التناحر الداخلي وواقع العملية السياسية في الإقليم
أ. د. يحيى عمر ريشاوي

المراقب لبدايات الحملة الانتخابية والتراشقات الإعلامية بين الحزبين الحاكمين (الديمقراطي) و(الوطني) في الإقليم، يلاحظ ما يأتي:
– مازال إرث ثقافة محو الآخر، والموروث المخزي للاقتتال الداخلي، متجذراً في السايكولوجيا السياسية لديهما، والعملية الانتخابية كاشفة لهذه الثقافة، ولم يمح الزمن والتجربة السياسية والإدارة المشتركة للسلطة هذه الثقافة وهذا الموروث السياسي المعیب.
– الغريب في الأمر أن التصـريحات الصادرة ضد بعضهما البعض، لا تصدر فقط من خلال وسائلهما الإعلامية ذات الإمكانات الضخمة، ولا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، والجيش الجرّار من الإعلاميين فحسب، ولا من خلال تصـريحات القيادات الوسطية والقاعدة الحزبية، بل إن التصـريحات والكلمات السياسية المبتذلة تخرج من أفواه القادة السياسيين من الصف الأول! بلغةٍ أقلّ ما يقال عنها (مراهقة سياسية)، بمعنى الكلمة.
– السـيء في هذا وذاك، الدور المنوط بالمتحدثين الرسميين للحزبين الحاكمين؛ الذين من المفترض أن يكونوا بمستوى المسؤولية الملقاة على عاتقهم؛ من حيث الاتزان في الخطاب، والرجاحة في الحكمة والعقل، ومراعاة اختيار الكلمات والتعابير الصادرة عنهم في المؤتمرات واللقاءات الصحفية وغيرها، المتابع لجل هؤلاء – إن لم نقل كلهم – يرى العكس في كل ما ذكر.
– كل هذه الأجواء المشحونة بالتشفي والحقد والاستقطاب السياسي، تأتي في بيئة هي أصلاً هشة في المجتمع الكوردي؛ حيث الأزمات الاقتصادية، والمعضلات العالقة بين بغداد والإقليم، والهجرة المتواصلة للشباب نحو المجهول، وحيث المشاكل الاجتماعية والنفسية المتصاعدة يوماً بعد يوم، والتحديات التي تواجه الإقليم من كل حدب وصوب، والانقسام في الخطاب الموجّه إلى بغداد ودول الإقليم، وحيث … وحيث…
– الذي يُسـرّع في إشعال فتيل هذا التناحر والتنافر (السياسي – الإعلامي)، وجود هذا الفضاء الإعلامي السهل للسوشيال ميديا، ومواقع التواصل الاجتماعي، ونقل ما يحدث في الشارع السياسي إلى الفضاء الافتراضي بعدسة مكبّرة بعشـرات الدرجات، وكذلك الحرية الواسعة واللامسؤولة للناشطين الإعلاميين من الحزبين الحاكمين في هذا الفضاء الحُرّ، والأموال الضخمة المستخدمة للسبِّ والتشهير، وغيرها من الوسائل غير المشـروعة في عداء (الآخر)، وتجميل (الأنا) وتمجيدها صباح مساء، هذه البيئة الإعلامية خلقت نوعاً من النفور الاجتماعي من فضاء الإعلام، والهروب المتواصل من فضاء السياسية إلى فضاء الترفيه، والرياضة، وغيرها.
إن لم يتدارك العقلاء من كلا الحزبين هذا الخطاب الإعلامي المتدني، فإنّ الأيام القادمة، والدخول في الحملة الانتخابية؛ ستشهد حرباً إعلامية شرسة، يمكن أن تعود بنا إلى نقطة الصفر، وخطاب الاقتتال الداخلي سيء الصيت.
مجلة الحوار ǁ العدد 189 ǀ السنة الثانية والعشرون ǀ خريف 2024