق كذلك على ذرية أي منهم، مهما بلغ عدَدَها وأماكن تواجُدُها ومكان ولادتُها وظروفُها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار رقم (194) في عام (1948)، الذي تقرر فيه وجوب السماح بالعودة – في أقرب وقت ممكن – للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم، ووجوب دفع تعويضات عن كل فقدان أو خسارة أو ضرر للممتلكات، بحيث يعود الشيء إلى أصله. وهذه القرارات غير ملزمة كما هو معلوم.
السبب الثامن: فشل مسار التسوية السلميّة:
تعتبر (اتفاقية أوسلو)، التي تمَّ توقيعها في أيلول (1993)، أوَّل اتفاقية رسمية مباشرة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، والتي كان من المفترض أن تؤسس لإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية.
اعترض على الاتفاقية كل من حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، لأن أنظمتها الداخلية ترفض الاعتراف بحقّ إسرائيل في الوجود في فلسطين.
حركة حماس اعتبرت اتفاق أوسلوا اتفاقاً باطلاً، ووصفته بـ (المشؤوم)، كونه أعطى الاحتلال الحقّ في اغتصاب 78% من أرض فلسطين التاريخية.
وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على بدء مسار التسوية بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال، تبيَّن أن الاحتلال الإسرائيلي لم يؤمن أساساً بالتفاوض مع الفلسطينيين وإقامة دولة فلسطينية، وأن كلّ ذلك كان مناورة ومراوغة لكسب الوقت، كما نسمع ونرى اليوم هذا بوضوح.
إنَّ الأمم المتحدة ومؤسساتها أصدرت أكثر من (900) قرار، خلال خمسة وسبعين عاماً الماضية، لصالح الشعب الفلسطيني، إلا أن إسرائيل رفضت تنفيذ أي منها، وكان الفيتو الأميركي والغربي دائماً بالمرصاد ضد أي محاولة لإلزام إسرائيل بتنفيذ القرارات.
والنتيجة: أن إسرائيل اليوم ترى نفسها فوق القانون والقرارات الدولية، وتتحدى الأمم المتحدة ومؤسساتها، وتتعامل بكل غرور مع المجتمع الدولي، ولا تُفرِّق بين حركة حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية، وبين قطاع غزة والضفة الغربية.
وختاماً نقول: من أجل:
• القيام بواجب الجهاد وتحرير فلسطين وإنهاء الحصار على غزة.
• وإنقاذ القُدس، وقطع الطريق أمام محاولات هدم المسجد الأقصى.
• وتحرير آلاف الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال.
• وإفشال صفقة القرن، وإيقاف مشـروع تطبيع علاقات إسرائيل مع دول المنطقة والعالم، بهدف تصفية القضية الفلسطينية.
• وحماية المصلّين، وخاصة النسـاء، في المسجد الأقصـى، والاستجابة لـنداء (وا معتصِماه).
• ووقف مشاريع الاستيطان.
• وضمان عودة ملايين اللاجئين الفلسطينين إلى وطنهم.
• ووقف النتائج الكارثية لمسار التسوية السلمية.
ومن أجل كل ما ورد ذكره، كان ضرورياً قيام حركة حماس بعملية طوفان الأقصى.
وإنه لجهاد، نصر أو استشهاد.
* عضو المكتب السياسي للاتحاد الإسلامي الكوردستاني.
مجلة الحوار ǁ العدد 190 ǀ السنة الثانية والعشرون ǀ شتاء 2024