الشكوى إلى الله ..!

أ. د. عماد الدين خليل


يا الله … يا الله … يا الله !

أيّها القادر على كل شيء بكلمة (كن فيكون)

يا حيّ، يا قيّوم، يا من لا تأخذه سنةٌ ولا نوم

يا مالك السماوات والأرض

يا مسيّر المراكب في البحار

ومفجّر الضوء من الشمس

وباعث النور من القمر

ومفجّر الأرض اليابسة بالخضرة والجمال

يا خالق الورد والفلّ والياسمين

وملوّن الأسماك في البحار بألف لون ولون

يا مخرج الإنسان من ظلمات الأرحام

وواهب السمع والبصر والفؤاد

يا مرسي الجبال في الأرض

وباعث الحياة من قلب التربة الصمّاء

يا منزّل الأمطار

ومفجّر العيون

ومجري الأنهار

يا خالق الليل والنهار

والذكر والأنثى

ومسيّر المجرّات الكبرى في الكون

والذرّات التي لا ترى في مسالكها المخفيّة عن الأنظار

يا مداول الأيام بين الناس

وداسّ أنوف الطواغيت والأرباب في التراب

أيّها الحاكم الذي لا رادّ لكلماته

ولا حدّ لخلقه وإبداعه

ولا نهاية لتصاريفه في الكون والحياة

يا الله … يا الله … يا الله !

أيّها القادر على كل شيء بكلمة (كن فيكون)

جئتُ أشتكي إليك

يا من لا ملجأ منه إلاّ إليه

جئتُ وقد انكسر ظهري، وشاب شعري

وتآكلت صحتي وعافيتي

مما تعانيه أمّتك عبر الزمن الراهن من مصائب وهزائم وويلات

من سوء تصرّف الكثرة الساحقة من أبنائها

من ضَلال العديد من قياداتها

إنهم لم يعودوا يقرأون كتابك العظيم بعيون مفتوحة

وبصائر تعرف كيف تغوص في دلالاته ومعانيه ومقاصده

بعضهم أصيب بالإحباط، وترك العمل لدعوتك ودينك

مدفوعاً بردّ فعل خاطئ لما فعلته ما يسمّى بـ(الدولة الإسلامية)!

بعضهم الآخر تشبّث بفكرة المؤامرة في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ

وبعضهم الآخر تركها جملةً وتفصيلاً

آخرون بالردّ الخاطئ نفسه، ألغى فكرة الجهاد

وأنكر مفاهيم الدولة الإسلامية

أحدهم عكف على إنجاز دراسة للماجستير يؤكّد فيها عدم وجود شيء في شريعتنا اسمه الدولة الإسلامية!

فأين نذهب إذن بدولة الإسلام في المدينة، التي سهر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه الكرام، على تأسيسها وحمايتها؟

وأين نذهب بمحاولة الخليفة عمر بن عبد العزيز، ونور الدين محمود بن عماد الدين زنكي؟

دعاة كبار أخذوا يلقون المحاضرات لتبرير ظاهرة الجهاد الإسلامي، وحصره فقط بالدفاع عن الذات!

إنهم يريدون أن يصنعوا إسلاماً أمريكياً منزوع الأظافر، لا يعرف حتى كيف يدافع عن نفسه!

فئة ثالثة تخلّت عن دينها، وانتمت للضالين والفجّار

أشكو إليك تكالب العالم من أقصاه إلى أقصاه على أمّتنا

وتآمر قوى الاستكبار علينا، وتمزيقنا إلى طائفتين متحاربتين؛ تسعى إحداهما للانقضاض على الأخرى ومحوها!

لقد حوّلونا – كما تنبأ رسولك العظيم – إلى قصعةٍ يولم عليها المولمون، من مشارق الأرض ومغاربها!

إنهم يتهموننا بالإرهاب، الذي أخذ يطال كل من يقول: لا لتفرد الرجل الغربي بحكم العالم، واستنزاف خيراته.. وتفكيك دوله .. وسوق شعوبه كالأنعام

ويتناسون ما تفعله بورما بمسلميها.. وما تفعله الصين..

يتناسون ما فعلته أمريكا في فيتنام، وأفغانستان، والعراق، وفلسطين

وما يفعله حكامنا، الذين أصبحوا أدوات مكشوفةً بيد الخصوم، لذبح طلائع الأمة من الوريد إلى الوريد

كل من يقول لا لإسرائيل

وكل من يعترض على التطبيع مع أعداء الله والإنسان!

أشكو إليك المبضع الشرس الذي مزّق أمّتنا إلى طوائف متناحرة

يقتل بعضها بعضاً

ويفترس بعضها البعض الآخر

أمّا ما فعلوه في تغيير ثوابت عقيدتنا وشريعتنا، وتحويلها إلى خرافات وأساطير،

فإن الحديث يطول

يا الله … يا الله … يا الله …

أيّها القادر على كل شيء بكلمة (كن فيكون)

دلّنا على الطريق

أخرجنا من هذه الورطة الكبرى، التي تتخبط فيها أمّتك

كالأسماك في المستنقعات التي جفّ ماؤها

ألست أنت جلّ جلالك القائل: [… وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ…]

ألست جلّ جلالك القائل: [أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ]؟

لم نلتفت لخطابك هذا في كتابك العظيم،

فضعنا في هذا العالم

وأصبحنا كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية

بينما طريق الخلاص واضح بيّن.. ولكننا اخترنا أن نضع على أبصارنا وبصائرنا شمعاً أحمر، لكي لا تراه

إنه العودة للالتحام بالخطاب القرآني

وإدراك سنن الله – جلّ في علاه – العاملة في التاريخ

والتعامل الواعي مع مطالب اللحظة التاريخية

واستجاشة قدراتنا التي منحنا الله إياها في وتائرها العليا

العقل في أقصى حدود الاحتمال

والعمل بروح الفريق

فإن الذئاب لا تأكل من الغنم إلا الشياه القاصية

هذه المبادئ التي تخلّينا عنها..

فكان هذا الذي كان

من هذه السياط الكاوية التي تلسع ظهورنا يوماً بعد يوم، ودقيقةً بعد أخرى

من عودة زمن الرقيق الذي يتحوّل فيه المهزومون إلى قطع شطرنج يتلهى بها الأقوياء..

من إمساك اليد الغربية بنا من أعناقنا، وسوقنا إلى ما تريده هي، لا ما نريده نحن

من تسلّط الطائفية على مقدراتنا ومصائرنا

من تحوّلنا إلى قطيع من الأغنام، يسوقها الجزار إلى المذبحة!

وهذا الذي يحدث إنما يحدث بسبب مما صنعته أيدينا

ولقد نبهتنا يا ربّ السماوات والأرض إلى هذا الذي يحدث

بقولك في كتابك العظيم: [لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ …]

وقولك : {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ …}.

ووجهتنا إلى المفتاح لكي نمسك به جيداً، فبه وحده طريق الخلاص:

[… إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ …]

فما لم نقم بمداخلة جراحية كبرى لاستئصال جذور التبرير والهزيمة والهوان في أنفسنا..

ما لم نقف في مواجهة طواغيت العالم بكلمة (لا)، وبأعلى صوت

فلن يكون لنا مكان على خرائط الدنيا

ولسوف نظلّ نعاني من المذلّة والهوان العقود، وربما القرون الطوال..

متناسين ثمة شبكة من الآيات القرآنية التي تعِدُ الأمّة الإسلامية بالانتصار

وتؤكّد أن المستقبل لن يكون إلا لهذا الدين!

[كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ]

[… لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ]

[أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ]

[… وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ..]

[… وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ]!!

وها هي الخبرة التاريخية تعلّمنا، بما لا يقبل مجالاً للمماحكة والشك..

أنّه ما من دولة، أو امبراطورية، أو حضارة، أو مبدأ شمولي

قدّر له الاستمرار على مدار التاريخ

وأنّنا إذا كنّا قد وضعنا رؤوسنا تحت أقدام الآخر، بما صنعته أيدينا

فسيدور التاريخ دورته، ويضع أقدامنا على رؤوس الآخرين

وأنّ الذي يحكم العالم هو الله – جلّ في علاه –

وليس هذا الطاغوت، أو ذاك..

أبداً .. ليس هذا الطاغوت، أو ذاك!!

مجلة الحوار ǁ العدد 189 ǀ السنة الثانية والعشرون ǀ خريف 2024

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى